الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(26) باب الإمامة
{الفصل الأول}
1123-
(1) عن أبي مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله تعالى، فإن
كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء،
ــ
وأخرجه أيضاً أحمد (ج5 ص140) وابن خزيمة في صحيحه. ولفظ أحمد: قال قيس بن عباد: أتيت المدينة للقى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ولم يكن فيهم رجل ألقاه أحب إلى من أبيّ، فأقيمت الصلاة فخرج عمر بن الخطاب مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقمت في الصف الأول، فجاء رجل فنظر في وجوه القوم فعرفهم غيري، فنحاني وقام في مكاني، فما عقلت صلاتي، فلما صلى قال: يا بني لا يسؤك الله، فإني لم آتك الذي أتيتك بجهالة، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا: كونوا في الصف الذي يليني، وإني نظرت في وجوه القوم فعرفتهم غيرك، ثم حدث فما رأيت الرجال متحت أعناقها إلى شيء متوجهاً إليه، قال فسمعته يقول: هلك أهل العقدة ورب الكعبة، إلا لا عليهم آسى، ولكن آسى على من يهلكون من المسلمين، وإذا هو أبيّ.
(باب الإمامة) أي أحكام الإمامة في الصلاة وصفة الأئمة، وهي مصدر أم القوم في صلاتهم.
1123-
قوله: (يؤم القوم) صيغة خبر بمعنى الأمر، أي ليؤمهم. (أقرأهم لكتاب الله) اختلف في المراد منه: فقيل: أفقههم في القرآن وأعلمهم بمعانيه وأحكامه. وقيل: المراد أحسنهم وأجودهم قراءة للقرآن وإن كان أقلهم حفظاً. وقيل: هو على ظاهره، فالمراد به أكثرهم حفظاً للقرآن، ويدل على ذلك ما رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح عن عمرو بن سلمة: انطلقت مع أبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بإسلام قومه، فكان فيما أوصانا: ليؤمكم أكثركم قرآنا، فكنت أكثرهم قرآناً، فقدموني. وأخرجه أيضاً البخاري، وسيأتي في الفصل الثالث. قال القاري: بعد ذكر قول ابن الملك، أي أحسنهم قراءة لكتاب الله، والأظهر أن معناه أكثرهم قراءة بمعنى أحفظهم للقرآن، كما ورد أكثرهم قرآناً- انتهى. قلت: هذا هو الراجح عندي لحديث عمرو بن سلمة، والروايات يفسر بعضها بعضاً. (فإن كانوا) أي القوم. (في القراءة) أي في العلم بها أو في حسنها أو مقدارها على اختلاف الأقوال (سواء) أي مستوين. قال الشوكاني: أي استووا في القدر المعتبر من القراءة إما في حسنها أو في كثرتها وقلتها. وفي رواية: لمسلم فإن كانت قراءتهم سواء. (فأعلمهم بالسنة) قال الطيبي: أراد بها الأحاديث. وقال السندي: حملوها على أحكام الصلاة. (فإن كانوا) أي بعد استوائهم في القراءة. (في السنة) أي بالعلم بها.
قأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سناً،
ــ
(سواء فأقدمهم هجرة) أي انتقالاً من مكة إلى المدينة قبل الفتح، فمن هاجر أولاً فشرفه أكثر ممن هاجر بعده، قال تعالى:{لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح} الآية [57: 10]، قاله القاري. وقيل: هذا شامل لمن تقدم هجرة سواء ما كان في زمنه صلى الله عليه وسلم أو بعده كمن يهاجر من دار الكفار
…
