الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وتغال بعيدا عن مقصود الشارع، كما أن إهمال الظواهر إسراف أيضا، وعليه فإن عقوبة السجن شرعت لمقاصد نبيلة، من أهمها: إصلاح الجناة ودفع شرهم عن المجتمع فإذ نتج عن تطبيقها ما يزيد الإجرام ويفسد الجناة فلا بد من إعادة النظر في تطبيق ذلك؛ رعاية للمصالح التي قصدها الشارع في هذه العقوبة؛ لأن العقوبات الشرعية كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: شرعت رحمة من الله لعباده فهي صادرة عن رحمة الله وإرادة الإحسان إليهم؛ ولهذا ينبغي لمن يعاقب الناس على الذنوب أن يقصد بذلك الإحسان إليهم والرحمة بهم، كما يقصد الوالد تأديب ولده وكما يقصد الطبيب معالجة المريض) (1)
(1) منهاج السنة 5/ 237.
نماذج من بدائل السجن:
حيث إن السجن عقوبة تعزيرية موكول أمر تعيينها وتقديرها إلى اجتهاد الوالي بحسب المصلحة في كل زمان ومكان، فإن مما ينبغي على الوالي عمله أن يجتهد في اختيار العقوبات التعزيرية المناسبة لمكافحة الجريمة، قال الإمام ابن القيم رحمه الله: ولما كانت مفاسد الجرائم متفاوتة غير منضبطة في الشدة والضعف والقلة والكثرة جعلت عقوباتها راجعة إلى اجتهاد الأئمة وولاة الأمور، بحسب المصلحة في كل زمان ومكان، وبحسب أرباب الجرائم في
أنفسهم فمن سوى بين الناس في ذلك وبين الأزمنة والأحوال لم يفقه حكمة الشرع (1).
ويمكن أن نعرض لبعض صور التعزير التي ذكرها الفقهاء في كتبهم؛ لنعرف سعة هذا المجال أمام القاضي وهو يكافح الجريمة ويستصلح المجرم، فمن ذلك:
أولا: العقوبة المالية:
لم يتفق الأئمة على جواز الأخذ بالعقوبة المالية بأنواعها سواء بالإتلاف أو الغرامة أو المصادرة، فقد اتجه فريق من العلماء إلى أن التعزير بالمال منسوخ، وحكوا الإجماع على ذلك فلا تشرع العقوبة به (2).
وقد رد ذلك العلامة ابن القيم قائلا: (ومن قال إن العقوبات المالية منسوخة وأطلق ذلك، فقد غلط على مذهب الأئمة نقلا واستدلالا، فأكثر هذه المسائل سائغ في مذهب أحمد وغيره وكثير منها سائغ عند مالك.
وفعل الخلفاء الراشدين وأكابر الصحابة لها بعد موته صلى الله عليه وسلم مبطل أيضا لدعوى نسخها، والمدعون للنسخ ليس معهم
(1) أعلام الموقعين 2/ 128.
(2)
انظر: حاشية الدسوقي 4/ 355، نيل الأوطار 5/ 121
كتاب ولا سنة ولا إجماع يصحح دعواهم، إلا أن يقول أحدهم: مذهب أصحابنا عدم جوازها فمذهب أصحابه عيار للقبول والرد؟ وإذا ارتفع عن مذهب الطبقة: ادعى أنها منسوخة بالإجماع. وهذا خطأ -أيضا- فإن الأمة لم تجمع على نسخها، ومحال أن ينسخ الإجماع السنة، ولكن لو ثبت الإجماع لكان دليلا على نص ناسخ) (1) اهـ.
وللعلماء في تلك المسألة قولان:
القول الأول: أن التعزير بالمال لا يجوز، وهذا مذهب أبي حنيفة ومحمد بن الحسن، وهو قول المالكية في المشهور عنهم، قال الدسوقي:(ولا يجوز التعزير بأخذ المال إجماعا) وذلك في حاشيته على الشرح الكبير لدردير (2).
وهذا القول هو مذهب الشافعي في الجديد (3).
قال الشافعي في الأم: (لا يعاقب رجل في ماله، وإنما يعاقب في بدنه، إنما جعل الله الحدود على الأبدان، وكذلك العقوبات فأما على الأموال فلا عقوبة عليها، (4)، وأخذ به عند طائفة من الحنابلة فقد قال ابن قدامة: (والتعزير يكون بالضرب والحبس والتوبيخ ولا يجوز قطع
(1) الطرق الحكمية ص227، 226.
(2)
حاشية الدسوقي 4/ 355.
(3)
المجموع 5/ 334.
(4)
الأم 4/ 265.
شيء منه ولا جرحه ولا أخذ ماله) (1) وأدلتهم:
1 -
قول الله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (2)
2 -
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (3) وكذلك عموم الأحاديث التي تدل على حرمة مال المسلم ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه (4)» .
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم في خطبته يوم النحر في حجة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم (5)» .
وهذه النصوص حجة لمن يرى أن أخذ مال المسلم بغير رضاه وطيب نفس منه لا يجوز، وأخذ ماله عقوبة لا تطيب بها نفس المعاقب فعليه لا يجوز التعزير به (6).
(1) المغني 12/ 526.
(2)
سورة البقرة الآية 188
(3)
سورة النساء الآية 29
(4)
أخرجه أحمد في المسند 5/ 425، والبيهقي في الكبرى 6/ 100.
(5)
أخرجه البخاري في صحيحه فتح 8/ 135، مسلم حديث رقم 1679.
(6)
انظر: نيل الأوطار 5/ 123.
