الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حزب. مثال ذلك حزب البحر للشاذلى فهو مشهور كثير الذيوع هو ودعاء الجزولى، والاعتقاد بقوة الدعاء مألوف جدا بين النَّاس.
خورشيد
دعبل
(ومعنى الاسم "الناقة المسنة الهرمة"): الاسم المستعار لشاعر عربي مشهور من العهد العباسى، واسمه الحقيقي في رواية صاحب كتاب الأغاني هو محمَّد، في حين تذكر مصادر أخرى أن اسمه الحسن أو عبد الرَّحْمَن، وكنيته أبو على أو أبو جعفر. وكان جده رزين مولى لعبد الله بن خلف الخُزَاعِي كاتب الخليفة عمر بن الخطاب.
ولد دعبل عام 148 هـ (765 م) ولا نعرف مكان ولادته وقد استقرت أسرته في بغداد، ولكنها كانت في الأصل من أهل الكوفة، ولو أن البعض يقول إنها من قرقيسياء (Circesia). والمؤكد أن هذا الشَّاعر قضى شبابه في الكوفة. وقد زل دعبل في ساعة طيش زلة جلبت عليه الشقاء فاضطر إلى الاختفاء عن الأعين مدة طويلة يهيم على وجهه في البلاد في صحبة الأفاقين والأشرار على اختلافهم. والظاهر أنَّه استقر بعد ذلك في بغداد، وتعرف فيها بالشاعر مسلم بن الوليد الذي شجعه على قول الشعر، وقد أدت به إحدى المناسبات السعيدة إلى بلاط هارون الرشيد.
ونحن نعرف على وجه التحديد الحقائق التالية عن حياة دعبل بعد ذلك في بلاط هارون، ثم في بلاط الأمين. لقد كان دعبل في بادئ الأمر واليا على مدينة سمنجان من أعمال طخارستان، وهي ناحية من خراسان. ويذكر ياقوت (المعجم مادة سمنجان) أنَّه ولى سمنجان للعباس بن جعفر ومحمَّد بن الأشعث والراجح أن هذين الشخصين هما في الحقيقة شخص واحد، ونعنى به العباس بن جعفر ابن (! ) محمَّد بن الأشعث الذي ذكره الطبرى (جـ 3، ص 609، 612) ، وكان هذا الرَّجل (والظاهر أنَّه كان من نفس قبيلة دعبل) واليا على خراسان من عام 173
إلى عام 175 هـ (789 - 792 م) في عهد هارون الرشيد، ولا بد أن تكون ولاية دعبل قد وقعت في هذه الفترة نفسها على أرجح الأقوال، وقد أدى دعبل فريضة الحج قبيل عام 200 هـ (815 - 816 م) ثم شخص إلى مصر قاصدا المطَّلب بن عبد الله أحد أفراد قبيلته، وكان واليا على مصر من عام 198 حتَّى رمضان من عام 200 هـ (813 إلى أبريل - مايو سنة 816 م) وقد نظم القصائد في مدحه، فأجزل له العطاء وولاه على أسوان، غير أنَّه فقد رضاء مولاه الذي أحسن إليه، وسرعان ما عزل عن منصبه بسبب هجائه له. والراجح أن هذا الهجاء قد نظم في عهد أقدم من ذلك.
والظاهر أن دعبل أسرع بالعودة إلى العراق، وشاهد ذلك أنَّه لما استخلف بنو العباس ومواليهم ببغداد (25 ذي الحجة عام 201 = 14 يوليه عام 817) عم المأمون، إبراهيم بن المهدى المغنى وراعى الفنون والآداب في غيبة الخليفة في خراسان، هجاه دعبل هو والعباسيين عامة هجاء مرا، ومن قوله في ذلك.
