الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر هزيمة نور الدين من الفرنج
وفى سنة ثمانية وخمسين وخمسمائة [82] جمع نور الدين رحمه الله العساكر، فنزل بالبقيعة، تحت حصن الأكراد، عازما على دخول بلادهم، ومنازلة اطرابلس؛ فبينا الناس في بعض الأيام في خيامهم وإذا بصلبان الفرنج وراء الجبل الذى عليه الحصن، فكبسوا المسلمين، ووضعوا فيهم السيف، وأكثروا فيهم القتل والأسر، وقصدوا خيمة نور الدين محمود، فخرج من ظهر خيمته عجلا بغير قباء، فركب فرسا (1) هناك للنوبة، ولسرعته ركبه وفى رجله الشبحة (2)، فنزل إنسان من الأكراد فقطعها، فنجا نور الدين، وقتل الكردى، فسأل نور الدين من بعد ذلك عن مخلفيه فأحسن إليهم جزاء الفعلة.
وكان أكثر القتل في السوقة، وسار نور الدين إلى حمص، فنزل ظاهرها، وأحضر ما يحتاج إليه من الخيام فنصبها على بحيرة قدس، وكان الناس يظنون أنه لا يقف دون حلب، واجتمع إليه كل من نجا من المعركة، وأرسل إلى دمشق، وأحضر الأموال والدواب والأسلحة والخيام وجميع ما يحتاج إليه، وفرّق ذلك على من سلم، ومن قتل أقرّ إقطاعه على أولاده، ومن لم يكن له أولاد فعلى بعض أهله، فعاد العسكر (3) في مدة قريبة كأنه لم يفقد منه أحد؛ فرحمه الله وقدّس روحه، وهكذا فلتكن الملوك.
(1) في الأصل: «فرس» .
(2)
كذا في الأصل، وفى (اللسان):«الشبحة العود» ، ولعل المقصود أن رجل الفرس كانت لا تزال مربوطة إلى الوتد.
(3)
بعد هذا اللفظ في الأصل: «كأنه لم يفقد منه أحد» وقد حذفها الناشر لأنها تكرار من الناسخ يخل بالمعنى.
ولما انهزم العسكر الإسلامى عن الفرنج - لعنهم الله - ظنوا أنهم لا يقوم لهم قائمة بعدها، وصمموا على قصد حمص وأخذها، فلما بلغهم مقام نور الدين عندها، قالوا:«لم يفعل هذا إلا وعنده من القوة أن يمنعنا» ؛ وأكثر نور الدين من الخرج، فذكر أنه قسّم في يوم واحد مائتى ألف دينار سوى غيرها من الدواب والسلاح والخيام، وتقدم إلى الديوان أن يحصروا الجند، ويسألوا كل واحد عن الذى أخذ منهم، فكلما ذكر شيئا أعطوه عوضه، فحضر بعض الجند وادعى شيئا كثيرا علم بعض النواب كذبه فيما ادعاه لمعرفتهم بحاله، فأرسلوا إلى نور الدين وأنهوا إليه القضية واستأذنوه في تحليفه على ما ادعاه، فخرج الجواب:«لا تكدروا عطاءنا، فإنى أرجو الأجر والثواب [83] على قليله وكثيره» .
ومن أحسن ما يؤثر عنه أنه قال له أصحابه: «إن لك في بلادك إدرارات كثيرة وصلات عظيمة للفقهاء والفقراء والصوفية والقراء، فلو استعنت الآن بها لكان أمثل» ، فغضب وقال:«والله إنى لا أرجو النصر إلا بأولئك، فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم، كيف أقطع صلات قوم يقاتلون عنى وأنا نائم في فراشى بسهام لا تخطئ، وأصرفها إلى من لا يقاتل عنى إلا إذا رآنى، بسهام قد تخطئ وتصيب؟ ثم هؤلاء القوم لهم نصيب في بيت المال أصرفه إليهم، كيف أعطيه غيرهم؟» فسكتوا.
وراسلت الفرنج نور الدين في معنى المهادنة، فامتنع، فتفرقوا في بلادهم؛ وفى هذه الوقعة يقول مهذب الدين بن أسعد الموصلى (1) المدرس بحمص قصيدة منها:
(1) هو أبو الفرج عبيد الله بن أسعد بن على بن عيسى الموصلى الحمصى المعروف بابن الدهان. الفقيه الشافعى الشاعر وينعت بمهذب الدين، توفى سنة 559 هـ. ترجم له (ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة، ج 5، ص 365 - 366) قال:«كان فصيحا فقيها فاضلا أديبا شاعرا غلب عليه الشعر واشتهر به، وله ديوان صغير وكله جيد، ورحل البلاد ومدح بمصر الوزير الصالح طلائع بن رزيك وغيره» ، أنظر أيضا:(أبو شامة: الروضتين، ج 1، ص 128).