الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
متصارمان)) . رواه ابن ماجه.
(27) باب ما على الإمام
{الفصل الأول}
1135-
(1) عن أنس، قال: ((ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم صلاة من النبي صلى الله عليه وسلم،
ــ
مسلمين. (متصارمين) أي متقاطعان أي فوق ثلاث أو في الباطل. والحاصل أن المراد هو التقاطع الغير الجائز ديناً وعد الأخوين ثالثاً باعتبار أن المراد بالثلاثة الأنواع الثلاثة لا النفر الثلاثة، فليتأمل، قال الطيبي: متصارمان من الصرم، وهو القطع. وإخوان أعم من أن يكونا من جهة النسب أو الدين، لما ورد: لا يحل لمسلم أن يصارم مسلماً فوق ثلاث أي يهجره ويقطع مكالمته- انتهى. (رواه ابن ماجه) قال العراقي: وإسناده حسن. وقال في الزوائد: إسناده صحيح، ورجاله ثقات. وقال ميرك: إسناده حسن. قال النووي. ورواه ابن حبان في صحيحه- انتهىكلام ميرك.
(باب ما على الإمام) أي هذا باب في بيان الحقوق التي للمؤتمين على الإمام، وأهمها التخفيف في الصلاة رعاية لحالهم من المرض والسقم والحاجة وعدم التطويل الذي ينفرهم عن حضور الجماعة. وقال القاري: ما على الإمام أي من مراعاة المأمومين بالتخفيف في الصلاة، قال في اللمعات: ينبغي أن يعلم أنه ليس المراد بالتخفيف وترك التطويل أن يترك سنة القراءة والتسبيحات ويتهاون في أدائها، بل أن يقتصر على قدر الكفاية في ذلك، مثل أن يقتصر على قراءة المفصل بأقسامها على ما عين منها في الصلاة، ويكتفي على ثلاث مرات من التسبيح بأدائها، كما ينبغي مع رعاية القومة والجلسة، وأكثر ما يراد بتخفيف الصلاة الوارد في الأحاديث تخفيف القراءة- انتهى. وسيأتي مزيد بيان لذلك في شرح أحاديث الباب، وما هو الراجح في معنى التخفيف المأمور المطلوب في حق الإمام.
1135-
قوله: (ما صليت وراء إمام قط) أي مع طول عمره، فإنه آخر من مات بالبصرة من الصحابة سنة إحدى وتسعين، وله من العمر مائة وثلاث سنين. (أخف) صفة لإمام (صلاة) بالنصب على التمييز. (ولا أتم) عطف على سابقه، يعني صلاته صلى الله عليه وسلم كانت خفيفة غير طويلة، ومع خفتها كانت تكون تامة كاملة. فقد روى مسلم من حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من أخف الناس صلاة في تمام، ولهما عن أنس أيضاً: كان يوجز في الصلاة ويتم: وقيل. يمكن أن يكون المعنى أنه صلى الله عليه وسلم كان يطيل الصلاة حين يرى رغبة الصحابة في التطويل ونشاطهم لذلك ويخفف أخرى عند وجود عذر أو داع يدعوا إلى التخفيف وترك الطويل والظاهر هو
المعنى الأول. قيل: خفة الصلاة عبارة عن عدم تطويل قراءتها فوق ما ورد، وعين في الأحاديث وعن تخفيف القعود وتمامها عبارة عن الإتيان بجميع الأركان والواجبات والسنن وعن إتمام الركوع والسجود، فقد روى النسائي من حديث زيد بن أسلم عن أنس قال: ما صليت وراء إمام أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من إمامكم هذا. (يعني عمر بن عبد العزيز) قال زيد: وكان عمر بن عبد العزيز يتم الركوع والسجود ويخفف القيام والقعود. وروى أبوداود والنسائي من حديث أنس أيضاً قال: ما صليت وراء أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أشبه صلاة برسول الله من هذا الفتى، يعني عمر بن عبد العزيز، فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات، وفي سجوده عشر تسبيحات. فقد علم من هذين الحديثين أن المراد بخفة الصلاة تخفيف القيام والقعود، وبتمامها اتمام الركوع والسجود، وعلم أيضاً أن من سبح في الركوع والسجود عشر تسبيحات لا