المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

رواه أبوداود. وفي روية الترمذي، قال: رأيت ابن عمر صلى - مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح - جـ ٤

[عبيد الله الرحماني المباركفوري]

فهرس الكتاب

- ‌(24) باب تسوية الصف

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(25) باب الموقف

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(26) باب الإمامة

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(27) باب ما على الإمام

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(28) باب ما على المأموم من المتابعة وحكم المسبوق

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(29) باب من صلى صلاة مرتين

- ‌{الفصل الأول}

- ‌((الفصل الثاني))

- ‌((الفصل الثالث))

- ‌(30) باب السنن وفضائلها

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(31) باب صلاة الليل

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(32) باب ما يقول إذا قام من الليل

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(33) باب التحريض على قيام الليل

- ‌{الفصل الأول}

- ‌((الفصل الثاني))

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(34) باب القصد في العمل

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(35) باب الوتر

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(36) باب القنوت

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(37) باب قيام شهر رمضان

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(38) باب صلاة الضحى

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(39) باب التطوع

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌(40) باب صلاة التسبيح

- ‌(41) باب صلاة السفر

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(42) باب الجمعة

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(43) باب وجوبها

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(44) باب التنظيف والتبكير

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(45) باب الخطبة والصلاة

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

الفصل: رواه أبوداود. وفي روية الترمذي، قال: رأيت ابن عمر صلى

رواه أبوداود. وفي روية الترمذي، قال: رأيت ابن عمر صلى بعد الجمعة ركعتين، ثم صلى بعد ذلك أربعاً.

(31) باب صلاة الليل

{الفصل الأول}

1195-

(1) عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر

ــ

ولم يصل في المسجد، لكن قال العراقي: ليس في ذلك، أي في حديث ابن عمر هذا علم ولا ظن أنه صلى الله عليه وسلم كان يفعل بمكة ذلك، وإنما أراد ابن عمر رفع فعله بالمدينة فحسب، لأنه لم يصح أنه صلى الجمعة بمكة، قال: والذي صح من فعله هو صلاة ركعتين في بيته بعد الجمعة. قلت: لا شك أن الست لم تثبت عنه صلى الله عليه وسلم بحديث صحيح صريح، نعم ثبتت عن ابن عمر من فعله، وروي عن علي أنه أمر بها. قال الشوكاني: اختلف هل الأفضل فعل سنة الجمعة في البيت أو في المسجد؟ فذهب إلى الأول الشافعي ومالك وأحمد وغيرهم، واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: أفضل صلاة المرء في بيته إلا مكتوبة. وأما صلاة ابن عمر في مسجد مكة فقيل لعله كان يريد التأخر في مسجد مكة للطواف بالبيت، فيكره أن يفوته بمضيه إلى منزله لصلاة سنة الجمعة، أو أنه يشق عليه الذهاب إلى منزله ثم الرجوع إلى المسجد للطواف، أو أنه كان يرى النوافل تضاعف بمسجد مكة دون بقية مكة، أو كان له أمر متعلق به- انتهى. (رواه أبوداود) وأخرجه أيضاً البيهقي (ج3 ص240- 241) وسكت عنه أبوداود والمنذري. وقال العراقي: إسناده صحيح. (وفي رواية الترمذي) المختصرة. (قال) أي عطاء بن أبي رباح. (ثم صلى بعد ذلك) أي بعدما ذكر من الركعتين. (أربع) أي صلى ست ركعات. وأخرج أبوداود هذه الرواية المختصرة بلفظ: أي عطاء رأى ابن عمر يصلي بعد الجمعة فينماز عن مصلاه الذي صلى فيه الجمعة قليلاً غير كثير قال: فيركع ركعتين، قال: ثم يمشي أنفس من ذلك فيركع أربع ركعات. قلت: لعطاء كم رأيت ابن عمر يصنع ذلك؟ قال مراراً- انتهى. وأخرجه أيضاً الطحاوي، هذا ولم يذكر البغوي ولا المصنف حديثاً ولا أثرا في التطوع والسنة قيل الجمعة. وسيأتي الكلام عليه في شرح حديث سلمان وأبي هريرة من باب التنظيف والتبكير من أبواب الجمعة.

(باب صلاة الليل) قال القاري: أي في قيام الليل من التهجد وغيره- انتهى. واعلم أن صلاة الليل وقيام الليل وصلاة التهجد عبارة عن شيء واحد، واسم لصلاة يبتدأ وقتها من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، فلا فرق بين الألفاظ الثلاثة شرعاً. وقيل: صلاة التهجد مختصة بما يكون في آخر الليل بعد النوم. والظاهر هو الأول قال ابن الفارس: المتهجد المصلي ليلاً. وقال كراع: التهجد صلاة الليل خاصة.

1195-

قوله: (يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر) هذا بظاهره يشمل ما إذا كان بعد

ص: 164

إحدى عشرة ركعة، يسلم من ركعتين، ويوتر بواحدة، فيسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه، فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر، وتبين له الفجر،

ــ

نوم أم لا. (إحدى عشرة ركعة) أي في غالب أحواله. وقال السندي في حاشية ابن ماجه: قوله إحدى عشرة ركعة وقد جاء ثلاث عشرة ركعة. فيحمل على أن هذا كان أحياناً، أو لعله مبني على عد الركعتين الخفيفتين اللتين يبدأ بهما صلاة الليل من صلاة الليل أحياناً، وتركه أخرى. وعلى كل تقدير فهذه الهيئة لصلاة الليل لا بد من حملها على أنها كانت أحياناً، وإلا فقد جاءت هيئات أخرى في قيام الليل-انتهى. (يسلم من كل ركعتين) فيه أن الأفضل في صلاة الليل أن يسلم من كل ثنتين، ويدل عليه أيضاً قوله: صلاة الليل مثنى مثنى. (ويوتر بواحدة) فيه أن أقل الوتر ركعة وأن الركعة الفردة صلاة صحيحة، وهو مذهب الأئمة الثلاثة، وهو الحق. وقال أبوحنيفة: لا يصح الإيتار بواحدة ولا تكون الركعة الواحدة صلاة قط. قال النووي: والأحاديث الصحيحة ترد عليه. قال الحافظ: حمل الطحاوي هذا ومثله على أن الركعة مضمومة إلى الركعتين قبلها، ولم يتمسك في دعوى ذلك إلا بالنهي عن البتيراء، مع احتمال أن يكون المراد بالبتيراء أن يوتر بواحدة فردة ليس قبلها شيء، وهو أعم من أن يكون مع الوصل أو الفصل- انتهى. قلت: حديث النهي عن البتيراء أخرجه ابن عبد البر في التمهيد، وفيه عثمان بن محمد بن ربيعة، وهو متكلم فيه. قال ابن القطان: الغالب على حديثه الوهم، مع أن قول عائشة: يسلم من كل ركعتين، ظاهر في الفصل فإنه يدخل في الركعتان اللتان قبل الأخيرة، فهو كالنص في موضع النزاع. (فيسجد سجدة من ذلك) الفاء لتفصيل المجمل يعني فيسجد كل واحدة من سجدات تلك الركعات طويلة. (قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية) وفي رواية للبخاري: كان يصلي إحدى عشرة ركعة كانت تلك صلاته تعني بالليل، فيسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ الخ. وهي ظاهرة في أن المراد بيان طول سجود ركعات صلاة الليل، لا قدر سجدة منفردة بعد الوتر، كما فهم النسائي وغيره. وفي رواية أخرى للبخاري: يسجد السجدة من ذلك أي بغير الفاء. قال القسطلاني: الألف واللام لتعريف الجنس. فيشمل سجود لإحدى عشرة، والتاء فيه لا تنافي ذلك. والتقدير يسجد سجدات تلك الركعات طويلة قدر ما، أي بقدر ما، ويصح جعله صفا لمصدر محذوف، أي سجودا قدر ما، أو يمكث مكثا قدر ما. (قبل أن يرفع رأسه) من السجدة أي قبل إتمام السجود، وكان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، كما تقدم في باب الركوع من حديث عائشة، وعنها كان صلى الله عليه وسلم يقول في صلاة الليل في سجوده: سبحانك لا إله إلا أنت. رواه أحمد في مسنده بإسناد رجاله ثقات. والحديث فيه دليل على استحباب تطويل السجود في قيام الليل، وقد بوب عليه البخاري باب طول السجود في قيام الليل. (فإذا سكت) بالتاء الفوقية. (المؤذن) أي فرغ. (من صلاة الفجر) أي من أذانها. (وتبين له الفجر) أي ظهر وانتشر. قال الطيبي: يدل على أن التبين لم يكن

ص: 165

قام فركع ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة، فيخرج.

متفق عليه.

