المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌{الفصل الثاني} 1350- (9) عن عائشة، قالت: ((كل ذلك قد فعل - مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح - جـ ٤

[عبيد الله الرحماني المباركفوري]

فهرس الكتاب

- ‌(24) باب تسوية الصف

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(25) باب الموقف

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(26) باب الإمامة

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(27) باب ما على الإمام

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(28) باب ما على المأموم من المتابعة وحكم المسبوق

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(29) باب من صلى صلاة مرتين

- ‌{الفصل الأول}

- ‌((الفصل الثاني))

- ‌((الفصل الثالث))

- ‌(30) باب السنن وفضائلها

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(31) باب صلاة الليل

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(32) باب ما يقول إذا قام من الليل

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(33) باب التحريض على قيام الليل

- ‌{الفصل الأول}

- ‌((الفصل الثاني))

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(34) باب القصد في العمل

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(35) باب الوتر

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(36) باب القنوت

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(37) باب قيام شهر رمضان

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(38) باب صلاة الضحى

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(39) باب التطوع

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌(40) باب صلاة التسبيح

- ‌(41) باب صلاة السفر

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(42) باب الجمعة

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(43) باب وجوبها

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(44) باب التنظيف والتبكير

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(45) باب الخطبة والصلاة

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

الفصل: ‌ ‌{الفصل الثاني} 1350- (9) عن عائشة، قالت: ((كل ذلك قد فعل

{الفصل الثاني}

1350-

(9) عن عائشة، قالت:((كل ذلك قد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم: قصر الصلاة وأتم))

ــ

1350-

قوله: (كل ذلك) إشارة إلى ما ذكر بعده من القصر والإتمام "وكل" مفعول قوله. (قد فعل) أو مبتدأ على حذف العائد أي كل ذلك فعله. قال الطيبي: ذلك إشارة إلى أمر مبهم له شأن لا يدري إلا بتفسيره. وتفسيره قولها رضي الله عنها: (قصر الصلاة وأتم) ونظيره قوله تعالى: {وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين} [15: 66] ، تعني كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقصر الرباعية في السفر ويتمها. والحديث قد احتج به القائلون بعدم وجوب القصر في السفر، لكنه ضعيف جداً؛ لأن في سنده طلحة بن عمرو بن عثمان الحضرمي المكي، وهو متروك ليس بشيء، واحتجوا أيضاً بما روى الدارقطني (ص242) والبيهقي (ج3: ص141) من طريقه عن عائشة أن النبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقصر ويتم ويفطر ويصوم. قال الدارقطني: إسناده صحيح. وأجيب عنه بأنه حديث فيه كلام لا يصح للاحتجاج. قال الحافظ في التلخيص (ص128) : قد استنكره أحمد، وصحته بعيدة، فإن عائشة كانت تتم،وذكر عروة أنها تأولت ما تأول عثمان، كما في الصحيح، فلو كان عندها من النبي صلى الله عليه وسلم رواية لم يقل عروة: إنها تأولت، وقد ثبت في الصحيحين خلاف ذلك- انتهى. وقال ابن القيم في الهدي (ج1: ص121) بعد ذكر هذا الحديث: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هو كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى. واحتجوا أيضاً بما روى النسائي والدارقطني (ص242) والبيهقي (ج3 ص142) عن عائشة أيضاً قالت: خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة في رمضان، فأفطر وصمت، وقصر وأتممت، فقالت: - بأبي وأمي- أفطرت وصمت، وقصرت وأتممت! فقال أحسنت يا عائشة! قال الدارقطني: إسناده حسن. وأجيب عنه بأنه أيضاً لا يصلح للاحتجاج. قال في البدر المنير: إن في متن هذا الحديث نكارة، وهو كون عائشة خرجت معه في عمرة في رمضان، والمشهور أنه صلى الله عليه وسلم لم يعتمر إلا أربع عمر ليس منهن شيء في رمضان، بل كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته، فكان إحرامها في ذي القعدة، وفعلها في ذي الحجة، قال: هذا هو المعروف في الصحيحين وغيرهما. وقد تمحل بعض الحفاظ في الجواب عن هذا الإشكال، واعتراض عليه الحافظ أبوعبد الله بن محمد بن عبد الأحد المقدسي في كلام له على هذا الحديث، وقال: وهم في هذا غير موضع، وذكر أحاديث في الرد عليه. وقال ابن حزم: هذا حديث لا خير فيه، وطعن فيه. وقال ابن القيم في الهدي (ج1 ص133) بعد ذكر هذا الحديث: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هذا الحديث كذب على عائشة، ولم تكن عائشة تصلي بخلاف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر الصحابة، وهي تشاهدهم يقصرون ثم تتم هي وحدها بلا موجب. كيف وهي القائلة: فرضت الصلاة ركعتين، فزيد في الصلاة الحضر،

