الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{مَنْضُودٍ} متتابع منظم ومعدّ لعذابهم {مُسَوَّمَةً} معلمة للعذاب، أي لها علامة خاصة عند ربك أي في خزائنه {وَما هِيَ} الحجارة أو بلادهم {مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} أي أهل مكة وأمثالهم، وهذا وعيد لكل ظالم،
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سأل جبريل عليه السلام، فقال: يعني ظالمي أمتك، ما من ظالم منهم إلا وهو بمعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة.
المناسبة:
هذه هي القصّة الخامسة من القصص المذكورة في هذه السّورة، وهي قصة لوط عليه السلام، وقوم لوط: أهل سدوم في الأردن. قال ابن عباس: انطلقوا من عند إبراهيم إلى لوط (ابن أخي إبراهيم) وبين القريتين أربع فراسخ، ودخلوا عليه على صورة شباب مرد من بني آدم، وكانوا في غاية الحسن، ولم يعرف لوط أنهم ملائكة الله.
التفسير والبيان:
ولما جاءت رسلنا من الملائكة لوطا، بعد ما أعلموا إبراهيم بهلاكهم هذه الليلة، وكانوا في أجمل صورة بهيئة شباب حسان الوجوه، ابتلاء من الله، فساءه شأنهم ومجيئهم، وضاقت نفسه بسببهم؛ لأنه ظنّ أنهم من الإنس، فخاف عليهم خبث قومه، وأن يعجزوا عن مقاومتهم، وقال: هذا يوم عصيب أي شديد البلاء.
{وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ.} . وجاء لوطا قومه عند ما سمعوا بالضّيوف وقدومهم، بإخبار امرأته قومها، يسرعون ويهرولون من فرحهم بذلك، لإتيان الفاحشة، وليس ذلك غريبا، فإنهم كانوا قبل مجيئهم يعملون السّيئات ويرتكبون الفواحش، فلم يزل هذا من سجيّتهم، حتى أخذوا وهم على تلك الحال، كما حكى الله عنهم:{أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ، وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ، وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ} [العنكبوت 29/ 29] أي ظلوا يقترفون الفاحشة إلى وقت الهلاك.
{قالَ: يا قَوْمِ، هؤُلاءِ.} . قال لوط: يا قوم، هؤلاء البنات فتزوّجوهنّ، والمراد بنات القوم ونساؤهم؛ فإن النّبي للأمّة بمنزلة الوالد، كما قال ابن عباس، فأرشدهم إلى ما هو أنفع لهم في الدّنيا والآخرة، كما قال لهم في الآية الأخرى:{أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ، وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ، بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ} [الشّعراء 165/ 26 - 166]، قال مجاهد وقتادة وغير واحد: لم يكنّ بناته، ولكن كنّ من أمته، وكلّ نبي أبو أمته. وقال ابن جريج: أمرهم أن يتزوّجوا النّساء، لم يعرض عليهم سفاحا. وقال سعيد بن جبير: يعني نساءهم هنّ بناته، وهو أب لهم.
{فَاتَّقُوا اللهَ.} . أي فاخشوا الله، وأقبلوا ما آمركم به من الاقتصار على نسائكم، ولا تفضحوني أو لا تخجلوني في ضيوفي، فإن إهانتهم إهانة لي.
أليس منكم رجل فيه رشد وحكمة وعقل وخير يقبل ما آمر به ويترك ما أنهى عنه، ويهديكم إلى الطريق الأقوم.
قالوا: لقد علمت سابقا ألا حاجة لنا في النّساء ولا نشتهيهنّ، فلا فائدة فيما تقول، وليس لنا غرض إلا في الذّكور، وأنت تعلم ذلك منا، فأي فائدة في تكرار القول علينا في ذلك؟ والمراد أنهم صمموا على ما يريدون.
قال لوط لقومه متوعّدا: لو كان لدي قوة تقاتل معي، أو عشيرة تؤازرني وتنصرني عليكم، وتدفع الشّرّ عني، لكنت قاتلتكم وحلت بينكم وبين ما تريدون.
وبعد هذه المخاوف من الفضيحة التي أقلقت لوطا على ضيفانه، بشرته الملائكة بنجاته منهم وهلاكهم بالعذاب:{قالُوا: يا لُوطُ، إِنّا رُسُلُ رَبِّكَ.} .
أي قالت الملائكة للوط: إنا رسل ربّك أرسلنا لنجاتك من شرّهم، وإهلاكهم، لن يصلوا بسوء إليك ولا إلى ضيوفك، وحينئذ طمس الله أعينهم، فلم يعودوا
يبصروا لوطا ومن معه، كما قال تعالى:{وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ، فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ، فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ} [القمر 37/ 54].
{فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ.} . أي فاخرج من هذه القرية في جزء من الليل يكفي لتجاوز حدودها، كما قال تعالى:{فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [الذّاريات 35/ 51 - 36].
{وَلا يَلْتَفِتْ.} . أي ولا ينظر أحد منكم إلى ما وراءه أبدا، حتى لا يصيبه شيء من العذاب، أو يتعاطف معهم، وامضوا حيث تؤمرون.
{إِلاَّ امْرَأَتَكَ.} .. أي امض بأهلك إلا امرأتك فلا تأخذها معك، إنه مصيبها ما أصابهم من العذاب؛ لأنها كانت كافرة خائنة.
ثم ذكر علّة الإسراء ليلا، فقال:{إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ.} . أي إن موعد عذابهم وبدءه هو الصّبح من طلوع الفجر إلى شروق الشّمس، كما قال تعالى:
{فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ} [الحجر 73/ 15].
أليس موعد الصّبح بموعد قريب، وسبب اختيار هذا الوقت كونهم متجمعين في مساكنهم. روي أنهم لما قالوا للوط عليه السلام:{إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ} قال: أريد أعجل من ذلك، بل الساعة، فقالوا:{أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} قال المفسّرون: إن لوطا عليه السلام لما سمع هذا الكلام، خرج بأهله في الليل.
فلما جاء أمرنا بالعذاب، وكان ذلك عند طلوع الشّمس، ونفذ قضاؤنا، جعلنا عاليها وهي سدوم سافلها، وخسفنا بهم الأرض، وأمطرنا عليهم حجارة من طين متحجّر، منضّد بعضها فوق بعض وتتابع في النّزول عليهم، مسوّمة أي معلّمة للعذاب، عليها علامة خاصة عند ربّك أي في خزائنه، كقوله تعالى: