الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{الفصل الثالث}
1132-
(10) عن عمرو بن سلمة قال: ((كنا بماء ممر الناس، يمر بنا الركبان نسألهم: ما للناس، ما للناس؟
ــ
ابن الجوزي عن أحمد أنه سئل عنه، فقال ما سمعنا به. وقال الدارقطني: ليس فيها شيء يثبت. قال الحافظ: وللبيهقي في هذا الباب أحاديث كلها ضعيفة غاية الضعف. وأصح ما قيل حديث مكحول عن أبي هريرة على إرساله، يعني انقطاعه. وقال أبوأحمد الحاكم: هذا حديث منكر. وقد أطال الزيلعي الكلام في هذا الحديث في نصب الراية (ج2 ص26- 28) .
1132-
قوله: (عن عمرو بن سلمة) بكسر اللام. قال الفتني في المغني: سلمة كله بفتح اللام إلا عمرو بن سلمة الجرمي إمام قومه، وبني سلمة القبيلة من الأنصار فبكسرها- انتهى. قال الحافظ في الفتح: عمرو بن سلمة مختلف في صحبته، ففي هذا الحديث أن أباه وفد. وفيه إشعار بأنه لم يفد معه. وأخرج ابن مندة من طريق حماد بن سلمة عن أيوب ما يدل على أنه وفد أيضاً، وكذلك أخرجه الطبراني، وقال في تهذيب التهذيب: وفد أبوه على النبي صلى الله عليه وسلم، وكان عمرو يصلي بقومه في عهده وهو صغير لم يصح له سماع، ولا رواية. وروي من وجه غريب أنه أيضاً وفد مع أبيه روى عن أبيه، وعنه أبوقلابة الجرمي وغيره. قلت: روى ابن مندة في كتاب الصحابة حديثه من طريق صحيحة، وهي رواية الحجاج بن المنهال عن حماد بن سلمة عن أيوب عن عمرو بن سلمة قال: كنت في الوفد الذين وفدوا على الرسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا تصريح بوفادته. وقد روى أبونعيم في الصحابة أيضاً من طرق ما يقتضي ذلك. وقال ابن حبان: له صحبة. وقال في التقريب: صحابي صغير نزل البصرة. وقال ابن عبد البر في الاستيعاب (ج2 ص446) أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يؤم قومه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان أقرؤهم للقرآن. وقد قيل: إنه قدم على النبي صلى الله عليه وسلم مع أبيه، ولم يختلف في قدوم أبيه. وقال ابن حزم في المحلى (ج2 ص218) : قد وجدنا لعمرو بن سلمة هذا صحبة ووفادة على النبي صلى الله عليه وسلم مع أبيه -انتهى. وأبوه سلمة بفتح السين وكسر اللام ابن قيس. وقيل: نفيع الجرمي بفتح الجيم وسكون الراء صحابي، ما له في البخاري سوى هذا الحديث، وكذا ابنه. (كنا بماء) أي ساكنين بمحل ماء. قال الطيبي: بماء خبر كان وقوله: (ممر الناس) أي عليه، صفة لماء أو بدل منه، أي نازلين بمكان فيه ماء يمر الناس عليه. قال الحافظ: يجوز في ممر الحركات الثلاث – انتهى. (يمر بنا) استئناف أو حال من ضمير الاستقرار في الخبر. (الركبان) بضم الراء جمع الراكب للبعير خاصة، ثم اتسع فيه فأطلق على من ركب دابة. (نسألهم) أي نقول لهم. (ما للناس ما للناس) بالتكرار مرتين أي أيّ شيء حدث للناس كناية عن ظهور دين الإسلام، والتكرار لغاية التعجب. وقال الطيبي: سؤاله هذا يدل على
ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله أوحي إليه، أوحي إليه كذا. فكنت أحفظ ذلك الكلام، فكأنما يغري في صدري، وكانت العرب تلوم بإسلامهم الفتح فيقولون: أتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم،
ــ