وقالوا أيضا: إن التعزير بأخذ المال يغري الظلمة من الولاة بأخذ أموال الناس بالباطل فيمنع سدا للذريعة. وقالوا أيضا: إن التعزيرات المالية منسوخة وإن الإجماع قد قام على نسخها فلا تشرع العقوبة بها.
والصحيح أن دعوى الإجماع غير صحيحة وفعل الخلفاء الراشدين وأكابر الصحابة مبطل لدعوى نسخها (1).
وقد سبق قول العلامة ابن القيم: (ومن قال: إن العقوبات المالية منسوخة وأطلق ذلك فقد غلط على مذاهب الأئمة نقلا واستدلالا، فأكثر هذه المسائل سائغ في مذهب أحمد وغيره وكثير منها سائغ عند مالك)(2).
(1) انظر: تهذيب السنن لابن القيم 2/ 194.
(2)
الطرق الحكمية ص226
القول الثاني: إن التعزير بأخذ المال جائز وسائغ، وهذا القول هو قول أبي يوسف من الحنفية وهو قول عند المالكية نسبه إليهم ابن فرحون المالكي في تبصرة الحكام، وقال أبو العباس ابن تيمية رحمه الله:(التعزير بالمال سائغ إتلافا وأخذا وهو جار على أصل أحمد)(1).
وقال ابن القيم: فأكثر هذه المسائل سائغ في مذهب أحمد
(1) مجموع الفتاوى 28/ 109 - 111.
وغيره (1).
وقد استدل هؤلاء الأئمة بأدلة كثيرة منها ما يلي:
1 -
قوله تعالى: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ} (2)
2 -
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التمر المعلق فقال: «من أصاب منه بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه ومن خرج بشيء فعليه غرامة مثليه والعقوبة (3)» .
فأوجب النبي صلى الله عليه وسلم على من خرج بشيء من التمر المعلق غرامة مثليه، وأوجب على من أخذ الحريسة أيضا أن فيها ثمنها مرتين، وهذا دليل على جواز العقوبة بأخذ المال.
3 -
عن عوف بن مالك قال: «قتل رجل من حمير رجلا من العدو فأراد سلبه، ومنعه خالد بن الوليد رضي الله عنه، وكان واليا عليهم، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم عوف بن مالك، فأخبره فقال صلى الله عليه وسلم لخالد: ما منعك أن تعطيه سلبه قال استكثرته يا رسول الله، فقال: ادفعه إليه، فمر خالد بعوف فجر
(1) الطرق الحكمية ص226
(2)
سورة الحشر الآية 5
(3)
سنن أبي داود 2/ 335، وحسنه الترمذي 3/ 584، النسائي 8/ 85.
بردائه، ثم قال: هل أنجزت لك ما ذكرت لك من رسول الله، فسمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستغضب فقال: لا تعطه يا خالد لا تعطه يا خالد هل أنتم تاركون لي أمرائي (1)».
4 -
عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «في كل إبل سائمة في كل أربعين ابنة لبون لا تفرق إبل عن حسابها، من أعطاها مؤتجرا فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا تبارك وتعالى لا يحل لآل محمد منها شيء (2)» .
والتعزير بالمال يكون بثلاثة أشياء هي:
أولا: الإتلاف، والمراد به كل ما يؤدي إلى ذهاب المال وضياعه وخروجه من يد صاحبه.
وثانيا: بالغرامة، وعقوبة الغرامة أثبتها وعاقب بها النبي صلى الله عليه وسلم من سرق من غير حرز حيث غرمه مثليه كما سبق.
وثالثا: المصادرة، وهي حكم ولي الأمر بانتقال ملكية أشياء معينة من الشخص المعاقب إلى بيت المال (3).
وأصل العقوبة بالمصادرة جاءت بالسنة، وفعلها عمر رضي الله
(1) أخرجه مسلم في صحيحه برقم 1753.
(2)
سنن أبي داود 2/ 233، وسنن النسائي 5/ 15، 16.
(3)
انظر التعريفات للجرجاني 114.
عنه، ونص بعض الفقهاء على مصادرة بعض الأموال، فثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي حميد الساعدي قال للرجل الذي استعمله على الصدقات وهو ابن اللتبية «فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقا (1)» ثم صادر ما كان معه من تلك الهدايا كما جاء ذلك في الصحيحين.
وثبت عن عمر أنه صادر بعض عماله فأخذ شطر أموالهم لما اكتسبوها بجاه العمل واختلط ما يختصون به بذلك فجعل أموالهم بينهم وبين المسلمين شطرين (2).
ومنها أنه استعمل أبا هريرة على البحرين فاجتمع له اثنا عشر ألفا، فلما قدم على عمر قال له: يا عدو الله وعدو المسلمين أسرقت مال الله؟ فقال أبو هريرة: لست بعدو الله والمسلمين ولكني عدو من عاداهما، ولم أسرق مال الله، ولكن خيلي تناسلت، وعطائي تلاحق وسهامي اجتمعت، قال أبو هريرة: فأخذ مني عمر اثني عشر ألفا فلما صليت الغداة قلت: اللهم اغفر لعمر (3).
وإذا صودر المال المعين فإن مآله إما إلى بيت المال، كما فعل
(1) أخرجه البخاري في كتاب (الحيل) باب احتيال العامل يهدى له برقم (6464) ومسلم في كتاب (الإمارة)27.
(2)
الطرق الحكمية ص227.
(3)
الأموال لأبي عبيد ص381، وفتوح البلدان للبلاذري ص 112.