يكون فعله مخالفاً لما وصف به أنس صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من خفتها مع التمام. وقيل: التخفيف أمر نسبي، فرب طويل يكون قصيراً بالنسبة إلى أطول منه، والقصير يكون طويلاً بالنسبة إلى أقصر منه، فكانت صلاته صلى الله عليه وسلم خفيفة، ومع خفتها تكون تامة ولا اشكال فيه. وقيل: المراد أن تطويله صلى الله عليه وسلم يرى بالنسبة إلى صلاة الآخرين في غاية الخفة، يعني لو كان غيره صلى الله عليه وسلم يقرأ مثل هذه القراءة يرى طويلاً ويورث الملالة بخلافها عنه صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يورث ذوقاً ونشاطاً ولذة وحضور بالاستماع عنه صلى الله عليه وسلم من جهة حسن الصوت وجودة الأداء وبروز الأنوار وظهور الأسرار. وأيضاً كان في قراءته صلى الله عليه وسلم سرعة وطي لسان وزمان يتم في أدنى ساعة كثيراً منها مع كونها مجودة مرتلة مبينة. وقال ابن القيم في كتاب الصلاة بعد ذكر حديث الباب وحديث أنس عند البخاري بلفظ:"كان يوجز الصلاة ويكملها" ما لفظه: فوصف أي أنس صلاته صلى الله عليه وسلم بالإيجاز والتمام، والإيجاز هو الذي كان يفعله لا الايجاز الذي يظنه من لم يقف على مقدار صلاته، فان الإيجاز أمر نسبي اضافي راجع إلى السنة لا إلى شهوة الإمام ومن خلفه، فلما كان يقرأ في الفجر بالستين إلى المائة. (أي آية) كان هذا الايجاز بالنسبة إلى ست مائة إلى ألف ولما قرأ في المغرب بالأعراف كان هذا الايجاز بالنسبة إلى البقرة، ويدل على هذا أن أنساً نفسه قال في الحديث الذي رواه أبوداود والنسائي: ما صليت وراء أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى، يعني عمر بن عبد العزيز، فحرزنا في ركوعه عشر تسبيحات الخ. وأنس أيضاً هو القائل في الحديث المتفق عليه: إني لا آلو أن أصلي بكم كما كان رسول الله يصلي بنا. قال ثابت كان أنس يصنع شيئاً لا أراكم تصنعونه كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائماً حتى يقول القائل: قد نسي، وإذا رفع رأسه من السجدة مكث حتى يقول القائل: قد نسي، وأنس هو القائل هذا، وهو القائل:"ما صليت وراء إمام أخف صلاة ولا أتم من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم "، وحديثه لا يكذب
وإن كان ليسمع بكاء الصبي فيخفف مخافة أن تفتن أمه)) .
ــ
بعضه بعضا- انتهى. (وإن كان) إن هذه هي المخففة من المثقلة، واسمها ضمير الشأن، وكان خبرها أي أنه كان (ليسمع بكاء الصبي) فيه جواز ادخال الصبيان المساجد وإن كان الأولى تنزيه المساجد عمن لا يؤمن حدثه فيها؛ لحديث "جنبوا مساجدنا صبيانكم" الخ. أخرجه ابن ماجه بسند ضعيف جداً. وقال الحافظ: فيه أي في الاستدلال بحديث الباب على جواز إدخال الصبيان المساجد نظر، لاحتمال أن يكون الصبي كان مخلفاً في بيت بقرب من المسجد بحيث يسمع بكاءه. (فيخفف) بين مسلم في رواية ثابت عن أنس محل التخفيف ولفظه:"فيقرأ بالسورة القصيرة". وبين أبي شيبة من طريق عبد الرحمن بن سابط مقدارها ولفظه: أنه صلى الله عليه وسلم قرأ في الركعة الأولى بسورة طويلة فسمع بكاء صبي فقرأ بالثانية بثلاث آيات، وهذا مرسل، كذا في الفتح. وذكر العيني حديث ابن سابط بلفظ "قرأ في الركعة الأولى بسورة نحو ستين آية فسمع بكاء الصبي" الخ. (مخافة أن تفتن أمه) بضم المثناة الفوقية مبنياً للمفعول من الثلاثي ومن الأفعال والتفعيل أي تلتهى عن صلاتها لاشغال قلبها ببكائه، زاد عبد الرزاق من مرسل عطاء أو تتركه فضيع. وقوله:"مخافة بفتح الميم منصوب على التعليل مضاف إلى أن