الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
في الدار التي على النهر الداخل إلى القلعة من الشمال، وكان جلوسه على تلك الصّفّة في أكثر (1) الأوقات، فلما جاءت سنة الزلزلة بنى بإزاء تلك الصّفّة بيتا من الأخشاب، وهو يبيت فيه [155] ويصبح، ويخلو بعبادته، فدفن في ذلك البيت الذى اتخذه حمى من الحمام»؛ وكانت وفاته يوم الأربعاء حادى عشر شوال من هذه السنة - أعنى سنة تسع وستين وخمسمائة -.
وكان صلاح الدين قد استشعر بقصد نور الدين له، فحكى عنه القاضى بهاء الدين ابن شداد - قاضى حلب رحمه الله قال:«كان يبلغنا عن نور الدين أنه ربما قصدنا بالديار المصرية، وكانت جماعة أصحابنا يشيرون بأن (2) نكاشف ونخالف ونشق عصاه ونلقى عسكره بمصاف نرده (2) إذا تحقق قصده، وكنت أنا وحدى أخالفهم وأقول: لا يجوز أن يقال شىء من ذلك، ولم يزل النزاع بيننا حتى ورد الخبر بوفاته رحمه الله» .
قلت: ودفن نور الدين رحمه الله بالقلعة مدة، ثم نقل إلى مدرسته التي أنشأها بدمشق، ودفن بها (3)، وقبره بها معروف يزار.
صفته وسيرته رحمه الله
-
كان أسمر طويل [القلعة (4)] ليس له لحية إلا في حنكه (5)، وكان واسع الجبهة، حسن الصورة، حلو العينين.
(1) س: «جميع الأوقات» ، والروضتين:«جميع الأحوال» .
(2)
الأصل: «يكاشف ويخالف ويشق عصاه ويلقى عسكره بمصاف يرده» ، والتصحيح عن (ابن شداد: النوادر السلطانية، ص 37).
(3)
هذان اللفظان ساقطان من س.
(4)
ما بين الحاصرتين عن س؛ وهذا الوصف منقول عن (ابن الأثير، ج 11، ص 151)، وعنه نقل أيضا صاحب الروضتين (ج 1، ص 228 - 229).
(5)
س: «إلا قليل شعرات في ذقنه» ، وما هنا يتفق مع الأصل المنقول عنه، وهو ابن الأثير، كما أنه يتفق أيضا ونص الروضتين.
وكان مولده سنة إحدى عشرة وخمسمائة، فكان عمره قريبا من ثمان وخمسين سنة.
وأما سيرته رحمه الله في عدله وزهده (1)، وخوفه من الله تعالى، وجهاده لعدو الدين، وصدقاته ومعروفه وإحسانه، وابتغائه لثواب الله تعالى ولدار الآخرة، فهو أشهر من أن يذكر، فإنى لا أعلم ملكا بعد الخلفاء الراشدين اجتمع فيه من الصفات الجميلة مثل ما اجتمع فيه رحمه الله؛ ولنذكر ما نقل إلينا من أخباره مما يستدل به على ما ذكرناه، وإن كان قد بلغ في الوضوح والشهرة إلى حد التواتر.
وأما زهده فالمشهور عنه أنه كان يأكل ولا يلبس ولا يتصرف إلا فيما يخصه من ملك كان قد اشتراه من سهمه من الغنيمة، ومن الأموال المرصدة لصالح المسلمين، يحضر الفقهاء ويستفتيهم في أخذ ما يحلّ له من ذلك، فيأخذ ما يفتونه بحله، ولا يتعداه إلى غيره، ولم يلبس حريرا ولا ذهبا ولا فضة، ومنع من شرب الخمر في جميع بلاده، ومن إدخالها إلى بلد ما، وكان يحدّ (2)[156] شاربها الحد الشرعى، وكل الناس عنده فيه سواء.
وحدّث شخص كان رضيع الخاتون ابنة معين الدين أنر زوجة نور الدين - وكان وزيرها -، قال: «(3) كان نور الدين إذا جاء إليها يجلس في المكان المختص به، وتقوم في خدمته لا تتقدم إليه إلا أن يأذن في أخذ ثيابه عنه، ثم تعتزل عنه إلى المكان الذى يختصّ بها، وينفرد هو، تارة يطالع رقاع أصحاب الأشغال، أو مطالعة
(1) في الأصل: «ورفده» وما هنا عن س (49 ب).
(2)
س: «يجلد» .
(3)
هذه الأخبار عن نور الدين وسيرته منقولة عن: (الروضتين، ص 6 وما بعدها). انظر أيضا: (ابن الاثير: الكامل، ج 11، ص 151 - 152) و (سبط ابن الجوزى: مرآة الزمان، ج 8، ق 1، ص 307 وما بعدها).
كتاب أتاه ويجيب عنه، ويصلى ويطيل الصلاة، وله أوراد في النهار، فإذا جاء الليل وصلى العشاء ونام يستيقظ نصف الليل، ويقوم إلى الوضوء والصلاة إلى بكرة، فيظهر للركوب ويشتغل بمهام الدولة؛ قال: فإنها قلّت عليها النفقة، ولم يكفها ما كان قرره لها، فأرسلتنى إليه أطلب منه زيادة في وظيفتها، فلما قلت له تنكّر واحمر وجهه ثم إنه قال: من أين أعطيها، أما يكفيها مالها (1)؟ والله لا أخوض نار جهنم في هواها، وإن كانت تظن أن الذى بيدى من الأموال هو لى فبئس الظن، إنما هى أموال المسلمين مرصدة لمصالحهم، ومعدة لفتق إن كان من عدو الإسلام؛ وأنا خازن (2) عليها فلا أخونهم فيها، ثم قال: لى بمدينة حمص ثلاثة (3) دكاكين ملكا (4) قد وهبتها إياها، فلتأخذها؛ وكان يحصل منها قدر قليل».
وكان (5) له صديق بالجزيرة من الصالحين، وكان نور الدين يكاتبه ويراسله ويرجع إلى قوله، فبلغه أن نور الدين يدمن اللعب بالكرة، فكتب إليه يقول له:«ما كنت أظنك تلهو وتلعب وتعذّب الخيل لغير فائدة دينية» ! فكتب إليه نور الدين بخط يده يقول له: «والله ما حملنى على اللعب بالكرة اللهو والبطر، إنما نحن في ثغر، والعدو قريب منا، وبينما نحن جلوس إذ يقع صوت فنركب في الطلب، ولا يمكننا أيضا ملازمة الجهاد ليلا ونهارا، شتاء وصيفا، إذ لا بد من الراحة للجند، ومتى تركنا الخيل على مرابطها صارت جماما لا قدرة لها على إدمان
(1) في الأصل: «ما يكفيها» والتصحيح عن س بعد مراجعة الروضتين.
(2)
كذا في الاصل، وفى س (50 ب) وفى الروضتين:«خازنهم» .
(3)
في الاصل: «ستة» ، والتصحيح عن س، و (الروضتين، ص 6) و (مرآة الزمان، ص 307).
(4)
في الاصل، وفى س:«ملك» والتصحيح عن الروضتين.
(5)
قبل هذا الخبر في س: «وقال أيضا هذا الشخص، وكان رضيع زوجة نور الدين ووزيرها» ، مما يفيد أنه ينقل هذا الخبر عن رضيع زوجة نور الدين، أما صاحب الروضتين فيرويه منسوبا إلى ابن الاثير وإنما مع اختلاف يسير في النص.
السير في الطلب، ولا معرفة لها بسرعة الانعطاف في الكر والفر في المعركة، فنحن نركبها ونروّضها بهذا اللعب، فيذهب عنها جمامها، وتتعود [157] سرعة الانعطاف والطاعة لراكبها في الحرب، فهذا والله هو الذى يبعثنى على اللعب بالكرة».
وحمل إليه من مصر عمامة من القصب الرفيع مذهبة، فلم يحضرها عنده، فوصفت له، فلم يلتفت إليها، وبينما هم معه في حديثها إذ قد جاءه رجل صوفى، فأمر بها له، فقيل له:«إنها لا تصلح لهذا الرجل، ولو أعطى غيرها كان أنفع له (1)» ، فقال: أعطوها له، فإنى أرجو أن أعوض عنها في الآخرة»، فسلمت إليه، فسار بها إلى بغداد، فأباعها بستمائة دينار مصرية (2)، أو سبعمائة دينار (3).
وأما (4) عدله فذكر أنه كان بدمشق يلعب بالكرة فرأى إنسانا يحدّث آخر ويشير بيده (5) إليه، فأرسل إليه وسأله عن حاله، فقال:«لى مع الملك العادل حكومة، هذا غلام القاضى ليحضره إلى مجلس الحكم يحاكمنى على الملك الفلانى» ،
(1) كذا في الاصل، وفى الروضتين، وفى س:«كان أصوب» .
(2)
كذا في الاصل، وفى س؛ وفى الروضتين:«أميرى» .
(3)
وقد عقب صاحب الروضتين (ص 6) على هذا الخبر بقوله: «قلت: قرأت في حاشية هذا المكان من كتاب ابن الأثير بخط ابن المعطى إياها، قال أعطاها لشيخ الصوفية عماد الدين أبى الفتح ابن حموية بغير طلب ولا رغبة، فبعثها إلى همذان فبيعت بألف دينار» . انظر أيضا: (مرآة الزمان، ص 308).
(4)
روى صاحب الروضتين (ص 7) هذا الخبر وغيره منسوبا إلى ابن الأثير، وقد رجعنا إلى تاريخه الكامل فلم تجد هذه الأخبار به، والمرجح أنها نقلت عن كتاب آخر لابن الأثير عن نور الدين ودولته عنوانه «الباهر» فقد قال ابن الأثير عند ترجمته لنور الدين في الكامل:«وقد طالعت سير الملوك المتقدمين فلم أر فيها بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز أحسن من سيرته، ولا أكثر تحريا منه للعدل، وقد أتينا على كثير من ذلك في كتاب (الباهر) من أخبار دولتهم، ولنذكرها هنا نبذة لعل يقف عليها من له حكم فيقتدى به. . . إلخ» . والذى أرجحه أن (الباهر) عنوان آخر لكتاب ابن الأثير المعروف «تاريخ أتابكة الموصل» .
(5)
كذا في الأصل، وفى س «به» ، والتصحيح عن (الروضتين).
فعاد إليه، ولم يتجاسر يعرّفه ما قال ذلك الرجل، وكتمه ذلك الأمر، فلم يقبل منه [نور الدين] غير الحق، فذكر له قوله، فألقى الجوكان (1) من يده، وخرج من الميدان، وسار إلى القاضى، وهو إذ ذاك كمال الدين بن الشهرزورى، وأرسل [نور الدين] إلى القاضى يقول له:«إنى قد جئت محاكما، فاسلك معى مثل ما تسلكه مع غيرى» ، فلما حضر ساوى خصمه وحاكمه، فلم يثبت عليه حق، وثبت الملك لنور الدين، فقال نور الدين حينئذ للقاضى ولمن معه:«هل ثبت له عندى حق؟» . فقالوا: «لا» ، قال:«اشهدوا أنى قد أوهبته هذا الملك الذى حاكمنى عليه، وهو له دونى، وقد كنت أعلم أنه لاحق له عندى، وإنما حضرت معه لئلا يظن أنى ظلمته، فحين ظهر أن الحق لى وهبته له» .
وذكر (2) أنه دخل يوما إلى خزانة بيت المال، فرأى فيها مالا أنكره، فسأل عنه، فقيل: إن القاضى كمال الدين أرسله، وهو من جهة كذا، فقال:«إن هذا المال ليس لنا ولا لبيت المال في هذه الجهة شىء» ، وأمر بردّه وإعادته إلى كمال الدين ليردّه إلى صاحبه، فأرسله متولى الخزانة إلى كمال الدين، فردّه إلى الخزانة، وقال:«إذا سألك الملك العادل عنه فقل (3) له عنى إنه له» ، فدخل نور الدين إلى الخزانة مرة أخرى، فرآه، فأنكره على النّواب (4)، وقال: «ألم أقل
(1) الجوكان كلمة فارسية معناها المحجن أو العصا أو الصولجان الذى تضرب به الكرة في اللعبة التي كانت تعرف باسم «الكرة والصوالجة» والتي تعرف الآن باسم «البولو Polo» ؛ وكانت الجوكان عصى مدهونة طولها نحو من أربعة أذرع، وبرأسها خشبة مخروطة معقوفة تزيد نصف ذراع. وكان حامل الجوكان للسلطان يسمى «الجوكندار». أنظر:(أحمد تيمور باشا: لعب العرب، ص 55) و (صبح الأعشى، ج 5 ص، 458) و (المقريزى: السلوك، ج 1، ص 435، هامش 1) و (Dozy Supp .Dict .Arab) .
(2)
هذا الخبر يرويه أبو شامة في (الروضتين، ص 7) أيضا عن ابن الأثير، ولا وجود له في الكامل.
(3)
في الأصل: «فقول» .
(4)
كذا في الأصل، وفى الروضتين، وفى س:«على متولى الخزانة» .
لكم إن المال [158] يعاد إلى أصحابه؟ فذكروا له قول كمال الدين، فرده إليه، وقال للرسول:«قل لكمال الدين: أنت تقدر على حمل هذا، وأما أنا فرقبتى رقيقة لا أطيق حمله والمخاصمة عليه بين يدى الله تعالى؛ يعاد، قولا واحدا» . فأعاده (1).