ص: 401

رواه في شرح السنة.

1351-

(10) وعن عمران بن حصين، قال:((غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم وشهدت معه الفتح، فقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين، يقول: يا أهل البلد! صلوا أربعاً، فإنا سفر)) .

ــ

وأقرت صلاة السفر، فكيف يظن أنها تريد على ما فرض الله وتخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد حسن فعلها وأقرها عليه فما للتأويل. (يعني ما تقدم ذكره في كلام الحافظ في التلخيص) حينئذٍ وجه، ولا يصح أن يضاف إتمامها إلى التأويل على هذا التقدير، وقد أخبر ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يزيد في السفر على ركعتين ولا أبوبكر ولا عمر، أفيظن بعائشة أم المؤمنين مخالفتهم وهم تراهم يقصرون؟ وأما بعد موته صلى الله عليه وسلم فإنها أتمت كما أتم عثمان، وكلاهما تأول تأويلاً، والحجة في روايتهم لا في تأويل الواحد منهم مع مخالفة غيره له- انتهى. وبالجملة فلم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أتم الرباعية في سفره البتة، بل لازم القصر في جميع أسفاره، فعلى المسلم أن يلازم القصر في السفر، كما لازمه صلى الله عليه وسلم. (رواه) أي صاحب المصابيح. (في شرح السنة") وأخرجه أيضاً الشافعي والدارقطني (ص242) والبيهقي (ج3 ص142) ، وفي سنده طلحة بن عمرو، وهو مترك، فالحديث ضعيف جداً.

1351-

قوله: (غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم) أي غزوات. (الفتح) أي فتح مكة. (فأقام) أي مكث. (ثماني عشرة ليله) أي مع أيامها، وما كان نوى الإقامة هذه المدة من أول الأمر بل كان متردداً متى تهيأ فراغ حاجته ارتحل كما تقدم، فامتد مكثه بمكة لذلك. (لا يصلي إلا ركعتين) في الرباعية. (يقول) بعد تسليمة خطاباً لمن اقتدى به من أهل مكة:(يا أهل البلد صلوا أربعاً) أي لا تقصروا صلاتكم بل أتموها أربعاً. (فإنا) قوم. (سفر) بفتح السين وسكون الفاء. جمع سافر، كركب وراكب وصحب وصاحب، أي إني وأصحابي مسافرون فنقصر الصلاة الرباعية من أجل السفر، وأنتم مقيمون فلا تقصروها بل أتموها. قال الطيبي: الفاء هي الفصيحة لدلالتها على محذوف هو سبب لما بعد الفاء، أي صلوا أربعاً ولا تقتدوا بنا فإنا سفر، كقوله تعالى:{فانفجرت} أي فضرب فانفجرت- انتهى. وفي الحديث دليل على أن المسافر إذا كان إماماً للمقيمين وسلم على ركعتين في الرباعية يتم المقيمون صلاتهم كإتمام أهل مكة، وهذا إجماع، ويستحب له أن يقول بعد التسليم به أتموا صلاتكم إتباعاً لفعله صلى الله عليه وسلم. قال ابن عبد البر: لا خلاف علمته فيما بينهم أن المسافر إذا صلى بمقيمين ركعتين وسلم فأتموا لأنفسهم. وقال الشوكاني: جواز ائتمام المقيمين بالمسافر مجمع عليه. واختلف في العكس، فذهب طاووس وداود والشعبي وغيرهم إلى عدم الصحة لقوله صلى الله عليه وسلم: لا تختلفوا على إمامكم، وقد خالف في العدد والنية، وذهب الحنفية والشافعية إلى الصحة إذ لم تفصل أدلة الجماعة، ويدل للجواز ما أخرجه أحمد في مسنده عن ابن عباس أنه سئل ما بال المسافر يصلي ركعتين إذا انفرد وأربعاً

ص: 402

رواه أبوداود.

