الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النوع الثالث: الشرك الأصغر في العبادات القولية:
ومن أمثلة هذا النوع:
المثال الأول: الحلف بغير الله:
الحلف في اللغة، مصدر حلف، يحلف، وهو الملازمة؛ لأن الإنسان يلزمه الثبات على ما حلف عليه، ويسمى "اليمين"؛ لأن المتحالفين كان أحدهما يصفق بيمينه على يمين صاحبه، ويسمى أيضا "القسم".
وفي الاصطلاح: توكيد الشيء بذكر اسم أو صفة لله تعالى مصدرا بحرف من حروف القسم.
وقد أجمع أهل العلم على أن اليمين المشروعة هي قول الرجل: والله، أو بالله، أو تالله، واختلفوا فيما عدا ذلك.
واليمين عبادة من العبادات التي لا يجوز صرفها لغير الله (1)، فيحرم الحلف بغيره تعالى، لقوله صلى الله عليه وسلم:«ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفا فليحلف بالله، وإلا فليصمت (2)» متفق عليه، فمن حلف بغير الله سواء أكان نبيا أم وليا أم الكعبة أم غيرها فقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب،
(1) بدائع الصنائع: الأيمان 3/ 2.
(2)
صحيح البخاري: الأدب (6108)، وصحيح مسلم: الأيمان (1646).
ووقع في الشرك، لقوله صلى الله عليه وسلم:«من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك (1)» ، ولأن الحلف فيه تعظيم للمحلوف به، فمن حلف بغير الله كائنا من كان فقد جعله شريكا لله عز وجل
(1) رواه الإمام أحمد (329، 4904، 5375 تحقيق شاكر)، وأبو داود (3251)، والترمذي (1535)، وابن حبان (4358)، والحاكم 1/ 18، و4/ 297، وإسناده صحيح، رجاله رجال مسلم. وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم، وقال الذهبي في مختصر الكبائر (الكبيرة 23):"إسناده على شرط مسلم". وأوله: أن ابن عمر سمع رجلا يقول: (لا والكعبة)، فقال ابن عمر: ويحك لا تحلف بغير الله، فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول. فذكر. وله شاهد يأتي في التشريك في الألفاظ قريبا -إن شاء الله تعالى.
في هذا التعظيم الذي لا يليق إلا به سبحانه وتعالى، وهذا من الشرك الأصغر إن كان الحالف إنما أشرك في لفظ القسم لا غير، إما إن كان الحالف قصد بحلفه تعظيم المخلوق الذي حلف به كتعظيم الله تعالى، كما يفعله كثير من المتصوفة الذين يحلفون بالأولياء والمشايخ أحياء وأمواتا، حتى ربما بلغ تعظيمهم في قلوبهم
أنهم لا يحلفون بهم كاذبين مع أنهم يحلفون بالله وهم كاذبون، فهذا شرك أكبر مخرج من الملة؛ لأن المحلوف به عندهم أجل وأعظم وأخوف من الله تعالى.
المثال الثاني من أمثلة الشرك الأصغر في الأقوال: التشريك بين الله تعالى وبين أحد من خلقه بـ"الواو ":
العطف بالواو يقتضي مطلق الجمع بين المعطوف والمعطوف عليه، ولذلك فإنه يحرم العطف بها بين الله وبين أحد من خلقه
في أي أمر من الأمور التي يكون للمخلوق فيها دخل في وقوعها، كأن يقال:"ما شاء الله وشئت"، أو يقال:"هذا من بركات الله وبركاتك"، أو يقال:"ما لي إلا الله وأنت"، أو يقال:"أرجو الله وأرجوك"، ونحو ذلك، فمن تلفظ بأحد هذه الألفاظ أو ما يشبهها فقد وقع في الشرك، والدليل قوله تعالى:{فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (1) قال ابن عباس رضي الله عنهما: "الأنداد هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن يقول: والله وحياتك يا فلانة، وحياتي، ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله
(1) سورة البقرة الآية 22
وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان، لا تجعل فيها (فلان)، فإن هذا كله به شرك" (1)، وما روته قتيلة بنت صيفي رضي الله عنها «أن يهوديا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إنكم تنددون، وإنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة،
(1) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره في تفسير هذه الآية، رقم (230) وسنده حسن.