إن كان إبراهيم مضطلعا بها
…
فلتصلحن من بعده لمخارق
ولتصلحن من بعد ذاك لزلزل
…
ولتصلحن من بعده للمارق
أنى يكون وليس ذاك بكائن
…
يرث الخلافة فاسق عن فاسق
وكان من الطبيعى أن يشتد غضب إبراهيم بن المهدى لإدخاله في زمرة "الفاسقين"، فلما عاد إلى الخضوع لابن أخيه المأمون ونال صفحة، طلب معاقبة دعبل أشد عقوبة، غير أن هذه الأبيات أفعمت قلب الخليفة بالسرور، بل شفت ما في نفسه من موجدة، وهو أمر من اليسير أن نتوقعه منه، فغفر للشاعر كل ما قاله فيه وفي آل بيته، وبلغ من أمره أنَّه اغتفر البيت الذي يتفاخر فيه دعبل بأنه من أبناء القبيلة التي خرج منها قاتل أخيه ونعنى به طاهر بن الحسين قائد المأمون وفاتح بغداد.
وهذه القصة لا يستبعد وقوعها بحال، بيد أن انتقاض العباسيين في بغداد والمناداة بإبراهيم خليفة يرجع
أصلها في الواقع إلى أن المأمون قد اختار في أثناء غيبته في خراسان على ابن الرضا الإمام الشيعى الثامن خليفة له، وكان دعبل طوال حياته شيعيا مخلصًا، فقد نظم القصائد في مدح على الرضا فخلع عليه خلعة من ثيابه احتفظ بها احتفاظه بأثر شريف. ويقال أَيضا إنه تلقى عشرة آلاف درهم من الدراهم المضروبة باسمه (الأغاني، ج 8، ص 42 وما بعدها). ولعل تظاهر المأمون بصداقة العلويين قد دفعت دعبل إلى مسالمة هذا الخليفة. ومهما يكن من شئ فإن دعبل نظم في الفترة التي أعقبت ذلك القصائد في مدح العباسيين. ويقال إن عبد الله بن طاهر قد تلى إحداها على الخليفة.
وقد احتفظ دعبل برضاء الخليفة مدة طويلة، ولعل الخليفة رأى فيه أداة نافعة. ثم إن دعبلا لم ينله أذى من عداوة إبراهيم بن المهدى الذي رجع إلى مصافاة الخليفة ولا من أَحْمد بن أبي دؤاد القاضى المعتزلى، في حين أن الخليفة كان يجد لذة في هجاء دعبل اللاذع لكاتبه أبي عباد. وتوفي على الرضا في آخر صفر عام 203 (أغسطس سبتمبر 817) وفي التاسع والعشرين من ذي القعدة عام 207 (15 أبريل عام 823) استبدل علم العباسيين الأسود بعلم العلويين الأخضر، وهذا هو آخر تاريخ (207 هـ = 823 م) في ذلك العهد يمكن أن يكون دعبل قد عاد فيه إلى مناوأة العباسيين. وقد يكون دعبل نظم في هذا التاريخ أو بعده بقليل تلك القصيدة التي يصف فيها هارون الرشيد بأنه شر الرجال وبأن العباسيين بوجه عام ليسوا أهلا للخلافة بل أقل استحقاقًا لها من الأمويين.
وقبيل انفصام هذه الصلات الودية بين دعبل والبلاط العباسى بدأ نضال آخر استرعى اهتمام معظم أفراد المجتمع البغدادي سنوات بل عشرات السنين: ألا وهو نضال دعبل مع الشَّاعر أبي سعد المخزومى. فقد كان هذا الشَّاعر يشايع عرب الشمال (النزاريين) وينتقص من عرب الجنوب (القحطانيين) في حين كان هوى دعبل على خلاف ذلك، فبينما نجد أن أَبا سعد
يلزم جادة الاعتدال أمدًا طويلا في هجائه من غير أن يخرج عن الصور المألوفة للقصائد البدوية القديمة إذا بدعبل يقذع في هجائه له ويصطنع لغة السفلة من النَّاس. وقد نشأ من ذلك أن العلماء هم وحدهم الذين عنوا بأشعار أبي سعد، في حين كانت أشعار غريمه يتغنى بها شباب بغداد في الطرقات. وكان دعبل نفسه يسهم في هذا التغنى بنصيب. واستمر هذا الخصام حتَّى عهد المعتصم خليفة المأمون، وبقيت لنا قصيدة من قصائد أبي سعد حاول في آخر بيت منها أن يستدرج المعتصم ويشركه في النزاع القائم بينه وبين دعبل. وقد ابتلى المعتصم نفسه ثامن الخلفاء العباسيين بهجاء دعبل المر عند اعتلائه عرش الخلافة وعند وفاته. إذ يقال إن دعبلا قال هذا البيت:
خليفة مات لم يحزن له أحد
…
وآخر قام لم يفرح به أحد
وقد نظم الوزير مُحَمَّد بن عبد الملك الزيات مرثية عند وفاة المعتصم فما كان من دعبل إلَّا أن رد عليه بهجاء لا مثيل له دعا فيه على الخليفة بقوله:
اذهب إلى النَّار والعذاب فما
…
خلتك إلَّا من الشياطين
وأخيرًا هجا دعبل المتوكل، وهو آخر خليفة حضر دعبل عهده، ومن الطبيعي أن وزراء الخليفة وعماله لم يسلموا من هجائه ولم يكونوا أحسن حالا.