1352-

(11) وعن ابن عمر، قال: ((صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر في السفر ركعتين، وبعدها ركعتين. وفي رواية قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الحضر والسفر، فصليت معه في الحضر الظهر أربعاً، وبعدها ركعتين. وصليت معه في السفر الظهر ركعتين، وبعدها ركعتين، والعصر ركعتين، ولم يصل بعدها شيئاً، والمغرب في الحضر والسفر سواء ثلاث ركعات، ولا ينقص في حضر ولا سفر،

ــ

إذا ائتم بمقيم؟ فقال: تلك السنة. وفي لفظ قال له موسى بن سلمة: إنا إذا كنا معكم صلينا أربعاً، وإذا رجعنا صلينا ركعتين! فقال: تلك سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم. وقد أورد الحافظ هذا الحديث في التلخيص (ص130) ولم يتكلم عليه-انتهى. وقال ابن عبد البر في الاستذكار: اختلفوا

في المسافر يصلي وراء مقيم، فقال مالك وأصحابه: إذا لم يدرك معه تامة صلى ركعتين، فإن أدرك معه ركعة بسجدتيها صلى أربعاً. وذكر الطحاوي أن أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمداً قالوا: يصلي صلاة المقيم وإن أدركه في التشهد وهو قول الثوري والشافعي-انتهى. قلت: وهو مذهب الإمام أحمد كما في المغني (ج1ص284) وغيره من كتب فروع الحنابلة. (رواه أبوداود) وأخرجه أيضاً البيهقي (ج3ص157) من طريق أبي داود وأخرجه أيضاً هو (ج3ص135، 136، 153) والترمذي بنحوه مطولاً، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال الحافظ في التلخيص (ص129) : إن الترمذي حسن هذا الحديث، ولكن نقل المنذري والزيلعي (ج2ص187) أنه قال: حسن صحيح. والحديث نسبه أيضاً الزيلعي إلى الطبراني وابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه وأبي داود الطيالسي. وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان، وقد تكلم فيه جماعة من الأئمة، وقال الحافظ: هو ضعيف، وإنما حسن الترمذي حديثه لشواهده، ولم يعتبر الاختلاف في المدة، كما عرف من عادة المحدثين من اعتبارهم الاتفاق على الأسانيد دون السياق-انتهى. قال شيخنا في شرح الترمذي: علي بن زيد عند الترمذي صدوق، كما في الميزان وغيره، فلأجل ذلك حسنه وصححه، على أن لهذا الحديث شواهد، وكم من حديث ضعيف قد حسنه الترمذي لشواهده-انتهى.

1352-

قوله: (الظهر) أي صلاته. (في السفر ركعتين) أي فرضاً. (وبعدها) أي بعد صلاة الظهر. (ركعتين) أي سنة الظهر. (وفي رواية) أي عن ابن عمر. (الظهر) أي فرضه. (أربعاً) أي أربع ركعات. (ولم يصل بعدها) أي بعد صلاة العصر. (شيئاً) لكراهة التطوع بعدها. (والمغرب في الحضر والسفر سواء) حال أي مستويا عددها فيهما وقوله. (ثلاث ركعات) بيان لها. (لا ينقص في حضر ولا سفر) على البناء للفاعل

ص: 403

وهي وتر النهار، وبعدها ركعتين)) ، رواه الترمذي.