ونور الدين رحمه الله أول من بنى دار الكشف، وسماها دار العدل، وكان سبب بنائها أنه لما طال مقامه بدمشق، وأقام [بها](2) أمراؤه - وفيهم أسد الدين شيركوه بن شاذى، وكان قد عظم شأنه حتى صار كأنه شريك له في الملك -، فاقتنوا الأملاك، وأكثروا، وتعدى كل واحد منهم على من يجاوره في قرية أو غيرها، فكثرت الشكاوى إلى القاضى كمال الدين، فأنصف بعضهم من بعض، ولم يقدم (3) على الإنصاف من أسد الدين شيركوه، فأنهى الحال إلى نور الدين، فأمر حينئذ ببناء دار العدل، فلما سمع أسد الدين بذلك أحضر نوابه جميعهم، وقال:«اعلموا أن نور الدين ما أمر ببناء هذه الدار إلا بسببى وحدى، وإلا من هو الذى يمتنع على كمال الدين؟ والله لئن أحضرت إلى دار العدل بسبب أحدكم لا صلبنّه؛ فامضوا إلى من كان بينكم وبينه منازعة في ملك (4)، فانصلوا الحال معه وأرضوه بأى شىء أمكن، ولو أتى ذلك على جميع ما أملك» ، فقالوا له:«إن الناس إذا علموا بهذا اشتطوا في الطلب» ، فقال:«خروج أملاكى عن يدى أسهل علىّ من أن برانى نور الدين بعين أنى ظالم، ويساوى بينى وبين آحاد العامة في الحكومة» ، فخرج أصحابه من عنده وفعلوا ما أمرهم، وأرضوا خصمائهم، وأشهدوا عليهم.
(1) كذا في الأصل، وفى الروضتين، وفى س (51 ب):«فأعاده إلى القاضى، فرده القاضى على من أخذ منه» .
(2)
ما بين الحاصرتين عن س و (الروضتين، ج 1، ص 8)، وقد ذكر صاحب الروضتين أنه نقل هذا الخبر عن ابن الاثير.
(3)
كذا في الأصل، وفى الروضتين، وفى س:«يقدر» .
(4)
في الاصل: «ذلك» وما هنا صيغة س (51 ب)، والروضتين.
فلما فرغت دار العدل جلس نور الدين فيها لفصل [الحكومات و](1) الخصومات، وكان يجلس في الأسبوع يومين (2) وعند القاضى والفقهاء، وبقى كذلك مدة فلم يحضر أحد يشكو من أسد الدين، (3) فقال نور الدين لكمال الدين:«مالى لا أرى أحدا يشكو من شيركوه؟» فعرّفه الحال (3)، فسجد شكرا لله تعالى، وقال:«الحمد لله الذى جعل أصحابنا ينصفون من أنفسهم قبل حضورهم عندنا» .
وحكى (4) معين الدين محمد بن أحمد بن خالد بن محمد بن القيسرانى، قال: «انكسر على ضامن (5) دار الزكاة [159] مال جم، وكان الضامن المذكور يعرف بابن شمام (6) المحالى، فحبس، فباع ما كان يملكه من عقار بما مبلغه ثمانية آلاف دينار صورية (7)، وحمله إلى الخزانة، وبقى في الحبس مطالبا بما بقى عليه.
(1) في الأصل: «لفصل الخصومات» ، وفى الروضتين «لفصل الحكومات» وما هنا صيغة س.
(2)
النص في: (سبط ابن الجوزى: مرآة الزمان، ج 8، ق 1): «فكان نور الدين يقعد في دار العدل في كل أسبوع أربعة أيام أو خمسة، ويحضر عنده العلماء والفقهاء، ويأمر بازالة الحاجب والبواب، ويوصل إليه الشيخ الضعيف والعجوز الكبيرة، ويسأل الفقهاء عما أشكل عليه» .
(3)
ما بين الرقمين ساقط من س، وإنما اختصره بقوله:«فعلم الحال، فسجد شكرا. . . الخ» .
(4)
أوجز صاحب الروضتين (ج 1، ص 11) هذه القصة في كلمات قليلة جدا، قال:«ورأى له وزيره موفق الدين خالد بن القيسرانى الشاعر في منامه أنه يغسل ثيابه، وقص ذلك عليه ففكر ساعة، ثم أمره بكتابة إسقاط المكوس، وقال: هذا تفسير منامك» . وهذا مثل يجعل لمفرج الكروب مكانة خاصة لما يرويه من أخبار مفصلة عن مراجع سابقة لم تصلنا، وقد أهملت المراجع المطبوعة ذكر هذه الأخبار أو نقلتها باختصار لا يفيد الباحث كثيرا.
(5)
انظر التعريف بوظيفة الضامن في: (ابن مماتى: قوانين الدواوين، طبعة الوطن، ص 10).
(6)
في س: (52 ا)«سمام» .
(7)
لعل المقصود بالدينار الصورية: الدينار المصورة، وقد عرفها (القلقشندى: صبح الأعشى، ج 3، ص 437) بأنها دنانير يؤتى بها من البلاد الافرنجية والروم، وهى دنانير مشخصة على أحد وجهيها صورة الملك الذى تضرب في زمنه، وعلى الوجه الآخر صورتا بطرس وبولس الحواريين، ويعبر عنها أيضا: بالافرنتية - جمع إفرنتى -، وربما قيل «إفرنجة» .
قال [معين الدين](1): وكان جدى خالد بن محمد قريب المنزلة من نور الدين إلى الغاية، وإليه استيفاء دوواينه بأسرها، وكتابة الإنشاء، وإمرة مجلسه (2)، وهو المشير والوزير، والأمور كلها عائدة إليه، فاتفق أنه حضر بين يدى نور الدين رحمه الله يوما بدمشق، وقال: يا مولانا، رأيت البارحة في نومى كأن المولى قد نزع ثيابه ودفعها إلىّ، وقال: اغسلها، فأخذتها وغسلتها، قال: فأطرق (3) طويلا، ولم يرفع رأسه إلىّ، فندمت على ما قلت، وخفت أن يكون قد تطيّر منى، وتوهم من منامى، فخرجت من بين يديه وأنا كئيب ضيّق الصدر؛ فبقيت بعد ذلك ثمانية أيام لا يطلبنى ولا يسأل عنى، فساء [عند ذلك](4) ظنى، وفرح من كان يحسدنى، وظن العدو أنه قد ظفر بى؛ فدخل على نور الدين رجل من خواصه يعرف بالشيخ إسماعيل المكبس (5)، وكان نور الدين يحبه ويقربه كثيرا، فقال: يا مولانا، قد حضر من زاد في دار الزكاة خمسة آلاف دينار في السنة، فانتهره، وقال: قد أصبحت على سجادتى بعد أداء فريضتى أذكر الله تعالى، واستفتحت أنت النهار تبشرنى بزيادة مكس؛ فوجم الشيخ إسماعيل وبقى ساكنا، ثم قال: اطلبوا لى خالدا، قال: فحضرت لديه (6)، فالتفت إلىّ متبسما، وقال لى: قد تفسّر منامك؛ فقلت بخير إن شاء الله، فقال [هو خير (7)] لا تظن تركى لك وعدم استحضارى إياك في هذه الأيام لموجدة عليك أو لوهم حصل عندى من منامك، بل كنت مفكرا في المنام حتى فتح الله سبحانه وتعالى علىّ بتأويله، اعلم أن غسل
(1) ما بين الحاصرتين عن س.
(2)
في س: «وأمره بمجلس نور الدين نافذ» .
(3)
س: «فأطرق نور الدين ساعة لما سمع هذا المنام ساعة طويلة» .
(4)
ما بين الحاصرتين عن س (152 ا).
(5)
في س: «الملبس» .
(6)
في س (52 ب): «فحضرت بين يديه وأنا خايفا» .
(7)
ما بين الحاصرتين عن س (52 ا).
الثياب غسل أوساخ الذنوب، ولا ذنب أوسخ (1) من تناول أموال المكوس، فلا تترك من يومنا هذا في بلد من بلادى مكسا ولا درهما تعلم أنه يؤخذ بغير حق إلا أسقطته، واكتب بذلك تواقيع تكون مخلدة في البلاد المذكورة، والتفت إلى الشيخ إسماعيل وقال له: مر أطاق ابن شمام المحالى من محبسه، ومر (2) بإعادة كل ما أخذ منه إليه واسترجاع أملاكه، [ففعل ذلك (3)] ولما عرف ابن شمام المحالى بذلك [160] اقترح بأن يجعل الذهب الذى أخذ منه في أطباق ويزفّ بالطبول والبوقات والمغنيين في الأسواق، ليعلم الناس كلهم ذلك، وقيل ذلك لنور الدين فأجابه إلى ملتمسه، وأن يخلع عليه؛ فلبس الخلعة، وزفّ المال بين يديه على ما اقترح.
قال معين الدين: وكتب جدى خالد بذلك تواقيع، وجهزها إلى البلاد، ونسختها كلها:
بسم الله الرحمن الرحيم
«الحمد لله فاتح أبواب الخيرات بعد إغلاقها، وناهج سبل النجاة لطلاّبها وطرّاقها، وفارج الكربات بعد ارتاجها (4) وإطباقها، الذى منح أولياءه التوفيق وأوضح لهم دليله، ونصر أهل الحق وأعان قبيله، نحمده على جزيل مواهبه وجليل رغائبه، وبالغ هدايته وسابغ وقايته، ونسأله أن يصلى على سيدنا محمد الذى أوضح الطرايق، وفرج المضايق، وأنجب (5) المحجة، وأوجب الحجة، وخفّف الله ببعثه كل إصر، وجعل أمته خير أمة وعصره خير عصر، وعلى آله الأكرمين ما أسفر بدر وأنار فجر.
(1) س: «أقبح» .
(2)
س: «وأمر» .
(3)
ما بين الحاصرتين عن س.
(4)
في الأصل: «ارتجاجها» ، وما هنا صيغة س.
(5)
س: «وأوضح» .
وبعد، فقد اتضح على الأفهام، وصح عند الخاص والعام، ما نغاديه ونراوحه، ونماسيه ونصابحه، ونشتغل به عامة أوقاتنا، ونعمل فيه رويتنا وأفكارنا، ونستنقذ بالاهتمام به ساعاتنا ولحظاتنا من الاجتهاد في إحياء سنة حسنة (1)، يكون لنا أجرها وأجر من عمل بها، وإماتة سنة سيئة نخلص من عظيم وزرها ووخيم خزيها، وإزالة مظلمة مظلمة وطّد الجور أساسها، ومحو سيرة مؤلمة أبرم الحيف أمر اسمها، ليعم الرعايا لباس (2) الفضل والامتنان، ويفيض على البرايا سجال العدل والإحسان، ليصبحوا من حياض الأمن دارعين (3)، وفى رياض الدعة وادعين، لا يجدون للنعم عندهم تبديلا ولا تغييرا، ولا يرون لصافى شربهم تصريدا ولا تكديرا ولا يظلمون نقيرا، فما يسفر صبح، ولا يعتكر جنح، إلا ولله علينا نعمة لا نستطيع الإحاطة بشكرها، ولا نطيق قدرها لحق قدرها، فيما يوفقنا له من فعل الخيرات، ويلهمنا إياه من إزالة المنكرات، ويهدينا إليه من الأعمال الصالحات، وينقذنا به من الموارد المهلكات، ويوضحه لنا من الطريق إلى رضاه (4)، ويبعثنا (5) به على الجد في عبادته [161] وتقاه، فالحمد لله الذى هدانا لهذا وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله.
وقد علمتم معاشر الرعايا - وفقكم الله ورعاكم - ما كان مرتبا من المظالم المجحفة بأحوالكم، والمكوس المستولية على شطر أموالكم، والرسوم المضيّقة عليكم في أرزاقكم، والمؤن التي (6) تساهمكم في منافع أملاككم، واستمرار ذلك عليكم
(1) هذا اللفظ ساقط من س.
(2)
س: «بالناس» .
(3)
س: «كارعين» .
(4)
س: «لنا إلى طريق ضارة» .
(5)
س: «ويعيننا به على عبادته ونعماه» .
(6)
س: (53 ب): «الذى» .
إلى أن فوّض الله عز وجل إلينا تدبير أموالكم (1)، واسترعانا على كبيركم وصغيركم، فأمرنا بإزالة ذلك عنكم أولا فأولا، ولم نبتغ في إقراره على وجوهه شبهة ولا تأولا (2)، وقد كان بقى من رسوم الظلم ومعالم الجور في سائر الأعمال بولايتنا ما أمرنا بإزالته الآن، وأضفنا ذلك إلى ما كنا أسقطناه أولا (3)، رأفة بكم ولطفا، وتخففا عليكم وعطفا، الآن خفّف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا؛ وسنذكر ما أزلناه من المظالم والمكوس أولا وآخرا (3) من سائر أعمال ولايتنا - عمّرها الله - في هذا السجل من الديوان».
قال: ثم كتب بقلم دقيق ما صورته:
«ذكر ما أطلق من الرسوم والمؤن والمكوس والضرائب في سائر أعمال الولاية المحروسة - عمّرها الله - شاميها وجزيرتها في تواريخ متقدمة (3) وفى تاريخ هذا السجل؛ ورسم إطلاق ذلك كله، وتعفية آثاره، وإخماد ناره.
ومبلغ ما يحصل من ذلك كل سنة: خمسمائة ألف وستة وثمانون ألفا وأربعمائة وسبعون دينارا نقدا، الشام، فمن ذلك:
دمشق - بتواريخ متقدمة [ما هى في هذا الإطلاق (4)]: مائتا ألف، وعشرون ألفا، وخمسمائة وثلاثة وثمانون دينارا.
دمشق - في تاريخ هذا الكتاب -: خمسون ألفا، وسبعمائة وثلاثون دينارا.
(1) س: «أموركم» .
(2)
في الأصل: «تأويلا» وما هنا عن س.
