الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النسيئة بمختلف صوره، سواء كان في الأثمان أم في غيرها من الأموال الربوية التي ورد بها النص، وأجمعت عليها الأمة، من ضروريات الدين، ومعروف حكم استباحة ما تحريمه معلوم من الدين بالضرورة.
ولهذا؛ فإن المانع وجد وسيظل باقيا مشكلا الاستحالة الشرعية لقبول أي محاولة لإباحة القروض البنكية بفائدة، وإذا كان لا بد لوجود أي وضع شرعي صحيح من انتفاء المانع ووجود الموجب فهل يوجد موجب لمثل المحاولات التوفيقية موضوع المناقشة؟ إن فكرة "الموجب " المستحيلة والتي سيطرت على أذهان أصحاب المحاولات التوفيقية في الماضي ينبغي بحكم الظروف المتغيرة أن تكون قد تزعزعت في الوقت الحاضر.
لماذا لا يوجد موجب لمحاولة إباحة القروض بفائدة
؟
في خلال الثلاثين سنة الماضية حدثت تطورات مهمة ملخصها فيما يلي:
أولا: لقد تغير اتجاه حل الإشكال الاقتصادي المشار إليه في مقدمة هذه الورقة إلى الاتجاه الصحيح، فبدلا من افتراض أن النظام الاقتصادي الرأسمالي بمؤسساته ووسائله ونظمه هو قدر البلاد وواقعها الذي لا سبيل إلى الإفلات من قيوده، وأنه وقد تعذر تغيير الواقع لتنسجم مع الإسلام فلا بد من تغيير الأحكام الإسلامية لتنسجم مع الواقع، بدلا من ذلك اكتشف الوعي الإسلامي (نتيجة للدراسات المتعمقة في الفقه الإسلامي، ومحاولة استفادة الحلول منه) أن تغيير الواقع غير مستحيل.
لقد وجد كم كبير ومبارك من الكتابات التي عنيت بإيضاح الوسائل الشرعية البديلة، سواء أكان ذلك في مجال الاستثمار أو التمويل، وإلى تطوير الصيغ والأدوات المصرفية وتحويرها لكي تقوم بالوظائف المطلوبة منها، وفي الوقت نفسه تكون موافقة للشريعة.
ثانيا: إن الأفكار النظرية وحدها لم تكن لتقوى على تحرير الفكر، وزعزعة التصور الذي ساد قبل ثلاثين عاما في أذهان المثقفين المسلمين عن نظام الفائدة الربوية، لو لم توجد إمكانية لوضع تلك الأفكار النظرية موضع التطبيق، ولو لم تتح فرصة اختبارها في ظروف الواقع، واجتيازها لهذا الاختبار بنجاح.
وقد أمكن في خلال السنوات الماضية وجود أكثر من خمسين مؤسسة مصرفية تستخدم الأساليب الإسلامية، وتحرر معاملاتها من الفائدة الربوية، وقد حاز بعضها نجاحا كبيرا بمختلف المعايير، صحيح أن عددا قليلا منها لم يوفق تمام التوفيق بسبب سوء الإدارة لنقص الإخلاص أو نقص الكفاءة، أو بسبب ظروف خارجية، ولكن نجاح مؤسسة من هذه المؤسسات دليل كاف على كفاءة الأساليب المالية الإسلامية التي طبقتها؛ إذ لو تخلفت كفاءتها لاستحال نجاح المؤسسة، وعلى العكس من ذلك فإن فشل بعض هذه المؤسسات لا يدل على عدم كفاءة الأساليب الإسلامية؛ لأن الفشل له أسباب كثيرة أخرى كما أشرنا.
ويجب أن نتذكر أنه في تجارب العامل مع المؤسسات المصرفية التي اعتمدت نظام الفائدة الربوي تكررت الإخفاقات، ولا حاجة للتذكير بأبرزها في المملكة العربية السعودية، وهو انهيار البنك الوطني؛ لأنه كابوس لا ينسى.
