الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{الفصل الأول}
1364-
(1) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم
ــ
لاجتماع الناس فيها أي للصلاة، وكان يوم الجمعة في الجاهلية يسمى العروبة-انتهى. وبهذا جزم ابن حزم فقال: إنه اسم إسلامي لم يكن في الجاهلية، وإنما كان يسمى في الجاهلية العروبة، فسميت في الإسلام الجمعة للاجتماع إلى الصلاة، ويؤيد ذلك ما أخرجه عبد بن حميد في تفسيره عن ابن سيرين بسند صحيح إليه في قصة تجميع الأنصار مع أسعد بن زرارة، وكانوا يسمون يوم الجمعة يوم العروبة فصلى بهم وذكرهم، فسموه الجمعة حين اجتمعوا إليه-انتهى. وقيل: سميت بذلك لأن كما الخلائق جمع فيها. وقيل: لأن خلق آدم جمع فبها، ورد ذلك من حديث سلمان. أخرجه أحمد وابن خزيمة وغيرهما في أثناء حديث، وله شاهد عن أبي هريرة، ذكره ابن أبي حاتم موقوفاً بإسناد قوي، وأحمد مرفوعاً بإسناد ضعيف. قال الحافظ: وهذا أصح الأقوال: وقيل: لأن كعب بن لؤي كان يجمع فيه قومه فيذكرهم ويأمرهم بتعظيم الحرم. وقيل: إن قصياً هو الذي كان يجمع في دار الندوة. وذكر ابن القيم في الهدي (ج1ص102- 118) ليوم الجمعة ثلاثاً وثلاثين خصوصية ذكر بعضها الحافظ في الفتح ملخصاً من أحب الوقوف عليها رجع إليهما.
1364-
قوله: (نحن) أي أنا وأمتي. (الآخرون) أي زماناً في الدنيا. (السابقون) أي أهل الكتاب وغيرهم منزلة وكرامة. (يوم القيامة) في الحشر والحساب والقضاء لهم قبل الخلائق وفي دخول الجنة. قال الحافظ: أي الآخرون زمانا الأولون منزلة يوم القيامة، والمراد أن هذه الأمة وإن تأخر وجودها في الدنيا عن الأمم الماضية، فهي سابقة لهم في الآخرة، وبأنهم أول من يحشر، وأول من يحاسب، وأول من يقضى بينهم، وأول من يدخل الجنة. وقيل: المراد بالسبق هنا إحراز فضيلة اليوم السابق بالفضل، وهو يوم الجمعة. ويوم الجمعة وإن كان مسبوقاً بسبت قبله أو أحد لكن لا يتصور اجتماع الأيام الثلاثة متوالية إلا ويكون يوم الجمعة سابقاً. وقيل: المراد بالسبق أي القبول والطاعة التي حرمها أهل الكتاب فقالوا سمعنا وعصينا، والأول أقوى-انتهى. (بيد) بموحدة مفتوحة ثم تحتية ساكنة مثل غير وزناً ومعنى وإعراباً. وبه جزم الخليل والكسائي، ورجحه ابن سيدة. وروى عن الشافعي أن معنى بيد من أجل واستبعده عياض ولا بُعد فيه، والمعنى إنا سبقنا بالفضل إذ هدينا للجمعة مع تأخرنا في الزمان بسبب أنهم ضلوا عنها مع تقدمهم، ويشهد له ما في فوائد ابن المقري بلفظ: نحن الآخرون في الدنيا ونحن السابقون أول من يدخل الجنة؛ لأنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وفي موطأ سعيد بن عفير عن مالك
أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناهم من بعدهم، ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم- يعني يوم الجمعة-
ــ
