المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌حكم الطعن في القراءات - مجلة البحوث الإسلامية - جـ ٣٥

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌المحتويات

- ‌المؤمنون يرون ربهم يوم القيامة رؤية حقيقية

- ‌من حق الله عليك أن تؤدي الزكاة

- ‌الخلاصة:

- ‌أولا: التمهيد:

- ‌ معنى الاستحالة لغة:

- ‌ استحالة النجس إلى حقيقة أخرى بالإحراق أو غيره هل تكسبه الطهارة:

- ‌ هل تطهر الخمر بالاستحالة:

- ‌ثانيا: استحالة المياه المتنجسة بسبب اختلاف أسبابها:

- ‌ استحالة المياه المتنجسة بصب ماء طهور عليها، أو نزح بعضه، أو زوال التغير بنفسه

- ‌ طريقة الحنفية:

- ‌ طريقة المالكية:

- ‌ طريقة الشافعية:

- ‌ طريقة الحنابلة:

- ‌ الاستحالة برمي تراب ونحوه فيها:

- ‌ الاستحالة بسقي النباتات بها، وشرب الحيوانات إياها:

- ‌ حكم استعمال مياه المجاري بعد استحالتها وزوال أعراض النجاسة منها:

- ‌ أوراد الطريقة البرهامية

- ‌ جماعة القاديانية، ونبيهم المزعوم غلام أحمد القادياني

- ‌ الفرق بين المسلمين والأحمديين

- ‌ الورد الذي يقوم به التيجانيون

- ‌ الفرقة التيجانية

- ‌ الصلاة، خلف الأئمة المبتدعين وأصحاب الطرق

- ‌ أوراد التيجانية والقادرية

- ‌ أوراد المتصوفة

- ‌ قصيدة تتضمن دعاوى ومآثر لشيخ الطريقة القادرية

- ‌ اتخاذ قراءة مناقب الشيخ عبد القادر أو نحوه وسيلة لمحبة الأولياء، واتخاذ مد السماط عادة عند ذلك

- ‌من فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز

- ‌أدوية تحتوي على مواد مخدرة وأخرى كحولية

- ‌ طريقة التيمم الصحيحة

- ‌ صفة الحجاب الشرعي

- ‌ التداوي قبل وقوع الداء كالتطعيم

- ‌ مصافحة النساء

- ‌ تقام في المستشفى عدة جماعات للصلاة، والمساجد قريبة، فهل يلزم من بقربها الذهاب للمسجد

- ‌ ادخر المسلم مبلغا من المال، فكيف يكون حساب زكاته في نهاية العام

- ‌ وجهة من يقول: إن الدخان محرم في شرع الله تعالى

- ‌المحاولات التوفيقيةلتأنيس الفائدة في المجتمع الإسلامي

- ‌مقدمة

- ‌لماذا فشلت المحاولات التوفيقية

- ‌المحاولات التوفيقية:

- ‌استعراض المحاولات التوفيقية:

- ‌أولا: محاولة الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله

- ‌ثانيا: محاولة الدكتور معروف الدواليبي:

- ‌ثالثا: وجدت محاولة ثالثة لعدد من الكتاب ملخصها:

- ‌رابعا: محاولة السنهوري:

- ‌المناقشة:

- ‌مستقبل المحاولات التوفيقية:

- ‌لماذا لا يوجد موجب لمحاولة إباحة القروض بفائدة

- ‌خاتمة:

- ‌من أصول أهل السنة والجماعة

- ‌المراد بالفرقة الناجية أهل السنة والجماعة

- ‌أسماء الفرقة الناجية ومعناها

- ‌أصول أهل السنة والجماعة

- ‌الخاتمة

- ‌مولده ونشأته:

- ‌وفاته:

- ‌مكانته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم:

- ‌مواقفه الحربية:

- ‌الفصل الأولالقراءات القرآنية

- ‌المبحث الأولتعريف القراءات

- ‌ صحة السند:

- ‌ موافقة القراءة للرسم العثماني:

- ‌ موافقة القراءة للغة:

- ‌نظرة في الأركان:

- ‌ الإمام ابن جرير الطبري

- ‌تقييم لموقف ابن جرير

- ‌موقف الزمخشري من القراءات:

- ‌حكم الطعن في القراءات

- ‌الخاتمة وأهم النتائج

- ‌المصادر والمراجع:

- ‌المبحث الثانيفي ذكر مولده ونشأته ورحلته

- ‌المبحث الثالثفي ذكر أسماء شيوخه:

- ‌المبحث الرابعفي ذكر ثناء الأئمة عليهبالأوصاف الكريمة وسعةحفظه وكثرة علومه الجسيمة

- ‌المبحث الخامسفي حسن سيرتهوزهده وعبادته وبعض كراماته

- ‌المبحث السادسذكر مصنفاته البديعةوذكر شيء من شعره

- ‌المبحث السابع:ما زاده الشاطبي في كتابهحرز الأماني على تيسيرأبي عمرو الداني

- ‌القسم الثالثزيادة بعض الراوياتفي الفرش

- ‌المبحث الثامنالشروح المصنفةعلى حرز الأماني ووجه التهاني

- ‌المبحث التاسعتلاميذه

- ‌المبحث العاشرفي ذكر وفاته

- ‌الطريق الوسطفي بيان عدد يوم الجمعة المشترط

- ‌مدخل

- ‌موضوع الرسالة:

- ‌أهمية الرسالة:

- ‌المؤلف:

- ‌وصف النسخ:

- ‌منهج التحقيق:

- ‌النص المحقق

- ‌نصيحة عامة حول بعض كبائر الذنوب

- ‌حديث شريف

الفصل: ‌حكم الطعن في القراءات

حين ذكر قراءة في فاتحة الكتاب، والتي بدأها بداية غريبة، حين جعلها أول القرآن نزولا، وحكم بنزولها قبل سورة اقرأ وسورة المدثر، ونسب هذا القول لجمهور المفسرين، كما أنهى السورة بقول أشد غرابة، حين ختمها بقراءة لخاتمة كلماتها الضالين، يقول:" ولا الضألين ". بالهمز، كما قرأ عمرو بن عبيد " ولا جأن "(1)، ثم قال:" وهذه لغة من جد في الهرب من التقاء الساكنين ".