ويقولون: ما شاء الله ثم شئت (1)»، فأقر النبي صلى الله عليه وسلم هذا اليهودي على تسمية هذا العطف شركا، لكن إن كان هذا القائل يعتقد أن ما نسبه إلى المخلوق الذي عطفه على اسم الله تعالى بـ "الواو" ليس على سبيل الاستقلال، ولكن نسبه إلى هذا المخلوق لأنه هو المباشر لهذا الأمر لا غير، مع اعتقاده أن الله هو الخالق المقدر، فهو شرك أصغر، من أجل هذا اللفظ الذي فيه تشريك. وإن كان يعتقد أن هذا المخلوق مشارك لله تعالى على سبيل الاستقلال، وأن تصرفه في ذلك بدون مشيئة الله تعالى فهو شرك أكبر.
(1) رواه الإمام أحمد 6/ 371، 372، والنسائي في المجتبي: الأيمان (3282)، والطحاوي في مشكل الآثار (328) من طريقين أحدهما صحيح، عن معبد بن خالد عن عبد الله بن يسار عن قتيلة، ورجاله ثقات، وقد صححه الحافظ في الإصابة 4/ 378 ورواه بنحوه أخصر منه الإمام أحمد 5/ 484، وأبو داود (4980)، وابن أبي شيبة: الأدب 9/ 117، والدعاء: 10/ 346 من طرق عن شعبة عن منصور عن عبد الله بن يسار عن حذيفة. ورجاله ثقات، وقد صححه النووي في الأذكار كتاب حفظ اللسان ص 308، وفي رياض الصالحين كتاب الأمور المنهي عنها (1754)، ورجحه البخاري على حديث قتيلة كما في العلل للترمذي (658). وله شواهد بنحوه أخصر منه، منها حديث الطفيل بن سخبرة الذي رواه الإمام أحمد 5/ 72، والحاكم 3/ 462، وسنده صحيح. ومنها حديث ابن عباس الذي رواه أحمد 1/ 214، والبخاري في الأدب المفرد (743)، وسنده حسن، ولفظه: أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده". وقد صحح الألباني في السلسلة الصحيحة (136 - 139) هذه الأحاديث الأربعة.
المثال الثالث من أمثلة الشرك الأصغر في الأقوال: الاستسقاء بالأنواء:
الاستسقاء في اللغة: من سقى، يسقي، والمصدر: سقيا، بفتح السين وتسكين القاف، والاسم: السقيا، والمراد: إنزال الغيث (1)، والسين والتاء في "الاستسقاء" تدل على الطلب، أي طلب السقيا، كالاستغفار، فهو طلب المغفرة، فمادة "استفعل" تدل على الطلب غالبا (2).
والأنواء: جمع نوء، وهو النجم، وفي السنة الشمسية ثمانية وعشرون نجما، كنجم الثريا، ونجم الدبران.
فالاستسقاء بالأنواء: أن يطلب من النجم أن ينزل الغيث، ويدخل فيه أن ينسب الغيث إلى النجم، كما كان أهل الجاهلية
(1) معجم مقاييس اللغة، والنهاية (مادة: سقي).
(2)
القول المفيد باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء.
يزعمون، فكانوا إذا نزل مطر في وقت نجم معين نسبوا المطر إلى ذلك النجم، فيقولون: هذا مطر الوسمي، أو هذا مطر الثريا، ويزعمون أن النجم هو الذي أنزل هذا الغيث.
والاستسقاء بالأنواء ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن ينسب المطر إلى النجم معتقدا أنه هو المنزل للغيث بدون مشيئة الله وفعله جل وعلا، فهذا شرك أكبر بالإجماع.
القسم الثاني: أن ينسب المطر إلى النوء معتقدا أن الله جعل هذا النجم سببا في نزول هذا الغيث، فهذا من الشرك الأصغر؛ لأنه جعل ما ليس بسبب سببا (1)، فالله تعالى لم يجعل شيئا من النجوم سببا في نزول الأمطار، ولا صلة للنجوم بنزولها بأي وجه، وإنما أجرى الله
(1) القول المفيد باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء2/ 19.
العادة بنزول بعض الأمطار في وقت بعض النجوم.
وقد وردت أدلة كثيرة تدل على تحريم الاستسقاء بالأنواء، ومنها:
أ- ما رواه مسلم في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «مطر الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أصبح من الناس شاكر، ومنهما كافر. قالوا: هذه رحمة الله، وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا". قال: فنزلت هذه الآية: حتى بلغ: (3)» ومعنى الآية الأخيرة: أنكم تجعلون شكر ما أنعم الله به عليكم من الغيث أنكم تكذبون بذلك، وذلك بنسبة إنزال الغيث إلى غير الله تعالى.