عن أبي الزناد بلفظ: ذلك بأنهم أوتوا الكتاب. وقيل: في معناه على أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا. وقيل: مع أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا. قال القرطبي: إن كانت بمعنى "غير" فنصب على الاستثناء، وإن كانت بمعنى "مع" فنصب على الظرف. وقال الطيبي: هي للاستثناء، وهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم، فإنه يؤكد مدح السابقين بما عقب من قوله: وأوتيناه من بعدهم؛ لأنه أدمج فيه معنى النسخ لكتابهم، فالناسخ هو السابق في الفضل، وإن كان متأخراً في الوجود، وبهذا التقرير يظهر موقع قوله: نحن الآخرون مع كونه أمراً واضحاً، والمعنى نحن السابقون في الفضل غير أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا الخ. فهو من باب: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب. وأرجع لمزيد التفصيل في تفسير لفظ: بيد، وضبطه إلى تعليق مسند الإمام أحمد (ج3ص34) للعلامة الشيخ أحمد شاكر. (أوتوا الكتاب) اللام للجنس، والمراد التوراة والإنجيل. والضمير في أوتيناه للقرآن، قاله الحافظ. وقال السندي: اللام للجنس، فيحمل بالنسبة إليهم على كتابهم، وبالنسبة إلينا على كتابنا، وهذا بيان زيادة شرف آخر لنا، أي فصار كتابنا ناسخاً لكتابهم وشريعتنا ناسخة لشريعتهم، وللناسخ فضل على المنسوخ، أو المراد بيان أن هذا يرجع إلى مجرد تقدمهم علينا في الوجود، وتأخرنا عنهم فيه، ولا شرف لهم فيه، أو شرف لنا أيضاً من حيث قلة انتظارنا أمواتاً في البرزخ، ومن حيث حيازة المتأخر علوم المتقدم دون العكس، فقولهم الفضل للمتقدم ليس بكلي-انتهى. (ثم) أتى بها إشعاراً بأن ما قبلها كالتوطئة والتأسيس لما بعدها. (هذا) أي هذا اليوم، وهو يوم الجمعة. (يومهم الذي فرض) بصيغة المجهول. قال الحافظ: كذا للأكثر، وللحموي: فرض الله. (عليهم) أي وعلينا تعظيمه بعينه أو الاجتماع فيه. قال الحافظ: المراد باليوم يوم الجمعة، والمراد بفرضه فرض تعظيمه. وأشير إليه بهذا لكونه ذكر في أول الكلام كما عند مسلم من طريق آخر عن أبي هريرة، ومن حديث حذيفة قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا-الحديث. (يعني يوم الجمعة) كذا في جميع النسخ من طبعات الهند. ووقع متن المرقاة يعني الجمعة أي بحذف بلفظ يوم. قال القاري: تفسير من الراوي لهذا يومهم. وفي نسخة صحيحة: يعني يوم الجمعة أي يريد النبي صلى الله عليه وسلم بهذا اليوم يوم الجمعة-انتهى. قلت: ليس هذا التفسير في الصحيحين ولا عند النسائي، فالله أعلم من أين أخذه البغوي أو هو الذي فسره بذلك. قال القسطلاني: روى ابن أبي حاتم عن السدي: أن الله فرض على اليهود الجمعة فأبوا وقالوا يا موسى! إن الله لم يخلق يوم السبت شيئاً فاجعله لنا فجعل عليهم. وفي بعض الآثار مما نقله أبوعبد الله الآبي أن موسى عليه الصلاة والسلام عين لهم يوم الجمعة وأخبرهم بفضيلته، فناظروه
فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، والناس لنا فيه
ــ