إلى دار الإسلام. وأما حديث لا هجرة بعد الفتح فالمراد من مكة إلى المدينة؛ لأنهما جميعاً صارا دار اسلام. قال الشوكاني: الهجرة المقدم بها في الإمامة لا تختص بالهجرة في عصره صلى الله عليه وسلم بل هي لا تنقطع إلى يوم القيامة، كما وردت بذلك الأحاديث، وقال به الجمهور. وأما حديث: لا هجرة بعد الفتح فالمراد بعد الهجرة من مكة إلى المدينة أو لا هجرة بعد الفتح. فضلها كفضل الهجرة قبل الفتح. وهذا لا بد منه للجمع بين الأحاديث. (فإن كانوا) أي بعد استوائهم فيما سبق من القراءة والسنة. (في الهجرة سواء فأقدمهم سناً) وفي رواية أكبرهم سناً، أي يقدم في الإمامة من كبر سنه في الإسلام؛ لأن ذلك فضيلة يرجح بها. قلت: ويؤيده ما في رواية لمسلم: فأقدمهم سلماً، أي إسلاماً، يعني أن من تقدم اسلامه يقدم على من تأخر إسلامه. والحديث دليل لمن قال يقدم الأقرأ في الإمامة على الأعلم. وإليه ذهب أحمد وأبويوسف وإسحاق. وقال مالك والشافعي وأبوحنبفة: الأعلم مقدم على الأقرأ، قال العيني: اختلف العلماء فيمن هو أولى بالإمامة: فقالت طائفة: الأفقه، وبه قال أبوحنيفة ومالك والجمهور، وقال أبويوسف وأحمد واسحاق: الأقرأ، وهو قول ابن سيرين وبعض الشافعية، قال العيني: وقال أصحابنا: أولى الناس بالإمامة أعلمهم بالسنة أي بالفقه والأحكام الشرعية إذا كان يحسن من القراءة ما تجوز به الصلاة، وهو قول الجمهور، وإليه ذهب عطاء والأوزاعي ومالك والشافعي. وقال السيد محمد مرتضى الزبيدي الحنفي في شرح الأحياء: قال أصحابنا يقدم الأعلم ثم الأقرأ، وهوقول أبي حنيفة ومحمد، واختاره صاحب الهداية وغيره من أصحاب المتون وعليه أكثر المشائخ. وقال أبويوسف: يقدم الأقرأ ثم الأعلم واختاره جمع من المشائخ، ومن الشافعية ابن المنذر، كما نقله النووى في المجموع- انتهى. واستدل الشافعي ومن وافقه بأن الذي يحتاج إليه من القراءة مضبوط، والذي يحتاج إليه من الفقه غير مضبوط، وقد تعرض في الصلاة أمور لا يقدر على مراعاتها إلا كامل الفقه، فيقدم الأفقه على الأقرأ. قال البغوي: لأن الفقيه يعلم ما يجب من القراءة في الصلاة؛ لأنه محصور، وما يقع فيها من الحوادث غير محصور، وقد يعرض للمصلي ما يفسد صلاته، وهو لا يعلم إذا لم يكن فقيهاً. وقال صاحب الهداية: القراءة يفتقر إليها لركن واحد، والعلم لسائر الأركان، أي فلأعلم أولى بالإمامة من الأقرأ. قلت: هذا كله تعليل في مقابلة النص، فلا يلتفت إليه، بل يرد على قائله كائناً من كان. واستدل لهم أيضاً بقوله صلى الله عليه وسلم: مروا أبا بكر أن يصلي بالناس، وسيأتي في باب المأموم من المتابعة
فإن تقديمه صلى الله عليه وسلم في مرض موته أبا بكر في الصلاة على غيره مع قوله: أقرؤكم أبيّ يدل على أنه يقدم الأعلم على الأقرأ لكون أبا بكر أعلمهم. قال ابن الهمام: أحسن ما يستدل به لمختار الجمهور حديث: مروا أبا بكر فليصل، وكان ثم من هو أقرأ منه لا أعلم. دليل الأول قوله عليه السلام: أقرؤكم أبيّ، ودليل الثاني قول أبي سعيد: كان أبوبكر أعلمنا، وهذا آخر الأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكون المعول عليه. وقال العيني: حديث أبي مسعود كان في أول الأمر، وحديث أبي بكر في آخر الأمر، وقد تفقهوا في القرآن، وكان أبوبكر أعلمهم وأفقههم في كل أمر- انتهى. قلت: قصة إمامة أبي بكر في مرض موته صلى الله عليه وسلم واقعة عين غير قابلة للعموم بخلاف حديث أبي مسعود، فإنه تقرير قاعدة كلية تفيد التعميم، فلا يصح الاستدلال بقصة أبي بكر على تقديم الأعلم على الأقرأ يجعلها ناسخة لحديث أبي مسعود، قال صاحب البذل: قصة الإشارة إلى الاستخلاف ربما تكون مخصصة على أنها واقعة حال لا عموم لها، ومن ثم اختار جمع من المشائخ قول أبي يوسف- انتهى. وأجاب صاحب الهداية وغيره عن حديث أبي مسعود بأنه خرج على ما كان عليه حال الصحابة من أن أقرأهم كان أعلمهم"؛ لأنهم كانوا في ذلك الوقت يتلقونه بأحكامه، فقدم في الحديث، ولا كذلك في زماننا، فقدمنا الأعلم. قال الشافعي: المخاطب بذلك الذين كانوا في عصره، كان أقرأهم أفقههم، فإنهم كانوا يسلمون كباراً، ويتفقهون قبل أن يقرأوا، فلا يوجد قارىء منهم إلا وهو فقيه، وقد يوجد الفقيه، وليس بقارىء. ورد