المصدرية، أي خوفاً من افتتان أمه. وفي نسخة أبي ذر من البخاري "أن يفتن" بفتح المثناة التحتية وكسر ثالثه مبنياً للفاعل، وأمه بالنصب على المفعولية. وذكره الجزري في جامع الأصول (ج6 ص374) بلفظ "مخافة أن تفتن أمه" أي من الافتنان، وفي الحديث دلالة على كمال شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه ومراعاة أحوال الكبير مهم والصغير، وعلى مشروعية إيثار تخفيف الصلاة للأمر يحدث. قال السندي: وربما يؤخذ منه أن الإمام يجوز له مراعاة من دخل المسجد بالتطويل ليدرك الركعة كما له أن يخفف لأجلهم ولا يسمى مثله رياء بل هو إعانة على الخير وتخليص عن الشر- انتهى. وقال الخطابي في المعالم (ج1 ص102) : فيه دليل على أن الإمام وهو راكع إذا أحس برجل يريد الصلاة معه كان له أن ينتظره راكعاً ليدرك فضيلة الركعة في الجماعة؛ لأنه إذا كان له أن يحذف من طول الصلاة لحاجة الإنسان في بعض أمور الدنيا كان له أن يريد فيها لعبادة الله، بل هو أحق بذلك وأولى. وتعقبه القرطبي بأن في التطويل ههنا زيادة عمل في الصلاة غير مطلوب بخلاف التخفيف والحذف فإنه مطلوب- انتهى. قال ابن بطال: وممن أجاز ذلك الشعبي والحسن وعبد الرحمن بن أبي ليلى. وقال آخرون: ينظر ما لم يشق على أصحابه، وهو قول أحمد وإسحاق وأبي ثور. وقال مالك: لا ينتظر؛ لأنه يضر من خلفه، وهو قول الأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي، ذكره العيني. وقال الحافظ في هذه المسألة خلاف عند الشافعية وتفصيل. وأطلق النووي عن المذهب استحباب ذلك. وفي التجريد للمحاملى: نقل كراهيته عن الجديد، وبه قال الأوزاعي ومالك وأبوحنيفة وأبويوسف. وقال محمد بن الحسن: أخشى أن يكون شركاً- انتهى. قلت: القول بكراهة ذلك لحمله على الرياء وتوهم الشرك فيه غفلة عظيمة من قائله، وتنطع في الدين، وتعمق في الشريعة لا يصح لأهل الورع
متفق عليه.
1136-
(2) وعن أبي قتادة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها،
فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه)) . رواه البخاري.
ــ
والتقوى. فالدين يسر، والله تعالى ما كلفنا فوق وسعنا، ونية الإحسان إلى المسلم نية جميلة حسنة يثاب عليها صاحبها لكونها لله تعالى ولا شك أن في مراعاة الإمام من دخل المسجد بالتطويل ليدرك الركعة من غير أن يشق على أصحابه إعانة له على طاعة مع نية التقرب إلى الله تعالى بتطويل الركن، وليس فيه شائبة الرياء والشرك، كيف وقد روى أحمد وأبوداود عن عبد الله بن أبي أوفي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم في الركعة الأولى من صلاة الظهر حتى لا يسمع وقع قدم. وقد سكت عنه أبوداود والمنذري، وفيه رجل مجهول، وروى هو أيضاً وابن خزيمة وابن حبان عن أبي قتادة أنه قال:(أى في بيان حكمة تويل الركعة الأولى) فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى، فأعدل الأقوال عندنا هو ما ذهب إليه أحمد وإسحاق وأبوثور. والله تعالى أعلم. (متفق عليه) فيه نظر؛ لأن مسلماً أخرج القطعة الأولى فقط أي إلى قوله:"ولا أتم الصلاة من النبي صلى الله عليه وسلم " وأما القطعة الثانية فهي من أفراد البخاري. أخرجه الإسماعيلي مطولاً بتمامه. وروى أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه والبيهقي من طريق آخر عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد اطالتها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتى مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه"، لفظ البخاري.