1353-

(12) وعن معاذ بن جبل، قال:((كان النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل، جمع بين الظهر والعصر، وإن ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى ينزل للعصر، في المغرب مثل ذلك، إذا غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين المغرب والعشاء، وإن ارتحل قبل أن تغيب الشمس أخر المغرب حتى ينزل للعشاء، ثم يجمع بينهما))

ــ

أي شيء منها، يعني لا ينقص رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب عن ثلاث ركعات في الحضر ولا في السفر؛ لأن القصر منحصر في الرباعية. (وهي وتر النهار) جملة حالية كالتعليل لعدم جواز النقصان، قاله الطيبي. (وبعدها) أي بعد صلاة المغرب. (ركعتين) أي سنة المغرب. والروايتان تدلان على جواز الإتيان بالرواتب في السفر، وقد تقدم الكلام فيه مفصلاً. (رواه الترمذي) الرواية الأولى من طريق حجاج بن أرطاة عن عطية عن ابن عمر. والثانية المطولة من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عطية ونافع عن ابن عمر، وقد حسن الترمذي الروايتين جميعاً، وإنما حسن الرواية الأولى أي المختصرة مع أن في سندها حجاج بن أرطاة وعطية، وكلاهما مدلسان، وروياه بالعنعنة. وقال في الميزان: عطية تابعي شهير ضعيف؛ لأنه قد تابع حجاجاً ابن أبي ليلى في طريق الرواية الثانية، وكذلك تابع عطية نافع فيها، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى صدوق فقيه تكلم فيه من قبل حفظه، وحديثه مما يحتج به إذا تابعه غيره.

1353-

قوله: (كان النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك) غير منصرف على المشهور، وهو موضع قريب من الشام. (إذا زاغت الشمس) أي مالت عن وسط السماء إلى جانب المغرب أراد به الزوال. (قبل أن يرتحل) ظرف لما قبله أو ما بعده. (جمع بين الظهر والعصر) أي في المنزل جمع تقديم، بأن قدم العصر فصلاها في وقت الظهر. (قبل أن تزيغ الشمس) أي تزول. (آخر الظهر) أي إلى وقت العصر. (حتى ينزل للعصر) أي لوقته فجمع بينهما جمع تأخير بأن صلى الظهر في وقت العصر ثم صلى العصر. (وفي المغرب مثل ذلك) أي مثل ما فعل في الظهر والعصر. (إذا غابت) وفي المصابيح: إن غابت، كما في أبي داود، وكذا نقله الجزري في جامع الأصول (ج6ص451) (جمع بين المغرب والعشاء) في المنزل جمع تقديم. (آخر المغرب حتى ينزل للعشاء) أي لوقته. (ثم يجمع) وفي المصابيح: ثم جمع موافقاً، لما في أبي داود، ووقع في جامع الأصول، كما في المشكاة. (بينهما) أي جمع تأخير. وفي الحديث دليل لما ذهب إليه الشافعي وغيره من جواز الجمع الحقيقي تقديماً وتأخيراً. قال ابن حجر

