الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رضي الله عنه قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الحج المبرور؟ قال: إطعام الطعام وطيب الكلام (1)» رواه أحمد والطبراني والحاكم، وسئل سعيد بن جبير: أي الحج أفضل؟ قال: (من أطعم الطعام وكف اللسان)(2) وقال الحافظ ابن حجر نقلا عن القرطبي: (هو الحج الذي وفيت أحكامه ووقع موقعا لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل)(3). فمعاني الحج وأهدافه السامية إنما تتحقق بحج مبرور، قد وفق صاحبه لاتباع السنة واقتفاء الأثر، مع الحذر مما يخدش حجه أو ينقص من أجره، من قول أو فعل مخالف، صغر أم كبر.
(1) رواه الحاكم في المستدرك 1/ 483 وصححه ووافقه الذهبي، ورواه أحمد في المسند 3/ 325، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 3/ 207 وقال ((رواه أحمد وفيه محمد بن ثابت وهو ضعيف، ورواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن))
(2)
ينظر: لطائف المعارف 411
(3)
ينظر: فتح الباري 3/ 382
المبحث الثالث: حث السلف على أداء الحج مع العناية بتصحيح النية وطيب النفقة:
وكما جاءت الأدلة من الكتاب والسنة في بيان فرضية الحج وفضله فقد كثرت أقوال الصحابة وسلف الأمة في بيان فريضة آكدية الحج ووجوب أداء الفرض منه على الفور والتحذير من تأخيره، والحث على التزود منه، وجاءت أفعالهم واقعا حيا وتطبيقا جليا لسنة النبي
صلى الله عليه وسلم.
فمن ذلك ما رواه عبد الرزاق في مصنفه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه خرج فرأى ركبا فقال: (من الركب؟ قالوا: حاجين، قال: ما أنهزكم غيره؟ -أي ما أخرجكم غيره- ثلاث مرات، قالوا: لا، قال: لو يعلم الركب بمن أناخوا لقرت أعينهم بالفضل بعد المغفرة، والذي نفس عمر بيده ما رفعت ناقة خفها ولا وضعته إلا رفع الله له درجة وحط عنه بها خطيئة، وكتب له بها حسنة (1)، وروى أيضا عن كعب أنه قال:(وفد الله ثلاثة: الحاج والعمار والمجاهدون، دعاهم الله فأجابوه، وسألوا الله فأعطاهم)(2).
وأداء الحج والقيام بالعمرة عمل صالح حري من ختمت حياته به أن يكون علامة على حسن خاتمة صاحبه من الدنيا، فإن العبد يبعث على ما مات عليه، ولهذا كان السلف يحرصون على الإكثار من الحج لعله أن تختم حياتهم به، قال طلحة اليامي: (كنا نتحدث أنه من ختم له بإحدى ثلاث -إما قال: وجبت له الجنة، وإما قال: برئ من النار-: من صام شهر رمضان فإذا انقضى الشهر مات، ومن خرج حاجا فإذا قدم من حجته مات، ومن خرج معتمرا فإذا قدم من
(1) رواه عبد الرزاق في المصنف 5/ 4 - 5، وانظر: مجمع الزوائد 3/ 274 - 277
(2)
رواه عبد الرزاق في المصنف 5/ 5، وانظر: مجمع الزوائد 3/ 211.
عمرته مات) (1).
إن فضل الحج عظيم وثوابه جزيل؛ إذ ليس له جزاء إلا الجنة إذا كان مبرورا خالصا لله عز وجل، موافقا للسنة، فكيف يعدل به غيره من الأعمال الصالحة الأخرى، فالحج عبادة مالية بدنية، قال رجل لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه:(يا أبا موسى إني كنت أعالج الحج -أي أزاوله وأمارسه- وقد ضعفت وكبرت، فهل من شيء يعدل الحج؟ قال له: هل تستطيع أن تعتق سبعين رقبة مؤمنة من ولد إسماعيل؟ فأما الحل- أي النزول- والرحيل، فلا أجد له عدلا -أو قال مثلا)(2)، وقال أبو الشعثاء:(نظرت في أعمال البر فإذا الصلاة تجهد البدن دون المال، والصيام كذلك، والحج يجهدهما فرأيته أفضل)(3).
وقد ذكر بعض أهل العلم الخلاف في تفضيل: الحج تطوعا أو الصدقة النافلة، حيث ذهب أكثر السلف في تفضيل حج التطوع، روى عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن بكار بن عبد الله اليماني قال (سئل طاوس: الحج بعد الفريضة أفضل أم الصدقة؟ فقال: أين الحل
(1) رواه عبد الرزاق في المصنف 5/ 9
(2)
رواه عبد الرزاق في المصنف 5/ 7.