وبهذا ننهي حديثنا عن الزمخشري دون تعليق عليه، تاركين الحديث عنه للمدافعين عن القراءات، الرادين لسهام الطاعنين، فحديثهم عن ذلك فيه الكفاية والنهاية.

(1) المرجع السابق.

ص: 222

‌حكم الطعن في القراءات

لا يفوتنا ونحن ننهي الحديث عن الطاعنين أن نذكر حكم الطعن في القراءات القرآنية المتواترة فنقول: إن من العلماء من يهون أمر الطعن في القراءات، ظنا منه أن الخلاف في القراءات لا يعدو أن يكون لونا من ألوان الاختلاف في الاجتهادات الفقهية، وهذا وهم باطل؛ ذلك أن مصدر الاختلاف بين القراءات هو الوحي، بينما منشأ الاختلاف في الفقه هو الاجتهاد المبني على النظر الذي قد يصيب وقد يخطئ.

قال أبو جعفر النحاس: " السلامة عند أهل الدين إذا صحت القراءات ألا يقال: أحدهما أجود؛ لأنهما جميعا عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيأثم من قال بذلك، ذلك لأن اختلاف القراء عند المسلمين صواب بإطلاق، وليس كاختلاف الفقهاء صوابا يحتمل الخطأ، ولا نعلم أحدا من الصحابة من كان يفضل قراءة على قراءة، بل ينكرون تفضيل قراءة على قراءة من أي وجه، كما قال السيوطي "(1)، فلئن كان المرجح لقراءة على قراءة آثما، فما بالك بالذي يطعن ويرد قراءة متواترة.

(1) انظر ذلك في الإتقان

ص: 222

قال الألوسي، في شأن من يطعن في القراءة، وذلك في صدد رده على الزمخشري في تشنيعه لقراءة ابن عامر: إنه تخيل أن القراء أئمة الوجوه السبعة اختار كل منهم حرفا قرأ به اجتهادا، لا نقلا وسماعا، كما ذهب إليه بعض الجهلة، فلذلك غلط ابن عامر في قراءته هذه، وأخذ يبين منشأ غلطه، وهذا غلط صريح يخشى منه الكفر، والعياذ بالله تعالى (1).

(1) روح المعاني 8/ 23

ص: 223

المرجحون بين القراءات

كثيرون هم الذين سلكوا هذا المسلك، ولا يعني ترجيحهم عدم الدفاع عن القراءات، بل قد يدافعون أحيانا، ولكنهم لا يطعنون بالقراءات بحال من الأحوال، وأهم المفسرين الذين سنكتفي بذكره هو الإمام القرطبي.

موقفه من القراءات المتواترة:

الإمام القرطبي من المفسرين الذين رجحوا القراءات المتواترة، بعضها على بعض، ويظهر ذلك في بعض الأمثلة والشواهد من تفسيره للآيات، وتعرضه للقراءات فيها؛ ففي قوله تعالى:{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} (1) في هذه الآية استعرض الإمام القرطبي أقوال العلماء في القراءات، وذكر آراءهم، وترجيح كل فريق لما ذهب إليه؛ استنادا إلى ما تحمله من معان عظيمة، تتفق وصفات الله تعالى.

يقول في ذلك: اختلف العلماء؛ أيهما أبلغ (ملك) أو (مالك)، القراءتان مرويتان عن النبي صلى الله عليه وسلم، رواهما أبو بكر وعمر، وذكرهما الترمذي؛ قال أبو عبيد والمبرد (ملك) أعم وأبلغ من (مالك)؛ إذ كل ملك مالك، وليس كل مالك ملكا، ولأن أمر الملك نافذ على المالك في ملكه، حتى لا يتصرف إلا عن تدبير الملك، وقيل (مالك) أبلغ؛ لأنه يكون مالكا للناس وغيرهم، فالمالك أبلغ تصرفا وأعظم؛ إذ إليه إجراء قوانين الشرع، ثم عنده زيادة التملك.

ثم انتقل إلى من اختار القراءة في "مالك "، مبينا دليلهم، وهو أن الله تعالى وصف نفسه بأنه مالك كل شيء بقوله:{رَبِّ الْعَالَمِينَ} (2) فلا فائدة في

(1) سورة الفاتحة الآية 4

(2)

سورة الفاتحة الآية 2

ص: 223

قراءة من قرأ (مالك) لأنها تكرار، وقال أبو حاتم: " إن مالكا أبلغ في مدح الخالق في مدح المخلوقين أبلغ من مالك، والفرق بينهما أن المالك من المخلوقين قد يكون غير ملك، وإذا كان الله تعالى مالكا كان ملكا، واختار هذا القول القاضي أبو بكر العربي، وذكر ثلاثة أوجه: الأول: أنك تضيفه إلى الخاص والعام، فنقول مالك الدار والأرض والثوب، كما تقول: مالك الملوك.

الثاني: أنه يطلق على مالك القليل والكثير، وإذا تأملت هذين القولين وجدتهما واحدا.

الثالث: أنك تقول: مالك الملك، ولا تقول ملك الملك، (المالك) بعد عرض أدلة الفريقين وحججهم يرجح القرطبي قائلا: قلت: وقد احتج بعضهم على أن مالكا أبلغ؛ لأن فيه زيادة حرف، فلقارئه عشر حسنات زيادة عمن قرأ ملك، قلت: هذا نظر إلى الصيغة، لا إلى المعنى، وقد ثبتت القراءة بملك، وفيه من المعنى ما ليس في مالك، على ما بينا، والله أعلم (1).

وفي موضع آخر، يظهر ترجيحه لقراءة متواترة على قراءة أخرى مثلها؛ ففي قوله تعالى:{لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} (2)

وتواتر عن حمزة وحده {لَيْسَ الْبِرَّ} (3) بالنصب، وقرأ الباقون (ليس البر) بالرفع، وروى حفص عن عاصم مثل قراءة حمزة، ومع ثبوت التواتر للقراءتين- نجد الإمام القرطبي يرجح إحداهما على الأخرى.