حدوث أمر غريب، ولذا كرروه وقالوا:(ما هذا الرجل) كناية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يدل على سماعهم منه نبأ عجيباً، فيكون سؤالهم عن وصفه بالنبوة، ولذلك وصفوه بالنبوة، كذا قاله الطيبي، أي هذا الرجل الذي نسمع منه نبأ عجيباً أي ما وصفه. وقال الحافظ: أي يسألون عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن حال العرب معه. (فيقولون) أي الركبان. (يزعم) أي الرجل يعني يقول. (أوحي إليه كذا) هكذا في جميع النسخ الموجودة عندنا، وكذا في جامع الأصول (ج6 ص376) . والذي في البخاري أوحى الله. (بلفظ الجلالة بدل إليه)، كذا أي آية كذا أو سورة كذا. قال الطيبي: كناية عن القرآن. ووقع لغير أبي ذر أو أوحى الله كذا، أي بزيادة لفظ "أو" وهو للشك من الراوي، يريد به حكاية ما كانوا يخبرونهم به ما سمعوه من القرآن. وفي المستخرج لأبي نعيم فيقولون: نبي يزعم أن الله أرسله وأن الله أوحى إليه كذا وكذا. (فكنت أحفظ ذلك الكلام) أي الذي ينقلونه عنه، ولأبي داود: وكنت غلاماً حافظاً، فحفظت من ذلك قرآناً كثيراً. (فكأنما يغري في صدري) بضم التحتية وفتح الغين المعجمة وتشديد الراء المهملة على بناء المجهول من التغرية، وهو الإلصاق بالغراء وهو الصمغ، أي كأنما يلصق في صدري، ونسبها الحافظ في الفتح للإسماعيلي، قال: ورجحها عياض. قال القاري: ما وقع في أصل نسخ المشكاة الحاضرة فهي رواية الإسماعيلي، وكذا حققه المحقق الشيخ ابن حجر في شرح صحيح البخاري. وقيل: بسكون الغين وفتح الراء من الإغراء. وقيل: بفتح التحتية وسكون الغين وفتح الراء على بناء المعلوم من غيري بالكسر يغري بالفتح، أي يلصق بالغراء، والغراء بالمد والقصر ما يلصق به الأشياء، ويتخذ من أطراف الجلود والسمك، وفي الصحاح: إذا فتحت الغين قصرت، وإذا كسرت مددت. وفي رواية الكشمهيني: يقر بضم الياء وفتح القاف وتشديد الراء من القرار. وفي رواية عنه يقرى بزيادة ألف مقصورة، أي يجمع من قريت الماء في الحوض، أي جمعته، والبعير يقرى العلف في شدقه، أي يجمعه. وفي رواية الأكثرين: يقرأ مجهولاً بسكون القاف آخره همزة مضمومة من القراءة، أي يجمع من قرأ بمعنى جمع، يقال للمرأة ما قرأت بسلى قط، أي لم تجمع في بطنها ولداً. وقال الشاعر: هجان اللون لم يقرأ جنيناً. (وكانت العرب) أي ما عدا قومه عليه السلام. والمراد أكثرهم. (تلوم) بفتح التاء واللام والواو المشددة. وأصله بتائين فحذفت إحداهما تخفيفاً، أي تنتظر وتتربص. (الفتح) أي فتح مكة يعنى النصرة والظفر على قومه. (فيقولون) تفسير لقوله "تلوم". أنث الضمير أولاً باعتبار الجماعة، وجمع ثانياً باعتبار المعنى. (وقومه) أي قريشاً، وهو منصوب على المعية. (ظهر عليهم) أي
فهو نبي صادق. فلما كانت وقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم، فلما قدم، قال: جئتكم والله من عند النبي حقاً، فقال: صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا. فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآناً. فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآناً مني، لما كنت أتلقى من الركبان. فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت عليّ بردة كنت إذا سجدت تقلصت عني، فقالت امرأة من الحي:
ــ
