الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نزلت في مناسبة مشهد من مشاهد الجدل والحجاج بين النبي صلى الله عليه وسلم وبعض زعماء الكفار.
ولقد انطوى فيها تلقينات جليلة مستمرة المدى، منها تقبيح المماراة في الحق اندفاعا وراء الهوى واعتدادا بالنفس وتعمدا للشقاق والمعارضة، ومنها تقبيح التمسك بالتقاليد الموروثة على علاتها، ومنها إيجاب مقابلة كل فكرة أو دعوة جديدة بالتدبّر والتروي واتباع ما يكون فيه حقّ وخير وصلاح مهما كان مغايرا للقديم.
تعليق على مدى ما انطوى في جملة أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا
والمعنى المنطوي في جملة أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا تكرر في آيات أخرى بأسلوب آخر حيث حكت إحدى آيات سورة فاطر أن من المشركين من كان يحلف أنهم إذا ما جاءهم نذير منهم يتبعونه حتى يكونوا أهدى من الأمم الأخرى ثم استكبروا لما بعث محمد صلى الله عليه وسلم نذيرا كما ترى في هذه الآيات: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً (42) اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر:
42-
43] وحيث حكت آيات في سورة الزخرف قولهم إن القرآن كان يجب أن ينزل على أحد زعماء مكة أو الطائف واستكبارهم لما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم كما ترى في هذه الآيات: وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ (30) وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [الزخرف: 30- 32] وحيث يبدو أن اختصاص النبي بالوحي ولم يكن من الزعماء والأغنياء كان من العوامل الهامة في حمل الزعماء أو بعضهم على الأقل على مناوأته والصدّ عن دعوته.
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ (1)(12) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ (13) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ (14) وَما يَنْظُرُ (2) هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ (3)(15) وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا (4) قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (16)[12- 16] .
(1)
ذو الأوتاد: الراجح أن المقصود منها الأهرام التي كانت كالجبل.
والقرآن استعمل الكلمة في معنى الجبال، ومن ذلك آية في سورة النبأ: وَالْجِبالَ أَوْتاداً (7) .
(2)
ينظر: ينتظر.
(3)
فواق: رجوع.
(4)
قطنا: قسطنا ونصيبنا.
الآيات متصلة بالسياق اتصال تعقيب وتذكير وإنذار كما هو واضح حيث ذكرت بعض الأقوام الذين أشارت الآيات السابقة إشارة خاطفة إليهم وكيف أن الله أهلكهم دون أن يجدوا مغيثا ولا مهربا وقررت أن كل من كذّب في السابق استحقّ عذاب الله وأن مكذبي النبي صلى الله عليه وسلم لن يلبثوا حتى تأخذهم الصيحة التي لا فواق لهم بعدها ولا رجوع. أما الآية الأخيرة فقد حكت قولا ساخرا من أقوالهم، فيه استخفاف وتحدّ، جوابا على ما ينذرهم النبي صلى الله عليه وسلم من العذاب، فطلبوا من الله أن يعجّل بعذابهم في الدنيا قبل الآخرة، وهذه صورة جديدة من مواقفهم تكررت منهم وتكررت حكايتها عنهم في القرآن كما جاء في آية سورة الرعد هذه:
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ (6) وفي آية سورة الحج هذه:
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47) .
ومع هذا التأويل للآية الذي قال به غير واحد من المفسرين فهناك من أوّلها بأنها حكاية لطلبهم جميع حظوظهم وما يبشرون به من الجنة الأخروية في الدنيا وحسب بأسلوب السخرية والتحدي من حيث إنهم يجحدون الحياة الأخروية «1» .
ولا يخلو هذا التأويل من وجاهة أيضا.
ولقد روى الطبري في سياق الآية [15] حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه أبو هريرة أن الصيحة تعني النفخ بالصور. وقد أوردنا هذا الحديث في سياق تفسير سورة المدّثر وعلّقنا عليه بما فيه الكفاية فنكتفي بهذه الإشارة.
والأقوام المذكورون في الآيات قد ذكروا في السور السابقة ذكرا عابرا حينا وبشيء من البيان حينا، والأسلوب هنا كما هو في السابق أسلوب إنذار وتذكير، وهو الهدف الجوهري في القصص القرآنية على ما قررناه في المناسبات السابقة، التي ذكرنا فيها ما اقتضاه المقام من تعريف وبيان. وليس في ما جاء عنهم هنا ما يتحمل تعليقا جديدا.
اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ (1) إِنَّهُ أَوَّابٌ (17) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (2)(19) وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ (3)(20) وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ (4) إِذْ تَسَوَّرُوا (5) الْمِحْرابَ (6)(21) إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ (7) وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ (22) إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها (8) وَعَزَّنِي (9) فِي الْخِطابِ (23) قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ (10) نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ (11) لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ وَظَنَّ (12) داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ (13) فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ (24) فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى (14) وَحُسْنَ مَآبٍ (15)(25) يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً
(1) انظر الطبري.
فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ (26) وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28) كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (29)[17- 29] .
(1)
ذا الأيد: ذا القوّة.
(2)
كل له أوّاب: كل مسبّح معه منقاد ومطيع له.
(3)
فصل الخطاب: بمعنى القول الفصل المصيب أو القضاء العادل المصيب.
(4)
الخصم: المتخاصمون أو المتنازعون في قضية.
(5)
تسوروا: صعدوا من على السور.
(6)
المحراب: مكان الاعتكاف والعبادة. ومما قيل إن معنى الكلمة المكان الذي يحارب دونه لعزّته أو قداسته.
(7)
لا تشطط: لا تبتعد ولا تنحرف عن الحق.
(8)
أكفلنيها: ضعها تحت يدي أو تحت كفالتي والمقصود تخلّ لي عنها.
(9)
عزني: شدّد عليّ وغلبني.
(10)
سؤال: هنا بمعنى طلب.
(11)
الخلطاء: الشركاء.
(12)
ظنّ: هنا بمعنى أدرك وتيقن.
(13)
فتنّاه: امتحنّاه.
(14)
زلفى: مكانة أو قربى.
(15)
حسن مآب: حسن مقام ومرجع.
وجّه الخطاب في أول هذه الآيات إلى النبي صلى الله عليه وسلم تأمره بتحمل ما يقول الكفار