(3)
ينظر: صفة الصفوة 3/ 237، لطائف المعارف 408
والرحيل والسهر والنصب والطواف بالبيت والصلاة عنده والوقوف بعرفة وجمع ورمي الجمار؟) كأنه يقول: الحج (1)، فلهذه العبادات الفاضلة في تلك المشاعر المقدسة كان الحج أفضل الأعمال مع الأجر الجزيل والثواب العظيم لمن قام به.
وذهب آخرون إلى تفضيل الصدقة على الحج.
ومنهم من فصل في المسألة فقال: (إن كان ثم رحم محتاجة أو زمن مجاعة فالصدقة أفضل، وإلا فالحج، وهو نص أحمد، وروي عن الحسن معناه، وأن صلة الرحم والتنفيس عن المكروب أفضل من التطوع بالحج)(2).
ومن فقه السلف الصالح رحمهم الله عنايتهم بتصحيح النية في أعمالهم، ومن ذلك الحج، وإخلاصهم في أدائه، فلا يقصدون بحجهم رياء ولا سمعة، ولا مباهاة ولا فخرا ولا خيلاء، إنما يقصدون به وجه الله ورضوانه، فكان أحدهم يتواضع في حجه ويستكين ويخشع لربه، استشعارا لقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه أنه قال:«أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه (3)» رواه مسلم، وروى الإمام أحمد والطبراني
(1) رواه عبد الرزاق في المصنف 5/ 12
(2)
ينظر مصنف عبد الرزاق 5/ 12، ولطائف المعارف 408
(3)
رواه مسلم في صحيحه- كتاب الزهد- باب تحريم الرياء 18/ 115من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
عن محمود بن لبيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول الله تعالى يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء (1)» ، وروى أنس رضي الله عنه أن «النبي صلى الله عليه وسلم حج على رحل رث وقطيفة تساوي أربعة دراهم ثم قال:(اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة (2)».
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لأصحابه وهو بطريق مكة: (تشعثون وتغبرون وتتفلون وتضحون ولا تريدون بذلك شيئا من عرض الدنيا، ما نعلم سفرا خيرا من هذا)(3) يعني الحج، وروي عنه أنه قال:(إنما الحاج الشعث التفل)(4)، وروي عن بعض التابعين قال: (رب محرم يقول: لبيك اللهم لبيك، فيقول الله: لا
(1) رواه أحمد في المسند 5/ 428 - 429، قال الهيثمي في مجمع الزوائد 1/ 102 "رجاله رجال الصحيح"، والطبراني في الكبير رقم 4301، قال الهيثمي في المجمع 10/ 222 "رجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن شبيب بن خالد وهو ثقة" وحسن الحافظ إسناده في بلوغ المرام ص 302
(2)
رواه ابن ماجه في سننه- كتاب المناسك- باب الحج على الرحل، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه رقم 2337/ 2/ 149
(3)
ينظر: لطائف المعارف 420
(4)
ينظر: لطائف المعارف 420.
لبيك ولا سعديك هذا مردود عليك، قيل له: لم؟ قال: لعله اشترى ناقة بخمسمائة درهم ورحلا بمائتي درهم ومفرشا بكذا وكذا، ثم ركب ناقته ورجل رأسه ونظر في عطفيه، فذلك الذي يرد عليه) (1).
فعناية السلف من الصحابة والتابعين كانت متوجهة إلى إخلاص العمل وتصحيح النية، فليست العبرة بكثرة العمل وتنوعه إنما العبرة بالقبول القائم على الإخلاص لله فيه، فلا يكون لمخلوق حظ ونصيب فيه، ويكون أيضا موافقا للكتاب والسنة، روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«من عمل عملا ليس أمرنا فهو رد (2)» ، فكانوا ينظرون في قبول الأعمال إلى هذين الأصلين: الإخلاص والمتابعة، قال تعالى:{قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} (3) وسئل الفضيل بن عياض عن قوله سبحانه: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} (4) قال: (أخلصه وأصوبه)(5).
(1) ينظر: لطائف المعارف 420
(2)
رواه مسلم في صحيحه- كتاب الأقضية- باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور 12/ 16
(3)
سورة الكهف الآية 110
(4)
سورة الملك الآية 2
(5)
ينظر: الاستقامة 2/ 309، جامع العلوم والحكم 1/ 72.
ولهذا لما قال رجل لابن عمر ما أكثر الحاج، أجابه ابن عمر بقوله:(بل ما أكثر الركب وما أقل الحاج، ثم رأى رجلا على بعير، على رحل رث، خطامه حبل، فقال: لعل هذا)(1)، وقال شريح:(الحاج قليل والركبان كثير)(2)، فما أكثر الذين يعلمون الخير، ولكن ما أقل الذين يريدون وجه الله.