1136-
قوله: (وأنا أريد إطالتها) جملة حالية. (فأسمع بكاء الصبي) قال العيني: البكاء إذا مددت أردت به الصوت الذي يكون معه، وإذا قصرت أردت خروج الدمع. وههنا ممدود لا محالة لقرينة فأسمع، إذ السماع لا يكون إلا في الصوت. (فأتجوز) أي فأخفف. (في صلاتي) قال الطيبي: أي أخفف كأنه تجاوز ما قصده أي ما قصد فعله لولا بكاء الصبي، قال: ومعنى التجوز أنه قطع قراءة السورة، وأسرع في أفعاله- انتهى. والأظهر أنه شرع في سورة قصيرة بعد ما أراد أن يقرأ سورة طويلة، كما تقدم من حديث أنس عند مسلم. (مما أعلم)"ما" مصدرية أو موصولة، والعائد محذوف. ومن تعليليه للاختصار، أي من أجل ما أعلم. (من شدة وجد أمه) بفتح الواو وسون الجيم، أي حزنها من وجد له يجد ويجد وجداً أي حزن. وقال ابن سيدة في المحكم: وجد يجد وجداً بالسكون والتحريك حزن- انتهى. ومن بيانية لما. (من بكاءه) تعليلية للوجد. قال الحافظ: وكان ذكر الإمام هنا خرج مخرج الغالب، وإلا فمن كان في معناه يلتحق بها. وفي الحديث دلالة على حضور النساء إلى المساجد مع النبي صلى الله عليه وسلم. (رواه البخاري) أي عن أبي قتادة، وفيه
1137-
(3) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا صلى أحدكم للناس فليخفف، فإن
فيهم السقيم والضعيف والكبير.
ــ
نظر؛ لأن السياق الذي ذكره المصنف إنما هو لحديث أنس كما أسلفنا لا لأبي قتادة، وحديث أبي قتادة أخرجه البخاري في موضعين، رواه أولاً في باب من أخف الصلاة عند بكاء الصبي بلفظ: إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتى كراهية أن أشق على أمه، ثم رواه في باب خروج النساء إلى المساجد قبيل كتاب الجمعة بلفظ: إني لأقوم إلى الصلاة وأنا أريد أن أطول فيها، والباقي مثله. وقد ظهر بهذا أن المصنف أخطأ في بيان مخرج الحديث، أي في ذكر الصحابي الذي روى الحديث بسياق الكتاب، فكان عليه أن يقول وعنه. (أى عن أنس) مكان وعن أبي قتادة وحديث أبي قتادة، أخرجه أيضاً أبوداود والنسائي وابن ماجه والبيهقي.