1196-

(2) وعنها، قالت: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى ركعتى الفجر، فإن كنت مستيقظة حدثني

ــ

في الأذان، وإلا لما كان لذكر التبين فائدة. (قام فركع ركعتين) هما سنة الفجر. (خفيفتين) يقرأ فيهما الكافرون والإخلاص ونحوهما. (ثم اضطجع) أي في بيته للاستراحة عن تعب قيام الليل ليصلي فرضه على نشاط، أو ليفصل بين الفرض والنفل بالضجعة. واستدل به على استحباب الاضطجاع بعد ركعتي الفجر في البيت دون المسجد. قال الحافظ: ذهب بعض السلف إلى استحبابها أي الضجعة في البيت دون المسجد، وهو محكي عن ابن عمر، وقواه بعض شيوخنا بأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعله في المسجد، وصح عن ابن عمر أنه كان يحصب من يفعله في المسجد. أخرجه ابن أبي شيبة- انتهى. قال شيخنا في شرح الترمذي: حديث أبي هريرة يعني الذي يأتي في آخر الفصل الثاني بلفظ: إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه مطلق، فبإطلاقه يثبت استحباب الاضطجاع في البيت وفي المسجد، فحيث يصلي سنة الفجر يضطجع هناك، إن صلى في البيت فيضطجع في البيت، وإن صلى في المسجد ففي المسجد، وإنما لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعله في المسجد، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي سنة الفجر في البيت فكان يضطجع في البيت- انتهى. (على شقه) أي جنبه (الأيمن) جرياً على عادته الشريفة في حبه التيامن في شأنه كله أو للتشريع، لأن النوم على الأيسر يستلزم استغراق النوم في غيره عليه السلام بخلافه هو، لأن عينه تنام ولا ينام قلبه، فعلى الأيمن أسرع للإنتباه بالنسبة لنا، وهو نوم الصالحين. قال القسطلاني: لا يقال حكمته أن لا يستغرق في النوم، لأن القلب في اليسار، ففي النوم عليه راحة له فيستغرق فيه، لأنا نقول: صح أنه عليه الصلاة والسلام كان تنام عينه ولا ينام قلبه، نعم يجوز أن يكون فعله لإرشاد أمته وتعليمهم. (حتى يأتي المؤذن للإقامة) أي يستأذنه فيها لأنها منوطة بنظر الإمام. (فيخرج) أي للصلاة. (متفق عليه) واللفظ لمسلم إلا قوله: فيسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه، فإن البخاري إنفرد به، وإلا قوله: يسلم من كل ركعتين، فإن لفظ مسلم يسلم بين كل ركعتين، وإلا قوله: فيخرج فإنه ليس في صحيح مسلم بل ولا في البخاري أيضاً، وبهذا تعلم أن السياق الذي ذكره المصنف تبعاً للبغوي ليس للبخاري ولا لمسلم، ثم رأيت المرقاة قال فيه متفق عليه أي بمجموع الحديث وإن لم يكن بهذا السياق في حديث واحد، كذا نقله ميرك عن التصحيح والحديث أخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج2 ص7، 32) .

1196-

قوله: (إذا صلى ركعتي الفجر) أي سنته. (فإن كنت مستيقظة حدثني) قال الطيبي: الشرط مع الجزاء جزاء الشرط الأول، ويجوز أن يكون جزاء الشرط الأول محذوفاً، والفاء تفصيلية، والمعنى إذا

ص: 166

وإلا اضطجع)) . رواه مسلم.

ــ

صلاهما أتاني، فإن كنت مستيقظة حدثني ولا تضاد بين هذا وبين ما في سنن أبي داود من طريق مالك عن سالم بن أبي النضر عن أبي سلمة عن عائشة أن كلامه عليه الصلاة والسلام لها كان بعد فراغه من صلاة الليل، وقبل أن يصلي ركعتي الفجر، لاحتمال أن يكون كلامه لها كان قبل ركعتي الفجر وبعدهما. (وإلا) أي وإن لم أكن مستيقظة. (اضطجع) للراحة من تعب القيام أو ليفصل بين الفرض والنفل بالحديث أو الاضطجاع. وظاهره أنه كان يضطجع إذا لم يحدثها، وإذا حدثها لم يضطجع، وإلى هذا جنح البخاري، كما سيأتي. وكذا جنح إليه ابن خزيمة حيث ترجم له الرخصة في ترك الاضطجاع بعد ركعتي الفجر. واستدل به بعضهم على عدم استحباب الضجعة بعد ركعتي الفجر. وأجيب بأنه لا يلزم من كونه ربما تركها عدم الاستحباب، بل يدل تركه لها أحياناً على عدم الوجوب، وأن الأمر بها في حديث أبي هريرة المذكور محمول على الندب والإرشاد، وقد بوب البخاري على حديث عائشة هذا الباب: من تحدث بعد ركعتي الفجر ولم يضطجع. قال الحافظ: أشار بهذه الترجمة إلى أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يداوم عليها. وبذلك احتج الأئمة على عدم الوجوب، وحملوا الأمر الوارد بذلك في حديث أبي هريرة على الاستحباب. وفائدة ذلك الراحة والنشاط لصلاة الصبح. وعلى هذا فلا يستحب ذلك إلا للمتهجد. وبه جزم ابن العربي. وقيل: إن فائدتها الفصل بين ركعتي الفجر وصلاة الصبح. وعلى هذا فلا اختصاص- انتهى. ويدل على عدم الاختصاص حديث أبي هريرة، فإنه مطلق يشمل المتهجد وغيره. فالحق أن الاضطجاع بعد ركعتي الفجر مشروع ومستحب مطلقاً. وسيأتي مزيد بحث فيه في شرح حديث أبي هريرة. قال النووي: وفيه أي في تحديثه صلى الله عليه وسلم لعائشة بعد ركعتي الفجر دليل على إباحة الكلام بعد سنة الفجر وهو مذهبنا ومذهب مالك والجمهور. وقال القاضي: وكره الكوفيون. وروى عن ابن مسعود وبعض السلف: إنه وقت الاستغفار، والصواب الإباحة لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، وكونه وقت استحباب الاستغفار لا يمنع من الكلام- انتهى. وقال القسطلاني: وفيه أنه لا بأس بالكلام المباح بعد ركعتي الفجر. قال ابن العربي: ليس في السكوت في ذلك الوقت فضل مأثور، إنما ذلك بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس-انتهى. قلت: أثر ابن مسعود رواه الطبراني في الكبير عن عطاء عنه، وكذا روي عن أبي عبيدة عنه، هو منقطع، لأن عطاء وأبا عبيدة لم يسمعا من ابن مسعود، وإن صح فيحمل على أن القوم المتحدثين الذين أنكر عليهم ابن مسعود لعلهم كانوا يتكلمون بما لا يجدي نفعاً، فنهاهم عن ذلك. والسكوت عن مثل هذا ليس بمختص بهذا الوقت، وإن لم يحتمل على هذا فالتحديث بالكلام المباح ثابت من الشارع. وكلام الصحابي لا يوازن كلام الشارع. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والبيهقي (ج3 ص45) والبخاري ولفظه عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى. وفي رواية: كان يصلي ركعتين، فإن كنت مستيقظة حدثني وإلا اضطجع حتى يؤذن بالصلاة- انتهى. فكان ينبغي للمصنف أن يقول: متفق عليه، واللفظ لمسلم.

ص: 167

1197-

(3) وعنها قالت: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن)) متفق عليه.

ــ

1197-

قوله: (إذا صلى ركعتي الفجر) أي سنته. (اضطجع) أي حتى يأتيه المؤذن فإذا أتي خرج إلى الصلاة. (على شقه الأيمن) لأنه كان يحب التيامن في شأنه كله أو تشريع لنا، لأن القلب في جهة اليسار، فلو اضطجع عليه لاستغراق نوماً لكونه أبلغ في الراحة بخلاف اليمين فيكون معلقاً فلا يستغرق. وهذا بخلافه صلى الله عليه وسلم: لأن عينه تنام ولا ينام قلبه. وفيه كالحديثين المتقدمين دليل على استحباب الاضطجاع بعد ركعتي الفجر. وقد ورد فيه أحاديث أخرى: قال ابن حجر: ومن هذه الأحاديث أخذ الشافعي أنه يندب لكل أحد المتهجد وغيره أن يفصل بين سنة الصبح وفرضه بضجعة على شقه الأيمن، ولا يترك الاضطجاع ما أمكنه، بل في حديث صحيح على شرطهما أنه عليه السلام أمر بذلك وأن المشي إلى المسجد لا يجزىء عنه- انتهى. ويشير بذلك إلى ما روى أبوداود عن أبي هريرة مرفوعاً: إذا صلى أحدكم الركعتين قبل الصبح فليضطجع على يمينه، فقال له مروان بن الحكم: أما يجزي أحدنا ممشاه إلى المسجد حتى يضطجع على يمينه؟ قال: لا- انتهى. ولذلك استحب البغوي في شرح السنة الاضطجاع بخصوصه، واختاره في شرح المهذب. قال الحافظ: وأما إنكار ابن مسعود الاضطجاع، وقول إبراهيم النخعي: هي ضجعة الشيطان، كما أخرجه ابن أبي شيبة، فهو محمول على أنه لم يبلغهما الأمر بفعله. وكلام ابن مسعود يدل على أنه إنما أنكر تحتمه، فإنه قال في آخر كلامه إذا سلم فقد فصل. وكذا ما حكي عن ابن عمر أنه بدعة، فإنه شذ بذلك حتى روى عنه أنه أمر بحصيب من اضطجع. وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن أنه كان لا يعجبه الاضطجاع. وأرجح الأقوال مشروعيته للفصل لكنه بعينه- انتهى. وقال السندي: قد جاء الأمر بهذا الاضطجاع فهو أحسن وأولى. وما ورد من إنكاره عن بعض الفقهاء لا وجه له أصلاً، ولعلهم ما بلغهم الحديث، وإلا فما وجه إنكارهم- انتهى. (متفق عليه) لم أجد هذا الحديث بهذا السياق في صحيح مسلم. وقد أخرجه أيضاً أحمد وابن ماجه والبيهقي. واعلم أنه اختلفت أحاديث عائشة في ذكر محل الاضطجاع ففي أحاديثها الثلاثة المتقدمة أن الاضطجاع بعد ركعتي الفجر. وروى مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة الاضطجاع قبلهما. وكذا في حديث ابن عباس الآتي الاضطجاع بعد صلاة الليل، وقبل ركعتي الفجر. وقد أشار القاضي عياض وغيره إلى أن رواية الاضطجاع بعدهما مرجوحة، فتقدم رواية الاضطجاع قبلهما. قال الشوكاني: لا نسلم أرجحية رواية الاضطجاع بعد صلاة الليل، وقبل ركعتي الفجر على رواية الاضطجاع بعدهما، بل رواية الاضطجاع بعدهما أرجح. والحديث من رواية عروة عن عائشة. ورواه عن عروة محمد بن عبد الرحمن يتيم عروة والزهري، ففي رواية محمد بن عبد الرحمن إثبات الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، وهي في صحيح البخاري، ولم تختلف الرواية عنه في ذلك، واختلف الرواة عن الزهري، فقال مالك في أكثر الروايات عنه: إنه كان إذا فرغ من صلاة

ص: 168

1198-

(4) وعنها، قالت:((كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، منها الوتر، وركعتا الفجر)) . رواه مسلم.