ولم يقتصر الأمر على قيام مؤسسات مصرفية تعتمد الأساليب المالية الإسلامية، بل إن أكبر دولة إسلامية بعد أندونيسيا -وهي الباكستان - أعلنت تقريرها عام 1985 تؤكد فيه: أنها حررت فروع بنوكها المحلية البالغة 7000 فرع من نظام الفائدة، وذلك باستثناء الاتفاقيات السابقة والمعاملات مع الخارج، كما انتهى الأمر بمجموعة الدول الإسلامية إلى أن تتفق على إنشاء بنك للتنمية يسعى لتحقيق أهدافه، ويؤدي أعماله، ملتزما عدم مخالفة أحكام الشريعة، ومتحررا من لعنة الربا، فقام البنك الإسلامي للتنمية ويسير في طريقه بخطى ثابتة.
ثالثا: مع أن النقد الذي يوجه من قبل علماء الاقتصاد لنظام الفائدة قديم إلا أنه في الآونة الأخيرة برز الاهتمام بهذا الموضوع على نطاق واسع، وذلك كأثر لمجموعة من التجارب، وإنجاز عديد من الدراسات والإحصاءات، وقد انقشعت الغشاوة عن عدد من علماء الاقتصاد المسلمين الذين درسوا الاقتصاد الغربي، وأدركوا نقط الضعف فيه، فلم تعد تلك الهالة المضيئة التي تحيط بنظام الفائدة مانعة لهم من وضوح الرؤية وإدراك الحقيقة، والتمييز بينها وبين الأوهام.
ونكتفي في هذا المقام بالإشارة على سبيل المثال لعمل الدكتور عمر شابرا، كبير خبراء مؤسسة النقد العربي السعودي، الذي ظهر له في لندن منذ ثلاث سنوات كتابه المعنون ب ( Towards ajast monetary system) ، ويتضمن هذا الكتاب دراسة علمية لعدد من الوسائل الاقتصادية الشرعية، وأثبتت بوضوح امتياز هذه الوسائل وكفايتها لأن يستند عليها نظام اقتصادي سليم.
ولكن هذا الأمر لا يعنينا في هذا المجال، وإنما سنهتم بنتيجة الموازنة العلمية الدقيقة، بين الوسائل الشرعية والوسائل الربوية التي تضمنها الفصل الخامس من الكتاب. فبالاستناد إلى الاكتشافات والأفكار الاقتصادية الحديثة، وبالرجوع إلى أساطين الاقتصاد الغربي المعاصرين، وإلى الإحصاءات وتقارير الخبراء ثبت عدم كفاية الوسائل الربوية (أو نظام الفائدة) كأساس يعتمد عليه في البناء الاقتصادي السليم، وذلك على النحو الذي نلخصه فيما يلي (وإن كان هذا التلخيص تلخيصا مبتسرا، قد لا يقدم الصورة بالوضوح والقوة الذي جاءت به في الكتاب).
" ما مدى كفاءة نظام الفائدة كأساس للاقتصاد؟ إنه من حيث إن المعروف أن الاقتصاد القوي السليم يجب أن يتوافر له -من ضمن ما يتوافر- شروط أربعة هي: (1) القدرة على التخصيص الأمثل للموارد.
(ب) المناخ الاستثماري الإيجابي، الذي يشجع على الادخار والتكوين الرأسمالي.
(ج) الاستقرار.
(د) قابلية النمو الاقتصادي.
فقد أوضح الكتاب أن نظام الفائدة الربوي عاجز عن توفير هذه الشروط، وذلك على النحو التالي:
1 -
فمن ناحية التخصيص الأجدى للموارد، يلاحظ أن للفائدة وظيفة رئيسية مفترضة؛ هي أنها وسيلة لتخصيص الأموال النادرة المقدمة من المدخرين إلى المستثمرين بطريقة موضوعية، على أساس القدرة على دفع الثمن، وإذا تغير الطلب على الأموال القابلة للإقراض، أو تغير عرضها تم عند معدل فائدة مختلف التوصل إلى توازن جديد.
إن هذه المقولة مبنية على افتراض أن المعدل النقدي للفائدة يعتبر أداة ناجحة لتخصيص الموارد بطريقة مثالية، ولكن هذا الافتراض غير صحيح؛ إذ يوجد في الواقع دليل مقنع على العكس، وقد تجمعت لدى انزلر وكونراد وجونسن أدلة تثبت أن رأس المال الحالي أسيء تخصيصه -ربما إلى حد خطير- بين قطاعات الاقتصاد. إن افتراض بريتو في تخصيص الموارد لا يوجد إلا في عالم الأحلام، عالم نموذج التوازن التنافسي الكامل.