1137-
قوله: (إذا صلى أحدكم للناس) أي إماماً لهم فرضاً أو نفلاً أو اللام بمعنى الباء. وفي رواية لمسلم: إذا أمأحدكم الناس. (فليخفف) التخفيف من الأمور الإضافية، فقد يكون الشيء خفيا بالنسبة إلى عادة قوم طويلاً بالنسبة لعادة آخرين، فينبغي أن يقتدي بأضعف قومه بشرط أن لا يبلغ الإخلال في الفرئض والواجبات والسنن، فلا بد من التخفيف مع الكمال. قال الحافظ: أولى ما أخذ حد التخفيف من الحديث الذي أخرجه أبوداود والنسائي عن عثمان بن أبي العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: أنت إمام قومك، واقتد أضعفهم، إسناده حسن، وأصله في مسلم- انتهى. وقد تقدم هذا الحديث في باب فضل الآذان. (فإن فيهم السقيم) أي المريض. (والضعيف) أي ضعيف الخلقة. (والكبير) أي في السن. زاد مسلم في رواية: والصغير. وزاد الطبراني من حديث عثمان بن أبي العاص: والحامل والمرضع، وله من حديث عدي بن حاتم: والعابر السبيل. وقوله في حديثي أبي مسعود وعثمان بن أبي العاص الآيتين: ذا الحاجة يشمل الأوصاف المذكورة، وقد وقع أيضاً هذا في رواية لمسلم من حديث أبي هريرة وقوله: فإن فيهم الخ تعليل للأمر المذكور. فمقتضاه أنه متى لم يكن فيهم من يتصف بصفة من المذكورات أو كانوا محصورين راضين بالتطويل في مكان لا يدخله غيرهم لم يضر التطويل؛ لانتفاء العلة. لكن قال ابن عبد البر: إن العلة الموجبة للتخفيف عندي مأمونة؛ لأن الإمام وإن علم قوة من خلفه فإنه لا يدري ما يحدث بهم من حادث شغل، وعارض من حاجة، وآفة من حدث بول أو غيره. وقال اليعمري: الأحكام إنما تناط بالغالب لا بالصورة النادرة، فينبغي للأئمة التخفيف مطلقاً، قال وهذا كما شرع القصر في صلاة المسافر، وعلل بالمشقة، وهو مع ذلك يشرع، ولو لم يشق عملاً بالغالب؛ لأنه
وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ماشاء)) . متفق عليه.
1138-
(4) وعمن قيس بن أبي حازم، قال: أخبرني أبومسعود أن رجلاً قال: ((والله يا رسول الله!
ــ
لا يدري ما يطرأ عليه وهنا كذلك. (فليطول ما شاء) أى في القراءة والركوع والسجود والاعتدال والجلوس بين السجدتين والتشهد. وفي رواية لمسلم: فليصل كيف شاء أي مخففاً أومطولاً، يعني أنه لا حجر عليه إن شاء طول وإن شاء طول وإن شاء خفف، ولكن لا ينبغي التطويل إلى أن يخرج الوقت أو يدخل في حد الكراهة. وفي مسند السراج: وإذا صلى وحده فليطول إن شاء. والحديث يدل على مشروعية التخفيف للأئمة، وترك التطويل للعلل المذكورة من الضعف والسقم والكبر والحاجة، ويلحق بها ما كان في معناها. واختلفوا في أن الأمر المذكور للوجوب أو الندب. قال القسطلاني: وقد ذهب جماعة كابن حزم وابن عبد البر وابن بطال إلى الوجوب تمسكاً بظاهر الأمر في قوله: فليخفف، وعبارة ابن عبد البر في هذا الحديث أوضح الدلائل على أن أئمة الجماعة يلزمهم التخفيف لأمره عليه الصلاة والسلام إياهم بذلك، ولا يجوز لهم التطويل؛ لأن في الأمر بالتخفيف نهياً عن التطويل. والمراد بالتخفيف أن يكون بحيث لا يخل بسننها ومقاصدها- انتهى. وقال الشوكاني في النيل: قال ابن عبد البر: التخفيف لكل إمام أمر مجمع عليه مندوب عند العلماء إليه إلا أن ذلك إنما هو أقل الكمال، وأما الحذف والنقصان فلا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى عن نقر الغراب، ورأى رجلاً يصلي فلم يتم ركوعه، فقال له: إرجع فصل فإنك لم تصل، وقال: لا ينظر الله إلى من لا يقيم صلبه في ركوعه وسجوده، ثم قال: لا أعلم خلافاً بين أهل العلم في استحباب التخفيف لكل من أم قوماً على ما شرطنا من الإتمام، وقد روى عن عمر بن الخطاب أنه قال: لا تبغضوا الله إلى عبادة يطول أحدكم في صلاته حتى يشق على من خلفه- انتهى. (متفق عليه) واللفظ البخاري، وأخرجه أيضاً أحمد ومالك والترمذي وأبوداود والنسائي والبيهقي (ج3 ص115- 117) .