1199-

(5) وعن مسروق، قال:

ــ

الليل اضطجع على شقه الأيمن- الحديث، ولم يذكر الاضطجاع بعد ركعتي الفجر. وقال معمر ويونس وعمرو بن الحارث والأوزاعي وابن أبي ذئب وشعيب بن أبي حمزة عن الزهري عن عروة عن عائشة: كان إذا طلع الفجر صلى ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الأيمن. وهذه الرواية اتفق عليها الشيخان، فرواها البخاري من رواية معمر، ومسلم من رواية يونس بن يزيد وعمرو بن الحارث. قال البيهقي (ج3 ص44) عقب ذكرهما: والعدد أولى بالحفظ من الواحد، قال وقد يحتمل أن يكونا محفوظين، فنقل مالك أحدهما ونقل الباقون الآخر، قال وقد اختلف فيه أيضاً على ابن عباس، قال: وقد يحتمل مثل ما احتمل في رواية مالك. وقال النووي: إن حديث عائشة وحديث ابن عباس لا يخالفان حديث أبي هريرة، فإنه لا يلزم من الاضطجاع قبلهما أن لا يضطجع بعدهما، ولعله صلى الله عليه وسلم ترك الاضطجاع بعدهما في بعض الأوقات بيانا للجواز، ويحتمل أن يكون المراد بالاضطجاع قبلهما نومه صلى الله عليه وسلم بين صلاة الليل وصلاة الفجر، كما ذكره الحافظ- انتهى كلام الشوكاني.

1198-

قوله: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل) أي في الليل. (ثلاث عشرة) بالبناء على الفتح وسكون شين عشرة، كما أجازه الفراء. (ركعة) يسلم من كل ركعتين، كما تقدم. (منها) أي من ثلاث عشرة. (الوتر) أي ركعة. (وركعتا الفجر) أي سنته وهذا لفظ البخاري من طريق حنظلة عن القاسم بن محمد عن عائشة. وفي رواية مسلم من هذا الوجه: كانت صلاته من الليل عشر ركعات، ويوتر بسجدة، ويركع ركعتي الفجر، فتلك ثلاث عشرة. وهذا كان غالب عادته صلى الله عليه وسلم، فقد روى البخاري من رواية أبي سلمة عنها ما يدل على أن ذلك كان أكثر ما يصليه في الليل. ولفظه: ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة- الحديث قال ابن الملك: وإنما ألحق الوتر ركعتي الفجر بالتهجد، لأن الظاهر أنه عليه السلام كان يصلي الوتر آخر الليل ويبقى مستيقظاً إلى الفجر، ويصلي الركعتين أي سنة الفجر متصلاً بتهجده ووتره. (رواه مسلم) قلت: بل متفق عليه، واللفظ للبخاري. ففي قوله: رواه مسلم، نظر ظاهر. وأخرجه أيضاً البيهقي (ج3 ص6، 7) .

1199-

قوله: (عن مسروق) هو ابن الأجدع بن مالك الهمداني الوداعي أبوعائشة الكوفي، ثقة فقيه عابد مخضرم من كبار التابعين. قال الشعبي: ما رأيت أطلب للعلم منه، وكان أعلم بالفتوى من شريح، وكان شريح يستشيره، وكان مسروق لا يحتاج إلى شريح. وقال علي بن المديني: ما أقدم على مسروق من أصحاب عبد الله أحداً، صلى خلف أبي بكر، ولقي عمر وعلياً، ولم يرو عن عثمان شيئاً، مات بالكوفة سنة

ص: 169

سألت عائشة عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل، فقالت: سبع، وتسع، وإحدى عشرة ركعة،

سوى ركعتي الفجر)) .

ــ

ثلاث وستين، وله ثلاث وستون سنة. قال السمعاني: سمي مسروقاً، لأنه سرق إنسان في صغره. ثم وجد، وغير عمر اسم أبيه إلى عبد الرحمن. فأثبت في الديوان مسروق بن عبد الرحمن مكان أجدع. وقال في تهذيب التهذيب (ج10 ص110) : قال مجالد عن الشعبي عن مسروق قال لي عمر: ما اسمك؟ قلت: مسروق بن الأجدع قال: الأجدع شيطان أنت مسروق بن عبد الرحمن- انتهى. (سألت عائشة عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي عن عدد صلاته. (فقالت) تارة. (سبع و) تارة. (تسع و) أخرى. (إحدى عشرة) أي كل مع الوتر. ووقع ذلك منه في أوقات مختلفة بحسب اتساع الوقت وضيقه أو عذر من مرض أو غيره أو كبر سنه. وفي النسائي عنها: أنه كان يصلي من الليل تسعاً، فلما أسن صلى سبعاً. قال الحافظ: أما ما أجابت به عائشة مسروقاً فمرادها أن ذلك وقع منه في أوقات مختلفة، فتارة كان يصلي سبعاً وتارة تسعاً وتارة إحدى عشرة. وأما حديث القاسم عنها فمحمول على أن ذلك كان غالب حاله- انتهى. (ركعة) كذا وقع في جميع النسخ، وكذا وقع في جامع الأصول (ج6 ص63) تمييز لإحدى عشرة. وفي البخاري: إحدى عشرة أي بدون لفظ ركعة. (سوى ركعتي الفجر) فالمجموع ثلاث عشرة ركعة. وأما ما رواه الزهري عن عروة عنها عند البخاري في باب ما يقرأ في ركعتي الفجر بلفظ: كان يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة، ثم يصلي إذا سمع النداء للصبح ركعتين خفيفتين الخ. وظاهره يخالف ما ذكر، فأجيب باحتمال أن يكون أضافت إلى صلاة الليل سنة العشاء لكونه كان يصليها في بيته، أو ما كان يفتتح به صلاة الليل، كما سيأتي. قال الحافظ: وهذا أرجح في نظري، لأن رواية أبي سلمة التي دلت على الحصر في إحدى عشرة جاء في صفتها عند البخاري وغيره: يصلي أربعاً ثم يصلي أربعاً ثم يصلي ثلاثاً، فدل على أنها لم تعرض للركعتين الخفيفتين، وتعرضت لهما في رواية الزهري، والزيادة من الحافظ مقبولة، وسيأتي في باب الوتر حديث عبد الله بن أبي قيس عن عائشة بلفظ: كان يوتر بأربع وثلاث، وست وثلاث، وثمان وثلاث، وعشر وثلاث، ولم يكن يوتر بأنقص من سبع ولا بأكثر من ثلاث عشرة. قال الحافظ: وهذا أصح ما وقفت عليه من ذلك، وبه يجتمع بين ما اختلف عن عائشة من ذلك، والله أعلم. قال القرطبي: أشكلت روايات عائشة على كثير من أهل العلم حتى نسب بعضهم حديثها إلى الاضطراب، وهذا إنما يتم لو كان الراوي عنها واحداً أو أخبرت عن وقت واحد. والصواب أن كل شيء ذكرته من ذلك محمول على أوقات متعددة وأحوال مختلفة بحسب النشاط وبيان الجواز- انتهى. وقال النووي: نقلاً عن القاضي عياض بعد ذكر رواياتها المختلفة في ذلك يحتمل أن إخبارها بإحدى عشرة هو الأغلب،

ص: 170

رواه البخاري.

1200-

(6) وعن عائشة، قالت: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل ليصلي افتتح صلاته بركعتين

خفيفتين)) . رواه مسلم.

ــ

وباقي رواياتها إخبار عنها بما كان يقع نادراً في بعض الأوقات، فأكثر خمس عشرة بركعتي الفجر، وأقله سبع، وذلك بحسب ما كان يحصل من اتساع الوقت أو ضيقه بطول قرأة أو لنوم أو عذر مرض وغيره، أو في بعض الأوقات عند كبر السن كما قالت: فلما أسن صلى سبع ركعات، أو تارة تعد الركعتين الخفيفتين في أول قيام الليل وتعد ركعتي الفجر تارة وتحذفهما تارة، أو تعد أحدهما، وقد تكون عدت راتبة العشاء مع ذلك تارة، وحذفتها تارة. قال القاضي: ولا خلاف أنه ليس لذلك حد لا يزاد عليه ولا ينقص منه، وأن صلاة الليل من الطاعات التي كلما زاد فيها زاد الأجر، وإنما الخلاف في فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وما اختاره لنفسه- انتهى. وقال الباجي بعد ذكر رواية عائشة أنه كان يصلي ثلاث عشرة ركعة غير ركعتي الفجر، وروايتها أنه كان لا يزيد على إحدى عشرة ركعة ما لفظه: ورواية عائشة في ذلك تحتمل وجهين: أحدهما أنه كان صلى الله عليه وسلم تختلف صلاته بالليل، لأنه لا حد صلاة الليل، فمرة كانت تخبر بما شاهدت منه في وقت ما، ومرة تخبر بما شاهدت منه صلى الله عليه وسلم في غيره، وإنما قالت: إنه صلى الله عليه وسلم لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة، تريد صلاته المعتادة الغالبة وإن كان ربما يزيد في بعض الأوقات على ذلك، فقصدت في تلك الرواية الإخبار عن غالب صلاته صلى الله عليه وسلم، وذكرت في هذه الرواية أكثر ما كان تنتهي إليه صلاته صلى الله عليه وسلم في الأغلب. والوجه الثاني أن تكون رضي الله عنها تقصد في بعض الأوقات الإخبار عن جميع صلاته في ليلة، وتقصد في وقت ثان إلى ذكر نوع من صلاته في الليل. وجميع صلاته النبي صلى الله عليه وسلم بالليل في رواية عائشة خمس عشرة مع الركعتين الخفيفتين وركعتي الفجر، فعائشة كانت تخبر بالأمر على وجوه شتى، ولعله أن يكون ذلك على قدر أسباب السؤال- انتهى. (رواه البخاري) في باب كيف كان صلاة النبي صلى الله عليه وسلم من أبواب التهجد.