هذا الجواب بأنه لو كان المراد بالأقرأ في قوله: يؤم القوم أقرأهم هو الأعلم لكان يلزم تكرار الأعلم في الحديث، ويكون التقدير يؤم القوم أعلمهم، فإن تساووا فأعلمهم. وقال الأمير اليماني: ولا يخفى أنه يبعد هذا الجواب قوله: فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإنه دليل على تقديم الأقرأ مطلقاً. والأقرأ على ما فسروه به هو الأعلم بالسنة، فلو أريد به ذلك لكان القسمان قسماً واحداً. وقال الزبيدي: وأما تأويل المخالف للنص أي لحديث أبي مسعود بأن الأقرأ في ذلك الزمان كان الأفقه، فقد رد هذا التأويل قوله عليه السلام: فأعلمهم بالسنة، ولكن قد يجاب عنه بأن المراد بالأقرأ في الخبر الأفقه في القرآن فقد استووا في فقهه، فإذا زاد أحدهم بفقه السنة فهو أحق، فلا دلالة في الخبر على تقديم الأقرأ مطلقاً، بل على تقديم تقديم الأقرأ الأفقه في القرآن على من دونه، ولا نزاع فيه. قال العيني: المراد من قوله: يؤم القوم أقرأهم أي أعلمهم، يعني أعلمهم بكتاب الله دون السنة، ومن قوله: أعلمهم بالسنة أعلمهم بأحكام الكتاب والسنة جميعاً، فكان الأعلم الثاني غير الأعلم الأول- انتهى. قلت: قد سلف منا أن الراجح في المراد من قوله: أقرأهم هو الأكثر حفظا للقرآن وإن حمله على الأفقه في القرآن والأعلم بأحكامه ومعانيه خلاف الظاهر فلا يلتفت إليه. وأما حمل الحديث على الصحابة خاصة فهو ادعاء محض على أنه يلزم من هذا الجواب أن من نص النبي صلى الله عليه وسلم على أنه أقرأ من أبي بكر كان أفقه من أبي بكر، فيفسد الاحتجاج بأن تقديم أبي بكر كان لأنه الأفقه.
ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه
ــ
قال السندي: الحديث يفيد تقدم الأقرأ وغالب الفقهاء على تقديم الأعلم، ولهم عن هذا الحديث جوابان: النسخ بإمامة أبي بكر مع أن أقرأهم أبىّ، وكان أبوبكر أعلمهم، كما قال أبوسعيد، ودعوى أن الحكم مخصوص بالصحابة، وكان أقرأهم أعلمهم لكونهم يأخذون القآن بالمعاني، وبين الجوابين تناقض لا يخفى، ولفظ الحديث يفيد عموم الحكم- انتهى. وقد ظهر بهذا التفصيل أن القول الراجح المعول عليه هو تقديم الأقرأ على الأعلم وهذا، إنما هو حيث يكون الأقرأ عارفاً بما يتعين معرفته من أحوال الصلاة، فأما إذا كان جاهلاً بذلك فلا يقدم اتفاقا. قال الزبيدي: والذي ذهب إليه أبويوسف من تقديم الأقرأ على الأعلم رواية عن أبي حنيفة، ودليله قوي من حيث النص، فإنه فرق بين الفقيه والقاري، وأعطى الإمامة للقاري ما لم يتساويا في القراءة فإن تساويا لم يكن أحدهما بأولى من الآخر فوجب تقديم الأعلم بالسنة وهو الأفقه- انتهى. (ولا يؤمن الرجل الرجل) برفع الأول ونصب الثاني. (في سلطانه) أي في محل سلطانه، وهو موضع يملكه الرجل أو له فيه تسلط بالتصرف كصاحب المجلس وإمام المسجد، فإنه أحق من غيره، وإن كان أفقه، لئلا يؤدي ذلك إلى التباغض والخلاف الذي شرع الاجتماع لرفعه. قال الطيبي: أي لا يؤم الرجل الرجل في مظهره سلطنته ومحل ولايته أو فيما يملكه أو في محل يكون في حكمه. ويعضد هذا التأويل الرواية الأخرى في أهله. وتحريره أن الجماعة شرعت لاجتماع المؤمنين على الطاعة وتألفهم وتوادهم، فإذا أم الرجل الرجل في سلطانه أفضى ذلك إلى توهين أمر السلطنة وخلع ربقة الطاعة، وكذلك إذا أمّه في أهله أدى ذلك إلى التباغض والتقاطع وظهور الخلاف الذي شرع لرفعه الاجتماع، فلا يتقدم الرجل على ذي السلطنة لاسيما في الأعياد والجمعات، وعلى إمام الحي ورب البيت إلا بالإذن- انتهى. وقال النووي: معناه أن صاحب البيت والمجلس وإمام المسجد أحق من غيره. قال ابن رسلان: لأنه موضع سلطنته- انتهى. قال الشوكاني: والظاهر أن المراد به السلطان الذي إليه ولاية أمور الناس، لا صاحب البيت ونحوه. ويدل على ذلك ما في رواية أبي داود بلفظ: ولا يؤم الرجل في بيته ولا في سلطانه. وظاهره أن السلطان مقدم على غيره وإن كان أكثر منه قرآناً وفقهاً وورعاً وفضلاً، فيكون كالمخصص لما قبله، يعني أن أول الحديث محمول على من عدا الإمام الأعظم ومن يجري مجراه، وقد ورد في صاحب البيت حديث بخصوصه بأنه الأحق، فقد أخرج الطبراني من حديث أبي مسعود قال من السنة أن يتقدم صاحب البيت. قال الحافظ: رجاله ثقات. وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. وأخرج البزار والطبراني في الأوسط والكبير من حديث عبد الله بن حنطلة مرفوعا: الرجل أحق أن يؤم في بيته. قال الهيثمي: فيه إسحاق بن يحيى بن طلحة، ضعفه أحمد وابن معين والبخاري، ووثقه يعقوب بن شيبة وابن حبان. قال أصحاب الشافعي: ويتقدم السلطان أو نائبه على صاحب البيت وإمام المسجد وغيرهما؛ لأن ولايته وسلطنته عامة، قالوا: ويستحب لصاحب البيت أن يأذن لمن هو أفضل
ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه)) . رواه مسلم. وفي رواية له: ((ولا يؤمن الرجل الرجل في أهله)) .
1124-
(2) وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم،
ــ
منه. (ولا يقعد) بالجزم. وقيل: بالرفع أي الرجل. (في بيته) أي بيت الرجل الآخر. (على تكرمته) بفتح التاء وكسر الراء، مصدر كرم تكريماً، أطلق مجازاً على ما يعد للرجل إكراماً له في منزله من فراش وسجادة ونحوهما. قال في النهاية: هو الموضع الخاص لجلوس الرجل من فراش أو سرير مما يعد لإكرامه، وهي تفعله من الكرامة. (إلا بإذنه) قال ابن الملك: متعلق بجميع ما تقدم: قلت: ورد ذلك في بعض روايات الحديث نصاً، فقد قال المجد بن تيمية في المنتقى: ورواه سعيد بن منصور، لكن قال فيه: لا يؤم الرجل الرجل في سلطانه إلا بإذنه، ولا يقعد على تكرمته في بيته إلا بإذنه- انتهى. فالإذن في الكل، وبه قال أحمد والجمهور، وهو الحق. وقيل: يتعلق قوله: إلا بإذنه بقوله: لا يقعد فقط، وبه قال إسحاق. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً، أحمد (ج4 ص118، 121وج5 ص272) والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه وأبوداود الطيالسي وابن الجارود والبيهقي (ج3 ص90، 119، 125) . (وفي رواية له: ولا يؤمن الرجل الرجل في أهله) وفي بعض النسخ من صحيح مسلم: ولا تؤمن الرجل في أهله، أي بصيغة الخطاب. ويؤيده ما بعده ولا في سلطانه ولا تجلس على تكرمته في بيته إلا بإذن لك أو بإذنه. فائدة: قال الشاه ولي الله الدهلوي في حجة الله البالغة: سبب تقديم الأقرأ أنه صلى الله عليه وسلم حد للعلم حداً معلوماً، كما بينا، وكان أول ما هناك كتاب الله؛ لأنه أصل العلم، وأيضاً فإنه من شعائر الله، فوجب أن يقدم صاحبه. وينوه بشأنه ليكون ذلك داعياً إلى التنافس فيه، وليس كما يظن أن السبب احتياج المصلى إلى القراءة فقط، ولكن الأصل حملهم على المنافسة فيها، وإنما تدرك الفضائل بالنافسة، وسبب خصوص الصلاة باعتبار المنافسة احتياجها إلى القراءة، فليتدبر، ثم من بعدها معرفة السنة؛ لأنها تلو الكتاب، وبها قيام الملة، وهي ميراث النبي صلى الله عليه وسلم في قومه، ثم بعده اعتبرت الهجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام عظم أمر الهجرة ورغب فيها ونوه بشأنها، وهذا من تمام الترغيب والتنوية، ثم زيادة السن إذ السنة الفاشية في الملل جميعها توقير الكبير، ولأنه أكثر تجربة وأعظم حلماً، وإنما نهى عن التقدم على ذي سلطان في سلطانه؛ لأنه يشق عليه ويقدح في سلطانه فشرع ذلك إبقاء عليه- انتهى.