1138-
قوله: (وعن قيس بن أبي حازم) بالمهملة والزاى. قال في التقريب: قيس بن أبي حازم البجلي أبوعبد الله الكوفي، ثقة من كبار التابعين مخضرم، ويقال له رؤية. وهو الذي يقال: إنه اجتمع له أن يروي عن العشرة، مات بعد التسعين أو قبلها، وقد جاوز المائة وتغير. وقال في التهذيب: أدرك الجاهلية، ورحل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليباعه فقبض، وهو في الطريق، وأبوه له صحبة، ويقال: إن لقيس رؤية ولم يثبت. وقد أوضح القول في ذلك في الإصابة (ج3 ص271- 272) فارجع إليه. (أخبرني أبومسعود) عقبة بن عمرو الأنصاري البدري. (أن رجلاً) قال الحافظ: لم أقف على اسمه، ووهم من زعم أنه حزم بن أبيّ بن كعب؛
إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطبل بنا. فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في موعظة أشد غضباً منه يومئذٍ، ثم قال: إن منكم منفرين، فأيكم ما صلى بالناس فليتجوز،
ــ
لأن قصته كانت مع معاذ. (كما روى أبوداود في باب تخفيف الصلاة) لا مع أبيّ بن كعب. (إني لأتاخر عن الصلاة العداة) أي لا أحضر صلاة الصبح مع الجماعة. وفي رواية للبخاري: عن صلاة الفجر. وإنما خصها بالذكر؛ لأنها تطول فيها القراءة غالباً، ولأن الانصراف منها وقت التوجه لمن له حرفة إليها. (من أجل فلان) يعني إمام مسجد حية أو قبيلته. (مما يطيل بنا) أي من أجل إطالته بنا فما مصدرية، ومن الأولى تعليلية للتأخر والثانية بدل منها. وقال الطيبي: ابتدائية متعلقة بأتأخر، والثانية مع في حيزها بدل منها. والمراد من الإطالة أي في القراءة. وهذه قصة أخرى غير قصة معاذ المتقدمة في باب القراءة في الصلاة. قال الحافظ: أما قصة معاذ فمغايرة لحديث الباب، يعني حديث أبي مسعود هذا؛ لأن قصة معاذ كانت في العشاء وكان الإمام فيها معاذاً، وكانت في مسجد بنى سلمة وهذه كانت في الصبح وكانت في مسجد قبا، ووهم من قرأ الإمام المبهم هنا بمعاذ، بل المراد به أبيّ بن كعب، كما أخرجه أبويعلى بإسناده حسن من رواية عيسى بن جارية عن جابر قال: كان أبي بن كعب يصلي بأهل قبا، فاستفتح سورة طويلة فدخل معه غلام من الأنصار في الصلاة، فلما سمعه استفتحها انفتل من صلاته، فغضب أبيّ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو الغلام، وأتى الغلام يشكو أبيًّا، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم، فعرف الغضب في وجهه، ثم قال إن منكم منفرين، فإذا صليتم فأوجزوا، فإن خلفكم الضعيف والكبير والمريض وذا الحاجة. (أشد) بالنصب على الحال من رسول الله صلى الله عليه وسلم. (غضباً) منصوب على التمييز. (منه) أي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في صلة أشد. (يومئذٍ) أي يوم أخبر بذلك أي كان اليوم أشد غضباً منه في الأيام الأخر، والمفضل والمفضل عليه وإن كانا واحداً، وهو الرسول؛ لأن الضمير راجع إليه لكن باعتبارين، فهو مفضل باعتبار يومئذٍ، ومفضل عليه باعتبار سائر الأيام. وسبب شدة غضبه صلى الله عليه وسلم، إما لمخالفة الموعظة لإحتمال تقدم الإعلام بذلك بقصة معاذ، أو للتقصير في تعلم ما ينبغي تعلمه أو لإرادة الاهتمام بما يليقه على أصحابه ليكونوا من سماعه على بال لئلا يعود من فعل ذلك إلى مثله. (إن منكم) أي بعضكم. (منفرين) بصيغة الجمع من التنفير، أي للناس من الصلاة بالجماعة لتطويلكم المورث للملالة والتضجر. ولم يخاطب المطول على التعيين، بل عمم خوف الخجل عليه لطفاً به وشفقة على جمل عادته الكريمة. (فأيكم) أي أىُّ واحد منكم. (ما صلى بالناس) أي متلبساً بهم إماماً لهم. وكلمة "ما" زائدة، و"صلى" فعل شرط، وزيادة "ما" مع أي الشرطية كثيرة، وفائدتها التوكيد لمعنى الإبهام، وزيادة التعميم، وقيل:"ما" موصوفة منصوبة المحل على المفعول المطلق، أي أيكم أي صلاة صلى. (فليتجوز) جواب الشرط، أي فليخفف في صلاته بهم، يقال: تجوز في صلاته
فإن فيهم الضعيف، والكبير، وذا الحاجة)) . متفق عليه.
