الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نصيحة عامة حول بعض كبائر الذنوب
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يراه ويطلع عليه من إخواني المسلمين، وفقني الله وإياهم لما يرضيه، وجنبني وإياهم مساخطه ومعاصيه، آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد.
فإن وصيتي لكل مسلم تقوى الله سبحانه وتعالى في جميع الأحوال وأن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلا كلاما ظهرت فيه المصلحة؛ لأنه قد ينجر الكلام المباح إلى حرام أو مكروه. وذلك كثير بين الناس، قال سبحانه وتعالى:{مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} (1)، وقال تعالى:{وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} (2)، وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت (3)» .
وهناك أشياء قد يجرها الكلام ينبغي التنبيه عليها والتحذير منها؛ لكونها من الكبائر التي توجب غضب الله وأليم عقابه، وقد فشت في بعض المجتمعات من هذه الأشياء:
1 -
الغيبة:
وهي ذكرك أخاك بما يكره لو بلغه ذلك، سواء ذكرته بنقص في بدنه أو نسبه أو خلقه أو فعله أو قوله أو في دينه أو دنياه، بل وحتى في ثوبه وداره ودابته؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتدرون ما الغيبة
(1) سورة ق الآية 18
(2)
سورة الإسراء الآية 36
(3)
صحيح البخاري الأدب (6018)، صحيح مسلم الإيمان (47)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 267).
قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، قال: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول، قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته (1)» رواه مسلم.
والغيبة محرمة لأي سبب من الأسباب سواء كانت لشفاء غيظ أو مجاملة للجلساء ومساعدتهم على الكلام، أو لإرادة التصنع أو الحسد أو اللعب أو الهزل وتمشية الوقت، فيذكر عيوب غيره بما يضحك. وقد نهى الله سبحانه وتعالى عنها، وحذر منها عباده في قوله عز وجل:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} (2).
وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه (3)» رواه مسلم. وقال صلى الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت (4)» رواه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أربى الربا استطالة المرء في عرض أخيه (5)» رواه البزار وأبو داود. والأحاديث الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحريم الغيبة وذمها، والتحذير منها كثيرة جدا.
2 -
مما ينبغي اجتنابه والابتعاد عنه والتحذير منه (النميمة) التي هي نقل الكلام من شخص إلى آخر. أو من جماعة إلى جماعة، أو من قبيلة إلى قبيلة لقصد الإفساد والوقيعة بينهم، وهي كشف ما يكره كشفه سواء أكره المنقول عنه أو المنقول إليه. أو كره ثالث، وسواء أكان ذلك الكشف بالقول أو الكتابة أو الرمز أو بالإيماء، وسواء أكان المنقول من الأقوال أو الأعمال، وسواء كان ذلك عيبا أو نقصا في المنقول عنه أو لم يكن. فيجب أن يسكت الإنسان عن كل ما يراه من أحوال الناس إلا ما في حكايته منفعة لمسلم أو دفع لشر.
(1) صحيح مسلم البر والصلة والآداب (2589)، سنن الترمذي البر والصلة (1934)، سنن أبو داود الأدب (4874)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 458)، سنن الدارمي الرقاق (2714).
(2)
سورة الحجرات الآية 12
(3)
صحيح مسلم البر والصلة والآداب (2564)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 277).
(4)
صحيح مسلم كتاب الحج (1218)، سنن أبو داود كتاب المناسك (1905)، سنن ابن ماجه المناسك (3074)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 371)، سنن الدارمي كتاب المناسك (1850).
(5)
سنن أبو داود الأدب (4876)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 190).
والباعث عن النميمة إما إرادة السوء للمحكى عنه، أو إظهار الحب للمحكي عليه، أو الاستمتاع بالحديث والخوض في الفضول والباطل، وكل هذا حرام وكل من حملت إليه النميمة بأي نوع من أنواعها فيجب عليه عدم التصديق؛ لأن النمام يعتبر فاسقا مردود الشهادة، قال الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ} (1) وعليه أن ينهاه عن ذلك وينصحه ويقبح فعله لقوله تعالى: {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ} (2)، وأن يبغضه في الله، وألا يظن بأخيه المنقول عنه السوء بل يظن به خيرا لقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} (3)، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم:«إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث (4)» متفق على صحته.
وعليه ألا يتجسس على من حكى له عنه وألا يرضى لنفسه ما نهى عنه النمام، فيحكي النميمة التي وصلته.
وأدلة تحريم النميمة كثيرة من الكتاب والسنة منها قوله تعالى: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ} (5){هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} (6)، وقوله تعالى:{وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} (7). وعن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة نمام (8)» متفق عليه. وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أنبئكم ما العضة؟ هي النميمة القالة بين الناس (9)» رواه مسلم، والنميمة من الأسباب التي توجب عذاب القبر؛ لما روى ابن عباس رضي الله عنهما:«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال: إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى. كان أحدهما لا يستتر من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة (10)» متفق عليه. وإنما حرمت الغيبة والنميمة لما
(1) سورة الحجرات الآية 6
(2)
سورة لقمان الآية 17
(3)
سورة الحجرات الآية 12
(4)
صحيح البخاري النكاح (5144)، صحيح مسلم البر والصلة والآداب (2563)، سنن الترمذي البر والصلة (1988)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 465)، موطأ مالك الجامع (1684).