بأن السبت أفضل، فأوحى الله تعالى إليهم: دعهم وما اختاروا، والظاهر أنه عينه لهم؛ لأن السياق دل على ذمهم في العدول عنه، فيجب أن يكون قد عينه لهم؛ لأنه لو لم يعينه لهم ووكل التعيين إلى اجتهادهم لكان الواجب عليهم تعظيم يوم لا بعينه، فإذا أدى الاجتهاد إلى أنه السبت أو الأحد لزم المجتهد ما أدى الاجتهاد إليه ولا يأثم، ويشهد له قوله هذا: يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه، فإنه ظاهر أو نص في التعيين، وليس ذلك بعجيب من مخالفتهم، كما وقع لهم في قوله تعالى:{ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة} [58:2] وغير ذلك، وكيف لا وهم القائلون سمعنا وعصينا- انتهى. (فاختلفوا فيه) هل يلزم تعيينه أم يسوغ لهم أبداً له بغيره من الأيام وأبدلوه وغلطوا في إبداله، قاله النووي. وقال القسطلاني: اختلفوا فيه بعد أن عين لهم وأمروا بتعظيمه فتركوه وغلبوا القياس، فعظمت اليهود السبت للفراغ فيه من الخلق، وظنت ذلك فضيلة توجب عظم اليوم وقالت: نحن نستريح فيه من العمل ونشتغل بالعبادة والشكر، وعظمت النصارى الأحد؛ لأنه أول يوم بدأ الله فيه بخلق الخلق فاستحق التعظيم. (فهدانا الله له) أي لهذا اليوم بالوحي الوارد في تعظيمه بأن نص لنا ولم يكلنا إلى اجتهادنا ثم ثبتنا على قوله والقيام بحقوقه أو هدانا الله له بالاجتهاد الموافق للمراد، يعني وفقنا للإصابة حتى عينا الجمعة، ويشهد للثاني ما رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبل أن تنزل الجمعة فقالت الأنصار: إن لليهود يوماً يجتمعون فيه كل سبعة أيام وللنصارى كذلك، فهلم فلنجعل يوماً نجتمع فيه فنذكر الله تعالى ونصلي ونشكره، فجعلوه يوم العروبة، واجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذٍ، وأنزل الله تعالى: بعد ذلك. {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة} [9:62] الآية، وهذا وإن كان مرسلاً، فله شاهد بإسناد حسن. أخرجه أحمد وأبوداود وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة وغير واحد من حديث كعب بن مالك قال: كان أول من صلى بنا الجمعة قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أسعد بن زرارة- الحديث. فمرسل ابن سيرين يدل على أن أولئك الصحابة اختاروا يوم الجمعة بالاجتهاد. ولا يمنع ذلك أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم علمه بالوحي، وهو بمكة فلم يتمكن من إقامتها ثم، فقد ورد فيه حديث عن ابن عباس عند الدارقطني. ولذلك جمع بهم أول ما قدم المدينة. كما حكاه ابن إسحاق وغيره، وعلى هذا فقد حصلت الهداية للجمعة بجهتي البيان والتوفيق. وقيل: في الحكمة في اختيارهم الجمعة وقوع خلق آدم فيه، والإنسان إنما خلق للعبادة فناسب أن يشتغل بالعبادة فيه، ولأن الله تعالى أكمل فيه الموجودات وأوجد فيه الإنسان الذي ينتفع بها فناسب أن يشكر على ذلك بالعبادة فيه، كذا في الفتح. (والناس) وفي الصحيحين فالناس أي أهل الكتابين. (لنا) متعلق بتبع. وقيل: متعلقة محذوف، واللام تعليلية مشيرة إلى النفع. (فيه) أي في
تبع، اليهود غداً، والنصارى بعد غد)) متفق عليه. وفي رواية لمسلم، قال:((نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة، بيد أنهم)) ، وذكر نحوه إلى آخره.
