الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ.
وهذه الروايات لم ترد في كتب الأحاديث الصحيحة. ومهما يكن من أمر فالمتبادر من روح الجملة والتي بعدها أنهما أسلوبيتان بسبيل بيان شدّة سخط الله تعالى على الكافرين المستكبرين عن آياته واستحالة حصولهم على رضائه والدخول في جنته. والله تعالى أعلم.
التلقين الذي انطوى في حكاية تلاوم الأجيال المتعاقبة في جهنم
والمتبادر أن المقصود من أولاهم وأخراهم الذين حكت الآيات تلاومهم هم الآباء والأبناء أو الأجيال السابقة والأجيال اللاحقة أو الفئات التابعة والفئات المتبوعة. وأن كلام الآخرين هو من قبيل الاعتذار بأنهم إنما ساروا على خطوات الأولين وضلوا بضلالهم، وردّت الآيات عليهم بأن العذاب المضاعف لهم جميعا لأن كل امرئ رهن بما كسب ولا تفيده مثل هذه الحجة. ومع واجب الإيمان بما أخبرت به الآيات من الحوار الذي سوف يكون بين فئات الكفار في النار فإن في الصيغة التي ورد فيها ذلك تلقينا مستمر المدى في تقبيح اتباع الأولين أو الآباء أو الزعماء في كل ما ساروا عليه ولو كان شرّا أو ضلالا وإثما وفي وجوب تروي كل امرئ وكل جيل في أمر نفسه وتحري طريق الحق والهدى والسير فيه وسقوط حجة المحتجين في تقليد غيرهم والسير على خطواتهم، وقد تكرّر مثل هذا التلقين في آيات كثيرة مما مرّ أمثال له في السور السابقة.
[سورة الأعراف (7) : الآيات 42 الى 45]
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَاّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (42) وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ (45)
(1)
غلّ: حقد.
(2)
أذّن مؤذن: نادى مناد.
(3)
يصدّون: يمنعون.
(4)
يبغونها عوجا: يريدون أن تكون معوجة وغير مستقيمة والجملة كناية عن إرادتهم تعطيل دعوة الله.
الآيات استمرار للسياق كذلك كما هو المتبادر وهي بسبيل بيان المصير السعيد الذي يصير إليه المؤمنون الصالحون مقابلة لما سبق بيانه من مصير الكافرين والمستكبرين، وعبارتها واضحة لا تحتاج إلى بيان آخر.
وأسلوب الآيات قوي مشوّق من شأنه بثّ الطمأنينة في نفوس المؤمنين الصالحين كما هو واضح ومع واجب الإيمان بما أخبر به القرآن من الحواريين أصحاب الجنة وأصحاب النار فإنه كما هو المتبادر متصل بهذا الهدف من جهة وفيه إنذار بالمناسبة للكفار وبخاصة لزعمائهم الظالمين الباغين الذين يصدّون عن سبيل الله ويبغونها عوجا من جهة أخرى.
وما حكي في الآيات عن لسان المؤمنين في جملة الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ مفسّر كما هو ظاهر في جملة لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ حيث تبين أن ذلك هو ما جاء به رسل الله من بيانات وشرائع وتلقينات.
وهذا متسق مع تقريرات القرآن العامة في حكمة إرسال الرسل لبيان ما لا يمكن معرفته بالعقل وحده من رسوم وحدود وحكم ربانية متنوعة. وقد جاءت الآيات مطلقة لتكون عامة الشمول والتقرير والبشرى والإنذار والتلقين كما هو المتبادر.
ولقد أورد مؤلف التاج في كتاب التفسير في سياق الآية [43] حديثا رواه مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ينادي مناد إن لكم أن تصحّوا فلا تسقموا أبدا وإنّ لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا وإنّ لكم أن تشبّوا فلا تهرموا أبدا وإنّ لكم أن تنعموا فلا تبتئسوا أبدا» فذلك قول الله عز وجل: وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ «1» وفي الحديث من البشرى والتطمين للمؤمنين ما يتساوق من ذلك في الآيات كما هو واضح.
ولقد أورد ابن كثير في سياق جملة وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «واعلموا أنّ أحدكم لن يدخله عمله الجنة. قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلّا أن يتغمّدني الله برحمة منه وفضل» . ولقد روى هذا الحديث الشيخان والنسائي عن أبي هريرة بهذه الصيغة:
وإزاء الصراحة القطعية في الآية ليس من بد من حمل الحديث على قصد تنبيه المؤمنين إلى عدم إنهاك أنفسهم بما لا يطيقونه من الأعمال الصالحة ويكفي منهم ما يطيقونه. وهو ما ينطوي في أول الحديث حين التمعّن فيه. وهناك حديث صحيح آخر قد يؤيد هذا التوجيه رواه البخاري عن أبي هريرة قال: «قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الدين يسر ولن يشادّ الدين أحد إلّا غلبه. فسدّدوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدّلجة» «3» والله تعالى أعلم.
(1) التاج ج 4 ص 103- 104. [.....]
(2)
التاج ج 5 ص 195- 196.
(3)
التاج ج 1 ص 41- 42.