الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العبيد الأرقاء - فيعتق رقيقه، فيضج الناس بالبكاء والدعاء، ويقولون: ربنا هذا عبدك قد أعتق عبيده، ونحن عبيدك فأعتقنا من النار. وقال ابن المبارك:(جئت إلى سفيان الثوري عشية عرفة وهو جاث على ركبتيه وعيناه تهملان، فقلت له: من أسوأ هذا الجمع حالا؟ قال: الذي يظن أن الله لا يغفر لهم)، وروي عن الفضيل بن عياض أنه نظر إلى الناس وتسبيحهم وبكائهم عشية عرفة فقال: أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجل فسألوه دانقا -يعني سدس درهم- أكان يردهم؟ قالوا: لا، قال: والله للمغفرة عند الله أهون من إجابة رجل لهم بدانق، يقول الشاعر:
وإني لأدعو الله أطلب عفوه
…
وأعلم أن الله يعفو ويرحم
لئن أعظم الناس الذنوب فإنها
…
وإن عظمت في رحمة الله تصغر (1)
(1) ينظر لهذه الآثار: لطائف المعارف 494، 496 - 498.
المبحث السادس: فضل يوم العيد وأيام التشريق وأقوالهم في ذلك
جعل الله عز وجل لهذه الأمة عيدين يأتيان في كل عام مرة.
الأول: عيد الفطر بعد صوم رمضان، حين يستكمل المسلمون صيامه، فيجتمعون في هذا العيد، يشكرون الله ويكبرونه على ما هداهم، وهو يوم الجوائز، يستوفي الصائمون فيه أجر صيامهم، ويرجعون من عيدهم بالمغفرة والعتق من النار، بفضل الله ورحمته.
الثاني: عيد الأضحى يوم النحر، وهو أكبر العيدين وأفضلهما لحديث عبد الله بن قرط رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إن أعظم الأيام عند الله تعالى يوم النحر ثم يوم القر (1)» رواه أحمد وغيره، وهو مترتب على إكمال الحج، وشرع فيه للجميع -الحجاج وغيرهم- التقرب إلى الله فيه بالنسك، وهو إراقة دماء القرابين مع الصلاة والذكر والدعاء.
لقد أبدل الله هذه الأمة بما كان عند الجاهلية يومي الفطر والأضحى، للذكر والشكر والمغفرة، والفرح بإتمام الطاعة وإكمالها، الصيام والحج، ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، كان لهم يومان يلعبون فيهما، فقال:«إن الله أبدلكم يومين خيرا منهما، يوم الفطر والأضحى (2)» .
إن العيد موسم الفرح والسرور، وأفراح المؤمنين الخلص وسرورهم في الدنيا، إنما هو برضا مولاهم عنهم، إذا فازوا بإكمال طاعته، وحازوا ثواب أعمالهم، ونالوا فضله ومغفرته، كما قال تعالى:{قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُون} (3)
(1) سنن أبو داود المناسك (1765)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 350).
(2)
رواه أحمد في المسند 3/ 103 و 178 و 235 و 250، والنسائي في سننه - كتاب صلاة العيدين 3/ 179 من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
(3)
سورة يونس الآية 58
هكذا فهم السلف الصالح رحمهم الله معنى العيد، يقول الحسن البصري:(كل يوم لا يعصى الله فيه فهو عيد، كل يوم يقطعه المؤمن في طاعة مولاه وذكره وشكره فهو له عيد)، وقال بعضهم:(ما فرح أحد بغير الله إلا بغفلته عن الله، فالغافل يفرح بلهوه وهواه، والعاقل يفرح بطاعة مولاه)(1). ثم يأتي بعد يوم العيد أيام التشريق، روى مسلم في صحيحه عن نبيشة الهذلي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«أيام منى أيام أكل وشرب وذكر لله (2)» ، وهذه الأيام هي الأيام المعدودات التي قال الله عز وجل فيها:{وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَات} (3) وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، وأفضلها: أولها وهو يوم القر، لأن الحجاج في منى يستقرون فيه ولا ينفرون، ففي حديث عبد الله بن قرط السابق «إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القر (4)» . وذكر الله عز وجل المأمور به في أيام التشريق أنواع متعددة، منها: ذكره عز وجل عقب الصلوات المكتوبات، بالتكبير في أدبارها، وهو مشروع إلى آخر أيام التشريق، وهو التكبير المقيد، مروي عن
(1) ينظر لهما: لطائف المعارف 485.
(2)
رواه مسلم في صحيحه بشرح النووي -كتاب الصيام- باب تحريم صوم أيام التشريق 8/ 17.