فيقول في ذلك: " قرأ حمزة وحفص " البر " بالنصب؛ لأن ليس من أخوات كان، يقع بعدها المعرفتان، فتجعل أيهما شئت الاسم أو الخبر، فلما وقع بعد (ليس)، (البر) نصبه، وجعل (أن تولوا) الاسم، وكان المصدر أولى بأن.

(1) الجامع لأحكام القرآن جـ1/ 140 - 141.

(2)

سورة البقرة الآية 177

(3)

سورة البقرة الآية 177

ص: 224

يكون اسما لأنه لا يتنكر، والبر قد يتنكر، والفعل أقوى في التعريف، وقرأ الباقون (البر) بالرفع، على أنه اسم ليس، وخبره (أن تولوا)، تقديره: ليس البر توليتكم وجوهكم، وعلى الأول ليس توليتكم وجوهكم البر؛ كقوله:" ما كان حجتهم إلا أن قالوا ": ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى أن كذبوا "، ما كان عاقبتهما أنهما في النار "، وما كان مثله، ويقوى قراءة الرفع أن الثاني معه الباء إجماعا في قوله:{وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا} (1) ولا يجوز فيه إلا الرفع فحمل الأول على الثاني أولى من مخالفته له.

وكذلك هو في مصحف أبي بالبا: ليس البر بأن تولوا، وكذلك في مصحف ابن مسعود أيضا، وبعد هذا التوجيه وتقويته لقراءة الرفع، ينهي كلامه فيهما بأنهما قراءتان حسنتان (2).

وفي قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} (3)(ننسأها) فتح النون والسين مع الهمزة، عند ابن كثير وأبي عمرو، وقرأ الباقون (ننسها). والمعنى على القراءة الأولى (ننسأها) نؤخرها، تقول العرب: نسأت الإبل عن الحوض، وأنسأ الإبل عن ظمئها، يوما أو يومين أو أكثر، أخرها عن الورد. وتقول: أنسأ الله في أجلك أي أخر فيه، والمعنى أو نؤخر إنزالها إلى الوقت هو أولى بها وأصلح للناس.

والمعنى، على القراءة الثانية (ننسها)، من الترك أي نأمر بترك حكمها أو تلاوتها، أو نمحها لفظا وحكما، ومنه قول الله تعالى:{نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} (4)؛ أي تركوا عبادته، فتركهم في العذاب.

والإمام القرطبي، بعد عرضه للقراءات في الآية السابقة، وأدلة كل طرف وحجته، يقوم بتوجيهها على المعاني التي ضمنتها، ثم يذكر اختيار العلماء والراجح منا مع ذكر أدلتهم.

يقول في ذلك: وقرأ الباقون (ننسها)، بضم النون، من النسيان الذي بمعنى

(1) سورة البقرة الآية 189

(2)

الجامع لأحكام القرآن 1/ 238

(3)

سورة البقرة الآية 106

(4)

سورة التوبة الآية 67

ص: 225

الترك، أو نتركها فلا نبدلها ولا ننسخها، واختار القراءة أبو عبيد وأبو حاتم، قال أبو عبيد: سمعت أبا نعيم القارئ يقول: قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم، في المنام، بقراءة أبي عمرو، فلم يغير علي إلا حرفين قال: قرأت عليه (أرنا) بسكون الراء، فقال: أرنا، فقال أبو عبيد: وأحسب الحرف الآخر (أو ننساها) فقال: {أَوْ نُنْسِهَا} (1) وحكى الأزهري ننسها، نأمر بتركها، يقال أنسيته الشيء أي أمرت بتركه، ونسيته تركته، وقال الذباح: إن القراءة، بضم النون، لا يتوجه فيها الترك، لا يقال: أنسى بمعنى ترك، وما روى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (أو ننسها) نتركها لا نبدلها، فلا يصح.

ولعل ابن عباس قال: نتركها، فلم يضبط، والذي عليه أكثر أهل اللغة والنظر أن معنى {أَوْ نُنْسِهَا} (2) نبح لكم تركها، من نسى إذا ترك ثم تعديه، وقال أبو علي وغيره: ذلك متجه لأنه بمعنى تجعلك تتركها. وقيل: من النسيان على بابه، الذي هو عدم الذكر على معنى أو ننسكها يا محمد فلا تذكرها، نقل بالهمز فتعدى الفعل إلى مفعولين، وهم النبي والهاء، لكن اسم النبي محذوف (3).

وفي قوله تعالى {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ} (4).

تعرض الإمام القرطبي للقراءات التي وردت، في الآية الكريمة، وذكر فيها أربع قراءات، رجح قراءة متواترة على قراءة مثلها، ورد على النحاة الذين رفضوا قراءة متواترة، وهي قراءة ابن عامر بضم الزاي، في (زين) وبرفع " قتل "، ونصب (أولادهم) وجر (شركائهم)، وسبق الحديث عن هذه القراءة، من قبل المفسرين كالزمخشري والرازي وغيرهما، ومن قبل النحاة واللغويين كيف أنهم ردوا تلك القراءة واستقبحوها، وطعنوا بمن قرأ بها، والإمام القرطبي لم يجارهم على ذلك؛ فهو وإن فاضل ورجح بين القراءات المتواترة- لم يرض الطعن في قراءة صحيحة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك نجده ينقل كلام الإمام القشيري الذي يقول فيه:

(1) سورة البقرة الآية 106

(2)

سورة البقرة الآية 106

(3)

الجامع لأحكام القرآن جـ 2/ 68.

(4)

سورة الأنعام الآية 137

ص: 226

" وقال قوم هذا قبيح، وهذا محال؛ لأنه إذا ثبتت القراءة بالتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو الفصيح لا القبيح ".

ثم رد على من طعن في تلك القراءة من أهل اللغة بأن لها نظيرا عند العرب، وليست خارجة عن كلامهم: وقد ورد ذلك في كلام العرب وفي مصحف عثمان (شركائهم) بالياء، وهذا يدل على قراءة ابن عامر، وأضيف القتل في هذه القراءة إلى الشركاء، هم الذين زينوا ذلك ودعوا إليه؛ فالفعل مضاف إلى فاعله على ما يجب في الأصل، فرق بين المضاف والمضاف إليه، وقدم المفعول وتركه منصوبا على حاله؛ إذ كان متأخرا في المعنى، وأخر المضاف وتركه مخفوضا على حاله؛ إذ كان متقدما بعد القتل.