وهذا حق، فما أكثر من يقصد البيت الحرام لحج أو عمرة لكن قد تكون نفقته من حرام، أو يكون حجه أو عمرته رياء وسمعة، وتكثرا أو مباهاة عند الناس، أو يكون حجه على غير سنة ولا موافقة للشريعة، ومن الناس من أعانهم جل وعلا على إخلاص نياتهم وطيب مكاسبهم وحل أموالهم، ثم وفقهم سبحانه وتعالى لأداء الحج أو العمرة حسب السنة، موافقة لعمل النبي صلى الله عليه وسلم القدوة الأسوة، بقوله تعالى:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} (3)
وهكذا كانت أعمال السلف الصالح صغيرها وكبيرها إخلاصا لله تبارك وتعالى وإخفاء لها حتى عن أقرب الناس إليهم، صيانة لها من الرياء والسمعة وحب الظهور، يحكي ذلك عنهم
(1) رواه عبد الرزاق في المصنف 5/ 19
(2)
رواه عبد الرزاق في المصنف 5/ 19
(3)
سورة الأحزاب الآية 21
الحسن البصري رحمه الله بقوله: (إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر جاره، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزور- أي الضيف الزائر- وما يشعرون به، ولقد أدركنا أقواما ما كان على الأرض من عمل يقدرون على أن يعملوه في السر فيكون علانية أبدا، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت، إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم، ذلك أن الله يقول: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} (1) وذلك أن الله ذكر عبدا صالحا فرضي فعله، فقال:{إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا} (2).
وكانت عنايتهم رحمهم الله أيضا شديدة بالنفقة في الحج من حيث كسبها وجمعها، فلا تكون إلا من حلال لا شبهة فيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: وقال:
(1) سورة الأعراف الآية 55
(2)
سورة مريم الآية 3
(3)
رواه مسلم في صحيحه -كتاب الزكاة- باب كل نوع من المعروف صدقة 7/ 100
ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك (2)» رواه مسلم.
وطيب النفقة في الحج أصل في قبول العمل، روى الطبراني وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا:«إذا خرج الرجل حاجا بنفقة طيبة ووضع رجله في الغرز فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء: لبيك وسعديك، زادك حلال وراحلتك حلال، وحجك مبرور غير مأزور، وإذا خرج الرجل بالنفقة الخبيثة فوضع رجله في الغرز فنادى لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء لا لبيك ولا سعديك، زادك حرام ونفقتك حرام، وحجك غير مبرور (3)» .
وروى عبد الرزاق عن أبي إدريس الخولاني قال: (أربع في أربع لا تقبل في حج ولا عمرة ولا جهاد ولا صدقة، الخيانة والسرقة والغلول ومال اليتيم)(4)، ومما قيل في ذلك شعرا:
(1) سورة المؤمنون الآية 51 (3){يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}
(2)
سورة البقرة الآية 172 (1){يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}
(3)
رواه المنذري في الترغيب 2/ 180 وقال: "رواه الطبراني في الأوسط" وذكره الهيثمي في المجمع 10/ 292 وقال: "رواه الطبراني في الأوسط، وفيه سليمان بن داود اليمامي وهو ضعيف"
(4)
رواه عبد الرزاق في المصنف 5/ 20
إذا حججت بمال أصله سحت
…
فما حججت ولكن حجت العير
لا يقبل الله إلا كل طيبة
…
ما كل من حج بيت الله مبرور
وكان بعض السلف لسخاء نفسه وكرمه وجوده ينفق على أصحابه في الحج رغبة فيما عند الله، وبذلا لماله في أشرف العبادات، ومن أجل تحقيق وتحصيل أفضل القربات الجج، وكانوا رحمهم الله يتسابقون إلى هذا الأمر ويتفانون فيه، ومن أشهر من روي عنه ذلك، الإمام عبد الله بن المبارك، أمير المؤمنين في الحديث، يقول عنه الحافظ الذهبي:(شيخ الإسلام، عالم زمانه، وأمير الأتقياء في وقته. أكثر من الترحال والتطواف -وإلى أن مات- في طلب العلم وفي الغزو وفي التجارة وفي الإنفاق على الإخوان في الله وتجهيزهم معه إلى الحج)(1).
ثم ذكر حاله معهم بقوله: (كان ابن المبارك إذا كان وقت الحج اجتمع إليه إخوانه من أهل مرو، فيقولون: نصحبك، فيقول: هاتوا نفقاتكم، فيأخذ نفقاتهم فيجعلها في صندوق ويقفل عليها، ثم يكتري لهم ويخرجهم من مرو إلى بغداد، فلا يزال ينفق عليهم ويطعمهم أطيب الطعام وأطيب الحلوى، ثم يخرجهم من بغداد بأحسن زي وأكمل مروءة، حتى يصلوا إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1) سير أعلام النبلاء 8/ 378