الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مشروعية الأضحية
لا شك أن للأضحية منزلة عظيمة، وشأن كبير في الإسلام، ولا أدل على ذلك ما ورد في شأنها من الآيات والأحاديث التي تدل على مشروعيتها وعظم مكانتها إذ هي من شعائر الله التي تدل على تقوى العبد وخشيته، كما قال تعالى:{وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} (1) قال ابن كثير: (يقول تعالى هذا {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ} (2) أي أوامره {فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} (3) ومن ذلك تعظيم الهدايا والبدن كما قال الحكم عن مقسم عن ابن عباس: تعظيمها استسمانها واستحسانها. وقال مجاهد عن ابن عباس {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ} (4) قال: الاستسمان، والاستحسان والاستعظام. وقال أبو أمامة بن سهل: كنا نسمن الأضحية بالمدينة، وكان المسلمون يسمنون. رواه البخاري).
والأصل في مشروعيتها الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما الكتاب: فقول الله تعالى
…
{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} (5) وقد اختلف في تأويل هذه الآية على خمسة أقوال: أحدها: الذبح يوم النحر، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال عطاء، ومجاهد،
(1) سورة الحج الآية 32
(2)
سورة الحج الآية 32
(3)
سورة الحج الآية 32
(4)
سورة الحج الآية 32
(5)
سورة الكوثر الآية 2
والجمهور (1)، واختاره ابن كثير في تفسيره، قال رحمه الله (2):(المراد بالنحر ذبح المناسك؛ ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العيد ثم ينحر نسكه، ويقول: «من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة فلا نسك له (3)»).
وأما السنة: فقد ورد فيها أحاديث كثيرة، وأخبار مستفيضة غزيرة، تدل بمجموعها على مشروعية الأضحية، وعظم منزلتها من الدين، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا من أشد الناس حرصا عليها، بل والحرص على نحرها بأيديهم.
(1) انظر: زاد المسير (9/ 249).
(2)
((تفسير القرآن العظيم)) (4/ 560).
(3)
صحيح البخاري الجمعة (955)، صحيح مسلم الأضاحي (1961)، سنن أبو داود الضحايا (2800).
ومن خلال النظر في مجمل هذه الأحاديث الشريفة والتي رواها جمع من الصحابة نستطيع أن نستنبط منها ما يدل على شريف منزلة الأضحية، وعلو قدرها في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي أمرنا باتباع سنته، واقتفاء أثره، لنفوز بالمطلوب، وننجو- بإذن الله- من المرهوب، فنقول -وبالله التوفيق:
1 -
أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضحي، ويداوم على فعل الأضحية، وقد استمر على ذلك عشر سنين منذ أن قدم المدينة، ويدل على ذلك: حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:
«أقام النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة عشر سنين يضحي (1)» .
وكذا حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده، وسمى، وكبر ووضع رجله على صفاحهما (2)» .
قال ابن حجر رحمه الله (3): (قول أنس: «أنه كان يضحي بكبشين (4)»؛ للاتباع وفيها أيضا إشعار بالمداومة على ذلك فتمسك به).
وكذلك حديث جابر بن عبد الله الأنصاري: «أن رسول الله
(1) أخرجه الترمذي (ح/1507)، وابن ماجه (ح/3224)، وأحمد (2/ 38)، قال الترمذي: هذا حديث حسن
(2)
أخرجه البخاري (ح /5558)، ومسلم (ح/1966)، وأبو داود (ح/2793)، والترمذي (ح/494)، والنسائي (7/ 220) في المجتبى، وأيضا في الكبرى (3/ 58)، وابن ماجه (ح/2120)، والشافعي في مسنده (ح/174)، وأحمد (3/ 99، 115، 170، 178، 183، 211)، وعبد بن حميد في المنتخب (ح/1385)، والروياني (2/ 377)، وأبو يعلى (ح/2806)، والبغوي في مسند ابن الجعد (ح/1485)، وأيضا في شرح السنة (ح/1118)، وابن الجارود في المنتقى (ح/ 902، 909)، وابن خزيمة (ح/2895، 2896)، وابن حبان (ح/5870)، وعبد الرازق في المصنف (ح/8129)، والطبراني في الدعاء (ح/949)، والدارمي في سننه (ح/1951) والبيهقي في الصغرى (9/ 259)، والحربي في غريب الحديث (ح/3/ 1193)، والقطيعي في جزء الألف دينار (ح/129).
(3)
انظر: فتح الباري (10/ 10)
(4)
صحيح البخاري الأضاحي (5553)، صحيح مسلم الأضاحي (1966)، سنن الترمذي الأضاحي (1494)، سنن النسائي الضحايا (4415)، سنن أبو داود الضحايا (2794)، سنن ابن ماجه الأضاحي (3120)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 268)، سنن الدارمي الأضاحي (1945).
صلى الله عليه وسلم ذبح يوم العيد كبشين، ثم قال حين وجههما: إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، بسم الله، الله أكبر، اللهم منك ولك عن محمد وأمته (1)».
(1) أخرجه أبو داود (ح/2795)، والترمذي (1520)، وابن ماجه (ح/3121)، وأحمد (3/ 375)، وأبو يعلي (ح/1792)، وأبو حنيفة في مسنده (ح/146)، والدارمي (ح/1952)، والدارقطني (4/ 285)، والبيهقي في الكبرى (9/ 273)، وأيضا في فضائل الأوقات (ح/211، 212)، وابن خزيمة (ح/2899)، والحاكم (1/ 639)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (4/ 177)
(2)
أخرجه البخاري (ح/6784)، وأحمد (4/ 233)، والحاكم (3/ 516)، والبيهقي في الكبرى (9/ 268).