1200-

قوله: (إذا قام من الليل ليصلي) أي التهجد. (افتتح صلاته بركعتين خفيفتين) قال الطيبي: ليحصل بهما نشاط الصلاة ويعتاد بهما، ثم يزيد عليهما بعد ذلك- انتهى. وفي حديث أبي هريرة الآتي الأمر بذلك. وهذا دليل على استحباب افتتاح صلاة الليل بركعتين خفيفتين لينشط بهما لما بعدهما. والظاهر أن الركعتين من جملة التهجد، وقد تقدم أن هاتين الركعتين هما اللتان إذا ضمتهما عائشة قالت في حكايتها لصلاته صلى الله عليه وسلم بالليل: إنها ثلاث عشرة، وإذا لم تضمهما قالت إحدى عشرة. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد والبيهقي (ج3ص5، 6) .

ص: 171

1201-

(7) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا قام أحدكم من الليل، فليفتتح الصلاة بركعتين خفيفتين)) . رواه مسلم.

1202-

(8) وعن ابن عباس، قال: ((بت عند خالتي ميمونة ليلة، والنبي صلى الله عليه وسلم عندها، فتحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعة، ثم رقد، فلما كان ثلث الليل الآخر أو بعضه قعد، فنظر إلى السماء فقرأ: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار

ــ

1201-

قوله: (فليفتتح) من الافتتاح أي فليبدأ. وفي بعض النسخ: فليفتح أي من الفتح. والأول هو الصواب، لأنه موافق لما في المصابيح وصحيح مسلم، وكذا نقله المجد ابن تيمية في المنتقى، والجزري في جامع الأصول (ج7 ص72) وكذا وقع عند البيهقي (ج3 ص6) . (الصلاة) كذا وقع في جميع النسخ، وهكذا نقله الجزري. وفي المصابيح وصحيح مسلم والمنتقى صلاته أي بالإضافة إلى الضمير. (بركعتين خفيفتين) زاد أبوداود في رواية: ثم ليطول بعد ما شاء. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والبيهقي (ج3 ص6) .

1202-

قوله: (بت) بكسر الباء وتشديد التاء على صيغة المتكلم من البيتوتة. (عند خالتي ميمونة) بنت الحارث أم المؤمنين زوج النبي صلى الله عليه وسلم. (والنبي صلى الله عليه وسلم عندها) أي في نوبتها. (فتحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعة) فيه جواز الكلام المباح مصلحة بعد العشاء، وإذا جاز في المباح ففي المستحب كالموعظة والعلم من طريق الأولى. (ثم رقد) أي نام. وفي رواية: فاضطجعت في عرض الوسادة أي المخدة أو الفراش، واضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله في طولها. (فلما كان) أي بقي فكان تامة. (ثلث الليل الآخر) بالرفع على أنه صفة ثلاث أي جميعه. (أو بعضه) أي بعض الثلث أي أقل منه. (قعد) أي فمسح النوم عن وجهه بيده. وفي رواية: فنام حتى انتصف الليل أو قريباً منه، فاستيقظ وهذه الرواية، كما ترى، مخالفة لرواية الكتاب. قال الحافظ: يجمع بينهما بأن الاستيقاظ وقع مرتين: ففي الأولى نظر إلى السماء، ثم تلا الآيات، ثم عاد لمضجعه فنام. وفي الثانية أعاد ذلك ثم توضأ وصلى، وقد بين ذلك محمد بن الوليد عن كريب عن ابن عباس عند محمد بن نصر. وفي رواية في الصحيحين: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل، فأتى حاجته ثم غسل وجهه ويديه، ثم نام ثم قام فأتى قربة- الحديث. وفي رواية لمسلم: ثم قام قومه أخرى. (فنظر إلى السماء) يتفكر في عجائب الملكوت. (فقرأ إن في خلق السماوات والأرض) أي في خلقتهما من ارتفاع السماوات واتساعها وانخفاض الأرض وكثافتها واتضاعها، أو في الخلق الكائن فيهما من الكواكب المختلفة وغيرها في السماوات والبحار والجبال والقفار والأشجار والأنهار والزروع

ص: 172

لآيات لأولي الألباب} . حتى ختم السورة، ثم قام إلى القربة فأطلق شناقها، ثم صب في الجفنة، ثم توضأ وضوء حسناً بين الوضوئين، لم يكثر وقد أبلغ، فقام فصلى، فقمت وتوضأت،

ــ

والثمار والحيوان والمعادن وغيرها من العجائب في الأرض. (واختلاف الليل والنهار) أي في تعاقبهما، أو طولاً وقصراً أو ظلمة ونوراً وحراً وبرداً (لآيات لأولى الألباب) أي دلالات واضحات على وجود الصانع ووحدته وعلمه وكمال قدرته لذوي العقول الخالصة الصافية، الذين يفتحون بصائرهم للنظر والاستدلال والاعتبار، لا ينظرون إليها نظر البهائم، غافلين عما فيها من عجائب مخلوقاته وغرائب مبدعاته، وقد ورد ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها. رواه ابن مردويه وابن حبان في صحيحه. (حتى ختم السورة) فإن فيها لطائف عظيمة وعوارف جسيمة لمن تأمل في مبانيها وظهر له بعض معانيها. قال الباجي: يحتمل أن يفعل ذلك ليبتدئ يقظته بذكر الله كما ختمها بذكره عند نومه، ويحتمل أنه فعل ذلك ليتذكر ما ندب إليه من العبادة، وما وعد على ذلك من الثواب، فإن هذه الآية جامعة لكثير من ذلك، فيكون ذلك تنشيطاً له على العبادة- انتهى. (ثم قام) أي قصد. (إلى القربة) بكسر القاف وسكون الراء وفي رواية: إلى شن معلق بفتح الشين المعجمة وتشديد النون، وهي القربة الخلقة الصغيرة من أدم. (فأطلق) أي حل. (شناقها) بكسر المعجمة وتخفيف النون ثم قاف، خيطها الذي يشد به فمها أو السير الذي تعلق به القربة. قال في الفتح: هو رباط القربة يشد عنقها فشبه بما يشنق به. وقيل: هو ما تعلق به، ورجح أبوعبيد الأول. (ثم صب) أي أراق الماء منها. (في الجفنة) بفتح الجيم وسكون الفاء ثم نون، القصعة الكبيرة. واستعمال "ثم" للترتيب والتراخي في الذكر أو للإشارة إلى أن أفعاله صلى الله عليه وسلم كانت واقعة بالتؤدة والوقار من غير استعجال. (ثم توضأ) أي من الجفنة. (وضوء حسناً بين الوضوئين) أي من غير إسراف ولا تقتير. وقيل: أي توضأ مرتين مرتين. (لم يكثر) أي صب الماء. قال القاري: هو بيان للوضوء الحسن، وهو إيماء إلى عدم الإفراط. (وقد أبلغ) أي أوصل الماء إلى ما يجب إيصاله إليه إشارة إلى عدم التفريط. وقال الحافظ: قد فسر قوله: وضوء بين وضوئين بقوله: لم يكثر وقد أبلغ، وهو يحتمل أن يكون قلل من الماء مع التثليث، أو اقتصر على دون الثلث في الغسل. وفي رواية لمسلم: فأسبغ الوضوء ولم يمس من الماء إلا قليلاً. والحاصل أنه أتى بمندوبات الوضوء مع التخفيف الماء. وبذلك يجمع بين ما وقع في رواية: فأسبغ الوضوء، وبين قوله في رواية: فتوضأ وضوءاً خفيفاً. (فقام فصلى) أي فشرع في الصلاة. (فقمت) أي من مضجعي وقصدت إلى القربة. (وتوضأت) أي نحو مما توضأ، كما في رواية للبخاري. وفي رواية: فقمت فصنعت مثل ما صنع، وهو محمول على الأغلب. ولا يلزم من إطلاق المثلية المساواة من كل جهة، فيحمل