ص: 404

رواه أبوداود والترمذي

ــ

المكي: إنه حديث صحيح، وإنه جملة الأحاديث التي هي نص لا يحتمل تأويلاً في جواز جمعي التقديم والتأخير-انتهى. قلت: وفي الباب أحاديث أخرى، وهي صريحة في الجمع الحقيقي، وسنذكرها. (رواه أبوداود) وأخرجه أيضاً النسائي والدارقطني (ص150) والبيهقي (ج3ص162، 163) كلهم من طريق هشام بن سعد عن أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ. قال الحافظ في التلخيص (ص130) : وهشام لين الحديث، وقد خالف أوثق الناس في أبي الزبير، وهو الليث بن سعد. وقال في الفتح (ج5ص588) : وهشام مختلف فيه، وقد خالفه الحفاظ من أصحاب أبي الزبير، كمالك والثوري وقرة بن خالد وغيرهم-انتهى. قلت: هشام بن سعد المدني أبوعباد صاحب زيد بن أسلم، قد استشهد به مسلم في الصحيح، وعلق له البخاري في جامعه الصحيح، وضعفه ابن معين والنسائي وابن عدي. وقال الساجي: صدوق. وقال: أبوزرعة محله الصدق، وهو أحب إليّ من ابن إسحاق. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين صالح، وليس بمتروك الحديث. وقال أبوداود: هشام بن سعد أثبت الناس في زيد بن أسلم. وقال الحاكم: أخرج له مسلم في الشواهد، كذا في التهذيب. وقال في البدر المنير: قال عبد الحق عن البزار: لم أر أحدا توقف عن حديثه- انتهى. فحديثه لا ينحط عن درجة الحسن، وعلى هذا فالحديث المذكور ليس بضعيف، كما تفوه النيموي، بل هو حسن بلا شك. وأما ما ذكر الحافظ من مخالفته لأصحاب أبي الزبير، وكأنه يشير إلى أن روايته بجمع التقديم شاذة، ففيه أنه ليس بين روايته وبين رواياتهم مخالفة ومعارضة أصلاً، فإن رواياتهم مجملة ساكتة عن بيان كيفية الجمع، ورواية هشام هذه مفصلة مفسرة، والمفسرة قاضٍ على المجمل، فيحمل هذا على ذاك، وللحديث طريق أخرى عن معاذ بن جبل أخرجها أحمد (ج5 ص241، 242) والترمذي وأبوداود وابن حبان والدارقطني (ص150) والبيهقي (ج3 ص163) والحاكم في علوم الحديث (ص119) بنحوه من رواية قتيبة عن الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل، وهذا الطريق قد اضطربت فيه أقوال العلماء، قال في البدر المنير: للحفاظ في هذا الحديث خمسة أقوال: أحدها أنه حسن غريب، قاله الترمذي. ثانيها: أنه محفوظ صحيح، قاله ابن حبان. ثالثها: أنه منكر، قاله أبوداود. (حكاه الحافظ في التلخيص ص130) والمنذري في مختصر السنن) . رابعها: أنه منقطع، قاله ابن حزم. خامسها: أنه موضوع، قاله الحاكم. (في علوم الحديث ص120) وأصل حديث أبي الطفيل في صحيح مسلم، وأبوطفيل ثقة مأمون- انتهى. وقال الحافظ في الفتح (ج5 ص588) : وقد أعله جماعة من أئمة الحديث بتفرد قتيبة عن الليث. وقال في التلخيص (ص130) بعد ذكر هذا الحديث: قال الترمذي حسن غريب، تفرد به قتيبة، والمعروف عند أهل العلم حديث معاذ من حديث أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ،