1365-
(2) وفي أخرى له عنه، وعن حذيفة، قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث:
ــ
اختيار هذا اليوم للعبادة. (تبع) فإنهم إنما اختاروا ما يعقبه؛ لأنه لما كان يوم الجمعة مبدأ خلق الإنسان وأول أيامه كان المتعبد فيه باعتبار العادة متبوعاً، والمتعبد فيه في اليومين الذين بعده تابعاً، ويحتمل أن يقال إن الأيام الثلاثة بتواليها، مع قطع النظر عن اعتبار الأسبوع لا شك في تقديم يوم الجمعة وجوداً فضلاً عن الرتبة، وتبع بفتح التاء المثناة والباء الموحدة جمع تابع. (اليهود غداً) أي يوم السبت. (والنصارى بعد غد) أي يوم الأحد. قيل: التقدير تعييد اليهود غداً، وتعييد النصارى بعد غد، كذا قدره ابن مالك ليسلم من الإخبار بظرف الزمان عن الجثة. وقال القرطبي: غداً هنا منصوب على الظرف، وهو متعلق بمحذوف، وتقديره اليهود يعظمون غداً، وكذا قوله بعد غد ولابد من هذا التقدير؛ لأن ظرف الزمان لا يكون خبراً عن الجثة. وفي الحديث دليل على فريضة الجمعة، كما قاله النووي لقوله: فرض عليهم فهدانا الله له، فإن التقدير فرض عليهم فضلوا وهدينا. وفي رواية لمسلم: كتب علينا، وفيه أن القياس مع وجود النص ساقط، وذلك أن كلاً منهما قال بالقياس مع وجود النص على قول التعيين فضلاً وأن الجمعة أول الأسبوع شرعاً، ويدل على ذلك تسمية الأسبوع كله جمعة، وكانوا يسمون الأسبوع سبتاً، كما وقع في حديث أنس عند البخاري في الاستسقاء، وذلك أنهم كانوا مجاورين لليهود فتبعوهم في ذلك، وفيه بيان واضح لمزيد فضل هذه الأمة على الأمم السالفة. (متفق عليه) واللفظ لبخاري وأخرجه أيضاً أحمد (ج2 ص243، 249، 274) والنسائي والبيهقي (ج3 ص170-171) . (وفي رواية لمسلم نحن الآخرون) أي وجوداً وخلقة في الدنيا. (الأولون) أي بعثاً ومرتبة. (يوم القيامة) والعبرة بذلك اليوم ومواقفه. (ونحن أول من يدخل الجنة) يعني نبينا قبل سائر الأنبياء وأمته قبل سائر الأمم. (بيد أنهم) قال العيني: هو مثل غير وزناً ومعنى وإعراباً، ويقال ميد بالميم، وهو اسم ملازم للإضافة إلى أن وصلتها، وله معنيان أحدهما غير إلا أنه لا يقع مرفوعاً ولا مجروراً بل منصوباً ولا يقع صفة ولا استثناء متصلاً، وغنما يستثنى به في الانقطاع خاصة. (وذكر) أي مسلم. (نحوه) أي معنى ما تقدم من المتفق عليه. (إلى آخره) يعني أن الخلاف إنما هو في صدر الحديث بوضع الأولون موضع السابقون ويكون أحدهما نقلاً بالمعنى وبزيادة: ونحن أول من يدخل الجنة في رواية مسلم هذه.
1365-
قوله: (وفي أخرى له عنه) أي وفي رواية أخرى لمسلم عن أبي هريرة. (وعن حذيفة) عطف على
((نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق)) .
1366-
(3) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها،
ــ
عنه أي عنهما جميعاً. (نحن الآخرون) أي الذين تأخروا عنهم في حال كوننا وإياهم. (من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة) أي من أهل الآخرة في السبق لهم. قال الطيبي: اللام في "الآخرين" موصولة و"من أهل الدنيا" حال من الضمير في الصلة وقوله. (المقضي لهم قبل الخلائق) صفة "الآخرون"، أي الذين يقضى لهم قبل الناس ليدخلوا الجنة أولا كأنه قيل الآخرون السابقون- انتهى. وهذه الرواية أخرجها النسائي وابن ماجه أيضاً.