غلب على قومه. (فهو نبي صادق) إذ لا يتصور غلبته عليهم كذلك إلا بمحض المعجزة الخارقة للعادة القاضية بأنه لا يظهر عليهم لضعفه وقوتهم. (فلما كانت وقعة الفتح) في رمضان سنة ثمان من الهجرة. (بادر) أي سارع وسابق. (بدر أبي قومي) أي غلبهم وسبقهم. قال الطيبي: قوله "بدر" من باب المبالغة، أي بادر أبي القوم فبدرهم أي غلبهم في البدار بالكسر أي المبادرة. وقال العيني: قوله: بادر أي أسرع، وكذا قوله: بدر، يقال بدرت إلى شيء وبادرت، أي أسرعت. (فلما قدم) أي أبي من عند النبي صلى الله عليه وسلم. قال الحافظ في الفتح، والعيني في العمدة: هذا يشعر بأنه ما وفد مع أبيه، ولكن لا يمنع أن يكون وفد بعد ذلك. (قال) أي لهم (جئتكم والله من عند النبي حقاً) قال الطيبي: هذا حال من الضمير العائد إلى الموصول، أعنى الألف واللام في النبي صلى الله عليه وسلم على تأويل الذي نبي حقاً- انتهى. أو حال كونه محقاً، قاله ابن حجر، أو حق هذا القول حقاً، قاله القاري. (فقال) .. أي النبي صلى الله عليه وسلم قولاً من جملته. (فإذا حضرت الصلاة) أي وقتها. (فليؤذن أحدكم) أي خياركم خير لكم. فلا ينافي ما تقدم من حديث ابن عباس: ليؤذن لكم خياركم؛ لأن هذا لبيان لأفضل، وذلك لبيان الأجزاء، قاله القاري. (فليؤمكم) كذا في جميع النسخ الحاضرة أي بالفاء. والذي في البخاري وليؤمكم أي بالواو، وكذا أي بالواو نقله المجد بن تيمية في المنتقى، والزيلعي في نصب الراية، والجزري في جامع الأصول (ج6 ص387) . فالظاهر أن ما وقع في المشكاة خطأ من النساخ. (أكثركم قرآناً) ولأبي داود: قالوا يا رسول الله! من يؤمنا؟ قال أكثركم جمعاً للقرآن. (فنظروا) أي في الحي. (فلم يكن أحد أكثر) بنصبه قال القاري: وفي نسخه بالرفع، أي فلم يوجد أحد أكثر. (لما كنت أتلقى) أي القرآن من التلقي، وهو التلقن والأخذ. (فقدموني بين أيديهم) أي للإمامة. (وأنا ابن ست أو سبع سنين) وللنسائي: وأنا ابن ثمان سنين. ولأبي داود: وأنا ابن سبع سنين أو ثمان سنين. (وكانت عليّ بردة) شمله مخططة. وقيل: كساء أسود مربع فيه صفر تابسه الأعراب. وفي رواية لأبي داود: وعليّ بردة لى صغير صفراء. وفي أخرى: كنت أؤمهم في بردة موصلة فيها فتق. (تقلصت عني) بقاف ولام مشددة وصاد مهملة، أي انجمعت
ألا تغطون عنا أست قارئكم؟ فاشتروا، فقطعوا لي قميصاً، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص)) .
ــ
وانضمت وارتفعت عني لقصرها وصغرها وضيقها وفتقها حتى يظهر شيء من عورتي. وفي رواية أبي داود: تكشفت عني. وفي أخرى: خرجت أستى. (ألا) بتخفيف اللام فالهمزة للإنكار. (عنا) أي عن قبلنا أو عن جهتا. (أست قارئكم) بهمزة وصل أي دبره وعجزه، ولأبي داود: فقالت امرأة من النساء واروا عنا عورة قارئكم. قال في لسان العرب: الستة والأست معروفة، وهومن المحذوف المجتبلة له ألف الواصل الجوهري والأست العجز، وقد يراد به حلقة الدبر، وأصله سته على فعل بالتحريك يدل على ذلك أن جمعه أستاه مثل جمل وأجمال. (فاشتروا) مفعوله محذوف أي ثوباً. ولأبي داود: فاشتروا لي قميصاً عمانياً بضم العين مخففاً نسبه إلى عمان من البحرين. (فرحي) أي مثل فرحي. (بذلك القميص) إما لأجل حصول التستر وعدم تكلف الضبط وخوف الكشف، وإما فرح به كما هو عادة الصغار بالثواب الجديد. وزاد أبوداود في رواية له: قال عمرو بن سلمة فما شهدت مجمعاً من جرم إلا كنت إمامهم. والحديث فيه دليل على أن الأحق بالإمامة الأقرأ. وأن المراد بالأقرأ في حديث أبي مسعود وأبي مسعود وأبي سعيد السابقين الأكثر جمعاً للقرآن لا الأحسن قراءة والأكثر علماً وفقهاً. وفي تقديم عمرو بن سلمة وهو ابن سبع سنين، أو ثمان سنين، دليل على