(3)
لهذا السجل أهمية بالغة إذ لم أجد له ذكرا في المراجع المعاصرة الأخرى، وقد تضمن بيانا تفصيليا هاما بالمكوس التي أسقطها نور الدين في سنوات حكمه المختلفة، وقد وردت في الروضتين إشارات متعددة لحركة إسقاط المكوس سنة بعد أخرى في عهد نور الدين، انظر:(الروضتين، ج 1، ص 11، 15، 16).
(4)
ما بين الحاصرتين عن س (53 ب).
تدمر: (1) خمسمائة دينار.
صرخد: سبعمائة وخمسون دينارا.
القريتان (2) والسخنة: خمسمائة دينار.
بانياس: ألف ومائتا دينار.
بعلبك وأعمالها: ستة آلاف وتسعمائة (3) وعشرون دينارا.
حمص وأعمالها: ستة وعشرون ألفا وأربعمائة وعشرون دينارا.
حماة وأعمالها: ستة وعشرون ألفا، واثنان وتسعون (4) دينارا.
حلب وأعمالها: ستة وتسعون ألفا، ومائة (5) وستة وثمانون دينارا (6).
سرمين (7): ألفان، وثلاثمائة وستون دينارا (6).
معرّة النعمان: سبعة آلاف دينار.
[162]
كفرطاب (8): ألفا دينار.
(1) هكذا ضبطها (ياقوت: معجم البلدان) وقال إنها مدينة قديمة مشهورة في برية الشام بينها وبين حلب خمسة أيام.
(2)
قال (ياقوت) هى قرية كبيرة من أعمال حمص في طرف البرية، بينها وبين سخنة وأرك، وبينها وبين تدمر مرحلتان.
(3)
س: «سبعماية» .
(4)
س: «وسبعون» .
(5)
س: «ومايتى» .
(6)
في الأصل: «دينار» .
(7)
هكذا ضبطها (ياقوت) ولم يعرفها بأكثر من قوله: هى بلدة مشهورة من أعمال حلب.
(8)
بلدة بين المعرة ومدينة حلب (ياقوت).
عزاز (1): ستة آلاف، وخمسمائة دينار.
تل باشر (2): ألف وخمسمائة دينار.
عين تاب: تسعة وثمانون دينار.
بالس (3): أربعة آلاف دينار.
منبج (4) وأعمالها: ثمانية عشر ألفا، وخمسمائة وستة وستون دينارا (5).
بزاعة (6) والباب: ثلاثة آلاف دينار.
قلعة نجم (7): ثلاثمائة دينار.
قلعة جعبر (8): سبعة آلاف، وستمائة وستة وتسعون (9) دينارا.
الرقّة: ستة وعشرون ألفا، وسبعمائة وثلاثة وستون دينارا.
الرّها: ثمانية آلاف، وخمسمائة دينار.
(1) انظر ما فات هنا، ص 40، هامش 2
(2)
انظر ما فات هنا، ص 43، هامش 1
(3)
عرفها (ياقوت: معجم البلدان) بقوله: «هى بلدة بالشام بين حلب والرقة، كانت على ضفة الفرات الغربية، فلم يزل الفرات يشرق عنها قليلا قليلا حتى صار بينهما في أيامنا هذه اربعة أميال» .
(4)
انظر ما فات هنا، ص 153 هامش 2
(5)
في الأصل: «دينار» .
(6)
انظر ما فات هنا ص 155 هامش 1
(7)
عرفها (ياقوت) بأنها قلعة حصينة مطلة على الفرات على جبل تحتها ربض عامر، وعندها جسر يعبر عليه، وهى المعروفة بجسر منبج، ويعبر على هذا الجسر القوافل من حران إلى الشام وبينها وبين منبج أربعة فراسخ.
(8)
انظر ما فات هنا، ص 17، هامش 5
(9)
س: (54 ا): «وسبعون» .
حرّان: ستة عشر (1) ألف، وستمائة واحد وسبعون دينارا.
سنجار (2): سبعة آلاف، وثمانية دنانير.
الموصل وأعمالها: ثمانية وثلاثون ألفا، ومائة وستة وأربعون (3) دينارا.
نصيبين: عشرة آلاف، وأربعمائة وستة (4) وثمانون دينارا.
عربان (5): خمسة آلاف وسبعمائة دينار.
بطنان (6) - من أعمال الخابور (7) -: مائتان وخمسون دينارا.
تبنين (8) والارسل (9): سبعمائة وخمسون دينارا.
السمسمانية (9) - من أعمال الخابور -: ألف دينار.
(1) س: «ستة آلاف» .
(2)
انظر ما فات هنا، ص 118، هامش 1.
(3)
س: «الموصل وأعمالها: ثلاثون ألف دينار، وستة وأربعون دينارا» .
(4)
س: «وأربعماية وثمانون دينار» .
(5)
في الأصل: «عرابان» ، وهذا الرسم والضبط عن (ياقوت) حيث عرفها بأنها بليدة بالخابور من أرض الجزيرة.
(6)
في الأصل: «بطانات» ، وهذا الرسم والضبط عن (ياقوت) حيث قال إنه اسم واد بين منبج وحلب وبينه وبين كل واحد من البلدين مرحلة خفيفة، فيه أنهار جارية وقرى متصلة، قصبتها بزاعة.
(7)
الخابور كما ورد في (ياقوت: معجم البلدان) اسم لنهر كبير بين رأس عين والفرات من أرض الجزيرة، ولاية واسعة وبلدان جمة غلب عليها اسمه، فنسبت إليه، من بلاد: قرقيسياء، وماكسين، والمجدل، وعربان.
(8)
في الأصل: «تنينين» ؛ والتصحيح عن (ياقوت) حيث ذكر أنها بلدة في جبال بنى عامر المطلة على بلد بانياس بين دمشق وصور.
(9)
كذا في الأصل، ولم أجد لها ذكرا عند ياقوت.
قرقيسياء (1): ألفا دينار.
السكير (2): مائتا دينار.
ماكسين (3): خمسة آلاف دينار.
المجدل (4): ثلاثة آلاف وخمسة دنانير.
الحصين (5) - بالخابور -: ستمائة وخمسة وثلاثون دينارا.
الجحشيّة (6) - بالخابور -: مائة (7) دينار.
المحولية (8) - بالخابور -: مائة وثلاثة وستون دينارا.
الرّحبة (9): ستة عشر ألفا، وسبعمائة (10) وأربعون دينارا.
[وغير ذلك ما عينّاه خوفا من الإطالة (11)]».
(1) ضبطت بعد مراجعة (ياقوت) حيث ذكر أنها بلد على نهر الخابور قرب رحبة مالك ابن طوق على ستة فراسخ، وعندها مصب الخابور في الفرات، فهى في مثلث بين الخابور والفرات.
(2)
اسمها عند (ياقوت: معجم البلدان): «سكير العباس» ، وهى بليدة صغيرة بالخابور فيها منير وسوق.
