الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولقد انحرفوا انحرافات خطيرة جدا في العقيدة والسلوك والأخلاق في زمن موسى عليه السلام وبعده فنفذ الله وعيده فيهم وسلّط عليهم من ضربهم الضربات القاصمة واستولى على بلادهم ودمّر مدنهم ومعابدهم وشتتهم في أنحاء الأرض عبيدا أذلة على ما ذكرته أسفارهم وكتب التاريخ القديمة ثم آيات قرآنية عديدة في سور البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأعراف والجمعة. ولقد ظلّ انحرافهم مستمرا إلى زمن النبي صلى الله عليه وسلم. وكانت منهم تجاهه مواقف وتصرفات كثيرة فيها انحراف ديني وأخلاقي واجتماعي خطير على ما حكته آيات قرآنية كثيرة في السور المذكورة فكان نتيجة لذلك أن ضرب الله عليهم الذلّة والمسكنة وأن باءوا بغضبه وأن آلى على نفسه أن يبعث عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب على ما جاء في آيات عديدة في السور المذكورة. ومن واجب المسلمين أن يعتقدوا أن الله محقق وعيده فيهم. وأنهم فقدوا ما منحهم الله إياه وكتبه لهم مما جاء في الآيات بسبب ذلك الانحراف وأن ما جاء في الآيات قد كان والحالة هذه لزمن مضى وانقضى.
ونحن نعرف أن اليهود يتمسكون أيضا بما ورد في سفر التكوين وغيره من الأسفار من وعد الله بتمليك إبراهيم وإسحق ويعقوب وأنسالهم هذه الأرض إلى الأبد. وهذه الأسفار ليست هي المنزلة من الله تعالى وقد كتبت بعد موسى عليه السلام بمدة ما بأقلام مختلفة. وطرأ عليها كثير من التحريف والتشويه. وتأثرت بالوقائع التي جرت لبني إسرائيل بعد موسى على ما سوف يأتي شرحه بعد قليل فلا تكون حجة يستطيع أن يحاجّ اليهود بها المسلمين بل وغيرهم.
تعليق على جملة رَبِّ الْعالَمِينَ في الآيات
وهذه الجملة الواردة في هذه الحلقة مرة بلسان موسى عليه السلام ومرة بلسان بني إسرائيل في الآيتين [104 و 121] تتحمل تعليقا هاما. فالأسفار المتداولة اليوم التي كانت متداولة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم والمكتوبة بأقلام كتّاب
مختلفين متعددين بعد موسى عليه السلام على ما سوف نشرحه بعد قليل وصفت الله عز وجل بربّ إسرائيل وإله إسرائيل ووصفت بني إسرائيل بأنهم شعب الله المختار الذي وعدهم بأن يجعل غيرهم من الشعوب عبيدا لهم وأباح لهم دماءهم وأموالهم وبلادهم وأمرهم بإبادتهم تعالى الله وتنزّه عن ذلك حتى أنهم رفضوا أن يشاركهم جماعة دانت بالدين اليهودي من غير جنسهم في بناء معبد أورشليم حينما سمح لهم كورش ملك الفرس بذلك وقالوا هذا معبد ربنا ونحن الذين نبنيه وحدنا. فالمتبادر أن حكمة التنزيل اقتضت أن تأتي الجملة في مقامها عن لسانهم وعن لسان موسى عليه السلام لتكون تصحيحا لتحريف لا شك فيه أدّى إلى رسوخ ذلك في أذهان بني إسرائيل وتقريرا لحقيقة الأمر بكون الله تعالى رب العالمين جميعا وليس ربّ إسرائيل وإلههم وحسب «1» . اتساقا مع الوصف الذي ما فتئ القرآن يصف به الله تعالى منذ أوّله على ما شرحناه في سياق سورة الفاتحة. والذي نعتقده أن وصف الله تعالى بربّ العالمين هو الذي لا بد من أن يكون موسى وهارون قد ذكراه لفرعون وقومهم وأن هذا الوصف لا بد من أن يكون واردا في سفر الشريعة الذي كتبه موسى عليه السلام ووضعه في تابوت العهد والذي احتوى ما أوحاه الله إليه من مبادئ وأحكام وشرائع ووصايا والذي انفقد ولم يصل إلينا.
وأن الديدن الإسرائيلي المتمثل بوصف الله تعالى بربّ إسرائيل وإله إسرائيل وبوصف بني إسرائيل بأنهم شعب الله المختار الذي يقف دائما معهم ضدّ شعوب الأرض هو تحريف متصل بسيرتهم وجبلتهم.
وفي سورة النساء آيتان مهمتان في هذا الباب وهما: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (49) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً (50) حيث كانوا يقولون على ما رواه الرواة في سياق الآيتين إنهم أحباب الله وشعبه المختار ويمحو ما يرتكبونه من ذنوب وإنهم أولياء الله.
(1) انظر مثلا الإصحاح (34) من سفر الخروج والإصحاحات (14 و 31) من سفر العدد والإصحاحات (7 و 20) من سفر التثنية والإصحاح (4) من سفر عزرا.