1366-
قوله: (خير يوم) قال صاحب المفهم: خير وشر يستعملان للمفاضلة ولغيرها، فإذا كانا للمفاضلة فأصلهما أخير وأشر على وزن أفعل، وأما إذا لم يكونا للمفاضلة، فهما من جملة الأسماء، كما قال تعالى:{إن ترك خيراً} . (180:2)، {ويجعل الله فيه خيراً كثيراً} [6:38] وهو في هذا الحديث للمفاضلة، ومعناه أن يوم الجمعة أفضل من كل يوم طلعت شمسه. (طلعت عليه) أي ما فيه. (الشمس) جملة "طلعت" صفة "يوم" للتنصيص على التعميم، كما قالوا في قوله تعالى:{ولا طائر يطير بجناحيه} [6:38] فإن الشيء إذا وصف بصفة تعم جنسه يكون تنصيصاً على اعتبار استغراقه إفراد الجنس. (يوم الجمعة) فيه أن أفضل الأيام يوم الجمعة، فيكون أفضل من يوم عرفة، وبه جزم ابن العربي، ويشكل على ذلك ما أخرجه ابن حبان في صحيحه عن جابر مرفوعاً: ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة- الحديث. وقد جمع العراقي فقال: المراد بتفضيل الجمعة بالنسبة إلى أيام الجمعة أي أيام الأسبوع، وتفضيل يوم عرفة بالنسبة إلى أيام السنة، وصرح بأن حديث أفضلية الجمعة أصح، وفي حاشية الموطأ نقلاً عن المحلى ظاهر الحديث أن الجمعة أفضل من عرفة، وبه قال أحمد، وهو وجه للشافعية، والأصح عندهم أن عرفة أفضل ويتأول الحديث بأنها أفضل أيام الأسبوع، ويظهر فائدة الاختلاف فيمن نذر الصيام أو علق عملاً من الأعمال بأفضل الأيام مثلاً قال لزوجته: أنت طالق في أفضل الأيام فتطلق يوم عرفة على أصح الوجهين عند الشافعية ويوم الجمعة على الوجه الثاني، وهذا إذا لم يكن له نية فأما إن أراد أفضل أيام السنة فتعيين يوم عرفة، وإن أراد أفضل أيام الأسبوع فتعيين الجمعة. (وفيه أدخل الجنة) فيه دليل على أن آدم لم يخلق في الجنة بل خلق خارجها ثم أدخل إليها. قيل: إن خلقه وإدخاله كانا في يوم واحد، ويحتمل أنه خلق يوم الجمعة ثم أمهل إلى يوم جمعة أخرى فأدخل فيه الجنة، وكذا الاحتمال في يوم الإخراج. (وفيه أخرج منها) قال ابن كثير: إن كان يوم خلقه يوم إخراجه وقلنا الأيام الستة، كهذه الأيام فقد أقام في الجنة بعض يوم من أيام الدنيا، وفيه نظر وإن كان إخراجه في غير يوم الذي
ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة)) رواه مسلم.
1367-
(4) وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن في الجمعة لساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيراً إلا أعطاه إياه)) متفق عليه.
ــ
خلق فيه، وقلنا إن كل يوم بألف سنة، كما قال ابن عباس والضحاك واختاره ابن جرير فقد لبث هناك مدة طويلة- انتهى. وقيل: كان إخراجه في اليوم الذي خلق فيه، لكن المراد من اليوم الإطلاق الثاني أي ما مقداره كألف سنة فيكون مكثه فيها زماناً طويلاً. (ولا تقوم الساعة) أي القيامة. (إلا في يوم الجمعة) قيل: هذه القضايا ليست لذكر فضيلته؛ لأن إخراج آدم وقيام الساعة لا يعد فضيلة، وإنما هو لبيان ما وقع فيه من الأمور العظام. وقيل: بل جميعها فضائل وخروج آدم سبب وجود الذرية من الرسل والأنبياء والأولياء، والساعة سبب تعجيل جزاء الصالحين، وموت آدم سبب لنيله إلى ما أعد له من الكرامات. قال ابن العربي في شرح الترمذي: أما إخراجه منها فلأفضل فيه ابتداء إلا أن يكون لما بعده من الخيرات والأنبياء والطاعات، وأن خروجه منها لم يكن طرداً، كما كان خروج إبليس وإنما كان خروجه منها مسافراً لقضاء أوطار ويعود إلى تلك الدار، وقال أيضاً: وذلك أي قيام أعظم لفضله لما يظهر الله رحمته وينجز من وعده. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً الترمذي والنسائي والبيهقي (ج3 ص251) .