(3)
أنظر ما فات هنا، ص 118، هامش 2
(4)
أنظر الصفحه السابقة، هامش 7
(5)
هكذا ضبطها (ياقوت): وقال إنها بليدة على نهر الخابور، ولم يزد.
(6)
هكذا ضبطها (ياقوت) وقال إنها قرية كبيرة كالمدينه من قرى الخابور، بينها وبين المجدل نحو أربعة أميال.
(7)
س: «مايتا» .
(8)
كذا في الأصل، ولم يذكرها (ياقوت).
(9)
ذكر (ياقوت) أن هذا اللفظ يطلق على أكثر من مكان ذكرها جميعا في معجمه، ويتضح من وصفه أن الرحبة المذكورة هنا هى رحبة مالك بن طوق، وقد حدد موقعها بقوله: بينها وبين دمشق ثمانية أيام، ومن حلب خمسة أيام، وإلى بغداد مائة فرسخ. والى الرقة نيف وعشرون فرسخا، وهى بين الرقة وبغداد على شاطىء الفرات، أسفل من قرقيسيا.
(10)
س: «وتسعماية» .
(11)
ما بين الحاصرتين عن: س (354 ا)
ثم كتب بعد ذلك بالقلم الجافى:
«تحقيقا للحق، وتمحيقا للباطل، ونشرا للعدل، وتقديما للصلاح الشامل، وإيثارا للثواب الآجل على الحطام العاجل، وتأميلا لحسن الخلف من الله الكافى الكامل، وتخليصا للذمة من درك المظالم، وتنزيها للنفس من درن المآثم، واستعفاء من تحمل الأوزار، واستغناء بما أولاه الله من سابغ المدرار (1)، وشكرا لما أولاه من الفضل الجسيم والمنح العميم، وهداية إلى الصراط المستقيم، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
فاعلموا رعاكم الله ما أمرناه، واسكنوا إلى ما قرّرناه، واشكروا الله على ما سهّله وسنّاه، وأجز له من فضله وأسناه، [163] وأيقنوا أن ذلك [الإنعام](2) العام مستمر على الدهور، وباق إلى يوم النشور، «و {كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاُشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (3)}» ، وسبيل كل واقف على هذا المثال من الولاة والنواب والأصحاب والأعمال (4) والعمال - أعزّهم الله - حذف ذلك كله، وتعفيّة رسومه، ومحو آثاره، ودحض أوزاره، وإزالة أوضاره، وصون جمال الدولة عن شين عاره، وإطلاقه على الإطلاق من غير تبديل يحل عقده، ولا فسخ يكدر ورده، {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (5)} ».
والتوقيع الأعلى: «حجّة لمضمونه ومقتضاه، وليمتثل الأمر فيه إن شاء الله.
(1) س (54 ب): «سابغ الادرار والمدبار» .
(2)
ما بين الحاصرتين عن س.
(3)
السورة 34 (سبأ)، الآية 15 (ك).
(4)
هذا اللفظ ساقط من س.
(5)
السورة 2 (البقرة)، الآية 181 (م).
وكتب بالمشافهة الكريمة - شرفها الله تعالى - في مستهل شهر الله الأحب، رجب سنة سبع وستين وخمسمائة».
قال معين الدين رحمه الله: «وكل بلد من البلاد المذكورة فصّل في التوقيع جهات ما أطلق من مكوسه (1)، ولكننى اقتصرت على ذكر الجمل طلبا للاختصار» .
وأما (2) شجاعته وبسالته: فكان من أقوى الناس بدنا وقلبا ورأيا ومكيدة؛ وذكر أنه لم ير على ظهر فرس أشد منه، كأنما خلق عليه، لا يتحرك ولا يتزلزل، وكان من أحسن الناس لعبا بالكرة، يجرى الفرس ويتناولها بيده في الهواء ويرميها إلى آخر الميدان، وكانت يده لا ترى والجوكان (3) فيها، بل تكون في كم قبائه (4)، استهانة باللعب، وكان إذا حضر الحرب أخذ قوسين وتركشين (5)
(1) حبذا لو كان معين الدين هذا قد أورد تفاصيل المكوس التي ألغيت ولم يكتف بالجمل، فانه كان يقدم للباحثين وثيقة من أندر وأقيم الوثائق لدراسة هذا النوع من الضرائب في الشام قبل عصر نور الدين.
(2)
وردت أخبار شجاعته أيضا في: (الروضتين، ج 1، ص 8 وما بعدها) مع اختلاف يسير، تقديما أو تأخيرا، إيجازا أو إطنابا؛ وفى (سبط ابن الجوزى: مرآة الزمان، ج 8، ق ا، ص 309 - 310).
(3)
أنظر ما فات ص 267، هامش 1.
(4)
جاء في (محيط المحيط) أن القباء ثوب يلبس فوق الثياب، وقيل يلبس فوق القميص، ويتمنطق عليه، جمعه أقبية؛ والقباء المقدار، وقد كان فخر الدين بن شيخ الشيوخ - أحد كبار رجال الدولة في عهد الملكين الكامل والصالح الأيوبيين - أول من ترك لبس العمامة ولبس الشربوش والقباء. انظر أيضا:(المقريزى: السلوك، ج ا، ص 261) و (المقريزى: نحل عبر النحل، نشر الشيال، ص 85 هامش 5).
(5)
كذا في الأصل، وهى في س (55 ا):«تركاشين» ، والرسمان صحيحان:«تركش» و «تركاش» ، والجمع «تراكيش». والتركش لفظ فارسى معناه الجعبة أو الكنانة التي توضع فيها النشاب أو القسى. انظر (Dozy : Supp .Dict .Arab) و (المقريزى: السلوك، تعليقات الدكتور زيادة، ج 1، س 371). ويقال أيضا «جنود متركشة» أي يحملون جعبات النشاب.
يباشر القتال بنفسه، فكان يقول:«طالما تعرّضت للشهادة فلم أدركها» ؛ وسمعه الفقيه قطب الدين النيسابورى يقول ذلك، فقال له:«بالله لا تخاطر بنفسك وبالإسلام والمسلمين، فإنك عمادهم، ولئن أصبت والعياذ بالله في معركة، لا يبقى من المسلمين أحد إلا أخذه السيف، وأخذت البلاد والإسلام» . فقال له: «يا قطب الدين، ومن محمود حتى يقال له هذا؟ قبلى من حفظ البلاد والإسلام؟ ذلك الله الذى لا إله إلا هو» .
