الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{أُحْكِمَتْ آياتُهُ} نظمت نظما محكما لا خلل فيه من جهة اللفظ والمعنى {ثُمَّ فُصِّلَتْ} بينت الأحكام والقصص والمواعظ، وبالإحكام والتفصيل يصبح القرآن كامل الصورة والمعنى. وقال الزمخشري:{ثُمَّ فُصِّلَتْ} كما تفصل القلائد (أي عقود النساء) بالفرائد من دلائل التوحيد والأحكام والمواعظ والقصص، أو جعلت فصولا سورة سورة، وآية آية، أو فرقت في التنزيل ولم تنزل جملة واحدة، أو فصل بها ما يحتاج إليه العباد، أي بيّن ولخص
(1)
.
وقوله: {ثُمَّ فُصِّلَتْ} ليس معناها التراخي في الوقت، ولكن في الحال، كما تقول: هي محكمة أحسن الإحكام، ثم مفصلة أحسن التفصيل، وفلان كريم الأصل ثم كريم الفعل
(2)
.
{مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} أي من عند الله الحكيم الصنع في أقواله وأفعاله وأحكامه، العليم بأحوال الناس والكون، في الظاهر والباطن، الخبير بعواقب الأمور.
{نَذِيرٌ} بالعذاب إن كفرتم أو أشركتم {وَبَشِيرٌ} بالثواب إن آمنتم أو التزمتم عقيدة التوحيد {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ} من الشرك والمعاصي {ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} ارجعوا بالطاعة {يُمَتِّعْكُمْ} في الدنيا {مَتاعاً حَسَناً} بطيب عيش وسعة رزق. والمتاع: كل ما ينتفع به في المعيشة.
{إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى} هو الموت أو العمر المقدّر {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} أي يعط كل محسن ذي فضل في العمل جزاءه {وَإِنْ تَوَلَّوْا} أصله: تتولوا، فحذفت إحدى التاءين، أي تعرضوا {عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} هو يوم القيامة أو يوم الشدائد، وقد ابتلي مشركو مكة بالقحط حتى أكلوا الجيف.
{إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ} رجوعكم في ذلك اليوم {وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} القادر على كل شيء، ومنه الثواب والعذاب، وكأنه تقرير لكبر ذلك اليوم.
التفسير والبيان:
موضوع هذه الآيات تقرير أصول الدين وهي إحكام القرآن وتفصيله، والدعوة إلى عبادة الله وتوحيده والإنابة إليه، والإيمان بالبعث والجزاء في عالم الآخرة.
والمعنى: هذا كتاب عظيم الشأن جليل القدر، محكم النظم والمعنى، لا خلل
(1)
الكشاف: 89/ 2
(2)
الكشاف: 90/ 2
فيه ولا نقص، فهو كامل الصورة والمعنى؛ لأنه صادر من عند الله الحكيم في أقواله وأحكامه، الخبير بحوائج عباده وبعواقب الأمور.
ففي هذه السورة كغيرها من السور تبيان حقائق الاعتقاد وتفنيد أباطيل الكافرين، وتوضيح أسلم الأحكام التشريعية للحياة، وأقوم المناهج والفضائل والمواعظ من خلال القصص القرآني والتنبيه إلى غرر الشمائل والأخلاق.
{أَلاّ تَعْبُدُوا.} . أي أن هذا الكتاب المحكم نزل بألا تعبدوا غير الله ولا تشركوا به شيئا، أو أنه نزل هذا القرآن المحكم المفصل لعبادة الله وحده لا شريك له، أو لئلا تعبدوا إلا الله، وهذا كقوله تعالى:{وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء 25/ 21] وقوله: {وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ} [النحل 36/ 16].
{إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} أي، وقل للناس: إنني كائن لكم من جهة الله، نذير من العذاب، إن خالفتموه، وبشير بالثواب إن أطعتموه، كما جاء
في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد الصفا، فدعا بطون قريش الأقرب ثم الأقرب، فاجتمعوا، فقال:«يا معشر قريش، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا تصبحكم، ألستم مصدّقي؟» فقالوا: ما جربنا عليك كذبا، قال:«فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» .
وهذا بيان مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم ووظيفته وهي الإنذار لمن عصاه بالنار، والتبشير لمن أطاعه بالجنة.
{وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ..} . أي: وآمركم بالاستغفار من الذنوب السالفة، أي أن تطلبوا المغفرة من الشرك والكفر والمعاصي، وأن تتوبوا منها إلى الله عز وجل بالندم على ما مضى، والعزم على عدم العودة إلى الذنوب في المستقبل،
والاستمرار على ذلك، فإن استغفرتم وتبتم من الذنوب، يمتعكم متاعا حسنا في الدنيا، أي يطوّل نفعكم في الدنيا بمنافع حسنة مرضية، من عيشة طيبة ورزق واسع ونعمة متتابعة {إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى} أي إلى أن يتوفاكم، كقوله تعالى:
{فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً} [النحل 97/ 16]. والجمع بين الاستغفار والتوبة للدلالة على أنه لا سبيل إلى طلب المغفرة من عند الله إلا بإظهار التوبة، والاستغفار مطلوب بالذات، والتوبة مطلوبة لكونها من متممات الاستغفار، هذا على أساس أنهما معنيان متباينان؛ لأن الاستغفار طلب المغفرة وهي الستر، والتوبة:
الانسلاخ من المعاصي، والندم على ما سلف منها، والعزم على عدم العود إليها، والمعنى: استغفروا من الشرك، ثم ارجعوا إليه بالطاعة. ومن قال: الاستغفار توبة، جعل قوله:{ثُمَّ تُوبُوا} بمعنى أخلصوا التوبة واستقيموا عليها بالطاعة والعبادة.
{وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} أي ويعط في الآخرة كل من كان له فضل في العمل جزاء فضله لا يبخس منه.
والتمتيع في الدنيا والثواب في الآخرة جمع بين الجزاءين، إلا أن جزاء الدنيا موقوت محدود، وجزاء الآخرة دائم مطلق غير مقيد بشيء. وفي هذا دلالة على أن جميع خيرات الدنيا والآخرة ليس إلا منه تعالى، وليس إلا بإيجاده وتكوينه وإعطائه، كما أن فيه إشارة إلى أن ثواب الدنيا لمجموع الناس، لا لكل فرد فرد، وأما جزاء الآخرة فمخصوص بكل فرد على حدة.
ومن عادة القرآن أن يذكر الشيء وفائدته للترغيب فيه، ثم يذكر مقابله للترهيب والتهديد، والتنفير، فقال تعالى:{وَإِنْ تَوَلَّوْا.} . أي وإن أعرضتم عما دعوتكم إليه من عبادة الله وحده لا شريك له، فإني أخشى عليكم عذاب يوم كبير هو يوم القيامة، وصف بالكبر لما فيه من الأهوال، كما وصف بالعظم والثقل والشدة والألم، لما فيه من العظائم والشدائد والأثقال والآلام.