إن معدل الفائدة التوازني لا يوجد إلا في الكتب المدرسية فقط، أما في الواقع فلا يوجد معدل مقاصة سوقية فعالة، بل هناك مزيج نظري من معدلات قصيرة الأجل وطويلة الأجل، مع فروق واختلافات هائلة في مستوياتها، ولا يوجد مفهوم واضح لكيفية توحيد هذه المعدلات المتعددة في معيار واحد، إن معدل الفائدة -في الحقيقة والواقع- تعبير عن المفاضلة، لا لصالح المقترض الأجدى إنتاجا، بل لصالح الأكثر غنى؛ لأن المعيار في الواقع هو الجدارة الائتمانية، فكلما كانت الجدارة الائتمانية للشخص أكبر كان معدل الفائدة الذي يدفعه أقل، والعكس بالعكس، وبذلك تحصل المنشأة الكبيرة
(بغض النظر عن مدى حاجتها للتمويل، ومدى درجتها في الجدوى الإنتاجية)، تحصل على أموال أكثر، بسعر فائدة أقل، وذلك فقط بسبب ارتفاع درجة تصنيفها الائتماني، بمعنى آخر فإن المنشأة الكبيرة التي هي أقدر على تحمل عبء الفائدة تحمل عبئا أقل، وعلى العكس فإن المنشأة المتوسطة أو الصغيرة التي قد تكون ذات إنتاجية أعظم، بمقياس المساهمة في الناتج الوطني تحصل على مبالغ أقل بكثير نسبيا، وبأسعار فائدة أعلى بكثير، وهذا يعني أن الكثير من الاستثمارات الأجدى إنتاجية بالقوة لا توجد بالفعل؛ بسبب عدم قدرتها التنافسية في الحصول على القروض التي تنساب إلى مشاريع أقل جدوى إنتاجية، ولكنها متقدمة في سلم التصنيف الائتماني.
وبهذا يتضح أن معيار الفائدة ليس معيارا موضوعيا للجدوى الإنتاجية للمنشأة، وإنما معيار متحيز من معايير التصنيف الائتماني، وهذا هو أحد الأسباب في النظام الرأسمالي للنمو السرطاني للمنشآت الكبيرة، واختناق المنشآت المتوسطة والصغيرة، ويقع هذا -بصفة خاصة- في حالة ارتفاع معدل الفائدة، إن زيادة تدفق الائتمان إلى الأغنياء في النظام الربوي صار حقيقة معترفا بها على نطاق واسع؛ يقول جالبريت على سبيل المثال:"إن المنشأة الكبيرة عندما تقترض تحظى بصفة العميل المفضل لدى المصارف وشركات التأمين "، ويقول:" إن أولئك الأقل حاجة إلى الاقتراض هم المفضلون، وأولئك الأكثر حاجة إلى الاقتراض هم الأقل حظا في نظام المنافسة السوقية ".
2 -
وبالنسبة لأثر الفائدة على الادخار والتكوين الرأسمالي، فيجب أن نلاحظ أولا: أنه لخلق مناخ استثماري إيجابي نشط لا بد من المحافظة الدائمة على العدالة والتوازن بين المدخرين والمستثمرين، ثم نشير إلى أنه بسبب المعدل الاجتماعي للتفضيل الزمني فقد يعتقد بأن للفائدة دائما دورا إيجابيا مطردا على الادخار والتكوين الرأسمالي، غير أنه بدراسة الواقع فإن الدلائل الإحصائية لا تشير إلى وجود ترابط كبير بين الفائدة والادخار في البلاد الصناعية، أما في البلدان النامية: فإن أغلب الدراسات توضح أنه:
لا تأثير لمعدل الفائدة على الادخار على الإطلاق، وحتى من الناحية النظرية: فإن عددا من الاقتصاديين يرفض افتراض بوم باورك التفضيل الزمني الإيجابي، حتى أن جراف شكك بأن له وجودا فعليا بالمرة.
على أن آراء آخرين تقول: إن التفضيل الزمني لدى المستهلك الرشيد قد يكون موجبا أو صفرا أو سالبا، وقد لاحظ ساملسون:" أن الأدلة تهدي إلى أن بعض الناس يقل ادخارهم بدل أن يزيد عند ارتفاع معدل الفائدة، وأن البعض يزيد ادخارهم في تلك الحالة، وأن الكثير لا يتأثر ميلهم للادخار في حالة الارتفاع أو الانخفاض ".
