الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مما استهدفته الآيات فيما هو المتبادر أيضا.
تعليق على الآية هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ والآيات التسع التالية لها وما فيها من صور وتلقين
لقد روى الطبري وغيره عن أهل التأويل روايات مختلفة الصيغ متفقة المدى تفيد أن جملة نَفْسٍ واحِدَةٍ تعني آدم الذي كان أول من خلقه الله من البشر وجملة وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها تعني حواء التي خلقها الله منه وأنهما كان يسميان أولادهما بأسماء منسوبة إلى الله مثل عبد الرحمن وعبد الله فيموتون فوسوس لهما إبليس بتسميتهم بأسماء غير منسوبة إلى الله مثل عبد الحرث ففعلا فعاشوا. وهناك حديث رواه الترمذي والحاكم وصححه عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لما حملت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال سمّيه عبد الحرث فسمّته عبد الحرث فعاش وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره» «1» . غير أن هناك من توقف في هذه الروايات وفي الحديث ونعته بالمرفوع أو الموقوف بل وهناك من قال إنه مروي عن إسرائيليين ولا يجوز الأخذ به «2» . وروي عن الحسن أن الآيات هي في صدد رجل وامرأة من كفّار بني آدم ومشركيهم «3» وهناك من روى أنها في صدد عربي وعربية من قريش من ولد قصي «4» . ولقد قال الذين تمسكوا بصحة الحديث إن الكلام في الآية الأولى فقط في صدد آدم وحواء. واستشكلوا في نسبة الشرك إليهما فقالوا إنه ليس شرك عبادة وإنما هو شرك طاعة. لأن هناك قاعدة عند أهل السنّة من المفسرين وهي التقيّد بالحديث النبوي إذا صحّ عندهم في تفسير الآيات.
(1) التاج ج 4 ص 107.
(2)
انظر تفسير رشيد رضا والقاسمي وابن كثير.
(3)
انظر هذه الكتب وانظر الطبري والبغوي.
(4)
انظر الزمخشري.
وهذا حق. غير أن الحالة هنا هي غير ذلك لأن الحديث ليس مجمعا عليه بل ومتوقفا فيه. وإذا أمعنّا في الآيات نراها أولا وحدة تامة منسجمة برغم انتقال الضمائر فيها من الجمع الغائب إلى الجمع المخاطب الذي هو مألوف في النظم القرآني «1» ونراها ثانيا مصبوبة على المشركين وأوثانهم وفيها تنديد بهم وتحدّ لهم.
ونرى في صرفها أو صرف بعضها إلى آدم وحواء مشكلا وفي ما حاولوه من صرف نسبة الشرك إليهما تكلفا. وضمير الجمع المخاطب الذي انتقل إليه الكلام يجعلنا نرى القول إنها في صدد مشركين عرب هو الأوجه. بل وإنها موجهة إلى المشركين السامعين.
ولقد قال المؤولون والمفسرون الذين صرفوها إلى المشركين العرب إن ما عنته الآية الأولى هو ما كانوا يطلقونه على أولادهم من أسماء معبوداتهم مثل عبد اللاة وعبد مناة وعبد العزى وعبد يغوث وعبد ودّ. ومع احتمال الصواب في هذا ووجاهته فإنه يتبادر لنا أن الإشارة أعمّ شمولا وأنها تعني أيضا تسفيه عقيدتهم في كون شركائهم ذوي أثر فيما يتّم لهم من نعمة الولد وسلامته. وفيما يأخذون به من إشراك شركائهم مع الله بالشكر والدعاء والاتجاه.
وفي الآيات كما هو المتبادر صورة أوضح مما سبق لعقيدة الشرك عند العرب قبل الإسلام وشمولها وهدفها الدنيوي. ولقد علّقنا على هذه العقيدة وهدفها في سياق تفسير سورة المدثّر فلا نرى ضرورة للإعادة.
والوصف الذي احتوته الآيات للشركاء قد يدلّ على أن موضوع الكلام هو الأوثان الجامدة التي كان العرب يتخذونها رموزا لآلهتهم السماوية وبخاصة للملائكة ويقيمون عندها طقوسهم ويقربون قرابينهم على ما شرحناه في سياق سورة (النجم) ، وفي الآية [198] بخاصة دليل أو قرينة على أن هذه الأوثان كانت
(1) من أمثلة ذلك آية سورة يونس هذه: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22) .