والتقدير: وكذلك زين لكثير من المشركين قتل (شركائهم أولادهم)؛ أي أن قتل شركاؤهم أولادهم، ومع ذلك نرى الإمام القرطبي لا يخرج عن مذهبه في الترجيح بين القراءات المتواترة، فهو لا ينسى أن يفاضل بين القراءتين المتواترتين؛ فقراءة أهل الحرمين وأهل الكوفة وأهل البصرة يقول فيها:

" قال مكي: وهذه القراءة هي الاختيار؛ لصحة الإعراب فيها، ولأن عليها الجماعة "(1).

هذا هو مسلك القرطبي في الترجيح، وهو مرفوض عند المدافعين عن القراءات، كما سنرى، ويظل موقفه أهون من الطاعنين فيها.

أدرك ذلك من أدرك، ومن لم يدرك؛ فإن عدم إدراكه ليس ناجما عن القراءة، ولكن هذا هو فهمه.

وما أوتيتم من العلم إلا قليلا. {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} (2) اللهم علمنا ما جهلنا، ولا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، فهذا جهدنا أثبنا عليه إن أصبنا، واغفر لنا إن تجاوزنا {رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} (3).

(1) انظر هذه القوال والترجيحات في تفسيره لهذه الآية.

(2)

سورة يوسف الآية 76

(3)

سورة المؤمنون الآية 118

ص: 227

المدافعون عن القراءات

كثير من المفسرين من وقف مدافعا عن القراءات، رادا على الطاعنين سهامهم من المفسرين أو اللغويين أو المبتدعين، ورافضا لنهج المرجحين استحسانهم وتفضيلهم لقراءة على قراءة، ومن هؤلاء المفسرين وأقدمهم:

أولا: الفخر الرازي

هو فخر الدين أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي التميمي البكري الطبرستاني الرازي، ولد بالري سنة 543 هـ وتوفي بهراة سنة 606 هـ، وهو من ذرية أبي بكر الصديق (1)، له تصانيف عديدة، من أشهرها المحصول في علم الأصول، وتفسيره المسمى مفاتيح الغيب، والمشهور بالتفسير الكبير أو تفسير الفخر (2).

موقفه من القراءات المتواترة:

إذا استعرضنا بعض القراءات القرآنية، التي طعن فيها الطاعنون، نلحظ دفاعا من الفخر الرازي، فقد انبرى لهم رادا عليهم الأقيسة اللغوية؛ مفندا حججهم داعيا إلى التحاكم إلى النقل والرواية والسماع.

ففي قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} (3).

يقول: تواتر عن حمزة والكسائي (يطهرن) مشددة، وتواتر عن ابن كثير ونافع وأبي عمر وابن عامر (يطهرن) خفيفة؛ ففي هذه الآية نجد الإمام الرازي، في هاتين القراءتين المتواترتين، لا يفرق بينهما، ولا يرجح إحداهما على الأخرى؛ فهما عنده سواء، ويجب العمل بهما، يقول في ذلك: " إن القراءة المتواترة حجة بالإجماع، فإذا حصلت قراءتان متواترتان، وأمكن الجمع بينهما- وجب الجمع بينهما

(1) كشف الظنون مجلد 6/ 107، النجوم الزاهرة 6/ 197.

(2)

كشف الظنون مجلد 6/ 108، النجوم الزاهرة 6/ 197.

(3)

سورة البقرة الآية 222

ص: 228

إذا ثبت هذا- فنقول: قرئ (حتى يطهرن) بالتخفيف، و (يطهرن) بالتخفيف عبارة عن انقطاع الدم، وبالتثقيل عبارة عن التطهر بالماء، والجمع بين الأمرين ممكن، وجب دلالة هذه الآية على وجوب الأمرين، وإذا كان وجب أن لا تنتهي هذه الحرمة، إلا عند حصول الأمرين (1)؛ فالرازي يجمع بينهما، وهو يتجاوز حالة الجمع إلى الدفاع عنها، وهناك قراءة متواترة يظهر فيها دفاعه عنها، ورده الأقيسة اللغوية، والتحاكم إلى النقل والسماع.

ففي قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ} (2).

قرأ حمزة وحده (والأرحام) بجر الميم، قال القفال رحمه الله: وقد رويت هذه القراءة عن غير القراء السبعة، عن مجاهد وغيره، وأما الباقون من القراء فكلهم قرءوا بنصب الميم، أما قراءة حمزة - فقد ذهب الأكثر من النحويين إلى أنها فاسدة، قالوا لأن هذا يقتضي عطف المظهر على المضمر المجرور، ثم ذكر الوجوه التي احتجوا بها لذلك، ثم قال: واعلم أن هذه الوجوه ليست وجوها قوية، في دفع الروايات الواردة في اللغات، وذلك لأن حمزة أحد القراء السبعة، والظاهر أنه لم يأت بهذه القراءة من عند نفسه، بل رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك يوجب القطع بصحة هذه اللغة، والقياس يتضاءل عند السماع، لا سيما بمثل هذه الأقيسة التي هي أوهن من بيت العنكبوت.

ولم يكتف الرازي بهذا، بل أخذ يوجه القراءة توجيها حسنا مقرونا بالحجة، يقول في ذلك: " وأيضا فلهذه القراءة وجهان؛ أحدهما: أنها على تقدير تكرير الجار، كأنه قيل: تساءلون به وبالأرحام، وثانيها: أنه ورد ذلك في الشعر، وأنشد سيبويه في ذلك:

فاليوم قد بت تهجونا

فاذهب فما بك والأيام من عجب

وأنشد أيضا:

(1) مفاتيح الغيب جـ 6/ 73.

(2)

سورة النساء الآية 1

ص: 229

نعلق في مثل السواري سيوفنا

وما بينها والكعب غوط نفانف

والعجب من هؤلاء النحاة أنهم يستحسنون هذه اللغة بهذين البيتين المجهولين، ولا يستحسنون إثباتها بقراءة حمزة ومجاهد، مع أنهما كانا من أكابر علماء السلف في علم القرآن.

وقد اعترض بعض العلماء على قراءة الجر في " الأرحام "، بأنها فاسدة من جهة المعنى؛ إذ تقضي جواز الحلف بها، فرد الإمام الرازي على ذلك بقوله:

واحتج الزجاج، على فساد هذه القراءة من جهة المعنى بقوله صلى الله عليه وسلم:«لا تحلفوا بآبائكم (1)»

فإذا عطف الأرحام على المكنى عن اسم الله، اقتضى ذلك جواز الحلف بالأرحام، ويمكن الجواب عنه بأن هذا حكاية عن فعل كانوا يفعلونه في الجاهلية؛ لأنهم كانوا يقولون: أسألك بالله والرحم، وحكاية هذا الفعل عنهم في الماضي لا تنافي ورود النهي عنه في المستقبل، وأيضا فالحديث نهى عن الحلف بالآباء فقط، وههنا ليس كذلك، بل هو حلف بالله أولا، ثم يقرن به بعده ذكر الرحم، فهذا ينافي ذلك الحديث (2)، ويرى الإمام الرازي أن القراءات لا بد من تواترها، وما نقل منها بطريق الآحاد فهو مردود لا يعتد به؛ ففي قوله تعالى:{إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} (3)"ذكر ستا" من القراءات الشاذة فيها، ثم قال: فهذه هي القراءات الشاذة المذكورة في هذه الآية، واعلم أن المحققين قالوا هذه القراءات لا يجوز تصحيحها؛ لأنها منقولة بطريق الآحاد، ثم تعرض للقراءات المتواترة في الآية، وأقوال الطاعنين فيها، ووجهة نظرهم، والرد عليها بالحجة والبيان، يقول في ذلك:" القراءة المشهورة" أن هذان الساحران، وأما الطعن فيها فهو أسوأ مما تقدم (4)، من وجوه (أحدها) أنه لما كان نقل هذه القراءة في الشهرة

(1) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد.

(2)

تفسير الفخر جـ9/ 170.

(3)

سورة طه الآية 63

(4)

أي أسوأ من اعتبار الشاذ قرآنا

ص: 230

كنقل جميع القرآن، فلو حكمنا ببطلانها جاء مثله في جميع القرآن، وذلك يفضي إلى القدح في التواتر، وإلى القدح في كل القرآن، وأنه باطل، وإذا ثبت ذلك امتنع صيرورته معارضا بخبر الواحد المنقول عن بعض. (وثانيها) أن المسلمين أجمعوا على أن ما بين الدفتين كلام الله تعالى، وكلام الله تعالى لا يجوز أن يكون لحنا وغلطا، فثبت فساد ما نقل عن عثمان وعائشة رضي الله عنهما أن في قراءة (أن هذان الساحران) لحنا وغلطا.

(وثالثها) قال: ابن الأنباري أن الصحابة هم الأئمة والقدوة، فلو وجدوا في المصحف لحنا لما فوضوا إصلاحه إلى غيرهم من بعدهم، مع تحذيرهم من الابتداع، وترغيبهم في الاتباع، فثبت أنه لا بد من تصحيح القراءة المشهورة (1).

والإمام الرازي رد عن القراءات كل شبهة، وعزاها إلى النقل والسماع، ووجهها التوجيه الذي يزيل عنها كل شبهة؛ ففي قوله تعالى:{وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} (2).

يقول في هذه الآية: " روي عن عثمان وعائشة أنهما قالا: إن في المصحف لحنا، وستقيمه العرب بألسنتها. واعلم أن هذا بعيد؛ لأن هذا المصحف منقول بالنقل المتواتر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف يمكن ثبوت اللحن فيه، وعند البصريين أنه نصب على المدح لبيان فضل الصلاة، قالوا إذا قلت: " مررت بزيد الكريم "، فلك أن تجر الكريم لكونه صفة لزيد، ولك أن تنصبه على تقدير أعني، وإن شئت رفعت على تقدير هو الكريم، وعلى هذا يقال: جاءني قومك المطعمين في المحن، والمغيثون في الشدائد، والتقدير: جاءني قومك، أعني المطعمين في المحن، وهم المغيثون في الشدائد، فكذا ههنا تقدير الآية: أعني المقيمين الصلاة، وهم المؤتون الزكاة، وقد طعن الكسائي قول البصريين

(1) روح المعاني جـ 22/ 75 مع تصرف في بعض العبارات.

(2)

سورة النساء الآية 162

ص: 231

بقوله: النصب على المدح، إنما يكون بعد تمام الكلام، وهاهنا لم يتم الكلام؛ لأن قوله:{وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} (1) منتظر للخبر، والخبر هو قوله:{أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا} (2).

فأجاب الإمام الرازي على ذلك: " لا نسلم أن الكلام لم يتم إلا عند قوله (أولئك) لأنا بينا أن الخبر هو قوله (يؤمنون)، وأيضا لم لا يجوز الاعتراض بالمدح بين الاسم والخبر، وما الدليل على امتناعه؟ فهذا القول هو المعتمد في هذه الآية "، والتوجيه الثالث لقراءة والمقيمين هو للكسائي: وهو أن المقيمين خفض بالعطف، على (ما) في قوله:{بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} (3) والمعنى: " والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك، وما أنزل من قبلك، وبالمقيمين الصلاة "، ثم عطف على قوله المؤمنون قوله:{وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} (4)(5).

من الأمثلة السالفة الذكر يظهر لنا موقف الإمام الرازي من القراءات المتواترة، وكيف دافع عنها ورد الطعون الواردة عليها بجميع ما أوتي من علم ومعرفة، وليته استمر على هذا النهج، فقد وجدناه يقف صامتا عند الطعن في قراءة متواترة.

ففي قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ} (6).