من الطبيعي أن يعاني المدخرون إذا كانت الفائدة منخفضة، وأن يعاني المستثمرون إذا كانت مرتفعة، وأن الظلم الواقع في توزيع المردود بين المدخر والمستثمر بسبب معدلات الفائدة المتغيرة أو الثابتة يؤدي إلى تشويه جهاز الثمن، وإلى سوء تخصيص الموارد، ومن ثم إلى تباطؤ التكوين الرأسمالي.
لقد كان ارتفاع معدل الفائدة مانعا كبيرا من الاستثمار في النظام الرأسمالي، ولما كانت تكاليف الفائدة تقتطع من الأرباح فقد أنتج هذا تآكل ربحية الشركات، وهو ما اعتبر في تقرير مصرف التسويات الدولية (عاملا كبير الأهمية في إضعاف الحجم الكلي للاستثمار، وقد أدت معدلات التكوين الرأسمالي المنخفضة في الولايات المتحدة إلى إيجاد دور وتسلسل؛ حيث إن هبوط الإنتاجية أدى إلى تقليل القدرة على تعويض التكلفة المرتفعة للقرض، وهذا أدى إلى هبوط في الربحية، وهبوط أكثرها في معدل التكوين الرأسمالي، فزاد اعتماد المنشآت على الديون التي إنما تحصل عليها بمعدل مرتفع للفائدة.
وبالمقابل: فإن معدلات الفائدة المنخفضة لا تقل ضررا عن المرتفعة؛ ففي حين أن المرتفعة تضر المستثمرين فإن المنخفضة تضر المدخرين، وقد شجعت معدلات الفائدة المنخفضة على الاقتراض من أجل الاستهلاك، فزادت بذلك الضغوط التضخمية، كما شجعت الاستمارات غير الإنتاجية، وزادت من حدة المضاربة في أسواق السلع والأوراق المالية.
وبالجملة: فقد أنتجت خفض المعدلات الإجمالية للادخار، وتدني نوعية الاستثمارات وأحدثت قصورا في التكوين الرأسمالي.
3 -
وبالنسبة لأثر الفائدة على الاستقرار الاقتصادي فإن المؤكد أن الفائدة من أهم العوامل المخلة بالاستقرار في الاقتصاد الرأسمالي؛ لذا لم يكن غريبا أن يجيب في عام 1982 ميلتون فردمان عن السؤال على أسباب السلوك الطائش الذي لم يسبق له مثيل في الاقتصاد الأمريكي، بأن الإجابة البديهية هي السلوك الطائش الموازي في معدلات الفائدة).
إن التقلبات الطائشة في معدل الفائدة تحدث تحولات لولبية في الموارد المالية بين المستفيدين منها. إن زيادة تقلب معدل الفائدة تحقن السوق المالي بكثير من الشكوك، وهذا من شأنه تحويل المقرضين على السواء من الأجل الطويل إلى الأجل القصير في سوق المال، واستمرار التقلب في نصيب الفائدة في مجموع عائد رأس المال المستثمر يجعل من الصعب اتخاذ قرارات استثمارية طويلة الأجل بثقة.
ومن ناحية أخرى: فإن الثابت أنه في ظل نظام تعويم المعدل في سوق قصيرة الأجل، أنه كلما ارتفع معدل الفائدة ارتفع معدل الإفلاس التجاري للمنشآت؛ وذلك بسبب الهبوط المفاجئ في نصيب المنشأة من مجموع العائد على رأس المال، لا بسبب عدم كفاءة المنشأة، ونحن نعرف أن الإفلاسات التجارية لا تقتصر فقط على الخسارة الشخصية لمالكي المنشأة، بل تستتبع الانخفاض في العمالة والناتج والاستثمار والطاقة الإنتاجية، وهي خسائر يصعب وتطول فترة تعويضها، وبديهي أن لكل هذه العوامل آثارا خطيرة على الاستقرار الاقتصادي.
لسنا في حاجة إلى إيضاح أثر تقلب معدلات الفائدة، على القلق في الأسواق المالية والسلع، " ولما كانت هذه الأسواق للاقتصاد الرأسمالي بمثابة مقياس الضغط الجوي فإن التقلبات التي تحدثها الفائدة على هذه الأسواق تعكس تأثيرا موجبا للاضطراب على الاقتصاد بجملته.