ص: 405

وليس فيه جمع تقديم. يعني الذي أخرجه مسلم. وقال أبوداود: هذا حديث منكر، وليس في جمع التقديم حديث قائم. وقال أبوسعيد بن يونس: لم يحدث بهذا الحديث إلا قتيبة، ويقال: إنه غلط فيه فغير بعض الأسماء، وأن موضع يزيد بن أبي حبيب أبوالزبير. وقال ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه: لا أعرفه من حديث يزيد، والذي عندي أنه دخل له حديث في حديث، وأطنب الحاكم في علوم الحديث في بيان علة هذا الخبر، فليراجع منه، وحاصله أن البخاري سأل مع من كتبته؟ فقال: مع خالد المدائني قال البخاري: كان خالد المدائني يدخل على الشيوخ، يعني يدخل في روايتهم ما ليس منها، وأعله ابن حزم بأنه معنعن ليزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل ولا يعرف له عنه رواية- انتهى كلام الحافظ. قلت: الكلام الذي عزاه الحافظ لأبي داود ليس في سننه، بل الذي فيها "لم يرو هذا الحديث إلا قتيبة وحده، ولم يقم دليل على ما قيل من أن قتيبة أو غيره من الرواة غلط في هذا الحديث فغير بعض الأسماء، وقد راجعنا علوم الحديث للحاكم فوجدنا أنه قد أفرط في الكلام على هذا الحديث فحكم بكونه موضوعاً، ولم يأت بشيء يؤيد قوله، والحق أن الحديث على شرط صحيح. قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي: وما أحسن ما قال، وقد أسرف الحاكم أبوعبد الله في علوم الحديث فزعم أنه موضوع، مع أنه اعترف بأن رواته أئمة ثقات وعلل ذلك بأنه "شاذ الإسناد والمتن، لا نعرف له علة نعلله بها" وأطال القول في ذلك بما لا طائل تحته، والحديث حديث صحيح ليست له علة، وقد صححه أيضاً ابن حبان. (كما تقدم) وليس الشاذ ما انفرد به الثقة، إنما الشاذ أن يخالف الراوي غيره ممن هو أحفظ منه وأقوى- انتهى. ويؤيد ذلك ما روى الحاكم (ص119) عن الشافعي أنه قال: ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يرويه غيره، هذا ليس بشاذ إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثاً يخالف فيه الناس، هذا الشاذ من الحديث- انتهى. وقد رد أيضاً على الحاكم ابن القيم في الهدي (ج1 ص136) فقال: حكمه بالوضع على هذا الحديث غير مسلّم، قال: وإسناده على شرط الصحيح وفي جمع التقديم أحاديث أخرى فمنها حديث ابن عباس، أخرجه أحمد (ج1 ص368، 369) والدارقطني (ص149) والبيهقي (ج3 ص163) من طريق حسين بن عبد الله عن عكرمة وكريب عن ابن عباس مرفوعاً، وذكره أبوداود تعليقاً، والترمذي في بعض الروايات عنه، وحسين بن عبد الله الهاشمي ضعفه جماعة. وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: ليس به بأس يكتب حديثه. وقال ابن عدي: أحاديثه يشبه بعضها بعضاً، وهو ممن يكتب حديثه، فإني لم أجد في حديثه منكراً، قد جاوز المقدار. قال الحافظ في التلخيص (ص130) : يقال إن الترمذي حسن هذا الحديث، وكأنه باعتبار المتابعة، وغفل ابن العربي فصحح إسناده‘ لكن له طريق أخرى أخرجها يحيى بن عبد الحميد الحماني في مسنده عن أبي خالد الأحمر عن الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس، وله طريق أخرى أيضاً أخرجها إسماعيل القاضي في الأحكام

ص: 406

عن إسماعيل بن أبي أويس عن أخيه عن سليمان بن بلال عن هشام بن عروة عن كريب عن ابن عباس بنحوه، وله طريق أخرى أيضاً أخرجها أحمد (ج1 ص242) من رواية حماد عن أيوب عن أبي قلابة عن ابن عباس قال: لا أعلمه إلا قد رفعه، قال: كان إذا نزل منزلاً- الحديث. ونسبه الحافظ في الفتح للبيهقي وقال: رجاله ثقات، إلا أنه مشكوك في رفعه. (حيث قال: ولا أعلمه مرفوعاً) والمحفوظ أنه موقوف. وقد أخرجه البيهقي من وجه آخر مجزوماً بوقفه، ولا ابن عباس حديث آخر، ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (ج2 ص160، 159) وعزاه للطبراني في الأوسط وقال: فيه أبومعشر نجيح، وفيه كلام كثير، وقد وثقه بعضهم- انتهى. ومنها حديث علي أخرجه الدارقطني (ص150) وفي إسناده، كما قال الحافظ: من لا يعرف، وفيه أيضاً المنذر بن محمد القابوسي، وهو ضعيف. وقال الدارقطني: مجهول، وأخرج عبد الله بن أحمد في زيادات المسند (ج1 ص136) بإسناد آخر أن علياً كان يسير حتى إذا غربت الشمس وأظلم نزل فصلى المغرب ثم صلى العشاء على أثرها ثم يقول: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع. قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند: إسناده صحيح. ومنها حديث أنس أخرجه جعفر الفريابي والبيهقي في كتاب المعرفة، وفي السنن الكبرى (ج3 ص162) والإسماعيلي وأبونعيم في مستخرجه على مسلم كلهم من طريق إسحاق بن راهويه عن شبابة عن الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً ثم ارتحل، وأعل بتفرد إسحاق ابن راهويه، وليس ذلك بقادح فإنه إمام حافظ قاله الحافظ في الفتح، وقال في التلخيص (ص130) بعد ذكر الحديث: وإسناده صحيح، قاله النووي، وفي ذهني أن أبا داود أنكره على إسحاق ولكن له متابع، رواه الحاكم في الأربعين له عن أبي العباس محمد بن يعقوب عن محمد بن إسحاق الصغاني عن حسان بن عبد الله عن المفضل بن فضالة عن عقيل عن ابن شهاب، وهو في الصحيحين من هذا الوجه، وليس فيه: والعصر، وهي زيادة غريبة صحيحة الإسناد، وقد صححه المنذري من هذا الوجه والعلائي، وتعجب من الحاكم كونه لم يورده في المستدرك- انتهى. وقال في الفتح: قال الحافظ صلاح الدين العلائي: هكذا وجدته بعد التتبع في نسخ كثيرة من الأربعين بزيادة العصر، وسند هذه الزيادة جيد- انتهى. قلت. (قائله الحافظ) : وهي متابعة قوية لرواية إسحاق بن راهويه أن كانت ثابتة لكن في ثبوتها نظر؛ لأن البيهقي أخرج في السنن الكبرى (ج3 ص161) هذا الحديث عن الحاكم بهذا الإسناد مقروناً برواية أبي داود عن قتيبة. وقال: إن لفظهما سواء إلا أن في رواية قتيبة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية حسان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان، وله طريق أخرى رواها الطبراني في الأوسط، ذكرها الحافظ في التلخيص (ص130، 131) بسندها ومتنها ثم نقل عن الطبراني أنه قال: تفرد به يعقوب بن محمد. وقال

