الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تحريم نبوي للحيل في إبطال شرائع الله تعالى.
وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ (1)(45) إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (2)(46) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (47) وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ (48)[45- 48] .
(1)
أولي الأيدي والأبصار: الأقوال متعددة في تأويل الجملة وأوجهها أنها بمعنى أولي القوة في العبادة والطاعة وأولي البصيرة في الدين والشريعة.
(2)
إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار: أوجه الأقوال في تأويل الجملة أنها بمعنى إنا جعلناهم خالصين لنا بخصلة خالصة فيهم وهي تذكرهم الدار الآخرة والعمل لها والزهد عن غيرها.
هاتان حلقتان أخريان من السلسلة. والخطاب فيهما موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالتبعية بذكر إبراهيم وإسحاق ويعقوب ثم إسماعيل واليسع وذي الكفل أنبياء الله الذين اصطفاهم ورفع أقدارهم وخصّهم ببرّه وتكريمه لما كانوا عليه من حسن الطاعة والبصيرة والعمل الصالح، والآيات استمرار في السياق السابق وهدفها الدعوة إلى التأسّي بهم والاعتبار بما نالوه من حسن المآب والكرامة الربانية، وهو هدف السلسلة عامة على ما نبهنا عليه.
تعريف بالأسماء المذكورة في الآيات
وذكر إبراهيم عليه السلام ورد في سور سابقة، أما الأسماء الأخرى فهذه هي المرة الأولى التي ترد. ثم تكررت في سور تالية. ولقد ذكر إسحاق ويعقوب وإسماعيل عليهم السلام مرارا في سفر التكوين المتداول اليوم بشيء من الإسهاب.
وقد ذكرنا لمحة عن إبراهيم عليه السلام في سورة الأعلى فنكتفي الآن بذلك لأن ذكره هنا جاء خاطفا. ومما جاء في هذا السفر عن إسحق ويعقوب وإسماعيل:
1-
إن إسماعيل وإسحق هما من أبناء إبراهيم. وإن يعقوب هو ابن إسحق.
2-
إن إسماعيل هو البكر وأمه مصرية اسمها هاجر. وإنه لما ولد غارت زوجة إبراهيم سارة وطلبت إبعاده مع أمه. وأمره وحي الله بتلبية طلبها ووعده بأنه سيجعل نسل ابنه أمة عظيمة. وأبعده إلى برية فاران حيث استقرّ وتزوج وصار له اثني عشر ولدا ونمت ذرياتهم نموا عظيما.
3-
إن إسحق ولد لإبراهيم وسارة بعد شيخوختهما وببشارة ومعجزة ربانية.
وكان موضع عناية الله ووعده بأن يجعل من نسله أمة كبيرة. وشاخ ومات ودفن في أرض كنعان.
4-
إن يعقوب هو ابن إسحق وتؤام لأخ له اسمه عيسو الذي كان هو الأول في الولادة. وإن يعقوب اشترى بكورية أخيه بأكلة عدس واحتال على أبيه «1» حينما شاخ وعمي فقدم له نفسه باسم عيسو وحصل على بركته ودعائه بأن يجعل ذريته هي السيدة على ذرية أخيه وعلى سائر الأمم فصار موضع عناية الله وتجلّى له مرارا وسمّاه إسرائيل وصار له اثني عشر ولدا من أمهات عديدة. ونمت ذريتهم وصارت اثني عشر سبطا وانتسبوا إلى جدّهم الأكبر إسرائيل الذي صار اسما ليعقوب.
ونكتفي الآن عنهم بهذه اللمحة لأنهم ذكروا هنا ذكرا خاطفا. وقد ذكروا في القرآن مرارا بتوسع أكثر وسنعود إلى ذكرهم بتوسع أكثر في المناسبات الآتية. وفي كتب التفسير «2» روايات وبيانات مسهبة عنهم معزوة إلى العلماء من أصحاب رسول الله وتابعيهم حيث يفيد هذا أن ذكرهم كان متداولا في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة. وليس من مصدر لذلك إلّا الجاليات الكتابية والجاليات اليهودية بنوع خاص. أما اليسع فهو على الأرجح اليشاع أحد أنبياء بني إسرائيل الذي ورد ذكره مرارا في سفر
(1) نحن ننقل ما ورد في السفر وموقفنا من أنبياء الله تعالى هو موقف المنزّه المكرّم في نطاق الأسلوب والمضمون القرآنيين.
(2)
انظر تفسير الآيات ثم تفسير آيات سورتي الأنعام والأنبياء في كتب تفسير الطبري وابن كثير والخازن والطبرسي.
الملوك الثاني في الطبعة البروتستانتية والرابع في الطبعة الكاثوليكية وذكر خبر نشاطه ومعجزاته المتعددة وتبليغاته لبني إسرائيل. وقد ذكر مرة أخرى في القرآن في سورة الأنعام في سلسلة الأنبياء بوصفه من ذرية إبراهيم مع إسماعيل ذكرا خاطفا كما ذكر هنا. ولم يرو عنه المفسرون فيما اطلعنا عليه شيئا كثيرا، وعلى كل حال فإنه هو الآخر كان معروف الاسم والهوية في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة مثل الذين ذكروا في أسفار العهد القديم على ما هو المتبادر ومن طريق الجاليات اليهودية «1» . وأما ذو الكفل فإن المفسرين رووا في صدده وشخصيته روايات متعددة منها أنه من أنبياء بني إسرائيل أو من رجالهم الصالحين أو أنه ملك عادل تكفل لنبيّ قومه بالعدل فسمّي ذا الكفل أو أنه شاب صالح تكفّل لنبيّ قومه بالصيام والصلاة وعدم الغضب فوفى بما تكفّل به فسمّي ذا الكفل أي ذا الحظ من ثواب الله أو ذا الثواب المضاعف لأن معنى الكفل هو الحظ أو الضعف. ومنها أن اسمه الحقيقي زكريا أو يوشع بن نون أو عدويا. ومنها أنه كان جبارا عاصيا تاب وأناب إلى الله فسمي باسمه «2» . وروى ابن كثير في صدده حديثا وصفه بالغريب رواه الإمام أحمد عن ابن عمر أنه قال: «سمعت من رسول الله أكثر من مرة يقول كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورّع عن ذنب فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها فلما قعد منها مقعد الرجل أرعدت وبكت فقال لها ما يبكيك هل أكرهتك؟
قالت: لا ولكن هذا عمل لم أعمله قط وإنما حملني عليه الحاجة، قال: فتفعلين هذا ولم تفعليه قط ثم نزل عليها وقال اذهبي بالدنانير لك والله لا يعصي الكفل الله أبدا. فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه قد غفر الله للكفل» . وعلى كل حال فالذي نرجحه أن اسمه وشخصيته لم يكونا مجهولين عند سامعي القرآن وأهل بيئة النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة. ومن المحتمل كثيرا الذي يسوغه صيغة الاسم العربية أنه نبي عربي مثل هود وصالح وشعيب. والله أعلم.
(1) انظر كتب التفسير السابقة الذكر.
(2)
انظر المصدر نفسه.