(3)
سورة البقرة الآية 203
(4)
سنن أبو داود المناسك (1765)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 350).
عمر وعلي وابن عباس رضي الله عنهم، ومنها: ذكره جل وعلا بالتسمية والتكبير عند ذبح النسك، فإن وقت ذبح الهدي والأضاحي يمتد إلى آخر أيام التشريق، ومنها: ذكره بالتكبير عند رمي الجمار في أيام التشريق، وهذا خاص بالحجاج، إلى غير ذلك.
ومما ينبغي في هذه الأيام، وبخاصة في آخرها، الاستغفار والدعاء، وقد استحب كثير من السلف رحمهم الله الدعاء بقوله سبحانه:{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار} (1) وقد قال تعالى قبل ذلك: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} (2) قال عطاء: (ينبغي لكل من نفر أن يقول حين ينفر متوجها إلى أهله: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار} (3)، وقال عكرمة:(كان يستحب أن يقال في أيام التشريق: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار} (4)، وهذا الدعاء من أجمع الأدعية لخيري الدنيا والآخرة، لذا فقد كان عليه الصلاة والسلام يكثر منه، وكان إذا دعا بدعاء جعله معه، قال الحسن:(الحسنة في الدنيا العلم والعبادة، وفي الآخرة الجنة)، وقال سفيان:(الحسنة في الدنيا العلم والرزق الطيب، وفي الآخرة الجنة)، وكان أبو موسى الأشعري
(1) سورة البقرة الآية 201
(2)
سورة البقرة الآية 200
(3)
سورة البقرة الآية 201
(4)
سورة البقرة الآية 201
رضي الله عنه يقول في خطبته يوم النحر: (بعد يوم النحر ثلاثة أيام، التي ذكر الله الأيام المعدودات لا يرد فيهن الدعاء، فارفعوا رغبتكم إلى الله عز وجل (1).
وقد ذكر بعض أهل العلم، أن من الحكمة في ختام الطاعات بالذكر والاستغفار، أن العبد لا يؤدي ما فرض عليه على التمام، وعمله يعتوره النقص والخلل، فشرع له الاستغفار مكفرا لما قد حصل منه من تقصير وخلل، لعل الله أن يقبله منه ويرضى به عنه، ومن الحكمة أن سائر العبادات تنقضي ويفرغ منها، وذكر الله باق لا يفرغ منه، وقد أمر الله بذكره عند انقضاء الصلاة، قال الله تعالى:{فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُم} (2) وقال في صلاة الجمعة: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون} (3) وقال تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَب} (4){وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} (5) قال الحسن: (أمره إذا فرغ من غزوه أن يجتهد في الدعاء والعبادة، فالأعمال كلها يفرغ منها، والذكر لا فراغ له ولا انقضاء). وقال
(1) ينظر لهذه الآثار وغيرها تفسير الطبري 4/ 203 - 206، لطائف المعارف 503.
(2)
سورة النساء الآية 103
(3)
سورة الجمعة الآية 10
(4)
سورة الشرح الآية 7
(5)
سورة الشرح الآية 8
بعض الصالحين: (ما طابت الدنيا إلا بذكره عز وجل، ولا الآخرة إلا بعفوه، ولا الجنة إلا برؤيته)، قال بعض أهل العلم:(أيام التشريق يجتمع فيها للمؤمنين نعيم أبدانهم بالأكل والشرب، ونعيم قلوبهم بالذكر والشكر، وبذلك تتم النعم)(1).
وذكر بعض شراح الحديث أن في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنها أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل (2)» ، إشارة إلى أن الأكل والشرب في أيام العيد والتشريق، إنما يستعان به على ذكر الله وطاعته، وذلك من تمام شكر النعمة أن يستعان بها على الطاعات، وقد أمر الله تعالى بالأكل من الطيبات والشكر له، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُون} (3) فمن استعان بنعم الله على معاصيه، فقد كفر نعمة الله وبدلها كفرا، وقد يسلبها (4)، نعوذ بالله من الخذلان.
كان عمر بن عبد العزيز رحمه الله كلما قلب بصره في نعم الله عليه قال: (اللهم إني أعوذ بك أن أبدل نعمتك كفرا، وأن أكفرها بعد أن عرفتها، وأن أنساها ولا أثني بها)، ويقول ابن القيم
(1) ينظر: لطائف المعارف 504.
(2)
صحيح مسلم الصيام (1141)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 75).
(3)
سورة البقرة الآية 172
(4)
ينظر لطائف المعارف 504.