جواز إمامة الصبي المميز للمكلفين في النافلة والفريضة. وقد اختلف الناس فيه: فممن أجاز ذلك الحسن البصري وإسحاق بن راهوية والبخاري، والشافعي وله في الجمعة قولان: قال في الأم: لا تجوز. وقال في الإملاء: تجوز، وكرهه عطاء والشعبي ومالك والأوزاعي والثوري وأحمد، وإليه ذهب أصحاب الرأي. قال في المرقاة: في الحديث دليل على جواز إمامة الصبي. وبه قال الشافعي، وعنه في الجمعة قولان: وقال مالك وأحمد لا يجوز إمامة الصبي، وكذا قال أبوحنيفة: واختلف أصحابه في النفل، فجوزه مشائخ بلخ، وعليه العمل عندهم وبمصر والشام، ومنعه غيرهم وعليه العمل بما وراء النهر- انتهى. وقال الحافظ في الفتح: وعن أبي حنيفة وأحمد روايتان، والمشهور عنهما الاجزاء في النوافل دون الفرائض، واستدل من منع إمامة الصبي بأنه متنفل لعدم وجوب الصلاة عليه، ولا يجوز اقتداء المفترض به، أي بالمتنفل؛ لأن صلاة الإمام متضمنة لصلاة المقتدي صحة وفساداً، لقوله عليه السلام: الإمام ضامن. ولا شك أن الشيء يتضمن ما هو دونه لا ما هو فوقه، فلم يجز اقتداء البالغ بالصبي، وأجيب بأن انتفاع وجوب الصلاة على الصبي لا يستلزم عدم صحة إمامته، لما تقدم من صحة صلاة المفترض خلف المتنفل في باب القراءة. وسيأتي أيضاً. وأما قوله عليه السلام:"الإمام ضامن" فقد سبق بيان معناه ووجه عدم صحة الاستدلال به على مدعاهم في باب فضل الأذان، واستدلوا أيضاً بما روى عن ابن مسعود قال: لا يؤم الغلام حتى تجب عليه الحدود، وعن ابن عباس قال: لا يؤم الغلام حتى يحتلم. أخرجهما الأثرم في سننه، وأثر ابن عباس أخرجه عبد الرزاق عنه
مرفوعاً. قال الحافظ في الفتح: اسناده ضعيف وأجيب عنه بأنه من قول الصحابي وللاجتهاد فيه مسرح، فلا يكون حجة سيما وقد ورد ما يدل على خلافه، وهو حديث عمرو بن سلمة الجرمي الذي نحن بصدد شرحه، واحتج ابن حزم على عدم الصحة بأنه صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يؤمهم أقرأهم. قال: فعلى هذا إنما يؤم من يتوجه إليه الأمر، والصبي ليس بمأمور؛ لأن القلم رفع عنه، فلا يؤم كذا قال، ولا يخفى فساده؛ لأنا نقول: المأمور من يتوجه إليه الأمر من البالغين بأنهم يقدمون من اتصف بكونه أكثر قرآناً فبطل ما احتج به، كذا في الفتح قال الحنيفة: ومن وافقهم حديث عمرو هذا لاحجة فيه على صحة إمامة الصبي؛ لأنه لم يرد أن ذلك كان عن أمره صلى الله عليه وسلم ولا عن علمه وتقريره وإنما قدموه باجتهادهم، ورد بأن دليل الجواز وقوع ذلك في زمن الوحي ولا يقرر فيه على فعل ما لا يجوز، سيما في الصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام، وقد نبه صلى الله عليه وسلم بالوحي على القذى الذي كان في نعله، فلو كان إمامة الصبي لا تصح لنزل الوحي بذلك. وقد استدل أبوسعيد وجابر بأنهم كانوا يعزلون والقرآن ينزل، والوفد الذين قدموا عمراً كانوا جماعة من الصحابة. قال ابن حزم في المحلى (ج4 ص218) بعد رواية الحديث: فهذا فعل عمرو بن سلمة، وطائفة من الصحابة معه لا يعرف لهم من الصحابة مخالف فأين الحنفيون والمالكيون المشنعون بخلاف الصحابة، إذا وافق تقليدهم وهم أترك الناس له لا سيما من قال منهم أن ما لا يعرف فيه خلاف فهو إجماع. وقد وجدنا لعمرو هذا صحبة ووفادة على النبي صلى الله عليه وسلم مع أبيه- انتهى. وقال الحافظ في الفتح: لم ينصف من قال: إنهم فعلوا ذلك باجتهادهم ولم يطلع النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك؛ لأنها شهادة نفي، ولأن زمن الوحي لا يقع التقرير فيه على ما لا يجوز، كما استدل أبوسعيد وجابر لجواز العزل، لكونهم فعلوه عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان منهيا عنه لنهي عنه في القرآن - انتهى. وأجابوا أيضاً بما ذكر الخطابي في المعالم (ج1 ص169) : عن أحمد بن حنبل أنه كان يضعف أمر عمرو بن سلمة، وأنه قال: مرة دعه ليس بشيء بين، وبأنه لم يخرج البخاري حديث عمرو هذا في باب إمامة العبد والمولى وولد البغي والأعرابي والغلام الذي لم يحتلم، ولم يستدل به على إمامة غير البالغ، بل احتج لذلك بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: يؤمهم أقرأهم لكتاب الله. والظاهر أنه فعل ذلك؛ لأنه رأى حديث عمرو غير بين في الدلالة على ذلك فتوقف فيه كما توقف أحمد، فقد نقل أيضاً عنه أنه قال:"لا أدري ما هذا" فلعله لم يتحقق بلوغ أمر النبي صلى الله عليه وسلم، ورد بأن عمرو بن سلمة، هذا صحابي. وقد روى ما يدل على أنه وفد النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم، وحديثه هذا صحيح، وظاهر في الدلالة على إمامة الصبي، كما تقدم وجه الاستدلال به، فلا معنى لتضعيف أمره والتوقف في الاستدلال به على جواز إمامة غير البالغ للمكلف. وأجابوا أيضاً بأن عمرو بن سلمة كان عند إمامته لقومه بالغاً، ثم اختلفوا فقال قائل وهو
رواه البخاري.
1133-
(11) وعن ابن عمر، قال: ((لما قدم المهاجرون الألون المدينة، كان يؤمهم
ــ
ابن القيم، كما صرح في البدائع (ج4 ص91) : أن رواية: "أنه كان له سبع سنين" فيه رجل مجهول، فهو غير صحيح. وقال بعضهم: إن العمر المذكور في الحديث هو لتلقينه القرآن من الركبان لا لإمامته. وقد وقع التقصير من الراوي في التعبير حيث جعله عمر إمامته. قال في فيض الباري (ج2 ص 218) : والجواب عندي إن في القصة تقديماً وتأخيراً، فما ذكره من عمره، هو عمر تعلمه القرآن دون عمر إمامته، كما يعلم من مراجعة كتب الرجال. وقال في (ج4 ص113) قوله:"فقدموني بين أيديهم وأنا ابن ست سنين أو سبع سنين" فيه تصور إذ عمره المذكور عند تحقيق كان لأخذ القرآن لا لإمامته. وهكذا بيعته أيضاً كان بعد ما بلغ الحلم. وقد قصر الراوي في التعبير- انتهى بلفظه. ورد بأنه لا دليل على أن عمرو بن سلمة كان قد بلغ الحلم عند إمامته لقومه، بل تبطله الروايات المصرحة بكونه غير بالغ عند تقديم قومه له لإمامة الصلاة، فلا يلتفت إلى قولهم، لكونه دعوى مجردة عن البرهان. وأما قول ابن القيم بأن الرواية المذكورة غير صحيحة، فهو صادر عن الغفلة؛ لأنها مخرجة في صحيح البخاري. وأما ما قال صاحب الفيض: إن القصة وقع فيها تقديم وتأخير وأن العمر المذكور في الحديث كان لأخذه القرآن لا لإمامته. ففيه أنه ادعاء محض. ونسبه الوهم والقصور إلى الراوي من غير حجة وبينة، وقد راجعنا كتب الرجال فلم نجد فيها شيئاً يدل على ما ادعاه، ولا يمكن لمن يدعي ذلك أن يأتي عليه بنقل قوي أو ضعيف أبدا. وأما القدح في الحديث بأن فيه كشف العورة في الصلاة، وهو لا يجوز. ففيه أنه يحتمل أن يكون ذلك قبل علمهم بالحكم، فلا يعترض بذلك على من استدل بقصة عمرو هذه على جواز إمامة غير البالغ فتأمل. (رواه البخاري) في غزوة الفتح. وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والنسائي والبيهقي.