2 -
ما رواه البخاري ومسلم عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال: «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية في إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على
(1) صحيح مسلم: الإيمان، باب بيان كفر من قال: مطرنا بالنوء (73).
(2)
سورة الواقعة الآية 75 (1){فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ}
(3)
سورة الواقعة الآية 82 (2){وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ}
(4)
صحيح البخاري (846)، وصحيح مسلم (71). وله شاهد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم (72)، ومن حديث معاوية الليثي عند أحمد (3/ 429) وسنده حسن.
الناس، فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب (1)». وهذا الحديث يشمل على الصحيح النوعين السابقين، فهذا القول كفر، لكن إن نسب الغيث إلى النجم من دون الله فهو كفر وشرك أكبر، وإن نسبه إليه نسبة تسبب فهو كفر نعمة وشرك أصغر.
3 -
ما رواه مسلم عن أبي مالك الأشعري مرفوعا: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة (2)» .
هذا وإذا قال المسلم: "مطرنا بنوء كذا وكذا" ومقصده أن الله أنزل المطر في وقت هذا النجم، معتقدا أنه ليس للنجم أدنى
(1) أي بعد مطر نزل في الليل وسمى المطر سماء لأنه ينزل من السماء. ينظر: شرح السنة 4/ 420. (4)
(2)
صحيح مسلم: الجنائز (934).
تأثير لا استقلالا ولا تسببا فقد اختلف أهل العلم في حكم هذا اللفظ: فقيل: هو محرم.
وقيل: مكروه. وقيل: مباح (1)، ولا شك أن هذا اللفظ ينبغي تركه، واستبداله بالألفاظ الأخرى التي لا إيهام فيها، فإما أن يقول:"مطرنا بفضل الله ورحمته"، وهذا هو الذي ورد الثناء على من قاله، كما سبق في الحديث القدسي، فهو أولى من غيره، وإما أن يقول:"هذا مطر أنزله الله في وقت نجم كذا"، أو يقول:"مطرنا في نوء كذا"(2)، ونحو ذلك من العبارات الصريحة التي لا لبس ولا إشكال فيها، فقول:«مطرنا بنوء كذا (3)» أقل أحواله الكراهة الشديدة، والقول بالتحريم قول قوي، لما يلي:
(1) شرح السنة: الاستسقاء 4/ 421، النهاية (مادة: نوأ)، جامع الأصول: النجوم 11/ 578.
(2)
مغني المحتاج: صلاة الاستسقاء 1/ 326، الفرع 1/ 163، الإنصاف 5/ 439.
(3)
صحيح البخاري الجمعة (1038)، صحيح مسلم الإيمان (71)، سنن النسائي الاستسقاء (1525)، سنن أبو داود الطب (3906)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 117)، موطأ مالك النداء للصلاة (451).
1 -
أنه قد جاء الحديث القدسي مطلقا بعيب قائلي هذا اللفظ، وباعتبار قولهم كفرا بالله تعالى، وإيمانا بالكوكب.
2 -
أن هذا القول ذريعة إلى الوقوع في الاعتقاد الشركي، فاعتياد الناس عليه في العصر قد يؤدي بجهلتهم أو بمن يأتي بعدهم إلى الوقوع في الاستسقاء الشركي بالأنواء (1).
3 -
أنه لفظ موهم لاعتقاد فاسد (2).
(1) ينظر قول الحافظ ابن حجر السابق، وقول القرطبي الآتي.
(2)
ينظر قول الباجي الذي سبق نقله قريبا، وينظر فتح المجيد ص 373.
4 -
أن فيه استبدالا للفظ المندوب إليه شرعا في هذه الحال، وهو قول:"مطرنا بفضل الله ورحمته " بلفظ من ألفاظ المشركين، ففي هذا ترك للسنة وتشبه بالمشركين، وقد نهينا عن التشبه بهم.
هذا وهناك أمثلة أخرى كثيرة للشرك الأصغر تركتها خشية الإطالة، ومن ذلك: التسمي بالأسماء التي فيها تعظيم لا يليق إلا بالله
تعالى، كملك الملوك، وقاضي القضاة ونحوها، ومنها التسمي بأسماء الله تعالى، ومنها التسمي باسم فيه تعبيد لغير الله تعالى، كعبد الرسول، وعبد الحسين، ونحوهما ومنها التبرك البدعي، ومنها