ص: 407

1354-

(13) وعن أنس، قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر وأراد أن يتطوع، استقبل القبلة

بناقته، فكبر، ثم صلى حيث كان وجهه ركابه))

ــ

الهيثمي في مجمع الزوائد (ج2 ص160) بعد عزوه إلى الطبراني: ورجاله موثقون- انتهى. هذا وقد ظهر بما ذكرنا من أحاديث جمع التقديم ومتابعاتها، وهن ما حكي عن أبي داود أنه قال: ليس في جمع التقديم حديث قائم، وتحقق قوة وصحة ما قاله الشوكاني في النيل من أن بعضها صحيح وبعضها حسن، وذلك يرد قول أبي داود ليس في جمع التقديم حديث قائم- انتهى. وأما جمع التأخير فقد ورد فيه أحاديث كثيرة صحيحة صريحة مخرجة في الصحيحين وغيرهما. فمنها حديث أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل يجمع بينهما، فإن زاغت قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب. متفق عليه. وفي رواية لمسلم: حتى يدخل أول وقت العصر ثم يجمع بينهما. ومنها حديث أنس أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا عجل عليه السفر يؤخر الظهر إلى وقت العصر فيجمع بينهما ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق، رواه مسلم، ومنها ما روي عن نافع أن ابن عمر كان إذا جدّ به السير جمع بين المغرب والعشاء بعد أن يغيب الشفق، ويقول: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء. رواه مسلم. ومنها حديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غابت له الشمس بمكة، فجمع بينهما بسرف. رواه أبوداود والنسائي. وهذه الروايات صريحة في الجمع في وقت إحدى الصلاتين، وفيها إبطال تأويل الحنفية في قولهم: إن المراد بالجمع الجمع الصوري، أي الفعلي يعني تأخير الأولى إلى آخر وقتها وتقديم الثانية إلى أول وقتها، وأما ما يذكر من الروايات المخرجة في غير الصحيحين الدالة على الجمع الصوري، فهي لا توازي روايات الصحيحين.