ص: 173

فقمت عن يساره، فأخذ بأذني فأدارني عن يمينه، فتتامت صلاته ثلاث عشرة ركعة، ثم

اضطجع فنام حتى نفخ، وكان إذا نام نفخ،

ــ

على الوضوء فقط، ويحتمل أنه صنع جميع ما ذكر من النظر والقول والوضوء والسواك وغير ذلك. (فقمت) أي للصلاة في إقتدائه. (عن يساره) لعدم العلم. (فأخذ بأذني) بالضم وبضمتين. وفي رواية: فوضع يده اليمنى على رأسي، وأخذ بأذني يفتلها. قال ابن حجر: وضعها أولاً ليتمكن من مسك الأذن، أو لأنها لم تقع إلا عليه، أو لينزل بركتها به ليعي جميع أفعاله عليه السلام في ذلك المجلس وغيره، قال: وفتلها إما لينبهه على مخالفة السنة أو ليزداد تيقظه لحفظ تلك الأفعال، أو ليزيل ما عنده من النعاس، لرواية مسلم: فجعلت إذا أغفيت أخذ بشحمة أذني. وفي هذا رد على من زعم أن أخذ الأذن إنما كان في حالة إدارته له من اليسار إلى اليمين متمسكاً بقوله: فأخذ بأذني فأدارني عن يمينه، وهو لفظ البخاري في الدعوات، لكن لا يلزم من إدارته على هذه الصفة أن لا يعود إلى مسك أذنه لتأنيسه وإيقاظه. فالحق أنه أخذ بأذنه أولاً لإدارته من اليسار إلى اليمين، ثم أخذ بها أيضاً لتأنيسه لكون ذلك في ظلمة الليل أو لإيقاظه أو لإظهار محبته، لأن حاله كانت تقتضي ذلك لصغر سنه. (فأدارني عن يمينه) قال ابن الملك:"عن" هنا بمعنى الجانب أي أدارني عن جانب يساره إلى جانب يمينه. (فتتامت) بمثناتين وتشديد الميم. قال الطيبي: أي صارت تامة تفاعل من تم، وهو لا يجيء إلا لازماً- انتهى. أي تكاملت، وهي رواية شعبة عن كريب عند مسلم (صلاته ثلاث عشرة ركعة) أي مع ركعة الوتر، يسلم من كل ركعتين، ففي رواية للشيخين: ثم صلى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين، ثم أوتر، ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن، فقام فصلى ركعتين، ثم خرج فصلى الصبح. قال الحافظ: ظاهره أنه فصل بين كل ركعتين. ووقع التصريح بذلك في رواية طلحة بن نافع عند ابن خزيمة حيث قال فيها: يسلم من كل ركعتين. ولمسلم من رواية علي بن عبد الله بن عباس التصريح بالفصل أيضاً، وأنه استاك بين كل ركعتين إلى غير ذلك، كما سيأتي. ومقتضى التصريح بذكر الركعتين ست مرات، وقوله بعد ذلك ثم أوتر أنه صلى في هذه الليلة ثلاث عشرة ركعة مع الوتر، كما وقع التصريح بذلك في رواية الكتاب. وظاهره أنه أوتر بركعة واحدة مفصولة، لأنه إذا صلى ركعتين ركعتين ست مرات مع الفصل بين كل ركعتين صارت الجملة اثنتى عشرة ركعة غير ركعة الوتر، وكانت جميع صلاته صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة ركعة، فلم يبق الوتر إلا ركعة واحدة. وأما رواية مسلم الآتية بلفظ: ثم أوتر بثلاث ففي كونها محفوظة الكلام. ولعل ذلك من حبيب بن أبي ثابت الراوي عن علي بن عبد الله بن عباس، فإن فيه مقالاً، وقد اختلف عليه في إسناده ومتنه اختلافاً. (ثم اضطجع فنام حتى نفخ) أي تنفس بصوت حتى يسمع منه صوت النفخ بالفم كما يسمع من النائم. (وكان إذا نام نفخ) وفي رواية مسلم: ثم نام حتى نفخ، وكنا

ص: 174

فآذنه بلال بالصلاة، فصلى، ولم يتوضأ.

ــ

نعرفه إذا نام بنفخه (فآذنه) بالمد أي أعلمه. (بالصلاة) أي بصلاة الصبح. (فصلى) أي ركعتي الفجر ثم خرج إلى المسجد فصلى الصبح بالجماعة. (ولم يتوضأ) قيل: إنما لم يتوضأ وقد نام حتى نفخ، لأن النوم لا ينقض الطهر بنفسه، بل لأنه مظنة خروج الخارج. ولما كان قلبه عليه السلام يقظان لا ينام، ولم يكن نومه مظنة في حقه فلا يؤثر. ولعله أحس بتيقيظ قلبه بقاء طهوره. وهذا من خصائصه عليه السلام. قال الطيبي: فيقظة قلبه تمنعه من الحدث، وما منع النوم إلا ليعي الوحي إذا أوحي إليه في منامه، فالوضوء الأول إما لنقض آخر أو لتجديد وتنشيط. واعلم أن قوله: فتتامت صلاته ثلاث عشرة ركعة الخ يدل على أنه صلى الله عليه وسلم صلى تلك الليلة ثلاث عشرة ركعة غير ركعتي الفجر، وهي رواية الثوري عن سلمة بن كهيل عن كريب عن ابن عباس عند البخاري في الدعوات، وأخرجها أيضاً مسلم. وقد اختلف على كريب أصحابه في بيان العدد، لكن اتفق أكثرهم على أنه صلى الله عليه وسلم صلى تلك الليلة ثلاث عشرة ركعة وركعتي الفجر. وفي رواية شريك بن أبي النمر عنه عند البخاري في التفسير: فصلى إحدى عشرة ركعة، ثم أذن بلال فصلى ركعتين. ونحوه في رواية الضحاك بن عثمان عن مخرمة عن كريب عند مسلم، فخالف شريك الأكثر، وروايتهم مقدمة على روايته لما معهم من الزيادة، ولكونهم أحفظ منه. وحمل بعضهم الزيادة على سنة العشاء، ولا يخفي بُعده لاسيما مع رواية الكتاب هذا. وقد ورد عن ابن عباس في حكاية صلاته صلى الله عليه وسلم بالليل الذي بات فيه عنده أحاديث كثيرة بروايات مختلفة رواها عنه علي بن عبد الله بن عباس وعطاء وأبوجمرة وسعيد بن جبير ويحيى بن الجزاز وغيرهم. قال الحافظ بعد ذكر الاختلاف في رواية كريب، وفي رواية سعيد بن جبير ما لفظه: وأكثر الرواة عنه لم يذكروا عدداً، ومن ذكر العدد منهم لم يزد على ثلاث عشرة، ولم ينقص عن إحدى عشرة، إلا أن في رواية علي بن عبد الله بن عباس عند مسلم ما يخالفه، فإن فيه فصلى ركعتين أطال فيهما، ثم انصرف فنام حتى نفخ، ففعل ذلك ثلاث مرات بست ركعات، كل ذلك يستاك ويتوضأ ويقرأ هؤلاء الآيات، يعني آخر آل عمران ثم أوتر بثلاث، فأذن المؤذن فخرج إلى الصلاة- انتهى. فزاد على الرواية تكرار الوضوء وما معه ونقص عنه ركعتين أو أربعاً. ولم يذكر ركعتي الفجر أيضاً، وأظن ذلك من الراوي عنه حبيب بن أبي ثابت، فإن فيه مقالاً، وقد اختلف عليه فيه في إسناده ومتنه اختلافاً، ويحتمل أنه لم يذكر الأربع الأول. وأما سنة الفجر فقد ثبت ذكرها في طريق أخرى عن على بن عبد الله بن عباس عند أبي داود. والحاصل أن قصة مبيت ابن عباس يغلب على الظن عدم تعددها، فلهذا ينبغي الاعتناء بالجمع بين مختلف الروايات، ولا شك أن الأخذ بما اتفق عليه الأكثر والأحفظ أولى مما خالفهم فيه من هو دونهم، ولاسيما إن زاد أو نقص. والمحقق من عدد صلاته تلك الليلة إحدى عشرة. وأما رواية ثلاث عشرة فيحتمل أن يكون منها ست العشاء- انتهى. ويعكر على هذا الجمع رواية الثوري

ص: 175

وكان في دعائه: اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي بصري نوراً، وفي سمعي نوراً، وعن يميني

نوراً، وعن يساري نوراً، وفوقي نوراً، وتحتي نوراً، وأمامي نوراً، وخلفي نوراً،

ــ

عن سلمة عن كريب، وقد ذكرنا سياقها. وأما لحمل قوله صلى ركعتين ثم ركعتين أي قبل أن ينام، ويكون منها سنة العشاء، وقوله ثم ركعتين الخ أي بعد أن قام، فبعيد يأباه ظاهر السياق. وجمع الكرماني بين ما اختلف من روايات قصة ابن عباس هذه باحتمال أن يكون بعض رواته ذكر القدر الذي اقتدى ابن عباس به وفصله عما لم يقتد به فيه، وبعضهم ذكر الجميع مجملاً- انتهى. (وكان في دعائه) أي في جملة دعائه تلك الليلة. قال الحافظ: فيه إشارة إلى أن الدعائه حينئذٍ كان كثيراً أو كان هذا من جملته، وقد ذكر في ثاني حديثي الباب. (أي باب الدعاء إذا انتبه من الليل من كتاب الدعوات من صحيح البخاري) قوله: اللهم أنت نور السماوات والأرض الخ. (يعني المذكور في حديث ابن عباس الآتي في باب ما يقول إذا قام من الليل) . واختلف الرواة في تعيين محل هذا الدعاء أي قوله: اللهم اجعل في قلبي نوراً الخ، فوقع في رواية شعبة عن سلمة عن كريب عند مسلم ثم خرج إلى الصلاة فصلى، فجعل يقول في صلاته أو في سجوده اللهم الخ، ووقع عند مسلم أيضاً في رواية حبيب بن أبي ثابت عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه أنه قال هذا الدعاء، وهو ذاهب إلى صلاة الصبح ولفظه: فأذن المؤذن فخرج إلى الصلاة، وهو يقول اللهم اجعل الخ. ويمكن أن يجمع بأنه قال هذا الدعاء حين خروجه إلى صلاة الصبح، ثم قاله في صلاته أيضاً. وروى الترمذي هذا الدعاء في الدعوات من طريق داود بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده، وفي روايته زيادة طويلة في هذا الدعاء، وفيها أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك حين فرغ من صلاته. ووقع عند البخاري في الأدب المفرد من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يصلي فقضى صلاته، يثني على الله بما هو أهله، ثم يكون آخر كلامه اللهم اجعل في قلبي نوراً- الحديث. قال الحافظ: ويجمع بأنه كان يقول ذلك عند القرب من فراغه- انتهى. أو يقال: إنه كان يقول ذلك الدعاء بعد الفراغ من الصلاة أيضاً. (اللهم اجعل في قلبي نوراً) قيل: هو ما يتبين به الشيء ويظهر. قال الكرماني: التنوين للتعظيم أي نوراً عظيماً، وقدم القلب، لأنه المضغة التي إذا صلحت صلح سائر البدن، وإذا فسدت فسد سائر البدن، ولأن القلب إذا نور فاض نوره على البدن جميعاً، ومن لازم تنوير هذه الأعضاء حلول الهداية، لأن النور يقشع ظلمات الذنوب، ويرفع سدفات الآثام. (وفي بصري نوراً، وفي سمعي نوراً، وعن يميني نوراً، وعن يساري نوراً) أي في جانبي أو في جارحتي. (وفوقي نوراً، وتحتي نوراً، وأمامي) أي قدامي. (نوراً) يسعى بين يدي. (وخلفي نوراً) أي ليتبعني أتباعي ويقتدي بي أشياعي. والمعنى اجعل النور يحفى من جميع الجهات الست. قيل: أراد بالنور بيان الحق وضياءه كأنه قال: اللهم استعمل هذه الأعضاء

ص: 176

واجعل لي نوراً ـ وزاد بعضهم ـ: وفي لساني نوراً. ـ وذكر ـ: وعصبي ولحمي

ودمي وشعري وبشري)) .