وأخيرا، فبالنسبة لتأثير الفائدة على إجراءات السياسة النقدية فإن
البنك المركزي في إمكانه إما أن يراقب معدلات الفائدة، أو يراقب رصيد النقود.
فإذا ما حاول تثبيت معدل الفائدة فقد السيطرة على عرض النقود، وإذا ما حاول تحقيق نمو معين في عرض النقود تقلبت معدلات الفائدة، وبخاصة القروض القصيرة الأجل. وقد دلت التجربة على أنه من المستحيل تنظيم كلا العنصرين بتواز يمكن معه السيطرة على التضخم دون إضرار بالاستثمار، ونستشهد بهذه العبارة المتحفظة في تقرير مصرف التسويات الدولية لعام 1982 م:" إن التقلب الشديد في معدلات الفائدة يمكن أن يسهم في التقلبات الحادة في النشاط الاقتصادي، كما قد يؤدي إلى مشكلات هيكلية، سواء في الاقتصاد أو في النظام المالي ".
4 -
بالنسبة لتأثير الفائدة على النمو الاقتصادي نشير إلى أن الفاعلية الاقتصادية تعاق كثيرا بوجود حالة الشك الذي يصعب معه التوقع للمستقبل، فلا يملك معه المستثمرون القدرة ولا الجرأة على التخطيط لاستثمارات طويلة الأجل، وأن الاعتماد في التمويل على القروض الربوية من شأنه أن يوجد مناخا للشك؛ إذ يزداد الخطر الذي يواجهه المستثمر (المنظم)؛ لأن نصب عينه دائما أن الفائدة الربوية لا بد من دفعها، بصرف النظر عن ربحية المشروع.
وتزيد حدة الشك إذا تقلبت معدلات الفائدة تقلبا طائشا، ولا سيما إذا تضمن عقد التمويل معدلا عائما للفائدة، كما هو المتبع بصفة عامة في الوقت الحاضر. وبصعوبة القيام باستثمارات طويلة الأجل، فإن الاستثمار في النهاية يعاني من هبوط الإنتاجية، وانخفاض معدل النمو. ومن المعروف أنه عندما ارتفعت معدلات الفائدة في السبعينات هبطت نسبة إجمالي الاستثمار الثابت المحلي إلى إجمالي الناتج الوطني في البلدان الغربية، كما انخفض النمو الدولي انخفاضا كبيرا في كل مكان عما كان عليه في العقود التي أعقبت الحرب العالمية مباشرة.
ومن المعترف به أن الأداء الاستثماري الأفضل هو مفتاح النمو الأسرع، ومع الأسف فإن خفض معدل الفائدة ليس علاجا ناجحا لهذه الحالة؛ لأن ذلك لا يزيل حالة الشك في
المستقبل، لا سيما إذا أخذ في الاعتبار العجز المرتفع المتكرر في موازنات بعض الدول الصناعية الرئيسية.
إن ما تقدم يمثل اختصارا مخلا لما ورد في الكتاب، ولكن لعله يكون كافيا لإقناع القارئ بهذه الفرضية: أننا ننساق مع الوهم -إلى حد كبير- حينما نظن أن تبني الاقتصاد الرأسمالي نظام (الفائدة الربوية) هو سبب ازدهار هذا الاقتصاد وقوته، بل الصحيح القول: إن لازدهار الاقتصاد الرأسمالي أسبابا متعددة سادت، وهذا الازدهار بالرغم من (نظام الفائدة الربوية).
إن الأستاذ موريس ليه لا يعتبر من كبار الخبراء الاقتصاديين الفرنسيين فحسب، بل من كبار الخبراء الاقتصاديين العالميين، وقد حصل على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1988، ونشرت له صحيفة لوموند الفرنسية مقالا في عددين منها؛ الأول بتاريخ 27 - 6 - 1989 بعنوان مصيبة الائتمان، والثاني بتاريخ 29 - 6 - 1989 بعنوان اضطراب الفكر الاقتصادي.