يقول: قرأ ابن عامر وحده (زين) بضم الزاي وكسر الياء، وضم اللام من (قتل)، و (أولادهم) بنصب الدال، (شركائهم) بالخفض، والباقون (زين) بفتح الزاي والياء، (قتل) بفتح اللام، (أولادهم) بالجر، (شركائهم) بالرفع، أما وجه قراءة ابن عامر فالتقدير: زين لكثير من المشركين قتل شركائهم أولادهم، إلا أنه فصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول به، وهو الأولاد، وهو مكروه في الشعر، كما في قوله:

فزججتها بمزجة

زج القلوص أبي مراده

(1) سورة آل عمران الآية 7

(2)

سورة النساء الآية 162

(3)

سورة النساء الآية 162

(4)

سورة النساء الآية 162

(5)

مفاتيح الغيب ج11/ 108.

(6)

سورة الأنعام الآية 137

ص: 232

وإذا كان مستكرها في الشعر، فكيف في القرآن، الذي هو معجز في الفصاحة، قالوا والذي حمل ابن عامر على هذه القراءة أنه رأى بعض المصاحف (شركائهم) مكتوبا بالياء، ولو قرأ بجر الأولاد والشركاء؛ لأجل أن الأولاد شركاؤهم في أموالهم، لوجد في ذلك مندوحة عن هذا الارتكاب (1).

والكلمات بألفاظها قالها الإمام الزمخشري (2)، ولم يعزها إليه، والعجيب، في ذلك كما أسلفنا، أنه في مواضع عديدة، من تفسيره، قرر أن المقاييس اللغوية لا يعتد بها منع ثبوت تواتر القراءة، وهو القائل:" وإن حمزة لم يأت بالقراءة من عند نفسه "(3).

وهو القائل: " إن القراءة المتواترة حجة بالإجماع "(4)، فيم نفسر سكوته هذا، ولأي شيء نعزي فساد ما أصلح في بعض الأحيان؟ إن اضطراب كلامه في القراءات يدل على أنه ليس له باع طويل في القراءات، كما هو شأن أبي حيان في دفاعه، وهو ما سنثني في ذكره.

(1) تفسيره ج 1/ 73.

(2)

الكشاف 2/ 54.

(3)

مفاتيح الغيب 6/ 73.

(4)

مفاتيح الغيب 6/ 73.

ص: 233

ثانيا: أبو حيان الأندلسي

هو محمد بن يوسف بن حيان الجياني الإمام أبو حيان أثير الدين الأندلسي، ولد سنة 654 هـ. وتوفي بمصر سنة 745 هـ.

مؤلفاته: وهي لا تعد ولا تحصى، في مجال اللغة والأدب والتفسير والقراءات، وأكتفي بذكر تفسيره الكبير البحر المحيط، ومؤلفاته الكثيرة في علم القراءات بالذات، وهي تدل على علو كعبه في هذا المجال أذكر منها:

1 -

البر الجلي في قراءة زيد بن علي.

2 -

تقريب النائي في قراءة الكسائي.

ص: 233

3 -

الروض الباسم في قراءة عاصم.

4 -

غاية المطلوب في قراءة يعقوب.

5 -

المنافع في قراءة نافع.

6 -

المزن الهامر في قراءة ابن عامر.

7 -

المورد الغمر في قراءة أبي عمرو.

8 -

الرمزة في قراءة حمزة.

9 -

وأخيرا الحلل الحالية في أسانيد القراءات العالية (1).

لقد ألف في قراءة كل قارئ، من السبعة، كتابا مستقلا، ومن استعرض البحر المحيط وجده تفسيرا حافلا، بالقراءات والإعراب لها، وتوجيه معانيها، بما لا يجد له مثيلا، في الكتب، قديما وحديثا؛ ففي قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ} (2)

يقول أبو حيان:

قرأ جمهور السبعة بنصب الميم في قوله (والأرحام)، وقرأ حمزة بجرها، وهي قراءة النخعي وقتادة والأعمش.

ثم أخذ بتوجيه كل قراءة، محتجا لها بما جاء في لسان العرب، وبما أجمعت عليه أمة الإسلام، يقول في ذلك " فأما النصب فظاهره أن يكون معطوفا على لفظ الجلالة، ويكون ذلك على حذف مضاف، التقدير: واتقوا الله، وقطع الأرحام، وعلى هذا فسرها ابن عباس وقتادة والسدي وغيرهم.

والجامع بين تقوى الله، بالتزام طاعته واجتناب معاصيه، واتقاء الأرحام، بأن توصل ولا تقطع، وبالحمل على القدر المشترك- يندفع قول القاضي: كيف يراد باللفظ الواحد المعاني المختلفة؟ وهو في الحقيقة من باب حمل الخاص على

(1) كشف الظنون مجلد 6/ 152 - 153.

(2)

سورة النساء الآية 1

ص: 234

العام؛ لأن المعنى اتقوا الله، أي اتقوا مخافة الله، وفي عطف الأرحام على اسم الله، دلالة على عظم ذنب قطع الرحم.

وقيل: النصب عطف على موضع (به)، كما تقول: مررت بزيد وعمرا، ولما لم يشاركه في الاتباع على اللفظ اتبع على موضعه، ويؤيد هذا القول قراءة عبد الله بن مسعود " تساءلون به وبالأرحام "(1).

ثم انتقل إلى استعراض قراءة الجر، وتوجيهها، والرد على من عابها. يقول في ذلك:" وأما الجر فظاهره أنه معطوف على المضمر المجرور، من غير إعادة الجار، وعلى هذا فسرها الحسن والنخعي ومجاهد، ويؤيده قراءة عبد الله (وبالأرحام)، وكانوا يتناشدون بذكر الله والرحم "، وبعد توجيه القراءات الواردة في اللفظ السابق، وتوجيهها على المعاني المناسبة، انتقل إلى الرد على من طعن فيها قائلا: " وما ذهب إليه أهل البصرة، وتبعهم فيه الزمخشري وابن عطية، من امتناع العطف على الضمير المجرور، إلا بإعادة الجار. .

مثل هذا القول غير صحيح، بل الصحيح مذهب الكوفيين في ذلك، وأنه يجوز في لسان العرب نثرها ونظمها.

ولم يكتف أبو حيان بالرد على الطاعنين بالقراءة بالأسلوب اللين، بل استعمل الشدة والعنف في ذلك:" وأما قول ابن عطية فيرد عندي هذه القراءة من المعنى وجهان. . " فجسارة قبيحة منه لا تليق بما له ولا بطهارة لسانه؛ إذ عمد إلى قراءة متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قرأ بها سلف الأمة، واتصلت بأكابر قراء الصحابة الذين تلقوا القرآن من في رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير واسطة: عثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت. . وجسارته هذه لا تليق إلا بالمعتزلة كالزمخشري، فإنه كثيرا ما يطعن في نقل القراء وقراءتهم ".