2 -
أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرص أشد الحرص على انتقاء الأضحية انتقاء دقيقا بحيث تكون سالمة من العيوب،
وذات منظر جميل، وصفات معينة، ويدل على ذلك حديث أنس السابق:«ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده، وسمى، وكبر ووضع رجله على صفاحهما (1)» ، قال الحافظ ابن حجر (2):(واستدل به على مشروعية استحسان الأضحية صفة ولونا).
وكذلك مما يدل على اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بالأضحية، والحرص على انتقائها، حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال:«ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين، جذعين، مخصيين (3)» .
وكذا حديث أبي رافع رضي الله عنه قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ضحى اشترى كبشين، سمينين، أقرنين، أملحين، فإذا صلى وخطب الناس أتى بأحدهما وهو قائم في مصلاه، فذبحه بنفسه بالمدية، ثم يقول: اللهم إن هذا عن أمتي جميعا ممن شهد لك بالتوحيد، وشهد لي بالبلاغ، ثم يؤتى بالآخر، فيذبحه بنفسه، ويقول: هذا عن محمد وآل محمد، فيطعمهما جميعا
(1) صحيح البخاري الأضاحي (5565)، صحيح مسلم الأضاحي (1966)، سنن الترمذي الأضاحي (1494)، سنن النسائي الضحايا (4415)، سنن ابن ماجه الأضاحي (3120)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 272)، سنن الدارمي الأضاحي (1945).
(2)
المصدر السابق (10/ 11)
(3)
أخرجه أحمد (5/ 196)، والدارقطني في علله (ح/6/ 209)، وأيضا في المؤتلف والمختلف (4/ 2235)، والبيهقي في الكبرى (9/ 272)، والخطابي في إصلاح غلط المحدثين (ح/53)
المساكين، ويأكل هو وأهله منهما، فمكثنا سنين ليس رجل من بني هاشم يضحي، قد كفاه الله المؤنة برسول الله صلى الله عليه وسلم والغرم (1)»
وبنحوه من حديث عائشة أو أبي هريرة رضي الله عنهما، ومن حديث أبي هريرة وحده (2)، ومن حديث أنس بن مالك رضي الله عنه (3) ومن حديث أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه (4)، ومن حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه (5)، ومن حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه (6)، ومن حديث ابن عباس (7) رضي الله عنهما.
وكذلك مما يدل على شدة اعتناء النبي صلى الله عليه وسلم
(1) أخرجه أحمد (6/ 391)، البزار (9/ 318)، والحاكم في المستدرك (2/ 425)، والطبراني في الكبير (1/ 311)، والبيهقي في الكبرى (9/ 259، 268)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (4/ 177).
(2)
أخرجه الطبراني في الكبير (2/ 250)، والدارقطني في سننه (4/ 276)
(3)
أخرجه الدارقطني في سننه 4/ 285)
(4)
أخرجه أبو يعلى (3/ 111)، والطبراني في الكبير (5/ 106)
(5)
أخرجه الطبراني في الكبير (3/ 183)، والحاكم (3/ 386)
(6)
أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح/1209)
(7)
أخرجه الطبراني في الكبير (11/ 150)
بانتقاء الأضحية، حديث عائشة رضي الله عنها قالت:«إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بكبش أقرن، يطأ في سواد، ويبرك في سواد، وينظر في سواد، فأتى به ليضحى به، فقال لها: يا عائشة، هلمي المدية، ثم قال: اشحذيها بحجر. ففعلت، ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه، ثم ذبحه، ثم قال: باسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد. ثم ضحى به (1)» وبنحوه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(1) أخرجه مسلم (ح/1967)، وأبو داود (ح/2792)، وأحمد (6/ 78) والطبراني في الدعاء (ح/948)، وابن حبان في صحيحه (ح/5916)، والبيهقي في الكبير (9/ 267)، وابن قتيبة في غريب الحديث (1/ 188)
3 -
ومما يدل على عظم مكانة الأضحية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرص أشد الحرص ما استطاع على أن ينحر أضحيته بيده الشريفة، ولا يوكل فعل ذلك إلى أحد من أصحابه، ويدل على ذلك حديث أبي رافع، وعائشة رضي الله عنهما المتقدم ذكرهما. قال النووي (1) رحمه الله: (يستحب أن يتولى الإنسان
(1) انظر: شرح صحيح مسلم (13/ 120)
ذبح أضحيته بنفسه، ولا يوكل في ذبحها إلا لعذر).
5 -
ومما يدلل أيضا على عظم مشروعية الأضحية أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى من لم يضح -وهو قادر مستطيع- عن حضور صلاة العيد، فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«من كان له سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا (1)»
(1) أخرجه ابن ماجه (ح/3123)، وأحمد (2/ 321)، والدارقطني (4/ 285)، والحاكم (4/ 258)، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وقال ابن عبد البر في التمهيد (23/ 191): الأغلب عندي في هذا الحديث أنه موقوف على أبي هريرة والله أعلم ا. هـ، وقال ابن حجر في الفتح (10/ 3): ورجاله ثقات لكن اختلف في رفعه ووقفه والموقوف أشبه بالصواب قاله الطحاوي وغيره ا. هـ
6 -
ومما يدلل أيضا على عظم مشروعية الأضحية أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنها من سنة المسلمين، ومن علاماتهم التي يعرفون بها، ومن ذلك ما رواه البراء رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، من فعله فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء. فقام أبو بردة بن نيار، وقد ذبح فقال: إن عندي جذعة. فقال: اذبحها، ولن تجزي عن أحد بعدك (1)» قال مطرف: عن عامر عن البراء: قال النبي صلى الله
(1) صحيح البخاري الأضاحي (5545)، سنن النسائي صلاة العيدين (1563)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 282).