ــ

مني في الحق، واجعل تصرفي وتقلبي فيها على سبيل الصواب حتى لا يزيغ شيء منها عنه. وقال القسطلاني: قد سأل صلى الله عليه وسلم النور في أعضائه وجهاته ليزاد في أفعاله وتصرفاته ومنقلباته نوراً على نور، فهو دعاء بدوام ذلك، فإنه كان حاصلا له لا محالة، أو هو إرشاد وتعليم لأمته. وقال القرطبي: هذه الأنوار التي دعا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يمكن حملها على ظاهرها، فيكون سأل الله تعالى أن يجعل له في كل عضو من أعضاءه نوراً يستضيء به يوم القيامة في تلك الظلم هو ومن تبعه أو من شاء الله منهم، قال: والأولى أن يقال هي مستعارة للعلم والهداية، كما قال تعالى:{فهو على نور من ربه} [39: 23]، وقوله تعالى:{وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس} [6: 122] ثم قال والتحقيق في معناه أن النور مظهر ما نسب إليه وهو يختلف بحسبه، فنور السمع مظهر للمسموعات، ونور البصر كاشف للمبصرات، ونور القلب كاشف عن المعلومات، ونور الجوارح ما يبدو عليها من أعمال الطاعات. وقال الطيبي: معنى طلب النور للأعضاء عضواً عضواً أن يتحلى كل عضو بأنوار المعرفة والطاعات، ويتعرى عما عداهما، فإن الشياطين تحيط بالجهات الست بالوسواس والشبهات، ولا مخلص من ذلك إلا بالأنوار السادة لتلك الجهات، قال: وكل هذه الأمور راجعة إلى الهداية والبيان وضياء الحق. وإلى ذلك يرشد قوله تعالى: {الله نور السماوات والأرض} إلى قوله تعالى: {نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء} [24: 35]- انتهى مخلصا. (واجعل لي نورا) عطف عام على خاص أي اجعل لي نوراً عظيماً جامعاً للأنوار كلها يعني التي ذكرها ههنا والتي لم يذكرها. وقال الطيبي: أجمل به ما فصله، فذلكة لذلك وتأكيداً له. ولمسلم في رواية غندر عن شعبة عن سلمة عن كريب: واجعل لي نوراً، أو قال واجعلني نوراً، وفي رواية النضر عن شعبة: واجعلني نوراً، ولم يشك وهذا أبلغ من الكل. ولمسلم في رواية الكتاب بعد قوله: وخلفي نوراً وعظم لي نوراً بتشديد الظاء المعجمة، ولم يذكر قوله واجعل لي نوراً. وفي رواية سعيد بن مسروق وعقيل بن خالد عن سلمة عن كريب عند مسلم أيضاً: وأعظم لي نوراً أي من الأعظام. (وزاد بعضهم) أي بعض الرواة، وهو عقيل بن خالد عن سلمة عن كريب، وحبيب بن أبي ثابت عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس. (وفي لساني نوراً) أي بعد قوله في قلبي نوراً، وهذه الزيادة عند مسلم فقط. (وذكر) أي بعض ولد العباس، كما يظهر من سياق رواية الشيخين، فعند البخاري بعد قوله: واجعل لي نوراً قال كريب: وسبع. (أي من الكلمات أو الأنوار) في التابوت. (أي في صحيفة في تابوت عند ولد العباس)، فلقيت رجلاً من ولد العباس. (قال القسطلاني: هو علي بن عبد الله بن عباس) ، فحدثني بهن فذكر عصبي الخ. (وعصبي) بفتح المهملتين بعدهما موحدة أطناب المفاصل. (وشعري) بفتح العين وسكونها. (وبشري) بفتح الموحدة والمعجمة،

ص: 177

متفق عليه. وفي رواية لهماـ: واجعل في نفسي نوراً، وأعظم لي نوراً. وفي أخرى لمسلم: اللهم أعطني نوراً)) .

1203-

(9) وعنه، أنه رقد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستيقظ، فتسوك، وتوضأ وهو يقول:{إن في خلق السماوات والأرض} . حتى ختم السورة، ثم قام فصلى ركعتين

ــ

ظاهر جلده. (متفق عليه) فيه أن لفظ الحديث بهذا السياق ليس لهما ولا لأحدهما، بل هو مجموع من مجموع ما فيهما، لأن حديث ابن عباس في حكايته لصلاته صلى الله عليه وسلم في الليلة التي بات فيها عند خالته ميمونة رواه البخاري في ثمانية عشر بابا من صحيحه، ومسلم في باب صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه بالليل، وفي الطهارة بألفاظ مختلفة مختصراً ومطولاً، وليس السياق المذكور ههنا أحدها وبالجملة لم يتفق الشيخان على السياق المذكور بعينه وبخصوصه، ففي قوله متفق عليه نظر. (وفي رواية لهما) أي للشيخين وفيه نظر كما ستعرف. (واجعل في نفسي نوراً، وأعظم لي نورا) بفتح الهمزة من باب الإفعال. وهذه الرواية من إفراد مسلم، وليست عند البخاري، رواها مسلم من طريق عقيل بن خالد عن سلمة عن كريب قال: ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلتئذ تسع عشرة كلمة، قال سلمة حدثنيها كريب، فحفظت منها ثنتي عشرة كلمة ونسيت ما بقي، فذكر ما تقدم إلى قوله: واجعل لي نوراً، وزاد: في لساني نوراً بعد قوله في قلبي، وقال في آخره: واجعل لي في نفسي نوراً، وأعظم لي نوراً. (وفي أخرى لمسلم اللهم أعطني نوراً) وهي رواية حبيب بن أبي ثابت عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن عبد الله بن عباس. وفي رواية الترمذي التي أشهرت إليها قال ابن عباس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ليلة حين فرغ من صلاته: اللهم إني أسألك رحمة من عندك، فساق الدعاء بطوله، وفيه اللهم اجعل لي في قلبي ونوراً في قبري، ثم ذكر الجهات الست والسمع والبصر ثم الشعر والبشر ثم اللحم والدم والعظام، ثم قال في آخره اللهم أعظم لي نوراً، وأعطني نوراً واجعل لي نوراً، ونقله الحافظ والقسطلاني بلفظ: واجعلني نورا. قال الترمذي: غريب وقد روى شعبة وسفيان عن سلمة عن كريب بعض هذا الحديث، ولم يذكره بطوله- انتهى. وعند ابن أبي عاصم في كتاب الدعاء من طريق عبد الحميد بن عبد الرحمن عن كريب في آخر الحديث، وهب لي نوراً على نور. ويجمع من اختلاف الروايات، كما قال ابن العربي، خمس وعشرون خصلة هذا، وفي حديث ابن عباس فوائد وأحكام كثيرة، ذكرها النووي والحافظ والعيني وغيرهم. والحديث أخرجه أيضاً أحمد والنسائي والبيهقي.

1203-

قوله: (وعنه) أي ابن عباس. (أنه رقد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم) قال الطيبي: هذا معنى ما قاله ابن عباس لا حكاية لفظه. والتقدير أنه قال رقدت في بيت خالتي ميمونة، ورقد رسول الله صلى الله عليه وسلم. (وهو يقول) أي يقرأ، وهو يخالف الرواية السابقة بظاهره حيث قال فقرأ ثم توضأ إلا أن يحمل على تعدد القراءة أو الواقعة،

ص: 178

أطال فيهما القيام والركوع، والسجود، ثم انصرف فنام حتى نفخ، ثم فعل ذلك ثلاث مرات ست ركعات، كل ذلك يستاك ويتوضأ ويقرأ هؤلاء الآيات، ثم أوتر بثلاث)) . رواه مسلم.

1204-

(10) وعن زيد بن خالد الجهني أنه قال: ((لأرمقن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم

ــ

أو تحمل "ثم" ثمة على أنها لمجرد العطف أو للتراخي الرتبي، قاله القاري. وقد تقدم في كلام الحافظ التنبيه على ما في هذه الرواية من الزيادة والاختلاف على الروايات الأخرى. (أطال فيهما القيام والركوع والسجود) أي بالنسبة إلى العادة. (ثم انصرف) أي عن الصلاة. (ثم) أي أعلم أنه. (فعل ذلك) أي المذكور من قوله فتسوك إلى قوله حتى نفخ. (ثلاث مرات ست ركعات) قال الطيبي: يدل من ثلاث مرات أي فعل ذلك في ست ركعات- انتهى. وقيل: منصوب بإضمار أعني أو بيان لثلاث وكذلك. (كل ذلك) بالنصب بيان له أيضاً، أي كل مرة من المرات، ويجوز أن يكون مفعول. (يستاك) وقال الطيبي: كل ذلك يتعلق بيستاك، أي في كل ذلك يستاك ويتوضأ ويقرأ ويصلي. "وثم" في قوله "ثم فعل ذلك" لتراخي الإخبار تقديراً وتأكيداً لا لمجرد العطف لئلا يلزم منه أنه فعل ذلك أربع مرات. (ثم أوتر بثلاث) وبعده فأذن المؤذن فخرج إلى الصلاة، وهو يقول: اللهم اجعل في قلبي نوراً الخ. قال النووي: هذه الرواية، وهي رواية حبيب بن أبي ثابت عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن ابن عباس، مخالفة لباقي الروايات في تخليل النوم بين الركعات، وفي عدد الركعات، فإنه لم يذكر في باقي الروايات تخلل النوم، وذكر الركعات ثلاث عشرة. قال القاضي: هذه الرواية مما استدركه الدارقطني على مسلم لاضطرابها واختلاف الرواة، قال الدارقطني: وروى عنه على سبعة أوجه. وخالف فيه الجمهور. قال النووي: ولا يقدح هذا في مسلم، فإنه لم يذكر هذه الرواية متأصلة مستقلة بل متابعة، والمتابعات يحتمل فيها ما لا يحتمل في الأصول. قال القاضي: ويحتمل أنه لم يعد في هذه الصلاة الركعتين الأوليين الخفيفتين اللتين كان النبي صلى الله عليه وسلم يستفتح صلاة الليل بهما، ولهذا قال: صلى ركعتين فأطال فيهما، فدل على أنهما بعد الخفيفتين، فتكون الخفيفتان ثم الطويلتان ثم الست المذكورات ثم ثلاث بعدها، كما ذكر، فصارت الجملة ثلاث عشرة، كما في باقي الروايات. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أبوداود والنسائي.