ثم انتقل إلى ذكر مناقب القارئ حمزة، يقول في ذلك: " وحمزة أخذ القرآن عن سليمان بن مهران الأعمش، وحمدان بن أعين، ومحمد بن

(1) البحر المحيط 3/ 157.

ص: 235

عبد الرحمن بن أبي ليلى، وجعفر بن محمد الصادق "، ثم بين أن حمزة لم يأت بهذه القراءة من عند نفسه، بل أخذها عن طريق النقل والسماع، يقول في ذلك: " ولم يقرأ حمزة حرفا من كتاب الله إلا بأثر. وأما حمزة فكان صالحا ورعا ثقة في الحديث وهو من الطبقة الثالثة " (1).

وقد ختم الإمام أبو حيان دفاعه عن تلك القراءات بقوله: " ولسنا متعبدين بقول نحاة البصرة، ولا غيرهم ممن خالفهم، فكم حكم ثبت بنقل الكوفيين من كلام العرب لم ينقله البصريون، وكم حكم ثبت بنقل البصريين لم ينقله الكوفيون، وإنما يعرف ذلك من له استبحار في علم العربية، لا أصحاب الكنانيس، المشتغلون بضروب من العلوم، الآخذون من الصحف دون الشيوخ.

وفي قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ} (2) يقول: " وقرأ ابن عامر نصب (أولادهم)، وجر (شركائهم)، فصل بين المصدر المضاف إلى الفاعل، بالمفعول، وهي مسألة مختلف في جوازها؛ فجمهور البصريين يمنعونها، متقدموهم ومتأخروهم، ولا يجيزون ذلك إلا في ضرورة الشعر، وبعض النحويين أجازها، وهو الصحيح؛ لوجودها في هذه القراءة المتواترة المنسوبة إلى العربي الصريح المحض ابن عامر، الآخذ القرآن عن عثمان بن عفان، قبل أن يظهر اللحن في لسان العرب (3).

ثم ذكر بعض المفسرين الذين ردوا هذه القراءة وطعنوا فيها، منهم ابن عطية الذي قال:" إنها قراءة ضعيفة في استعمال العرب "؛ متعللا بعدة أمور منها:

1 -

إضافة الفعل إلى الفاعل، وهو الشركاء.

2 -

فصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول، والفصل بالظروف في مثل هذا لا يجوز إلا في الشعر كقوله:

(1) البحر المحيط 3/ 159.

(2)

سورة الأنعام الآية 137

(3)

البحر المحيط 4/ 229.

ص: 236

كما خط الكتاب بكف يوما يهودي يقارب أو يزيل فكيف بالمفعول في أفصح كلام، ولكن وجهها على ضعفها، أنها وردت شاذة في بيت أنشده أبو الحسن الأخفش:

فزججته بمزجة

زج القلوص أبي مزادة

هذا هو كلام ابن عطية، في قراءة ابن عامر، أما أبو حيان فقد تولى الرد على ابن عطية بقوله:" ولا التفات إلى قوله "، ثم انتقل إلى اعتراض الزمخشري، على هذه القراءة، بقوله " ولا التفات إلى قول الزمخشري: إن الفصل بينهما، يعني بين المضاف والمضاف إليه، لو كان في مكان الضرورات، وهو الشعر، لكان سمجا مردودا، فكيف به في القرآن المعجز لحسن نظمه وجزالته " (1).

قال أبو حيان: " وأعجب لعجمي، ضعيف في النحو، يرد على عربي صريح، محض قراءة متواترة، يوجد نظيرها في لسان العرب في غير ما بيت ".

نجد الإمام أبا حيان، أثناء دفاعه عن القراءة، ينحو إلى الدفاع عن القارئ، ذاكرا ما فيه من عدل وضبط، ثم ينتقل إلى الدفاع عن القراءة، من حيث إنها جاءت عن رب العزة، بالنقل المتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا مجال للأخذ والرد، وإنما التسليم والقبول. ثم ينتقل إلى تقوية القراءة، من جهة العربية، فيحشد هذه الأدلة، من أقوال النحاة، واللغات التي لها سبيل إلى تلك القراءة، وهاك قوله في هذه القراءة: قال الله تعالى: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} (2).

يقول أبو حيان قرأ الجمهور (معايش)، وهو القياس؛ لأن الياء في المفرد هي أصل، لا زائدة فتهمز، وإنما تهمز الزائدة؛ نحو صحائف في صحيفة.

ثم بين الوجه الثاني من قراءة (معايش)، وهو بالهمز بدل الياء، يقول في

(1) البحر المحيط 4/ 230.

(2)

سورة الأعراف الآية 10

ص: 237

ذلك: وقرأ الأعرج وزيد بن علي والأعمش وخارجة، عن نافع وابن عامر، في رواية (معائش) بالهمز، وليس بالقياس، لكنهم رووه، وهم ثقات، فوجب قبوله، ثم ذكر المخالفين، منهم الزجاج القائل: إن جميع نحاة البصرة تزعم أن همزها خطأ، ولا أعلم لها وجها، إلا التشبيه بصحيفة وصحائف، ولا ينبغي التعويل على هذه القراءة (1). . ويرد أبو حيان، على ذلك، بعدة أدلة منها: أن العرب تهمز مثل تلك الأسماء وشبهه.

ثم إن هذه القراءة نقلت عن ثقات، كابن عامر، وهو عربي صراح، وقد أخذ القرآن عن عثمان قبل ظهور اللحن، وقرأ بها الأعرج وهو من كبار التابعين، وهم من الفصاحة والضبط والثقة بالمحل الذي لا يجهل، فوجب قبول ما نقلوه إلينا، ولا مبالاة بمخالفة نحاة البصرة في مثل هذا، ثم يقول: ولسنا متعبدين بأقوالهم (2).