1133-
قوله: (لما قدم) أي من مكة. (المهاجرون الأولون) أي الذين سبقوا بالهجرة إلى المدينة، وقدموا أولاً قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم (المدينة) بالنصب على الظرفية، لقوله "قدم" كذا في جميع النسخ للمشكاة. وكذا نقله الجزري في جامع الأصول (ج6 ص 378) ونسبه إلى البخاري وأبي داود. والذي في البخاري في إمامة العبد من كتاب الصلاة العصبة موضعاً بقباء. وفي رواية أبي داود: لما قدم المهاجرون الأولون نزلوا العصبة. قال الحافظ: أي المكان المسمى بذلك، وهو بإسكان الصاد المهملة بعدها موحدة. واختلف في أوله فقيل: بالفتح. وقيل: بالضم. ثم رأيت في النهاية: ضبطه بعضهم بفتح العين والصاد المهملتين. قال أبوعبيد البكرى: لم يضبطه الأصيلي في روايته، والمعروف المعصب بوزن محمد بالتشديد وهوموضع بقباء. (كان يؤمهم) أي المهاجرين،
سالم مولى أبي حذيفة، وفيهم عمر، وأبوسلمة بن عبد الأسد.
ــ
ومن أسلموا من أهل المدينة. (سالم) بالرفع اسم كان. (مولى أبي حذيفة) هو ابن عتبة بن ربيعة بن عبدشمس ابن عبد مناف القرشي، كان من فضلاء الصحابة من المهاجرين الأولين، صلى القبلتين وهاجر الهجرتين جميعاً، وكان إسلامه قبل دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم للدعاء فيها إلى الإسلام، هاجر مع امرأته سهلة بنت سهل بن عمرو إلى أرض الحبشة، ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة، فأقام بها حتى هاجراإلى المدينة. وشهد بدراً وأحداً والخندق والحديبية والمشاهد كلها، وقتل يوم اليمامة شهيدا، وهو ابن ثلاث أو أربع وخمس سنة. يقال: اسمه مهشم. وقيل: هشيم. وقيل: هاشم. وكان سالم المذكور مولى زوج أبي حذيفة الأنصارية، فأعتقه وكانت إمامته بهم قبل أن يعتق، وإنما قيل له مولى أبي حذيفة؛ لأنه لما أعتقته مولاته زوج أبي حذيفة تولى أبا حذيفة ولازمه وتبناه أبوحذيفة، فلما نهوا عن ذلك قيل له مولاه، واستشهد سالم باليمامة في خلافة أبي بكر. قال الذهبي: سالم مولى أبي حذيفة من كبار البدريين، مشهور كبير القدر. يقال له سالم بن معقل، وكان من أهل فارس من اصطخر. وقيل: إنه من العجم من سبي كرمان، وكان يعد في قريش لتبني أبي حذيفة له، ويعد في العجم لأصله، ويعد في المهاجرين لهجرته، ويعد في الأنصار لأن معتقته أنصارية، ويعد من القراء؛ لأنه كان أقرأهم أي أكثرهم قرآناً. وقال ابن عبد البر: كان من فضلاء الموالى ومن خيار الصحابة وكبارهم. وههنا في البخاري زيادة لم يذكرها المصنف وهو قوله: "وكان أكثرهم قرآناً"، وفيه إشارة إلى سبب تقديمهم له مع كونهم أشرف منه. وفي رواية للطبراني، كما في مجمع الزوائد (ج2 ص64) ؛ لأنه كان أكثرهم قرآناً. (وفيهم) أي وفي الذين كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة. (عمر) بن الخطاب. (وأبوسلمة بن عبد الأسد) هو عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي زوج أم سلمة قبل النبي صلى الله عليه وسلم كان أخا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخا حمزة من الرضاعة أرضعته ثويبة مولاة أبي لهب أرضعت حمزة، ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أبا سلمة. وأمه برة بنت عبد المطلب بن هاشم عمة النبي صلى الله عليه وسلم، كان ممن هاجر بإمرأته أم سلمة إلى أرض الحبشة، ثم شهد بدراً بعد أن هاجر الهجرتين، وجرح يوم أحد جرحاً اندمل، ثم انتقض، فمات منه، وذلك لثلاث مضين من جمادي الآخرة سنة ثلاث من الهجرة، واستخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة حين خرج إلى غزوة ذي العشيرة، وكانت في السنة الثانية من الهجرة وهو ممن غلبت عليه كنيته، وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده زوجته أم سلمة. وهذه الجملة أىقوله:" وفيهم عمرو أبوسلمة" ليست للبخاري، بل هي لأبي داود. والحديث رواه البخاري في باب استقضاء الموالى واستعمالهم من كتاب الأحكام بلفظ: قال ابن عمر كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الأولين وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد قباء، فيهم أبوبكر وعمر وأبوسلمة وزيد. (أي ابن حارثة) وعامر بن ربيعة. (أي العنزي مولى عمر) . وقد استشكل ذكر أبي بكر الصديق فيهم إذ في الحديث أن ذلك كان قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم -
رواه البخاري.