1354-

قوله: (إذا سافر) سفراً قصيراً أو طويلاً، وقيل: المراد السفر الشرعي. (وأراد) وفي أبي داود فأراد. (أن يتطوع) أي يتنفل راكباً والدابة تسير. (استقبل القبلة بناقته) وفي أبي داود: استقبل بناقته القبلة أي ليحصل استقبال القبلة وقت افتتاح الصلاة. (فكبر) أي للتحريمة عقب الاستقبال. (ثم صلى) أي ثم استمر في صلاته، قاله ابن حجر. وقال الطيبي: ثم ههنا للتراخي في الرتبة، ولما كان الاهتمام بالتكبير أشد لكونه مقارناً بالنية خص بالتوجه إلى القبلة. (حيث وجهه ركابه) أي ذهب به مركوبه. مستقبل القبلة أو غير مستقبلها، وفي دليل على مشروعية استقبال القبلة بالتكبير حال ابتداء الصلاة، وقد تقدم الكلام فيه. قال ابن القيم بعد ذكر هذا الحديث: وفي هذا الحديث نظر، وسائر من وصف صلاته صلى الله عليه وسلم على راحلته أطلقوا أنها كان يصلي عليها قبل أي جهة توجهت به، ولم يستثنوا من ذلك تكبيرة الإحرام ولا غيرها كعامر

ص: 408

رواه أبوداود.

1355-

(14) وعن جابر، قال:((بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجته، فجئت وهو يصلي على راحلته نحو المشرق، ويجعل السجود أخفض من الركوع)) رواه أبوداود.

ــ

ابن ربيعة وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله، وأحاديثهم أصح من حديث أنس هذا- انتهى. قلت: حديث أنس هذا ليس فيه دليل على وجوب استقبال القبلة بالتكبير وقت افتتاح صلاة التطوع على الراحلة، فيحمل على الندب والفضيلة، كما قال ابن قدامة، وحينئذٍ فلا مخالفة بينه وبين أحاديث غيره ممن ذكرهم ابن القيم. (رواه أبوداود) وأخرجه أيضاً أحمد والدارقطني (152) والبيهقي (ج2 ص5) . والحديث قد سكت عنه أبوداود والمنذري. وقال في التعليق المغني: الحديث صحيح الإسناد. قلت: الأمر كما قال صاحب التعليق.

1355-

قوله: (في حاجته) وفي المصابيح: في حاجة. وكذا في سنن أبي داود والترمذي، وكذا نقله الجزري في جامع الأصول (ج6 ص317) وللبيهقي: لحاجة. (فجئت) أي إليه بعد قضاء الحاجة. (وهو يصلي) حال. (نحو المشرق) ظرف، أي يصلي إلى جانب المشرق، أو حال أي متوجهاً نحو المشرق أو كانت متوجهة إلى جانب المشرق. قال الحافظ في الفتح: وبين في المغازي أن ذلك كان في غزوة أنمار، وكانت أراضهم قبل المشرق لمن يخرج من المدينة، فتكون القبلة على يسار القاصد إليهم. (ويجعل السجود) أي إيماء إليه، كذا وقع في المصابيح، ويجعل السجود. وفي سنن أبي داود وجامع الترمذي: والسجود أي بالرفع، وبدون لفظ يجعل، وكذا نقله الزيلعي في نصب الراية (ج2 ص152) عنهما، وكذا حكاه المنذري في مختصر السنن، وكذا ذكره المجد بن تيمية في المنتقى، والجزري في جامع الأصول. (أخفض من الركوع) أي أسفل من إيماء إلى الركوع، وفيه مشروعية التطوع على الدابة في السفر، والإيماء للركوع والسجود على الدابة، وكون الإيماء للسجود أخفض من الركوع بحيث يفترق به السجود عن الركوع، وبهذا قال الجمهور. (رواه أبوداود) وأخرجه أيضاً أحمد والشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارقطني وابن حبان والبيهقي (ج2 ص5) من طرق مختلفة بألفاظ بعضها مطول وبعضها مختصر. وقال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه بنحوه أتم منه. وفي حديث الترمذي وحده: والسجود أخفض من الركوع. وقال حسن صحيح. قلت: أصل الحديث عند البخاري، ولفظ ابن حبان: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي النوافل على راحلته في كل وجه يومئ إيماء، ولكنه يخفض السجدتين من الركعتين، وبنحوه أخرج أحمد في مسنده.

ص: 409