1124-
قوله: (إذا كانوا) أي القوم. (ثلاثة) أي واثنين، كما أفاده الخبر السابق أن الجماعة تحصل بهما، قاله القاري. وقال الشوكاني: مفهوم العدد هنا غير معتبر لما في حديث مالك بن الحويرث: إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما. أخرجه أحمد وغيره من أصحاب الكتب الستة، وقد تقدم. (فليؤم أحدهم) إشارة
وأحقهم بالإمامة أقرأهم)) . رواه مسلم. وذكر حديث مالك ابن الحويرث في باب بعد باب فضل الأذان.
ــ
إلى جواز إمامة المفضول. (وأحقهم بالإمامة أقرأهم) أي أكثرهم. حفظاً للقرآن، فإن إمامته أفضل. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد والنسائي والبيهقي (ج3 ص89، 119) . وفي الباب عن أنس عند أحمد (ج3 ص163) بلفظ: يؤم القوم أقرؤهم للقرآن. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، وعن أبي هريرة عند البزار بنحوه. قال الهيثمي: في سنده الحسن بن علي النوفلي الهاشمي، وهوضعيف، وقد حسنه البزار، وعن ابن عمر عند الطبراني بلفظ: من أم قوماً وفيهم من هو أقرأ لكتاب الله منه، لم يزل في سفال إلى يوم القيامة. قال الهيثمي: فيه الهيثم بن عقاب. قال الأزدى: لا يعرف. وذكره ابن حبان في الثقات. (وذكر) بصيغة المجهول. (حديث مالك بن الحويرث) أي في المشكاة، وكذا في المصابيح. والحديث هو قوله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلوا كما رأيتموني أصلي. وإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، ثم ليؤمكم أكبركم يعني سناً، وذلك لاستوائهم في وجوه التقديم من القراءة والعلم، ففي رواية لآبي داود: وكنا يومئذٍ متقاربين في العلم. (في باب بعد باب فضل الأذان) أي فراجعه هناك. والمقصود أن حديث مالك بن الحويرث هذا ذكره البغوي أولاً في باب بعد باب فضل الأذان، وذكره صاحب المشكاة أيضاً هناك تبعا للبغوي لكون صدره في الآذان، ثم ذكره هاهنا في آخر الفصل الأول؛ لكون عجز الحديث متعلقاً بباب الإمامة، ولما كان في ذكره هنا تكرار حذفه صاحب المشكاة، وأحال على الباب المذكور. وقال القاري: حديث مالك بن الحويرث فيه تفضيل الإمامة، فهو بباب الإمامة أولى، فلا معنى لتغيير التصنيف مع وجود الوجه الأدنى فضلاً عن الأعلى، ثم يحتاج إلى الاعتذار المشير إلى الاعتراض، لا يقال صدر الحديث في الأذان؛ لأن تقديمه لتقدمه في الوجود ومنه تقدم بلال على النبي صلى الله عليه وسلم في دخول الجنة تقدم الخادم على المخدوم. ففيه إيماء إلى فضيلة الإمامة، وكذلك الحديث الآتي قريباً فالحاصل أن حديث مالك ابن الحويرث كان في المصابيح هنا في آخر الفصل الأول، ونقله صاحب المشكاة فذكره في باب بعد باب فضل الآذان- انتهى. قلت: وقد وهم القاري في فهم غرض صاحب المشكاة كما لا يخفى، ولو راجع المصابيح لم يقع في هذا الوهم، وقد وهم أيضاً في تعيين الحديث حيث قال: والحديث هو: قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أنا وابن عم لي، فقال إذا سافرتما فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما مع أنه غير مذكور في المصابيح في باب الإمامة. واعلم أن هذا كله مبني على أن الحديث المذكور هنا في المصابيح بغير تسمية الصحابي لمالك بن الحويرث كما قال المصنف. وعندي فيه كلام؛ لأن الحديث الذي أورده البغوي هنا هو بلفظ: إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآناً. وحديث مالك بن الحويرث الذي ذكرناه إنما هو بلفظ: وليؤمكم أكبركم. وهذا هو الذي ذكره البغوي في