وقد تعرض المازني للقراءة بقوله: " أصل أخذ هذه القراءة عن نافع، ولم يكن يدري ما العربية، وكلام العرب الفصيح في نحو هذا " رد عليه الإمام أبو حيان:

" وأما قول المازني: أصل أخذ هذه القراءة عن نافع، فليس بصحيح؛ لأنها نقلت عن ابن عامر وعن الأعرج وزيد بن علي والأعمش، وقوله أن نافعا لم يكن يدري ما العربية فشهادة على النفي، ولو فرضنا أنه لا يدري ما العربية، وهي هذه الصناعة التي يتوصل بها إلى التكلم بلسان العرب، فهو لا يلزمه ذلك؛ إذ هو فصيح متكلم بالعربية، ناقل للقراءة المتواترة عن العرب الفصحاء، وكثير من هؤلاء النحاة يسيئون الظن بالقراء، ولا يجوز لهم ذلك (3).

وفي قوله تعالى: {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} (4).

يقول: " قرأ أبو جعفر والحسن وشيبة والأعمش وطلحة وحميد وأيوب

(1) البحر المحيط 4/ 271

(2)

البحر المحيط 4/ 271.

(3)

البحر المحيط 4/ 272.

(4)

سورة طه الآية 63

ص: 238

وخلف، في اختياره، وأبو عبيد وأبو حاتم وابن عيسى الأصبهاني وابن جرير وابن جبير الأنطاكي والأخوان والصاحبان من السبعة: بتشديد نون هذان، بألف ونون خفيفة لساحران، ثم ذكر اختلاف العلماء في توجيه وتخريج هذه القراءة، يقول في ذلك: قال القدماء من النحاة: إنه على حذف ضمير الشأن، والتقدير " إنه هذان لساحران "، وخبر إن الجملة من قوله {هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} (1) واللام في (لساحران) داخلة على خبر المتبدأ، وضعف هذا القول: بأن حذف هذا الضمير لا يجيء، إلا في الشعر، وبأن دخول اللام في الخبر شاذ، قال الزجاج:" إن اللام لم تدخل على الخبر، بل التقدير: لهما ساحران، ودخلت على المبتدأ المحذوف "، وتخريج آخر لها:" إن بمعنى نعم، وثبت ذلك في اللغة، فتحمل الآية عليه، وهذان لساحران مبتدأ وخبر، واللام في لساحران، على ذينك التقديرين، في هذا التخريج ".

ويرى الإمام أبو حيان أن أصح وجه تحمل عليه القراءة هو أن هذه القراءة جاءت على لغة بعض العرب، من إجراء المثنى بالألف دائما، وهي لغة لكنانة ولبني الحارث بن كعب وخثعم وزبيد وأهل تلك الناحية، حكاه الكسائي، لبني العنبر، وبني الهجيم ومراد وعذرة (2).

ومن العجب أن تكون هذه لغة لعديد من القبائل التي ذكرت، ثم يأتي النحاة ومن جرى على طريقتهم في تخريج تلك القراءة الثابتة عن رب العزة، والأولى والصواب أن الواجب أن تؤخذ هكذا، كما أثرت ورويت، ولا حاجة لتلك التأويلات التي تجعل الإنسان في حيرة، يتشتت فيها فكره هنا وهناك؛ لكثرة التناقضات واختلاف الآراء، لم لا نريح أنفسنا، ونقول إنها لغة، واللغة ظاهرة اجتماعية لا تخضع لمقاييس نحوية، بل لم لا نقول: إنها لغة القرآن، نقلت إلينا بالتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهل لنا الخيرة في أنفسنا، بعد ثبوت أمر الله في ذلك (3).

(1) سورة طه الآية 63

(2)

البحر المحيط مجلد 6/ 255.

(3)

والكلام للدكتور عبد المتعال في القراءات القرآنية في الدراسات النحوية.

ص: 239

موقفه من الترجيح بين القراءات:

ومن مواقفه التي يرفض فيها المفاضلة والترجيح بين قراءتين متواترتين في قوله تعالى: {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} (1).

تواتر عند أبي عمرو (وعدنا) بغير ألف، وقرأ الباقون (واعدنا) بالألف.

يقول عند تفسير هذه الآية: " قرأ الجمهور (واعدنا)، وقرأ أبو عمرو (وعدنا) بغير ألف هنا وفي الأعراف، ويحتمل واعدنا أن يكون بمعنى وعدنا، ويكون صادرا من واحد، ويحتمل أن يكون من اثنين على أصل المفاعلة، فيكون الله قد وعد موسى الوحي، ويكون موسى وعد الله المجيء للميقات، أو يكون الوعد من الله، وقبوله كان من موسى، وقبول الوعد يشبه الوعد، قال القفال: " ولا يبعد أن يكون الآدمي يعد الله، بمعنى يعاهده، وقيل: وعد إذا كان من غير طلب وواعد إذا كان من طلب.

ثم يقول: " وقد رجح أبو عبيد قراءة من قرأ (وعدنا) بغير ألف، وأنكر قراءة من قرأ (واعدنا) بالألف، ووافقه على معنى ما قال أبو حاتم ومكي. وقال أبو عبيد: المواعدة لا تكون إلا من البشر، وقال أبو حاتم: أكثر ما تكون المواعدة من المخلوقين المتكافئين، كل منهما يعد صاحبه. وقد مر تخريج واعد على تلك الوجوه السابقة، ولا وجه لترجيح إحدى القراءتين على الأخرى؛ لأن كلا منهما متواترة، فهما في الصحة على حد سواء (2).

هذا هو مبدأ أبي حيان في القراءات المتواترة، وهو أنه لا ينبغي التفاضل والترجيح، فيما بينها، ما دامت كلها وحيا من عند الله تعالى، وثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وخلاصة القول: أن أبا حيان هو من خير المدافعين عن القراءات، ولم نجد لدفاعه مثيلا عند جمهور المدافعين، وأن علمه الغزير بعلم القراءات وبعلم اللغة قد مكنه من الدفاع، بل الهجوم على الطاعنين، مبينا عوار قولهم بالحجة والدليل، جزاه الله خيرا.

(1) سورة البقرة الآية 51

(2)

البحر المحيط مجلد 1 ص 195.

ص: 240