1139-
(5) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يصلون لكم فإن أصابوا
ــ
أي خفف. وفي رواية: فمن صلى بالناس فليخفف. وفي أخرى: فمن أم الناس فليتجوز. (فإن فيهم الضعيف والكبير) أي في السن. وفي رواية للبخاري: فإن فيهم المريض والضعيف. وكأن المراد بالضعيف هنا المريض، وفي رواية المذكورة من يكون ضعيفاً في خلقته كالنحيف والمسن، وكل في مريض ضعيف من غير عكس. والحديث يدل على جواز التأخر عن صلاة الجماعة إذا علم من عادة الإمام التطويل الكثير، وعلى جواز الغضب لما ينكر من أمور الدين، وعلى تخفيف الصلاة مراعاة لحال المأمومين. وفيه وعيد على من يسعى في تخلف الغير عن الجماعة. (متفق عليه) أخرجه البخاري في العلم والصلاة والأدب والأحكام، ومسلم في الصلاة، واللفظ المذكور للبخاري في باب تخفيف الإمام في القيام، وإتمام الركوع والسجود. والحديث أخرجه أيضاً النسائي في العلم من سننه الكبرى وابن ماجه في الصلاة والبيهقي (ج3 ص115) .
1139-
قوله: (يصلون) أي الأئمة. (لكم) أي لأجلكم. فللام فيه للتعليل. (فإن أصابوا) في الأركان والشرائط والسنن، قاله الكرمانى. وقال العيني: يعني فإن أتموا، يدل عليه حديث عقبة بن عامر الذي أخرجه الحاكم على شرط البخاري عنه مرفوعاً بلفظ: من أم الناس فأتم. وفي نسخة: فأصاب فالصلاة له ولهم، ومن انتقص من ذلك شيئاً فعليه ولا عليهم. وأعله الطحاوي بانقطاع ما بين عبد الرحمن بن حرملة وأبي علي الهمداني الراوى عن عقبة- انتهى كلام العينى. قلت: حديث عقبة هذا قال الحاكم في المستدرك (ج1 ص210) بعد روايته: حديث صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي، وقد أخرجه أيضاً أحمد وأبوداود وغيرهما، قال المنذري في الترغيب: عن أبي على المصري. (الهمداني) قال: سافرنا مع عقبة بن عامر فحضرتنا الصلاة فأردنا أن يتقدمنا، فقال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أم قوماً فإن أتم فله التمام، ولهم التمام، وإن لم يتم فلهم التمام، وعليه الإثم. رواه أحمد واللفظ له وأبوداود وابن ماجه والحاكم وصححه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما، ولفظهما: من أم الناس فأصاب الوقت وأتم الصلاة فله ولهم، ومن انتقص من ذلك شيئاً فعليه ولا عليهم. قال المنذري: هو عندهم من رواية عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي عن أبي علي المصري. وعبد الرحمن قال أبوحاتم: لا يحتج به، وضعفه يحيى القطان. ولينه البخاري. ووثقة ابن معين، وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن عدي: لم أر له حديثاً منكراً، انتهى كلام المنذري، قلت: ووثقه أيضاً محمد بن عمرو وابن نمير، وقال الساجي: صدوق يهم في الحديث. وذكره ابن حبان في الثقات. وروى له مسلم حديثاً واحداً في متابعة القنوت. وذكر الحافظ في الفتح حديث عقبة هذا نقلاً عن أحمد وأبي داود، وسكت عنه وهذا كله
فلكم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم)) .
