الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
واشتراها منه سليمان ولما فتحها وجد الخاتم فسجد لله شاكرا وعاد إلى ملكه.
وهذا تأويل الفتنة التي فتن الله بها سليمان والجسد الذي ألقاه على كرسيه. ونعتقد أن هذه القصة مما كان متداولا في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم وأن مصدرها اليهود. والله تعالى أعلم.
تعليق على ما روي في سياق قصة سليمان من رؤية النبي صلى الله عليه وسلم عفريتا من الجنّ ومن رؤيته إبليس أيضا
لقد روى البخاري في فصل التفسير في صحيحه في سياق فصل قصة سليمان عليه السلام عن أبي هريرة قال: «قال النبي صلى الله عليه وسلم إن عفريتا من الجنّ تفلّت البارحة يقطع عليّ صلاتي فأمكنني الله منه فأخذته فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلّكم فذكرت دعوة أخي سليمان رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [ص: 35] فرددته خاسئا» «1» . وقد أورد ابن كثير في سياق ذلك وبعد الحديث الذي أوردناه آنفا حديثا آخر عزوا إلى صحيح مسلم ومرويا عن أبي الدرداء قال: «قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي فسمعناه يقول أعوذ بالله منك ثم قال ألعنك بلعنة الله ثلاثا ثم بسط يده كأنه يتناول شيئا فلمّا فرغ من الصلاة قلنا يا رسول الله سمعناك تقول في الصلاة شيئا لم نسمعك تقوله قبل ذلك ورأيناك بسطت يدك قال إنّ عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي فقلت أعوذ بالله منك ثلاث مرات ثم قلت ألعنك بلعنة الله التّامة فلم يستأخر ثلاث مرات ثم أردت أن آخذه والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقا يلعب به صبيان أهل المدينة» . وقد أورد نصا مقاربا لهذا النص أخرجه الإمام أحمد أيضا.
ونقف حائرين أمام هذه الأحاديث. ففي سورة الأعراف هذه الآية عن الشيطان الذي جاء في سياق طويل مرادفا لإبليس: إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا
(1) التاج ج 4 ص 197.
تَرَوْنَهُمْ [27] وإبليس في الوقت نفسه من الجنّ على ما جاء في آية سورة الكهف هذه: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ
…
[50] وإلى هذا فالقرآن ذكر في موضعين خبر استماع بعض طوائف الجنّ للقرآن من لسان النبي صلى الله عليه وسلم بأسلوب يفيد أن النبي لم ير المستمعين ولم يشعر بهم وإنما علم الخبر من القرآن كما ترى في آية سورة الأحقاف هذه: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29) وآيات سورة الجن هذه: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً (2) فإذا صحّت الأحاديث فيكون النبي صلى الله عليه وسلم قد استثني من آية الأعراف وأنه رأى عفريت الجنّ وإبليس بالقوة التي اختصّه الله بها والتي كان يرى بها الملائكة أيضا. والله أعلم.
وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ (1) بِنُصْبٍ (2) وَعَذابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ (3) هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ (4)(42) وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً (5) فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ (6) إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44)[41- 44] .
(1)
الشيطان: هنا مرادف لإبليس ومفهومه.
(2)
نصب: شقاء أو بلاء أو مرض.
(3)
اركض برجلك: اضرب برجلك الأرض.
(4)
مغتسل بارد وشراب: ماء بارد للشرب والاغتسال.
(5)
ضغثا: حزمة من القشّ.
(6)
لا تحنث: لئلا تحنث بيمينك أو قسمك.
وهذه حلقة ثالثة من السلسلة. وهي استمرار للسياق والموضوع والهدف على ما ذكرناه سابقا. والخطاب في الآية الأولى موجه للنبي صلى الله عليه وسلم كما وجّه إليه في
أول السلسلة. وهناك أمر له بالصبر على ما يقول الكفار وهنا أمر له بالتذكر بما وقع لأيوب وما كان منه. والخطاب يحتمل أن يتضمن أمر ذكر ذلك للمسلمين أو للسامعين وتذكيرهم به بطبيعة الحال. وعبارة الآيات واضحة لا تحتاج إلى بيان آخر.
وهذه أول مرة يرد فيها اسم أيوب عليه السلام. وقد تكرر وروده بعد ذلك.
ومن أسفار العهد القديم سفر خاص به احتوى قصته مفصلة. وهي متفقة مع الإشارات المقتضبة الواردة عنه في الآيات القرآنية مع الفارق في الأسلوب من حيث إنها في السفر قصة وسيرة وفي الآيات لم تقصد لذاتها وإنما قصد منها العظة والعبرة والذكرى.
وملخص القصة في السفر أن أيوب كان نبيا وكان صاحب مال وافر وأنعام وأولاد وأهل، متمتعا برفاه العيش ورغد الحياة. وكان يقوم بواجب الشكر لله على نعمه. وأن حوارا جرى بين الله والشيطان في صدده فقال هذا لله إن أيوب إنما يشكره على نعمه وإنه لن يلبث أن يجحده لو سلبها منه.
فأخذ الله يمتحنه ببلاء بعد بلاء باقتراح من الشيطان إلى أن هلك أولاده ومواشيه وأمواله بكوارث ساحقة متلاحقة، ثم ابتلي بأمراض في جسمه وقروح في جسده. وحاول الشيطان إغواءه وتغيير قلبه وروحه فأخفق وثبت أيوب في الامتحان وظلّ متمسكا بالصبر والإنابة والخضوع لله لا يدعو إلا الله للتفريج عنه.
وحينئذ شمله الله برحمته ونعمته ثانية فأنبط الله له ماء كان له في شربه والاغتسال به البرء والشفاء، وردّ عليه ما فقده من مال ومواش وولد، ومنحه المزيد من نعمته.
ولقد كانت امرأته تقوم على خدمته بإخلاص غير أنها كانت أحيانا تظهر التذمر والتألم مما حلّ بهم من بلاء ومصائب، فاعتبر أيوب عليه السلام ذلك منها تمردا على الله، فأقسم أن يجلدها مائة جلدة إن شفاه الله. فأوحى الله إليه بأن يضربها مرة واحدة بحزمة من القش فيها مئة عود فلا يحنث بيمينه بسبب ما كان منها من إخلاص وحسن وفاء هي الأخرى.