ومن آرائه الحسنة ما كان يعتمده في أمر أجناده؛ فإنه كان إذا توفى أحدهم وخلّف ولدا ذكرا أقرّ الإقطاع عليه، فإن كان الولد كبيرا استبد بنفسه، وإن كان صغيرا رتّب معه رجلا عاقلا يثق إليه، فيتولى أمره إلى أن يكبر، فكان الأجناد يقولون:[164]«هذه أملاكنا يرثها الولد عن الوالد، فنحن نقاتل عليها» ، وكان ذلك من أعظم الأسباب لصبر الجند في المشاهد والحروب بين يديه؛ وكان أيضا يثبت أسماء أجناد كل أمير في ديوانهم: دوابهم وسلاحهم خوفا من حرص بعض الأمراء وشحه أن يحمله ذلك على أن يقتصر على بعض ما هو مقرر عليه من العدد، وكان يقول:«نحن كل وقت في النفير، فإذا لم يكن أجناد كافة الأمراء كاملى العدد دخل الوهن على الإسلام» (1).
(2)
وأما صدقاته ومعروفه وإحسانه فذكر عماد الدين الكاتب، قال:«حسبنا ما تصدق به على الفقراء في شهر فزاد على ثلاثين ألف دينار» ؛ وكانت عادته في الصدقة أن يحضر جماعة من أماثل البلد من كل محلة ويسألهم عمن يعرفون في جوارهم
(1) هذا نص هام وقيم لدراسة نظام الاقطاع ونظام الجيش في دولة الأتابكة بوجه عام، وفى دولة نور الدين بوجه خاص.
(2)
وردت أخبار صدقاته وإحسانه في: (الروضتين، ج 1، ص 11) نقلا عن العماد الكاتب وابن الأثير؛ وفى (سبط ابن الجوزى، المرجع السابق، ص 312).
من أهل الحاجة، ثم يصرف إليهم صدقاتهم، وكان برسم نفقته الخاصة (1) في كل شهر من جزية أهل الذمة مبلغ ألفى قرطاس مصرية (2) في كسوته ونفقته وحوائجه المهمة، حتى أجرة خياطه، وجامكية طباخه، ويستفضل منه ما يتصدق به في آخر الشهر.
وأما ما كان يهدى إليه من هدايا الملوك وغيرهم، فإنه كان لا يتصرف في شىء منه لا قليل ولا كثير، بل كان إذا اجتمع منه شىء يصرفه، ويخرجه إلى مجلس القاضى، فيحصل ثمنه (3)، ويصرف في عمارة المساجد المهجورة؛ وتقدم بإحصاء ما في محال دمشق من المساجد [الخراب](4) فأناف على مائة مسجد، فأمر بعمارة ذلك كله، وعيّن له وقوفا، ولما أسقط نور الدين الجهات المحظورة (5) والمكوس - غير السجن - وقال لكمال الدين القاضى:«انظر أنت في ذلك، فاحمل أمور الناس فيها على الشريعة» ؛ ولم يكون نور الدين يحاسب القاضى كمال الدين على شىء من الوقوف، ويقول:«أنا قد قلّدته أن يتصرف فيها بما يجب، ثم ما فضل من مصارفها وشروط واقفيها يصرف في بناء الأسوار وحفظ الثغور» .
وبنى (6) رحمه الله أسوار بلاده جميعها وقلاعها، فمنها: حلب، وحماة، وحمص، ودمشق، وبارين، وشيزر، ومنبج، وغيرها من القلاع والحصون، وحصّنها
(1) في الأصل: «نفقة الخاص» والتصحيح عن (مرآة الزمان ج 8، ق ا، ص 312)
(2)
هذا اللفظ غير موجود في س ولا في الروضتين.
(3)
س (55 ب): «فيبيعه ويحصل ثمنه» .
(4)
ما بين الحاصرتين عن س، وفى (الروضتين، ج 1، ص 11) و (مرآة الزمان، ج 8، ق 1، ص 312): «المساجد المهجورة» .
(5)
في الأصل، وفى س:«المحضورة» وما هنا عن الروضتين.
(6)
أخبار ما بناه من الحصون والقلاع واردة في: (الروضتين، ج 1، ص 9 - 10) نقلا عن ابن الأثير.
وأحكم بناها، وأخرج عليها الأموال [165] الجليلة، وبنى المدارس الجليلة للحنفية والشافعية، فمن ذلك:
المدرسة النورية (1) بدمشق التي فيها قبره (2).
وكذلك بحلب (3) ويحمص (4)، وبحماة (5) له مدرستان: إحداهما للحنفية، والأخرى للشافعية.
وبنى الجوامع في أكثر البلاد. فجامعه بالموصل (6) في نهاية الحسن والاتقان.
(1) ذكر (النعيمى: الدارس في تاريخ المدارس، ج 1، ص 606) هذه المدرسة باسم المدرسة النورية الكبرى تمييزا لها عن مدرسة أخرى أنشأها نور الدين كذلك في دمشق، وتعرف باسم المدرسة النورية الصغرى (ص 648). وذكر النعيمى أن نور الدين بنى المدرسة الكبرى في سنة 563 هـ ثم عقب على ذلك بقوله:«وفيه نظر، إنما أنشأها ولده الملك الصالح إسماعيل، ثم نقله من القلعة بعد فراغها، ودفنه بها» . وقال ناشر الكتاب الأستاذ جعفر الحسنى في تعليقاته إن هذه المدرسة لا تزال عامرة إلى يومنا، وهى في سوق الخياطين، وفيها ضريح نور الدين. انظر أيضا:(محمد كرد على: خطط الشام، ج 6، ص 97) و (Souvaget : Monuments Historiques de Damas . P. 53) .
(2)
وصف (ابن جبير: الرحلة، ص 284) مدرسة نور الدين وقبره وصفا طريفا، قال:«ومن أحسن مدارس الدنيا مدرسة نور الدين رحمه الله، وبها قبره - نوره الله - وهى قصر من القصور الأنيقة ينصب فيها الماء في شاذروان وسط نهر عظيم ثم يمتد الماء في ساقية مستطيلة إلى أن يقع في صهريج كبير وسط الدار، فتحار الأبصار في حسن ذلك المنظر، فكل من يبصره يجدد الدعاء لنور الدين رحمه الله» .
(3)
كانت مدرسته في حلب تعرف كذلك باسم «النورية بناها سنة 544 هـ (كرد على: خطط الشام، ج 6، ص 105) وأنظر أيضا: (ابن جبير: الرحلة، ص 253).
(4)
ذكر (ابن جبير: الرحلة، ص 258) أنه لم يكن بحمص أثناء زيارته لها غير مدرسة واحدة فلعلها هذه.
(5)
انظر (ابن جبير: الرحلة، ص 257) و (كرد على. خطط الشام، ج 6، ص 127).
(6)
قال (ابن جبير، ص 235) عند كلامه عن الموصل: «وللمدينة جامعان، احدهما جديد، والآخر من عهد بنى أمية» .
وبنى الجامع (1) الذى على شط العاصى بحماة - وهو جامع حسن - وإلى جانبه بيمارستان (2) من إنشائه.
وبنى بدمشق وحلب بيمارستانين (3) في غاية الحسن، ووقف عليهما الوقوف الجليلة.
وبنى الربط والخانقات للصوفية في جميع البلاد، وأدرّ عليهم الإدرارات الجليلة الكثيرة، وكان يحضر مشايخ الصوفية ويقربهم ويدنيهم ويتواضع لهم.