وبعد الإشارة إلى حادثة الاثنين الأسود، في عام 1987 م؛ حيث انهارت الأسواق المالية، يشير المقال إلى قلق الكاتب من المشاكل التي تواجه الاقتصاد العالمي، التي تنذر بانهياره، إن لم يمكن معالجتها، ويرجع المسئولية في هذا الوضع إلى النظام البنكي الغربي، وينادي بإصلاح هذا النظام كشرط لمواجهة المشكلات؛ يقول الأستاذ موريس:: " إن أهم ما استنتجته هو أن الاقتصاد العالمي في الوقت الحاضر كما كان في عام 1987 يكمن فيه عدم الاستقرار، وأن تطوره في المدى القصير وإلى حد كبير لا يمكن التنبؤ به، وأنه، لأجل القضاء على هذا الخلل الكامن من المناسب إدخال إصلاحات جوهرية على المؤسسات النقدية والمالية "، ويقول: " الاقتصاد العالمي كله يعتمد اليوم على أهرامات هائلة من الديون، كل هرم منها يرتكز على الآخر في توازن هش، فلم يلاحظ في
الماضي أبدا، مثل هذا التراكم من وعود الدفع، ولم يكن هناك ما هو أصعب من معالجته؛ إن المشكلة الكبرى لاقتصاديات السوق الغربية -وهي في الواقع مشكلة لم تحل أبدا- هي: التقلبات الاقتصادية، وتغيرات القيمة الحقيقية للنقد، التي تعوق في الوقت نفسه فاعلية الاقتصاد، وعدالة توزيع الدخول، وضمان العمل والموارد، وأخيرا السلام الاجتماعي. إن عدم الاستقرار الاقتصادي، ونقص الإنتاج والظلم، ونقص التشغيل، والضنك والبؤس، وهي المصائب الكبرى لاقتصاديات السوق، وكل هذا مرتبط ارتباطا وثيقا بالمؤسسات النقدية والمالية للاقتصاديات الغربية "، " النشاط الاقتصادي غايته الأساسية إشباع حاجات الناس غير المحدودة، عمليا بموارد محدودة، تقع تحت تصرف هؤلاء الناس، ولكن من أجل بلوغ هذا الهدف، من الضروري أن يجري النشاط الاقتصادي في نطاق مؤسسي ملائم. للأسف! فإن التجربة تدل حتى الآن على الصعيد النقدي والمالي بشكل خاص أن هذه الوظيفة -إيجاد النطاق المؤسسي الملائم- لم يتم إنجازها بعد ".
يقول: " حتى الآن أمكن اجتناب الانهيار، ولكن صار من الصعب أكثر فأكثر مواجهة الاختلالات التوازنية التي لا يقدر أحد في الحقيقة على ضبطها والسيطرة عليها "، "كما في جميع الأزمان السابقة إننا نشهد في كل مكان لآلية الائتمان أثرها المولد لعدم الاستقرار، ولكن هذا الأثر أخذ اليوم في الازدياد على الصعيدين الوطني والدولي "، " إن آلية الائتمان كما تعمل اليوم تعتمد على الغطاء الجزئي للودائع، وعلى خلق النقود من لا شيء، وعلى الإقراض لأجل طويل أموال مقترضة لأجل قصير، كل هذا من شأنه إحداث زيادة جسيمة في أوجه الخلل الملاحظة؛ فالواقع أن جميع الأزمات الكبرى في القرنين التاسع عشر والعشرين قد نشأت من فرط تزايد الائتمان، ووعود الدفع وتحويلها إلى نقود، كما نشأت من المضاربة التي أثارها هذا التزايد، وجعلها ممكنة ".
ويقول: " قدمت تحليلات متعددة خلال هذه السنوات الأخيرة. وأعجب ما في الأمر هو غياب أي تشخيص يحظى باتفاق عام. وثمة ما هو أكبر مغزى من ذلك، وهو أن أحدا لا يوجه الاتهام لأساس نظام
الائتمان، كما يعمل حاليا؛ أي خلق نقود من لا شيء، عن طريق النظام المصرفي والسياسة، التي صارت عامة في تمويل القروض لآجال طويلة بأموال مقترضة لآجال قصيرة "، " الواقع أنه يجب على الصعيد الوطني، كما على الصعيد الدولي، أن يعاد النظر كليا في المبادئ الرئيسة التي يعتمد عليها النظام النقدي والمالي، وكما بينت سابقا فإن بنية مؤسسية ملائمة ستكون سهلة التحديد نسبيا، إذا ما استخلصت المبادئ الواجب مراعاتها انطلاقا من ملاحظة الوقائع، لا من المفاهيم المسبقة، مثل هذه البنية تتطلب في الوقت نفسه إصلاح آلية الائتمان، كما تعمل اليوم ".
