الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والتدبّر والتروّي وحسبان العواقب والاعتبار بالسوابق. وفيها في ذات الوقت تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم.
فشأن الجاحدين شأن أمثالهم السابقين. جاءتهم أنبياؤهم فجحدوا وتمردوا.
وامتحنهم الله بالضيق ثم باليسر فغفلوا عن مغزى هذا الامتحان وظنوا أن ما وقع عليهم هو عادات الدهر التي تتراوح بين الشدّة والفرج. فلما بلغ البغي منهم أوجه أخذهم الله أخذا قويّا بما كسبت أيديهم في حين أنهم لو آمنوا بالله واتقوه بصالح العمل لفتح الله عليهم بركات السماء والأرض. ولكنهم لم يرعووا وقست قلوبهم فحلّ نكال الله بهم. وإنه لأجدر بالسامعين الجاحدين أن يتعظوا بأنباء من سبقهم وأحداثهم ويذكروا أن الله قادر على أن يصيبهم بذنوبهم، وأن لا يطمئنوا إلى ما هم فيه ويظنوا أنهم في أمن ويغفلوا عن بأس الله ونقمته. فإن المطمئن الغافل هو الخاسر حتما. ولقد بدا أنهم ساروا في طريق أمثالهم ولم يتعظوا وكذبوا نبيهم ولم يف أكثرهم بعهد الله وتمردوا عليه وقست قلوبهم وانسدّت آذانهم وكانوا فاسقين.
والأسلوب التقريري القوي الذي جاءت عليه الآيات مطلق التوجيه بحيث يتناول في عظمته وشموله وما فيه من تقرير عادة الله ونواميسه وطبائع أكثر الناس في جميع الأجيال. وما احتواه من تلقين جليل مستمر المدى بطبيعة الحال تبعا لذلك.
تعليق على عبارة يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ
وفي الآيتين الأخيرتين ورد مقطعان عن طبع الله على قلوب الكافرين. وهذا التعبير قد تكرر في مواضع عديدة ومناسبات مماثلة. وكان من أسباب التشاد بين علماء الكلام حيث رآه فريق دليلا على أن أعمال الناس ومصائرهم مقدرة محتمة منذ الأزل، وأوّله فريق آخر رأى في رأي هذا الفريق ما يناقض عدل الله وحكمته في إرسال الرسل، وما يتناقض مع تقريرات قرآنية متنوعة.
والذي يلهمه سياق الآيات هنا وسياق الآيات الأخرى التي ورد فيها هذا
التعبير أنه ليس في معنى أن الله قد قسّى قلوب أناس بأعيانهم سلفا وأغلق أذهانهم وصرفهم عن الاستجابة إلى دعوة الله كقضاء أزلي. وفحوى الآيات هنا وفي غير مكان لا يمكن أن يساعد على ذلك لأنها تحتوي في الوقت نفسه لوما وتنديدا وإنذارا وتعنيفا للكافرين على جحودهم وانحرافهم. وإنما هو بسبيل وصف شدّة قسوة قلوبهم بسبب سوء طويتهم وخبث نيتهم حيث يؤدي ذلك إلى انغلاق أذهانهم، أو بسبيل تقرير ما يصيرون إليه من ذلك نتيجة لمواقف المكابرة والعناد التي يقفونها حتى يبدو أنه أصيل فيهم.
ومما يلحظ أن هذا التعبير يأتي دائما مع وصف الكفر والجحود والفسق والخسران مع التنديد والتقريع بالكافرين الجاحدين الفاسقين حيث يبدو أن الآيات في الحقيقة إنما تقرر أن الكفر والفسق وعدم الاستجابة لدعوة الحق ونقض العهد كل ذلك قد وجد في الكافرين فنعتوا بهذا النعت واستحقوا من أجله التنديد والتقريع والتعنيف. وفي الآيات يبدو هذا قويا بارزا.
ولعلّ من أهداف هذا التعبير وأمثاله تسلية النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وكأنما يقال لهم إنه لا موجب للحزن والأسى إذا لم تلن قلوب الكافرين والجاحدين فإن الله قد طبع عليها بما بيّتوه من نيّة الكفر وانطبعوا عليه من خبث وفساد وفسق.
ولقد ثبت يقينا أن كثيرين من الذين وصفوا بوصف الكافرين والفاسقين والظالمين والذين تقرّر الآيات أن الله يطبع على قلوبهم وأن كلمة الله حقّت عليهم بأنهم لا يؤمنون من السامعين للقرآن من عرب وغير عرب ومن مشركين وكتابيين قد آمنوا بالرسالة المحمدية والقرآن ونالوا رضاء الله بعد نزول هذه الآيات وتابوا وتاب الله عليهم حيث يصحّ القول إن هذه الآيات وأمثالها الكثيرة في القرآن مما مرّ ويأتي قد انطوت على تسجيل للواقع عند نزولها وعلى تأييد لما شرحناه به آنفا.
وإن ما احتوته من إنذار وتنديد إنما يظلّ واردا بالنسبة للذين يصرون على الكفر والفسق والظلم ويموتون على ذلك ويبقى الوصف ملازما لهم. وفي القرآن آيات كثيرة تؤيد ذلك منها آيات سورة البقرة هذه: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