وبنى أيضا الخانات في الطرق، فأمن الناس، وحفظت أموالهم، وباتوا في الشتاء في كن من المطر.
وبنى أيضا الأبراج على الطرق بين المسلمين والفرنج، وجعل فيها من يحفظها، ومعهم الطيور الهوادى، فإذا رأوا من العدو أحدا أرسلوا الطيور، فأخذ الناس حذرهم، واحتاطوا لأنفسهم، ولم يبلغ العدو منهم غرضا.
وكان رحمه الله عنده أهل العلم في محل عظيم، وكان يجمعهم عنده للبحث والنظر، واستقدمهم إليه من البلاد الشاسعة، فمن جملة من قدم عليه: الفقيه قطب الدين الشافعى، فبالغ في إكرامه والاحسان إليه، فحسده بعض الأمراء عنده، فنال منه [يوما عند نور الدين](4)، فقال له نور الدين: «يا هذا إن صح ما تقول فله حسنة تغفر له كل زلة تذكرها، وهى العلم والدين، أما أنت وأصحابك، ففيكم أضعاف ما ذكرت، وليست لكم حسنة تغفرها، ولو عقلت (5) لشغلك عيبك
(1) انظر وصف هذا الجامع في (كرد على: خطط الشام، ج 6 ص 61).
(2)
قال (كرد على، ج 6، ص 166) عند كلامه عن هذا المارستان: «وهو الآن شبيه بالمندرس يستعمله بعضهم للسكنى، وذهبت أوقافه إلا قليلا» .
(3)
أنظر وصف البيمارستان النورى بدمشق في المرجع السابق (ص 162)، ووصف البيمارستان النورى بحلب في نفس المرجع (ص 165)
(4)
ما بين الحاصرتين عن الروضتين، وقد أضفناه للايضاح.
(5)
في س: «ولو تثبت» .
عن غيرك، وأنا أحتمل سيئاتكم مع عدم حسناتكم، أفلا تحتمل سيئة هذا إن صحت مع وجود حسنته؟ مع أننى والله لا أصدقك فيما تقول، وإن عدت ذكرته أو غيره بسوء (1) لأوذينك» فكفّ عن أذيته.
وبنى بدمشق دارا للحديث (2)، وأوقف عليها وقوفا كثيرة؛ وهو أول من بنى دارا للحديث فيما سمعنا به.
وبنى في كثير من بلاده مكاتب للأيتام، [166] وأجرى عليهم وعلى معلميهم الجرايات الوافرة.
وبنى مساجد كثيرة، ووقف عليها وعلى من يقرأ [بها](3) القرآن [وقوفا جليلة](4).
وحكى ابن الأثير [في تاريخه الكامل](4): أنه أحصيت أوقاف نور الدين فكانت في كل شهر تسعة (5) آلاف دينار صورية، ليس فيها غير ملك صحيح شرعى باطنا وظاهرا، وأنه وقف ما انتقل إليه [من إرث والده](6) أو وزن ثمنه، أو ما غلب عليه من بلاد الفرنج وصار سهمه.
(7)
وكان مع هذه الفضائل شديد الوقار، عظيم الهيبة، ضابطا لناموس الملك مع أصحابه وأجناده إلى غاية لا مزيد عليها.
(1) هذا اللفظ ساقط من س.
(2)
أنظر أخبار هذه الدار في (النعيمى: الدارس في تاريخ المدارس، ج 1، ص 99 وما يليها).
(3)
ما بين الحاصرتين عن: (الروضتين، ج 1، ص 10)
(4)
ما بين الحاصرتين عن س (56 ب)، وانظر أيضا:(ابن الأثير، الكامل، ج 11، ص 152).
(5)
كذا في الأصل، وفى:(ابن الاثير، نفس الجزء والصفحة)، وفى (الروضتين ص 10)، أما س ففيها:«تسع عشر ألف دينار مصرية» .
(6)
ما بين الحاصرتين عن س، ولا وجود له في ابن الاثير أو في الروضتين.
(7)
وردت أخبار هيبته ووقاره في الروضتين (ص 10) نقلا عن ابن الاثير، ولا وجود لها في الكامل.
وكان إذا جلس لا يجلس أحد إلا بإذن، إلا الأمير نجم الدين أيوب بن شاذى رحمه الله، وأما من عداه كأسد الدين شيركوه، ومجد الدين بن الداية، وغيرهما، فإنهم كانوا يقفون بين يديه إلى أن يتقدم إليهم بالقعود؛ وكان (1) مجلسه - فيما روى - كصفة مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلس حكم وحياء، وهكذا كان مجلسه لا يذكر فيه إلا العلم والدين، وأحوال (2) الصالحين، والمشورة في أمر الجهاد، وقصد بلاد العدو.
ولو أخذنا نعدد ذكر مناقبه (3) ومآثره لطال الكلام واتسع الشرح، وفيما أوردناه من ذلك كفاية.
ولما توفى نور الدين رحمه الله رثاه عماد الدين الكاتب بقوله:
عجبت من الموت كيف اهتدى (4)
…
إلى ملك في سجايا ملك!
وكيف ثوى الفلك المستدير
…
في الأرض، والأرض وسط الفلك؟!
وبقوله:
يا ملكا أيامه لم تزل
…
لفضله فاضلة فاخرة
غاصت بحور الجود مذ غيّبت
…
أنملك القابضة الزاخرة
ملكت دنياك وخلّفتها
…
وسرت حتى تملك الآخرة
(1) وردت في هامش س (56 ب) بخط مخالف لأحد قراء النسخة هذه الجملة: «أخطأ الناقل لهذا اللفظ، فان مجالس الأنبياء أجل وأعظم من أن تشبه بمجالس الملوك» .
(2)
س: «أقوال» .
(3)
توجد ترجمة طويلة وافية لنور الدين في (النعيمى: الدارس في تايخ المدارس، ج 1، ص 606 - 616) وقد اعتمد فيها المؤلف على كثير من المؤرخين السابقين له ومنهم ابن واصل في كتابه هذا مفرج الكروب.
(4)
كذا في الأصل، وفى س، وفى (الروضتين، ج 1، ص 228): «أتى» .
وبقوله من قصيدة:
لفقد الملك العا
…
دل يبكى الملك والعدل
وقد أظلمت الآفاق
…
لا شمس ولا ظلّ
ولما غاب نور الدين
…
عنا أظلم الحفل
[167]
وزال الخصب والخير
…
وزاد الشرّ والمحل
ومات البأس والجود
…
وعاش اليأس والبخل
وعزّ النقص لما ها
…
ن أهل الفضل والفضل
وهل ينفق ذو العلم
…
إذا ما نفق الجهل
وما كان لنور الدين
…
لولا تجله (1) مثل
(1) كذا في الأصل، وفى:(الروضتين، ج 1، ص 231)؛ وفى س (57 ا): «فقده» .