وكانت نهاية دعبل متفقة ومسلكه طوال حياته فقد عاقبه إسحاق بن العباسى وإلى البصرة وقتذاك عقابًا صارما لهجائه عرب الشمال. ولما أطلق سراحه فر إلى الأهواز. ويقال إنه قتل غيلة فيها بقرية الطيب عام 246 هـ (860 - 861) بتحريض رجل يدعى مالك بن طوق، وكان قد أثاره بهجاء قارس. على أن تفاصيل هذه القصة التي تروى خبر مقتله مشكوك فيها إلى حد كبير على ما يظهر. وأصوب من ذلك أن نذهب إلى أنَّه تُوفي متأثرًا بالمعاملة السيئة التي لقيها في البصرة، وكان قد بلغ من العمر ثمانية وتسعين سنة هجرية.
ومن الدلائل البينة على ما كان لأشعار دعبل من شأن أن والي البصرة
السابق ذكره عهد إِلى شاعر من عرب الشمال هو أبو الدلفاء بالرد على هجاء دعبل وابن أبي عيينة بقصيدة نشرها بعنوان "القصيدة الدامغة". وكان من الطبيعى أن يفخر رجال قبيلة دعبل "بنو خزاعة" بشاعرهم.
وإذا نظرنا إلى أشعار دعبل نظرة نقدية فإننا لا نجد فيها إلَّا القليل من الشعر الذي يسمو إلى مرتبة الشعر الجيد. كما أننا لا نجد له من الشعر الذي يمتاز بجلال موضوعه إلَّا بضع قصائد مفردة. (مثال ذلك وداعه مسلم ابن الوليد، ورثاؤه ابن عمه: الأغاني ج 18، ص 47 ، 34) وبعض قصائده معابثات مسلمة قليلة الغناء (ونذكر منها بصفة خاصة ما أورده ابن قتيبة في كتاب الشعر والشعراء، طبعة دى غوى ص 541؛ وقد يدخل هذا الشعر أَيضا في مجون أبي نواس). أما أغلب قصائده فهجاء مفحش وأغاني مبتذلة تغنى النَّاس بها في الطرقات. وعلى ذلك فإن هذه الأشعار تهمنا بصفة خاصة لوفرة ما بها من إشارات تاريخية تهدينا في كثير من الأحوال إلى تاريخ القصيدة التي وردت بها هذه الإشارات، وهذا الأمر غير مألوف بحال في الشعر العربي، كما أنها تزودنا بكل التفاصيل عن الشخصيات التاريخية المذكورة في هذه الأشعار. وربما لا يكون ثمة سبب يدعونا إلى القول بأنه ينبغي لنا أن لا نصدق كل ما قاله دعبل عن خصومه وديوان دعبل لم يصل إلينا بتمامه، ذلك أن شهرته العظيمة، ونعنى بذلك شهرته بين العامة، قد منعت فيما يظهر فقهاء اللغة المحققين من دراسة هذا الشَّاعر دراسة وافية شاملة.
المصادر:
(1)
الأغاني، الطبعة الأولى ج 18، ص 29 - 60؛ جـ 20، ص 38.
(2)
ابن قتيبة: كتاب الشعر والشعراء، طبعة دى غوى ص 593 - 541.
(3)
ابن خلكان، طبعة فستنفلد، رقم 226 ، ترجمة دى سلان، جـ 1، ص 507 - 510، وانظر أَيضا سير