(5)
سورة القلم الآية 10
(6)
سورة القلم الآية 11
(7)
سورة الهمزة الآية 1
(8)
صحيح مسلم الإيمان (105)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 391).
(9)
صحيح مسلم البر والصلة والآداب (2606)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 437).
(10)
صحيح البخاري الوضوء (216)، صحيح مسلم الطهارة (292)، سنن الترمذي الطهارة (70)، سنن النسائي الجنائز (2068)، سنن أبو داود الطهارة (20)، سنن ابن ماجه الطهارة وسننها (347)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 225)، سنن الدارمي الطهارة (739).
فيهما من السعي بالإفساد بين الناس وإيجاد الشقاق والفوضى، وإيقاد نار العداوة والغل والحسد والنفاق، وإزالة كل مودة وإماتة كل محبة بالتفريق والخصام والتنافر بين الإخوة المتصافين؛ ولما فيهما أيضا من الكذب والغدر والخيانة والخديعة، وكيل التهم جزافا للأبرياء وإرخاء العنان للسب والشتائم، وذكر القبائح ولأنهما من عناوين الجبن والدناءة والضعف هذا، إضافة إلى أن أصحابهما يتحملون ذنوبا كثيرة تجر إلى غضب الله وسخطه وأليم عقابه.
3 -
ومما يجب اجتنابه والبعد عنه الخصلة الذميمة ألا وهي الحسد، وهي أن يتمنى الإنسان زوال النعمة عن أخيه في الله سبحانه، سواء أكانت نعمة دين أو دنيا. وهذا اعتراض على ما قضاه الله وقسمه بين عباده وتفضل به عليهم، وظلم من الحاسد لنفسه؛ فينقص إيمانه بذلك، ويجلب المصائب والهموم لنفسه، ويفتك بها فتكا ذريعا. قال سبحانه وتعالى:{أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} (1) وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا تناجشوا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا (2)» رواه مسلم. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والحسد؛ فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب (3)» رواه أبو داود.
4 -
كما أنه ينبغي الابتعاد عن الظلم وهو الجور ووضع الشيء في غير موضعه الشرعي، وأكبره الشرك بالله سبحانه وتعالى ومبارزته بالمخالفة والمعصية، قال الله سبحانه وتعالى:{إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (4)، وقال عز وجل:{وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (5) وكذا أخذ مال الغير بغير حق، أو اغتصاب شيء من أرضه أو الاعتداء عليه. وهو أيضا كبيرة من الكبائر، ومعصية لله، وهو والعياذ بالله ناشئ عن ظلمة في القلب؛ لأنه لو استنار قلبه
(1) سورة النساء الآية 54
(2)
صحيح البخاري الأدب (6066)، صحيح مسلم البر والصلة والآداب (2563)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 394)، موطأ مالك الجامع (1684).
(3)
سنن أبو داود الأدب (4903).
(4)
سورة لقمان الآية 13
(5)
سورة البقرة الآية 254
بنور الهدى لاعتبر قال الله سبحانه وتعالى: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} (1)، وقال تعالى:{وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ} (2)، وقال تعالى:{وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} (3)، وقال تعالى:{وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا} (4)، وفي صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يقول الله تعالى: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا (5)» الحديث. وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة (6)» الحديث. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه (7)» متفق عليه. وهذه الأحاديث وما جاء في معناها تدل على وجوب الحذر من الظلم في الأنفس والأعراض والأموال لما في ذلك من الشر العظيم، والفساد الكبير، والعواقب الوخيمة، كما تدل على وجوب التوبة إلى الله سبحانه مما سلف من ذلك، والتواصي بترك ما حرم الله من الظلم وغيره من سائر المعاصي.
وفقني الله وإياكم لمحاسن الأخلاق وصالح الأعمال، وجنبنا مساوئ الأخلاق ومنكرات الأعمال، وهدانا صراطه المستقيم، إنه جواد كريم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(1) سورة غافر الآية 18
(2)
سورة الحج الآية 71
(3)
سورة إبراهيم الآية 42
(4)
سورة الفرقان الآية 19
(5)
صحيح مسلم البر والصلة والآداب (2577)، سنن الترمذي صفة القيامة والرقائق والورع (2495)، سنن ابن ماجه الزهد (4257)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 154)، سنن الدارمي الرقاق (2788).
(6)
صحيح مسلم البر والصلة والآداب (2578)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 323).
(7)
صحيح البخاري الإيمان (10)، صحيح مسلم الإيمان (40)، سنن النسائي الإيمان وشرائعه (4996)، سنن أبو داود الجهاد (2481)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 160)، سنن الدارمي الرقاق (2716).