ــ
يدل على أن هذا الحديث عند الذهبي والمنذري والحافظ صحيح أو حسن قابل للاحتجاج، وأنهم لم يروا قول الطحاوي: لا يعرف لعبد الرحمن بن حرملة سماع من أبي علي الهمداني قابلاً للالتفات، وكيف يلتفت إلى قوله، وقد رواه عبد الرحمن بن حرملة بلفظ الإخبار عند البيهقي (ج3 ص127) حيث قال: أخبرني أبوعلي الهمداني. (فلكم) أي ثواب صلاتكم. قال الحافظ: زاد أحمد. (وكذا البيهقي) ولهم أي ثواب صلاتهم، وهو يغني عن تكلف توجيه حذفها، يشير إلى ما قال المظهر إنما اقتصر على لكم، إذ يفهم من تجاوز ثواب الإصابة إلى غيرهم ثبوته لهم، وقال القاري: أي لكم ولهم على التغليب؛ لأنه مفهوم بالأولى. وقيل: إن الحديث سيق في خطأ الإمام في إصابته وقت الصلاة. والمعنى فإن أصابوا أي الوقت، قاله ابن بطال والطحاوي واستدلا لذلك بما روى النسائي وغيره عن ابن مسعود بسند حسن مرفوعاً: ستدركون أقواماً يصلون الصلاة لغير وقتها فإن أدركتموهم فصلوا في بيوتكم للوقت الذي تعرفون، ثم صلوا معهم، واجعلوها سبحة. والظاهر أن المراد به ما هو أعم من ترك إصابة الوقت، ففي رواية لأحمد (ج4 ص145) من حديث عقبة بن عامر المذكور: من أم الناس فأصاب الوقت وأتم الصلاة فله ولهم، ومن انتقص من ذلك شيئاً فعليه ولا عليهم، وفي رواية له أيضاً (ج4 ص147) : فإن صلوا الصلاة لوقتها فأتموا الركوع والسجود فهي لكم ولهم، وإن لم يصلوا الصلاة لوقتها ولم يتموا ركوعها ولا سجودها فهي لكم وعليهم. والرواية الأولى أخرجها البيهقي أيضاً. (وإن اخطأوا) أي ارتكبوا الخطيئة في صلاتهم ككونهم محدثين مثلاً. قال الحافظ: ولم يرد به الخطأ المقابل للعمد؛ لأنه لا إثم فيه. (فلكم) أي ثوابها. (وعليهم) أي عقابها فخطأ الإمام في بعض غير مؤثر في صحة صلاة المأموم إذا أصاب، فلو ظهر بعد الصلاة أن الإمام جنب أو محدث أو في بدنه نجاسة فلا تجب إعادة الصلاة على المؤتم به. قال البغوي في شرح السنة: فيه دليل على أنه إذا صلى بقوم محدثاً إنه تصح صلاة المأمومين خلفه، وعليه الإعادة. ويدل عليه أيضاً ما ذكر المجد بن تيمية في المنتقى أنه صح عن عمر أنه صلى بالناس وهو جنب ولم يعلم فأعاد ولم يعيدوا، وكذلك عثمان وروي عن علي من قوله- انتهى. وإليه وذهب الشافعي، فإن المؤتم عنده تبع للإمام في مجرد الموافقة لا في الصحة والفساد، وبه قال مالك وأحمد. وظاهر قوله "أخطأوا" يدل على ما هو أعم مما ذكر البغوي، كالخطأ في الأركان كما قال القاري فإن أصابوا أي أتوا بجميع ما عليهم من الأركان والشرائط، وإن اخطأوا بأن أخلوا ببعض ذلك عمداً أو سهواً- انتهى. فيكون فيه دليل على صحة الائتمام بمن يخل بشيء من الصلاة ركناً كان أوغيره إذا أتم المأموم، وهو وجه للشافعية بشرط أن يكون الإمام هو الخليفة أو نائبه. وحمله الطحاوى وغيره من الحنفية على الخطأ في إصابة الوقت، كما تقدم؛ لأن المؤتم عندهم تبع للإمام مطلقاً، يعني في الصحة والفساد فيجب عندهم الإعادة على الإمام والمؤتمين جميعاً لو ظهر أنه صلى محدثاً أو جنباً، واستدلوا لذلك بقوله