ثم يقول: " من المؤكد أن المصالح القوية، لمجموعات الضغط النقدية والمالية والمذاهب المهيمنة، لن تؤيد هذه الإصلاحات، إن كل الوسائل المطبقة، وكل التدابير المتخذة، قد اجتمعت على موضوع واحد: تأجيل الإصلاحات الضرورية بفضل منح قروض جديدة، وإصدار وسائل دفع جديدة من لا شيء، وهذه في الواقع ليست سوى مسكنات، بدلا من تقرير اللجوء لمواجهة (مصالح) مجموعات الضغط، ما انفكوا يلجأون إلى سياسات سهلة ومسكنات وأوهام ".
" إنه لا يمكن، بدون خطورة، التقليل اليوم من اعتبار عدم الاستقرار الثاوي بعمق في أحشاء الاقتصاد العالمي، إن توازن الحاضر توازن قلق جدا وغير مستقر "، " الواقع أن معظم الصعوبات الحالية إنما تنشأ من جهة، عن عدم المعرفة الكلية بالشروط المالية والنقدية، لتشغيل كفؤ وعادل لاقتصاد السوق، ومن جهة أخرى من بنية غير ملائمة للمؤسسات المصرفية والأسواق المالية "، " لتذليل هذه الصعوبات، ولتأمين استقرار الاقتصاد وكفاءته - لا بد من إصلاح جذري للمؤسسات النقدية والمالية، وللأسف لا أحد يتكلم عنها! ".
لعله الآن قد اتضحت للقارئ هذه الحقيقة: إن اتهام نظام الفائدة البنكية والمؤسسة البنكية الغربية، بالمسئولية عن عدم الاستقرار الاقتصادي - ليست اتهاما بدون دليل.
والحقيقة الواضحة أنه إذا كان لنظام الفائدة، في كثير من الأحوال، تأثير سلبي على الاقتصاد، كما شرح، وذلك في البلدان التي تتقبل اتجاهاتها الأخلاقية هذا النظام، فما ظنك بأثر هذا النظام على الاقتصاد، في بلاد استقر ضمائرها واتجاهها الخلقي كراهيته، إلى درجة أن تعتقد أنها بقبوله تأذن بالحرب على الله، وتعتقد أن نتيجته على سلوكها الاقتصادي المحق والدمار.
وهذه الحقيقة توجب الإشارة إلى حقيقة أخرى هي:
أنه لا بد لنجاح نظام اقتصادي، في بلد ما، أن يتناسق ويتناغم مع النظام الخلقي والقيم الثقافية التي تسود في ذلك البلد. ومن المستحيل أن يزدهر نظام اقتصادي أو أساليب اقتصادية في بلد، مع معارضة ذلك النظام أو تلك الأساليب للقيم الخلقية والمعتقدات السائدة، إن الشرط الأساسي لازدهار الاقتصاد، في بلد ما، أن يحوز لينسجم مع نظام البلد الأخلاقي، أو أن يحوز النظام الأخلاقي لينسجم مع الاقتصاد، وبدون ذلك يكون الاقتصاد كشجرة مغروسة في تربة ومناخ غير ملائم لها.
يمكن تلخيص ما سبق فيما يأتي:
ا - أن الربا ليس مفهوما غامضا، وإنما هو معاملة معروفة استقر، في الضمير الخلقي للإنسان منذ أقدم العصور، كراهيته واعتباره عملا غير أخلاقي.
2 -
أن هذا المفهوم ليس شيئا غير ربا النسيئة، حيث يدفع الممول المال لطالب التمويل لأجل، بشرط أن يرده بزيادة في مقابل الأجل.
3 -
الربا، بهذا المفهوم، كانت تمارسه جاهلية العرب، كما كانت تمارسه جاهلية اليهود عند نزول القرآن.
4 -
الربا بهذا المفهوم حرمته الشرائع السماوية؛ الموسوية، المسيحية، والإسلام، وذلك بمختلف صوره، ومهما كان حجمه.
5 -
في الماضي، وبسبب ضغوط الواقع، اتجه عدد من المفكرين المسلمين إلى محاولات للتوفيق بين واقع النظام المبني على نظام الفائدة والأحكام