1134-
(12) وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاثة لا ترفع لهم صلاتهم فوق رؤسهم شبراً: رجل أم قوماً وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وأخوان
ــ
وأبوبكر كان رفيقه وصاحبه في الهجرة. ووجهه البيهقي بأنه يحتمل أن يكون سالم استمر يؤمهم بعد أن تحول النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ونزل بدار أبي أيوب قبل بناء مسجده بها، فيحتمل أن يقال فكان أبوبكر يصلي خلفه إذا جاء إلى قباء، واستدل بإمامة سالم بهؤلاء الجماعة على جواز إمامة العبد، ولذلك أورده المصنف في باب الإمامة تبعاً للبخاري والمجد بن تيمية. ووجه الدلالة منه إجماع كبار الصحابة القرشيين على تقدم سالم عليهم. ويدل عليه أيضاً ما روى الشافعي في مسنده وعبد الرزاق عن ابن أبي ملكية أنه كان يأتي عائشة هو وأبوه وعبيد بن عمير والمسور بن مخرمة وناس كثير فيؤمهم أبوعمر ومولى عائشة، وهو يومئذٍ غلام لم يعتق. وروى البيهقي عن هشام بن عروة عن أبيه أن أبا عمر وذكوان كان عبداً لعائشة فأعتقه وكان يقوم بها شهر رمضان يؤمها وهو عبد. قال الحافظ: وإلى صحة إمامة العبد ذهب الجمهور، وخالف مالك فقال: لا يؤم الأحرار إلا إن كان قارئاً وهم لا يقرؤن فيؤمهم إلا في الجمعة؛ لأنها لا تجب عليه، وخالفه أشهب واحتج بأنها تجزئه إذا حضرها. وقال العيني: قال أصحابنا تكره إمامة العبد لإشتغاله بخدمة مولاه، وأجازها أبوذر وحذيفة وابن مسعود، ومن التابعين ابن سيرين والحسن وشريح والنخعي والشعبي والحكم، ومن الفقهاء الثوري وأبوحنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق. وقال مالك: تصح إمامته في غير الجمعة. وفي رواية: لا يؤم إلا إذا كان قارئاً، ومن خلفه من الأحرار لا يقرؤن ولا يؤم في جمعة ولا عيد. وفي المبسوط: إن إمامته جائزة وغيره أحب ولو اجتمع عبد فقيه وحر غير فقيه، فثلاثة أوجه: أصحها أنهما سواء، ويترجح قول من قال: العبد الفقيه أولى، لما أن سالماً كان يؤم المهاجرين الأولين في مسجد قباء فيهم عمر وغيره؛ لأنه كان أكثرهم قرآناً- انتهى كلام العيني باختصار يسير. وقال القاري في إمامة سالم مع وجود عمر دلالة قوية على مذهب من يقدم الأقرأ على الأفقه. (رواه البخاري) فيه نظر؛ لأن اللفظ المذكور ليس للبخاري، وقد ذكرنا سياقه الذي في كتاب الأحكام ولفظه: في أبواب الإمامة لما قدم المهاجرون الأولون العصبة موضعاً بقباء قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة وكان أكثرهم قرآناً. والحديث أخرجه أبوداود والبيهقي أيضاً.
1134-
قوله: (لا ترفع لهم صلاتهم فوق رؤسهم شبراً) أي قدر شبر، وهوكناية عن عدم القبول كما تقدم. (وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط) لعدم إطاعتها إياه فيما أراد منها، ولهذا قال "باتت"؛ لأن ذلك في العادة يكون في الليل إلا فلا يختص الحكم بالليل، قاله السندي. (وأخوان) بفتحتين أي نسباً أو ديناً بأن يكونا