1367-
قوله: (إن في الجمعة لساعة) كذا فيه مبهمة، وقد عينت في أحاديث أخر، كما سيأتي. وأصل الساعة وحقيقتها جزء مخصوص من الزمان، وقد يطلق على جزء من أربعة وعشرين جزء هي مجموع اليوم والليلة، ويطلق على جزء ما غير مقدر من الزمان، ويطلق على الوقت الحاضر أيضاً. (لا يوافقها) أي لا يصادفها، وهو أعم من أن يقصد لها، أو يتفق له وقوع الدعاء فيها. (عبد مسلم) فيه تخصيص لدعاء المسلمين بالإجابة في تلك الساعة. (يسأل الله عليها) بلسان الحال باستحضاره بقلبه أو بلسان القال. (خيراً) أي يليق السؤال فيه. (إلا أعطاه) أي ذلك المسلم. (إياه) أي ذلك الخير، يعني إما يعجله له، وإما أن يدخره له، كما ورد في الحديث. وفي حديث أبي لبابة الآتي: ما لم يسأل حراماً. وفي حديث سعد بن عبادة عند أحمد: ما لم يسأل إثماً أو قطيعة رحم. وقطيعة الرحم من جملة الإثم، فهو من عطف الخاص على العام للاهتمام به. وفي الحديث بيان فضل يوم الجمعة لاختصاصه بساعة الإجابة، وسيأتي ذكر الاختلاف في تعيين هذه الساعة، وبيان القول الراجح فيه. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الجمعة والطلاق والدعوات، والسياق المذكور لمسلم إلا قوله:"عبد" فإنه ليس عنده في هذه الرواية. والحديث أخرجه أحمد ومالك والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج3 ص249، 250) .
وزاد مسلم، قال: وهي ساعة خفيفة. وفي رواية لهما، قال: ((إن في الجمعة لساعة لا
يوافقها مسلم قائم يصلي يسأل الله خيراً إلا أعطاه إياه)) .
ــ
(وزاد مسلم قال) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم. (وهي ساعة خفيفة) أي لطيفة. وفي رواية لهما: وأشار أي رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ليقللها. فإن قلت قد روى أبوداود والحاكم عن جابر مرفوعاً: يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة لا يوجد عبدمسلم يسأل الله شيئاً إلا أعطاه الله عزوجل فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر- انتهى. ومقتضاه أنها غير خفيفة، أجيب بأنه ليس المراد أنها مستغرقة للوقت المذكور، بل المراد أنها لا تخرج عنه؛ لأنها لحظة خفيفة. (وفي رواية لهما) أي للبخاري ومسلم. (قال) النبي صلى الله عليه وسلم. (إن في الجمعة لساعة) قال الجزري: هي أرجح أوقات الإجابة. (لا يوافقها) أي لا يجدها. (مسلم قائم) أي ثابت في مكانه أو ملازم مواظب على حد قوله: {ما دمت عليه قائماً} . (يصلي) أي ينتظر الصلاة أو يدعوا. وإنما أوّلنا بذلك ليتوافق جميع الروايات. (يسأل الله) فيها. (خيراً إلا أعطاه إياه) قال الطيبي قوله: قائم يصلي الخ. كلها صفات لمسلم. ويجوز أن يكون يصلي حالاً لاتصافه بقائم، ويسأل إما حال مترادفة أو متداخلة. زاد النووي: إذ معنى يصلي يدعو، كذا في المرقاة، واعلم أنه اختلفت الأحاديث في تعيين ساعة الإجابة، وبحسب ذلك اختلف أقوال الصحابة والتابعين والأئمة بعدهم. قال الحافظ في الفتح: قد اختلف أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم في هذه الساعة هل هي باقية أو رفعت؟ وعلى البقاء هل هي في كل جمعة أو في جمعة واحدة من كل سنة؟ وعلى الأول هل هي وقت من اليوم معين أو مبهم؟ وعلى التعيين هل تستوعب الوقت أو تبهم فيه؟ وعلى الإبهام ما ابتداءه وما انتهاءه؟ وعلى كل ذلك هل تستمر أو تتنقل؟ وعلى الانتقال هل تستغرق اليوم أو بعضه؟ ثم ذكر رحمه الله تلخيص ما اتصل إليه من الأقوال مع أدلتها وبيان حالها في الصحة والضعف والرفع والوقف والإشارة إلى مأخذ بعضها، وقد بلغت هذه الأقوال إلى أكثر من الأربعين قولاً، وليست كلها متغايرة من كل جهة، بل كثير منها يمكن اتحاده مع غيره. ورجح الحافظ منها قولين حيث قال بعد ذكرها: ولا شك أن أرجح الأقوال المذكورة حديث أبي موسى. (يعني الذي ذكره المصنف بعد هذا أنها ما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى أن تقضى الصلاة) وحديث عبد الله بن سلام. (يريد به ما يأتي في حديث أبي هريرة الطويل في الفصل الثاني من قوله: إنها في آخر ساعة بعد العصر في يوم الجمعة) قال المحب الطبري: اصح الأحاديث فيها حديث أبي موسى، وأشهر الأقوال فيها قول عبد الله بن سلام- انتهى. قال الحافظ وما عداها إما موافق لهما أو لأحدهما أو ضعيف الإسناد أو موقوف، استند قائله إلى اجتهاد دون توقيف. ولا يعارضهما حديث أبي سعيد في كونه صلى الله عليه وسلم أنسيهما بعد أن علمها، لاحتمال أن يكونا سمعا ذلك منه قبل أن أنسي، أشار إلى ذلك
1368-
(5) وعن أبي بردة بن أبي موسى، قال: سمعت أبي يقول، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول،
ــ
البيهقي وغيره، وقد اختلف السلف في أيهما أرجح؟ فرجح مسلم فيما روى البيهقي حديث أبي موسى، وبه قال جماعة منهم البيهقي وابن العربي والقرطبي. قال القرطبي: هو نص في موضع الخلاف فلا يلتفت إلى غيره. وقال النووي: هو الصحيح بل الصواب، وجزم في الروضة بأنه الصواب، ورجحه أيضاً بكونه مرفوعاً صريحاً، وبأنه في أحد الصحيحين. وذهب آخرون إلى ترجيح قول عبد الله بن سلام، فحكى الترمذي عن أحمد أنه قال: أكثر الأحاديث على ذلك. وقال ابن عبد البر: أنه أثبت شيء في هذا الباب، وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح على أبي سلمة بن عبد الرحمن أن أناساً من الصحابة اجتمعوا فتذاكروا ساعة الجمعة ثم افترقوا فلم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة، ورجحه كثير من الأئمة أيضاً كأحمد وإسحاق ومن المالكية الطرطوشي، واختاره ابن الزملكاني شيخ الشافعية في وقته، وحكاه عن نص الشافعي وهو الذي اختاره ابن القيم ورجحه في زاد المعاد (ج1 ص107) في بحث نفيس يرجع إليه ويستفاد، واحتج فيه بما سنذكره من حديث أبي سعيد وأبي هريرة عند أحمد، وقد استشكل هذا، فإنه ترجيح لغير ما في الصحيح على ما هو فيه، والمعروف من علوم الحديث وغيرها أن ما في الصحيحين أو ما في أحدهما مقدم على غيره. والجواب أن ذلك حيث لم يكن حديث الصحيحين أو أحدهما مما انتقده الحفاظ، كحديث أبي موسى هذا الذي في مسلم فإنه قد أعل بالانقطاع والاضطراب، وسيأتي ذكرهما في شرحه، وسلك بعضهم مسلكا آخر وهو الجمع بين الحديثين بأن ساعة الإجابة تنتقل فتكون في جمعة في ما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى أن تقضى الصلاة. وفي أخرى في آخر ساعة من اليوم. قال ابن عبد البر: الذي ينبغي الاجتهاد في الدعاء في الوقتين المذكورين، وسبق على ذلك الإمام أحمد. قال الحافظ: وهو أولى في طريق الجمع. واستشكل حصول الإجابة لكل داع بالشرط المتقدم مع اختلاف الزمان باختلاف البلاد والمصلي، فيتقدم بعض على بعض وساعة الإجابة متعلقة بالوقت فكيف تتفق مع الاختلاف وأجيب باحتمال أن تكون ساعة الإجابة متعلقة بفعل كل مصل، كما قيل نظيره في ساعة الكراهة، ولعل هذا فائدة جعل الوقت الممتد مظنة لها، وإن كانت هي خفيفة، ويحتمل أن يكون عبر عن الوقت بالفعل فيكون التقدير وقت جواز الخطبة أو الصلاة أو نحو ذلك.
