الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما} أي من الفتيين وهو الساقي {وَادَّكَرَ} أي تذكر يوسف، وفيه أبدل التاء في الأصل دالا، ثم أدغم في الدال أصله «اذتكر» {بَعْدَ أُمَّةٍ} أي تذكر يوسف بعد طائفة من الزمن مجتمعة أي مدة. {فَأَرْسِلُونِ} إلى من عنده علم أو إلى السجن، فأتى يوسف.
{يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ} أي يا يوسف الكثير الصدق أو المبالغ في الصدق؛ لأنه جرب أحواله، وعرف صدقه في تأويل رؤياه ورؤيا صاحبه {إِلَى النّاسِ} أي إلى الملك وأصحابه أو إلى أهل البلد؛ إذ قيل: إن السجن لم يكن فيه {لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ} تأويلها أو فضلك ومكانك، وإنما لم يبت الكلام فيهما؛ لأنه لم يكن جازما من الرجوع.
{تَزْرَعُونَ} ازرعوا {دَأَباً} متتابعة، على عادتكم المستمرة، وهي تأويل السبع السمان {فَذَرُوهُ} اتركوه وادخروه {فِي سُنْبُلِهِ} لئلا يفسد أو يسوس {إِلاّ قَلِيلاً مِمّا تَأْكُلُونَ} في تلك السنين، فادرسوه.
{ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ} أي بعد السبع المخصبات {سَبْعٌ شِدادٌ} مجدبات صعاب، وهي تأويل السبع العجاف {يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ} أي يأكل أهلهن ما ادخرتم لأجلهن، فأسند إلى السنين على المجاز تطبيقا بين المعبر والمعبر به {مِمّا تُحْصِنُونَ} تحرزون وتدخرون للبذر {ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ} أي السبع المجدبات {عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ} بالمطر من الغوث والإغاثة من القحط {وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} الأعناب وغيرها لخصوبته. وهذه بشارة، بعد أن أوّل البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخصبة، والعجاف واليابسات بسنين مجدبة، وابتلاع العجاف السمان بأكل ما جمع في السنين المخصبة في السنين المجدبة، ولعله علم ذلك بالوحي، أو بما جرت به السنة الإلهية على أن يوسع على عباده، بعد ما ضيق عليهم.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى تأويل يوسف رؤيا صاحبيه في السجن، ذكر تأويل رؤيا ملك مصر الذي كان من ملوك العرب المعروفين بالرعاة (الهكسوس) بعد أن أعلن الكهنة والعلماء وأهل الرأي عجزهم عن تأويلها، وقالوا: أضغاث أحلام، فكان هذا سببا في اتصال يوسف بالملك.
التفسير والبيان:
هذه رؤيا ملك مصر التي قدر الله أن تكون سببا لخروج يوسف عليه السلام من السجن معززا مكرما، والقصة أن الملك هالته هذه الرؤيا وتعجب من
أمرها، وكيفية تفسيرها، فجمع الكهنة وكبار رجال دولته وأمراءه، فقص عليهم ما رأى، وسألهم عن تأويلها، فلم يعرفوا ذلك، واعتذروا عن تأويلها بأنها {أَضْغاثُ أَحْلامٍ} أي أخلاط أحلام.
والمعنى: وقال ملك مصر: إني رأيت في منامي رؤيا أدهشتني، وهي أن سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس، أكلتهن سبع بقرات عجاف هزيلات، وسبع سنبلات خضر انعقد حبها، غلبتها سبع أخر يابسات آن حصادها، فالتوت عليها.
فقال للملأ من قومه وهم الكهنة والعلماء: عبّروا على هذه الرؤيا، إن كنتم تعلمون تعبير الرؤيا، وبيان معناها الخيالي، وترجمتها إلى الواقع الحقيقي.
فقالوا: هذه أحلام مختلطة من خواطر وخيالات تتراءى للنائم في دماغه، ولا معنى لها، وتنشأ من اضطراب الهضم، وتلبّك المعدة، وتعب النفس أحيانا، ولسنا عالمين بتأويل أمثالها، فلو كانت رؤيا صحيحة، لما كان لنا معرفة بتأويلها وهو تعبيرها.
وحينئذ تذكر الذي نجا من الموت من صاحبي يوسف في السجن، وهو الساقي، وكان الشيطان قد أنساه ما أوصاه به يوسف، من عرض أمره للملك، وكان تذكره بعد مدة من الزمان أي بعد نسيان، فقال للملك والملأ الذين جمعهم حوله: أنا أخبركم بتأويل هذا المنام، فابعثوني (وهو خطاب للملك والجمع، أو للملك وحده على سبيل التعظيم) إلى يوسف الصديق الموجود حاليا في السجن.
فبعثوه فجاء فقال: يا يوسف، أيها الرجل كثير الصدق في أقوالك وأفعالك وتأويل الأحاديث وتعبير الأحلام، أفتنا في منام رآه الملك، لعل الله يجعل لك فرجا ومخرجا بسبب تأويلك رؤياه.
فذكر له يوسف النبي عليه السلام تعبيره من غير لوم وعتاب على نسيانه
ما وصاه به، ومن غير اشتراط للخروج قبل ذلك، فقال: مبينا لهم خطة أربع عشرة سنة: إنه يأتيكم الخصب والمطر سبع سنين متواليات.
ففسر البقر بالسنين؛ لأنها تثير الأرض التي تكون سببا للثمرات والزروع، وهن السنبلات الخضر.
ثم أرشدهم إلى ما يفعلون في سني الخصب، فقال: مهما جنيتم في هذه السبع السنين الخصب من الغلال والزروع، فادخروه في سنبله، لئلا يأكله السوس، إلا المقدار القليل الذي تأكلونه، فادرسوه، ولا تسرفوا فيه لتنتفعوا بالباقي في السبع الشداد الصعاب، وهن السبع السنين الجدب التي تعقب هذه السنوات السبع المتواليات، وهن البقرات العجاف، اللاتي تأكل السمان؛ لأن سني الجدب يؤكل فيها ما جمعوه في سني الخصب، وهن السنبلات اليابسات، ففي سني القحط لا تنبت الأرض شيئا، وما بذروه لا يرجع منه شيء، لهذا قال:
{يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاّ قَلِيلاً.} . أي إن أهلها يأكلون كل ما ادخرتم في تلك السنين السابقة لأجل السنين الجدباء، إلا قليلا مما تحزنون وتحرزون وتدخرون لبذور الزراعة. ويلاحظ أنه نسب الأكل للسنين وأراد به أهلها.
والخلاصة: تأول يوسف عليه السلام البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين محصبة، والعجاف واليابسات بسنين مجدبة.
ثم بشرهم بمجيء عام يغاث فيه الناس أي يأتيهم الغيث وهو المطر، وتغل البلاد، ويعصر الناس فيه ما كانوا يعصرون عادة من زيت الزيتون وسكر القصب وشراب التمر والعنب ونحوها.
وهذا الإخبار بمغيبات المستقبل من وحي الله وإلهامه، لا مجرد تعبير للرؤيا، فهو بشارة في العام الخامس عشر بعد تأويل الرؤيا بمجيء عام مبارك خصيب، كثير الخير، غزير النعم، وهو إخبار من جهة الوحي.