1204-

قوله: (عن زيد بن خالد الجهني) بضم الجيم وفتح الهاء، نسبه إلى جهينة، المدني الصحابي الشهير. (أنه) أي زيد بن خالد. (لأرمقن) بضم الجيم وفتح القاف ونون التوكيد الثقيلة من باب نصر، أي لأنظرن وأراقين وأحافظن من الرمق بفتح وسكون أو بفتحتين، وهو النظر إلى الشيء على وجه المراقبة والمحافظة. وأكد باللام والنون مبالغة في طلب تحصيل معرفة ذلك وضبطه (صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي صلاته النافلة من الليل.

ص: 179

الليلة، فصلى ركعتين خفيفتين، ثم صلى ركعتين طويلتين طويلتين طويلتين، ثم صلى ركعتين

وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما

دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين، وهما دون اللتين قبلهما،

ــ

قال الطيبي: عدل عن الماضي إلى المضارع فلم يقل رمقت استحضاراً لتلك الحالة الماضية؛ ليقررها في ذهن السامع أبلغ تقرير. (الليلة) أي في هذه الليلة حتى أرى كم يصلي. وقال ابن حجر: والظاهر أنه قال ذلك لأصحابة نهاراً ثم رمقه، وحينئذٍ فالمضارع على حاله. قال القاري: ولا يستقيم ذلك إلا على تقديرات كثيرة، كما لا يخفى، قال ويمكن أن يكون هذا القول من زيد قبل العلم والعمل. وقيل: إن ذلك حين سمعه صلى الله عليه وسلم قام يصلي لا قبل ذلك، لأنه من التجسس المنهي عنه. وأما ترقبه للصلاة فمحمود- انتهى. زاد في رواية الموطأ وأبي داود وابن ماجه والشمائل للترمذي، قال أي زيد: فتوسدت عتبته أو فسطاطه، والعتبة محركة أسكفة الباب، أي جعلت عتبة بابه كالوسادة بوضع الرأس عليها. والفسطاط مثلثة الفاء بيت من شعر. والمراد من توسد الفسطاط توسد عتبة الفسطاط، فهو على تقدير مضاف، وهذا شك من الراوي عن زيد أنه قال: توسد عتبة بيته أو عتبة فسطاطه. قيل: والظاهر الثاني، لأنه صلى الله عليه وسلم في الحضر يكون عند نسائه، فلا يمكن أن يتوسد زيد عتبة بيته ليرمقه بخلاف السفر، فإنه خال عن الأزواج المطهرات، فيمكنه أن يتوسد عتبة فسطاطه. قال القاري في جمع الوسائل: فالترديد إنما هو في العبارة، وإلا فالمقصود عن عتبته أيضاً عتبة فسطاطه في الحقيقة لا شك فيه- انتهى. والمراد بعتبة الفسطاط بابه، أي محل دخوله يعني أرقد عند باب خيمته. (فصلى) رسول الله صلى الله عليه وسلم. (ركعتين خفيفتين) أي ابتداء، وإنما خفف فيهما، لأنهما عقب كسل من أثر النوم وليدخل في صلاة التهجد بنشاط. (ثم صلى ركعتين طويلتين طويلتين طويلتين) التكرار للتأكيد، وليس المراد بكل طويلتين ركعتين. كذا في المفاتيح. قال الطيبي: كرر ثلاث مرات إرادة لغاية الطول، ثم تنزل شيئاً فشيئاً- انتهى. وإنما بولغ في تطويلهما، لأن النشاط في أول الصلاة يكون أقوى، والخشوع يكون أتم، ومن ثم سن تطويل الركعة الأولى على الثانية من الفريضة. قال الباجي: ومعنى ذلك أن آخر الصلاة مبني على التخفيف عما تقدم، ولذا شرع هذا المعنى في الفرائض. (ثم صلى ركعتين وهما) أي الركعتان. (دون اللتين قبلهما) أي في الطول، وإنما كانتا دون الركعتين اللتين قبلهما، لأنه إذا استوفى الغاية في النشاط والخشوع أخذ في النقص شيئاً فشيئاً، فيخفف من التطويل على سبيل التدريج. (ثم) ثانياً (صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما) في الطول. (ثم) ثالثاً (صلى ركعتين، وهما دون التين قبلهما ثم) رابعاً (صلى ركعتين، وهما دون) الركعتين. (اللتين قبلهما) قال الطيبي: أربع مرات، فعلى هذا لا تدخل الركعتان الخفيفتان تحت ما أجمله بقوله: فذلك ثلاث عشرة ركعة، أو يكون الوتر ركعة

ص: 180

ثم أوتر، فذلك ثلاث عشرة ركعة)) ، رواه مسلم. قوله: ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين

قبلهما أربع مرات، هكذا في صحيح مسلم، وأفراده من كتاب الحميدي، وموطأ مالك،

وسنن أبي داود، وجامع الأصول.

1205-

(11) وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: ((لما بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم وثقل

ــ

واحدة ولعل ناسخ المصابيح لما رأى المجمل جعل الخفيفتين من جملة المفصل فكتب قوله: ثم صلى ركعتين، وهما دون اللتين قبلهما ثلاث مرات. ومن ذهب إلى أن الوتر ثلاث ركعات حمل قوله: ثم أوتر على ثلاث ركعات، فعليه أن يخرج الركعتين الخفيفتين من البين. (ثم أوتر) أي بواحدة على أن الركعتين الخفيفتين داخلتان في المجمل. (فذلك) أي المجموع مع الوتر. (ثلاث عشرة ركعة) فيه أن صلاته صلى الله عليه وسلم في الليل ثلاث عشرة ركعة بدون ركعتي الفجر. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد ومالك وأبوداود والترمذي في الشمائل وابن ماجه والبيهقي (ج3 ص8) قال المصنف:(قوله) أي قول زيد. (ثم صلى ركعتين، وهما اللتين قبلهما أربع مرات) بالنصب، أي وقع هذا القول أربع. (هكذا) أي أربع مرات. (في صحيح مسلم) أي متنه. (وأفراده) بفتح الهمزة أي أفراد مسلم. (من كتاب الحميدي) الجامع بين الصحيحين. والأحاديث فيه على ثلاثة أنواع: الأول ما اتفق عليه الشيخان. والثاني ما انفرد به البخاري ويعبر عنه بأفراد البخاري. والثالث ما انفرد به مسلم، وهو المراد بأفراد مسلم. والحاصل أن الجملة المذكورة وقعت في متن صحيح مسلم أربع مرات، وكذا وقعت في أفراد مسلم من كتاب الجمع بين الصحيحين للحميدي. (وموطأ مالك) أي في موطئه. (وسنن أبي داود) السجستاني. (وجامع الأصول) الستة لابن الأثير الجزري (ج7 ص53)، وكذا وقع في سنن ابن ماجه والشمائل للترمذي والسنن الكبرى للبيهقي أربع مرات. ومقصود المصنف من هذا الكلام الاعتراض على البغوي حيث ذكره في المصابيح ثلاث مرات. وقد يقال في توجيه ما في المصابيح إن قوله: طويلتين ثلاث مرات محمول على ست ركعات بحذف حرف العطف، والركعتان الخفيفتان خارجتان، والوتر ركعة. والأظهر أن التكرير للمبالغة في الطول.

1205-

قوله: (لما بدن) بتشديد الدال من التبدين، وهو الكبر والضعف أي مسه الكبر وأسن. (وثقل) بضم القاف أي عن الحركة وضعف عنها لدخوله في السن، ويروى بدن بضم الدال المخففة أي كثر لحمه وثقل أي ضعف لكبر سنه وكثرة لحمه، وذلك قبل موته بسنة. قال التوربشتي: اختلف الرواة في قوله بدن: فمنهم من يرويه مخففاً بضم الدال، من قولهم بدن يبدن بدانة وبدن. بفتح الدال يبدن بدنا، وهو السمن والاكتناز.

ص: 181

كان أكثر صلاته جالساً)) . متفق عليه.

1206-

(12) وعن عبد الله بن مسعود، قال: ((لقد عرفت النظائر التي كان النبي صلى الله عليه وسلم

ــ

ومنهم من يرويه بفتح الدال وتشديدها من التبدين وهو السن والكبر، وهذه الرواية هي التي يرتضيها أهل العلم بالرواية، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوصف بالسمن فيما يوصف به، نقله الأبهري. وقال عياض: قال أبوعبيد في تفسير هذا الحديث: بدن الرجل بفتح الدال المشددة تبديناً إذا أسن، قال ومن رواه بدن بضم الدال المخففة فليس له معنى هنا، لأن معناه كثر لحمه، وهو خلاف صفته صلى الله عليه وسلم. قال عياض: روايتنا في مسلم عن جمهورهم بدن بالضم، وعن العذري بالتشديد، قال وأراه إصلاحاً، قال ولا ينكر اللفظان في حقه صلى الله عليه وسلم فقد قالت عائشة في صحيح مسلم: فلما أسن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذه اللحم أوتر بسبع. وفي حديث آخر ولحم، وفي آخر أسن وكثر لحمه. وقول ابن أبي هالة في وصفه: بادن متماسك. قال النووي: والذي ضبطناه ووقع في أكثر أصول بلادنا بالتشديد- انتهى. قلت: روى البخاري في تفسير سورة الفتح من حديث عائشة قالت: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت عائشة: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أحب أن أكون عبدا شكوراً. فلما كثر لحمه صلى جالساً، فإذا أراد أن يركع قام فقرأ ثم ركع- انتهى. قال الحافظ: أنكر الداودي قوله: فلما كثر لحمه، وقال: المحفوظ فلما بدن أي كبر، فكان الراوي تأويله على كثرة اللحم- انتهى. وقال ابن الجوزي أحسب بعض الرواة لما رأى بدن ظنه أي كثر لحمه وليس كذلك، وإنما هو بدن تبديناً، أي أسن- انتهى. وهو خلاف الظاهر. وفي حديث مسلم عن عائشة قالت: لما بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم وثقل كان أكثر صلاته جالساً، لكن يمكن تأويل قوله: ثقل أي ثقل عليه حمل لحمه، وإن كان قليلاً لدخوله في السن- انتهى مختصراً. وقيل: رواية كثر لحمه محمولة على استرخاء لحم بدنه كما يقتضيه كبر سنه. (كان أكثر صلاته) أي النافلة (جالساً) وفي رواية أبي سلمة عن عائشة: لم يمت حتى كان كثير من صلاته جالساً. وفي حديث حفصة: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في سبحته جالساً حتى إذا كان قبل موته بعام وكان يصلي في سبحته جالساً، أخرجهما مسلم. والحديث يدل على جواز التنفل قاعداً مع القدرة على القيام. قال النووي: وهو إجماع العلماء. قال ابن حجر: ومن خصائصه عليه السلام أن ثواب تطوعه جالساً كهو قائماً، سواء جلوسه يكون بعذر أو بغير عذر. (متفق عليه) واللفظ لمسلم، ولم يقل البخاري: أكثر.

1206-

قوله: (لقد عرفت النظائر) جمع نظيرة، وهي المثل والشبه أي السور المتشابهة والمتقاربة في الطول والقصر. قال الحافظ في الفتح: أي السور المتماثلة في المعاني كالموعظة أو الحكم أو القصص، لا المتماثلة في عدد الآي لما سيظهر عند تعيينها. قال المحب الطبري: كنت أظن أن المراد أنها متساوية في العد حتى اعتبرتها

ص: 182

يقرن بينهن، فذكر عشرين سورة من أول المفصل، على تأليف ابن مسعود

ــ

فلم أجد فيها شيئاً متساوياً. (يقرن) بضم الراء ويجوز كسرها أي يجمع. (بينهن) أي بين سورتين منهن في ركعة. (فذكر) أي ابن مسعود. (عشرين سورة من أول المفصل) وهي الرحمن والنجم في ركعة، واقتربت والحاقة في ركعة، والطور والذاريات في ركعة، وإذا وقعت ونون في ركعة، وسأل سائل والنازعات في ركعة، وويل للمطففين وعبس في ركعة، والمدثر والمزمل في ركعة، وهل آتي ولا أقسم بيوم القيامة في ركعة، وعم يتسآءلون والمرسلاًت في ركعة، والدخان وإذا الشمس كورت في ركعة. رواه أبوداود، وقال هذا تأليف ابن مسعود أي ترتيب السور المذكورة في الحديث، وهو الترتيب الذي ألف عليه ابن مسعود السور في مصحفه. (على تأليف) مصحف (ابن مسعود) أي جمعه وترتيبه. قال الحافظ: فيد دلالة على أن تأليف ابن مسعود على غير تأليف العثماني، وكان أوله الفاتحة ثم البقرة ثم النساء ثم آل عمران، ولم يكن على ترتيب النزول. ويقال: إن مصحف على كان ترتيب النزول، أوله إقرأ ثم المدثر ثم ن والقلم ثم المزمل ثم تبت ثم التكوير ثم سبح وهكذا إلى آخر المكي ثم المدني، والله أعلم. وأما ترتيب المصحف على ما هو عليه الآن فقال القاضي أبوبكر الباقلاني: يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أمر بترتيبه هكذا، ويحتمل أن يكون من اجتهاد الصحابة، ثم رجح الأول بما روى البخاري عن أبي هريرة أنه كان النبي صلى الله عليه وسلم يعارض به جبريل في كل سنة، فالذي يظهر أنه عارضه به هكذا على هذا الترتيب، وبه جزم ابن الأنباري. ومما يدل على أن ترتيب المصحف كان توقيفاً ما أخرجه أحمد وأبوداود وغيرهما عن أوس بن حذيفة الثقفي، قال: كنت في الوفد الذين أسلموا من ثقيف، فذكر الحديث، وفيه فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: طرأ على حزبي من القرآن فأردت أن لا أخرج حتى أقضيه، قال: فسألنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلنا كيف تحزبون القرآن؟ قلنا نحزبه ثلاث سور وخمس سور وسبع سور وتسع سور وإحدى عشرة، وحزب المفصل من ق حتى تختم. قال الحافظ: فهذا يدل على أن ترتيب السور على ما هو في المصحف الآن كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. ويستفاد من هذا الحديث حديث أوس أن الراجح في المفصل أنه من أول سورة ق إلى آخر القرآن، لكنه مبني على أن الفاتحة لم تعد في الثلاث الأول، فإنه يلزم من عدها أن يكون أول المفصل من الحجرات، وبه جزم جماعة من الأئمة- انتهى. وقيل: ترتيب جميع السور توقيفي إلا ترتيب براءة والأنفال، فهو من اجتهاد عثمان، كما يدل عليه حديث ابن عباس عند أحمد وأصحاب السنن، وصححه ابن حبان والحاكم، وقد ذكره المصنف في الباب الذي قبل كتاب الدعوات، وسيأتي الكلام في ذلك هناك. قال الجزري: اختلف في ترتيب السور هل هو توقيفي من النبي صلى الله عليه وسلم أو إجماع من الصحابة، أو بعضه توقيف وبعضه إجماع من الصحابة؟ وأجمعوا على أنه لم ينزل مرتباً هكذا، وعلى أنه لا يقرأ إلا هكذا، كما هو مرتب اليوم، وإنما يصح للصغار أن يقرؤا من أسفل لضرورة التعليم، ولو قرأ في الصلاة غير مرتب، فهو غير أولى. وقيل: يكره، ولو قرأ في

ص: 183

سورتين في ركعة آخرهن حم الدخان، وعم يتساءلون)) . متفق عليه.

ــ

أول ركعة سورة الناس، فماذا يقرأ في الثانية؟ قال أبوحنيفة: يعيدها. وقال الشافعي: يبدأ من أول البقرة أي إلى المفلحون. وهو رواية عن أبي حنيفة، وهو الأظهر، لأن الإفادة أولى من الإعادة. (سورتين) أي كل سورتين من العشرين. (في ركعة آخرهن) أي آخر العشرين مبتدأ، يعني آخر الثنتين من العشرين. (حم الدخان) يحتمل الحركات الثلاث في "حم" والفتح أشهر، وكذلك في الدخان، والجر أشهر. (وعم يتساءلون) هذا يخالف ظاهره ما تقدم من رواية أبي داود، إلا أن يقال: التقدير أخرهن أي آخر العشرين "حم الدخان" ونظيرتها إذا الشمس كورت، وعم يتساءلون، ونظيرتها والمرسلات، قاله القاري. وقال الحافظ: قوله أخرهن حم الدخان، وعم يتساءلون مشكل، لأن حم الدخان آخرهن في جميع الروايات. وأما عمّ، فهي في رواية ابن خزيمة السابعة عشرة. وفي رواية أبي داود: الثامنة عشرة، فكان فيه تجوزاً، لأن عمّ وقعت في الركعتين الأخيرتين في الجملة- انتهى. ووقع في رواية البخاري في باب الجمع بين السورتين في ركعة من أبواب الصلاة، فذكر عشرين سورة من المفصل، واستشكل عد الدخان من المفصل، لأنها ليست منه. وأجيب بأن ذكرها معهن فيه تجوز، ولذلك فصلها من المفصل في رواية البخاري في باب الترتيل في القراءة ولفظها: وإني لأحفظ القرناء التي كان يقرأ بهن النبي صلى الله عليه وسلم ثمان عشرة سورة من المفصل وسورتين من آل حم، لكن يرد رواية البخاري هذه أن الروايات لم تختلف أنه ليس في العشرين من الحواميم غير الدخان. قال الحافظ: فتحمل على التغليب أو فيها حذف كأنه قال: وسورتين إحداهما من آل حم- انتهى. ولذكر ابن مسعود هذا الحديث سبب وهو أن رجلاً وهو نهيك بن سنان جاء إلى ابن مسعود فقال: قرأت المفصل الليلة في ركعة فقال: (أي ابن مسعود) هذَّا كَهذِّ الشعر لقد عرفت النظائر الخ. قال الحافظ: وفي الحديث من الفوائد كراهة الإفراط في سرعة التلاوة، لأنه ينافي المطلوب من التدبر والتفكر في معاني القرآن، ولا خلاف في جواز السرد بدون تدبر لكن القراءة بالتدبر أعظم أجرا وفيه جواز تطويل الركعة الأخيرة على ما قبلها، وفيه الجمع بين السورتين في ركعة، ويستدل بع على الجمع بين السور، لأنه إذا جمع بين السورتين ساغ الجمع بين الثلاث فصاعداً. وقد روى أبوداود، وصححه ابن خزيمة من طريق عبد الله بن شقيق قال سألت عائشة: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين السور؟ قالت نعم من المفصل. ولا يخالف هذا ما سيأتي في التهجد أنه جمع بين البقرة وغيرها من الطوال لأنه يحمل على النادر. وقال عياض في حديث ابن مسعود: هذا يدل على أن هذا القدر كان قدر قراءته غالبا. وأما تطويله فإنما كان في التدبر والترتيل. وما ورد غير ذلك من قراءة البقرة وغيرها في ركعة، فكان نادراً. قال الحافظ: لكن ليس في حديث ابن مسعود ما يدل على المواظبة، بل فيه أنه كان يقرن بين هذه السور المعينان إذا قرأ من المفصل، وفيه موافقة لقول عائشة وابن عباس إن صلاته بالليل كانت عشر ركعات غير الوتر. (متفق عليه)

ص: 184