1368-
قوله: (وعن أبي بردة) بضم الموحدة وسكون الراء ودال مهملة، اسمه عامر. وقيل: الحارث، ثقة من أوساط التابعين المشهورين، مات سنة أربع ومائة. وقيل: غير ذلك. وقد جاوز الثمانين. (بن أبي موسى)
في شأن ساعة الجمعة: ((هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة)) رواه مسلم.
ــ
الأشعري، عبد الله بن قيس الصحابي. (في شأن ساعة الجمعة) أي في بيان وقتها. (هي) أي ساعة الجمعة، يعني ساعة الإجابة في يوم الجمعة. (ما بين أن يجلس الإمام) أي جلوس الإمام للخطبة. (إلى أن تقضى الصلاة) أي إلى تمام الصلاة وانقضائها. قال أبوداود: يعني على المنبر، أي المراد بجلوس الإمام في الحديث جلوسه عقب صعوده على المنبر للخطبة. والحديث نص في أن ساعة الإجابة في ما بين جلوس الإمام على المنبر للخطبة إلى تمام الصلاة، وليس المراد أنها تستوعب جميع الوقت الذي عين، بل المعنى أنها تكون في أثنائه لقوله فيما مضى: يقللها وقوله: وهي ساعة خفيفة. وفائدة ذكر الوقت أنها تنتقل فيه فيكون ابتداء مظنتها ابتداء الخطبة وانتهائها انتهاء الصلاة. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أبوداود والبيهقي (ج3ص350) . والحديث مع كونه في صحيح مسلم قد أعل بالانقطاع والاضطراب. أما الانقطاع فلأن مخرمة بن بكير رواه عن أبيه بكير بن عبد الله بن الأشج، وهو لم يسمع من أبيه، قاله أحمد عن حماد بن خالد عن مخرمة نفسه، وكذا قال سعيد بن أبي مريم عن موسى بن سلمة عن مخرمة، وزاد: إنما هي كتب كانت عندنا. وقال علي بن المديني: لم أسمع أحداً من أهل المدينة يقول عن مخرمة أنه قال في شيء من حديثه سمعت أبي. ولا يقال مسلم يكتفي في المعنعن بإمكان اللقاء مع المعاصرة، وهو كذلك؛ لأنا نقول وجود التصريح عن مخرمة بأنه لم يسمع من أبيه كاف في دعوى الانقطاع. وأجيب عن هذا بأنه اختلف في سماع مخرمة من أبيه: فقال أحمد وابن معين وابن حبان: لم يسمع من أبيه أي شيئاً. وقال أبوداود: لم يسمع من أبيه إلا حديثاً واحداً وهو حديث الوتر. وقال علي بن المديني: سمعت معن بن عيسى يقول: مخرمة سمع من أبيه، وعرض عليه ربيعة أشياء من رأي سليمان بن يسار، قال علي: ولا أظن مخرمة سمع من أبيه كتاب سليمان لعله سمع الشيء اليسير، ولم أجد أحدا بالمدينة يخبرني عن مخرمة أنه كان يقول في شيء من حديثه: سمعت أبي. وقال ابن أبي أويس: وجدت في ظهر كتاب مالك سألت مخرمة عما يحدث به عن أبيه سمعها من أبيه فحلف لي، ورب هذه البنية سمعت من أبي، كذا في تهذيب التهذيب، فلعل مسلماً ممن صح وثبت عندهم سماع مخرمة من أبيه، ويدل على ذلك ما رواه البيهقي من طريق أحمد بن سلمة أن مسلماً قال: حديث أبي موسى أجود شيء في هذا الباب وأصحه. ولو سلمنا أن مخرمة لم يسمع من أبيه لا يضر؛ لأنه يروي من كتب أبيه، والعمل بالوجادة جائز. قال النووي: أما العمل بالوجادة، فعن المعظم أنه لا يجوز. وعن الشافعي ونظار أصحابه جوازه. وقطع البعض بوجوب العمل بها عند حصول الثقة به، قال: وهذا هو الصحيح الذي لا يتجه في هذه الأزمان غيره-انتهى. وأما الاضطراب، فقال العراقي: إن أكثر الرواة