المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌موقفه من المبتدعة: - موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية - جـ ٥

[المغراوي]

فهرس الكتاب

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من الخوارج:

- ‌موقفه من المرجئة:

- ‌موقفه من القدرية:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من القدرية:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من المرجئة:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من الرافضة والجهمية والخوارج والمرجئة والقدرية:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقف السلف من ابن أبي العزاقر (319 ه

- ‌موقف السلف من ابن مسرة (319 ه

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقف السلف من الحكيم الترمذي الصوفي (320 ه

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من الصوفية:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من الخوارج:

- ‌موقفه من القدرية:

- ‌موقف السلف من المهدي الرافضي عبيد الله أبي محمد (322 ه

- ‌أبو علي الروذباري الصوفي (322 ه

- ‌موقفه من الصوفية:

- ‌موقفه من المشركين:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من المرجئة:

- ‌موقفه من القدرية:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من المشركين:

- ‌المرتعش الصوفي (328 ه

- ‌موقفه من الصوفية:

- ‌موقفه من المشركين:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من الخوارج:

- ‌موقفه من المرجئة:

- ‌موقفه من القدرية:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من المشركين:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقف السلف من القرمطي عدوّ الله أبي طاهر سليمان الزنديق (332 ه

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقف السلف من القائم بأمر الله (الزنديق) (334 ه

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من المشركين:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقف السلف من الفارابي الزنديق (339 ه

- ‌القاهر بالله (339 ه

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من القدرية:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من القدرية:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من الخوارج:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌أبو محمد بن عبد البصري المالكي (347 ه

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من المشركين:

- ‌موقف السلف من ابن سالم الصوفي (350 ه

- ‌موقفه من المشركين:

- ‌موقف السلف من ابن أبي دارم الرافضي (352 ه

- ‌موقف السلف من ابن الداعي الشيعي (353 ه

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقف السلف من المتنبي (354 ه

- ‌موقفه من القدرية:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقف السلف من ابن الجعابي (355 ه

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من المشركين:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من الصوفية:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من الخوارج:

- ‌موقفه من المرجئة:

- ‌موقفه من القدرية:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقف السلف من النعمان الباطني العبيدي (363 ه

- ‌موقف السلف من المعز العبيدي المهدوي (365 ه

- ‌موقف السلف من النصرآبادي (367 ه

- ‌موقفه من المشركين:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقف السلف من أبي بكر الرازي المعتزلي (370 ه

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من المرجئة:

- ‌موقفه من القدرية:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌أبو عبد الله بن خفيف الشيرازي الصوفي (371 ه

- ‌موقفه من المبتدعة والرافضة والجهمية والخوارج والمرجئة والقدرية:

- ‌موقف السلف من عضد الدولة الشيعي (372 ه

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌أبو عثمان المغربي الصوفي (373 ه

- ‌موقفه من الصوفية:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من المشركين:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من الخوارج:

- ‌موقفه من المرجئة:

- ‌موقفه من القدرية:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من المشركين:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من المرجئة:

- ‌موقفه من القدرية:

- ‌موقفه من المشركين:

- ‌موقفه من الفلاسفة:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من علم الكلام:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من المشركين:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من المرجئة:

- ‌موقفه من القدرية:

- ‌موقف السلف من أبي طالب المكي (386 ه

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من المرجئة:

- ‌موقفه من القدرية:

- ‌موقفه من المشركين:

- ‌موقفه من المبتدعة والجهمية:

- ‌موقفه من المشركين:

- ‌موقفه من المؤولة وغيرهم:

- ‌موقفه من المرجئة:

- ‌موقفه من المرجئة:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من الأشعرية وغيرهم:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من المشركين:

الفصل: ‌موقفه من المبتدعة:

الفتح بن أبي الفوارس وأبو نعيم الأصبهاني وأبو إسحاق البرمكي وآخرون. عن أبي حامد الدلوي قال: لما رجع ابن بطة من الرحلة لازم بيته أربعين سنة لم ير في سوق ولا رئي مفطراً إلا في عيد. وكان أمّاراً بالمعروف، لم يبلغه خبر منكر إلا غيره. قال عبد الواحد بن علي العكبري: لم أر في شيوخ الحديث، ولا في غيرهم أحسن هيئة من ابن بطة. وقد أثنى عليه غير واحد من الأئمة. توفي رحمه الله سنة سبع وثمانين وثلاثمائة.

‌موقفه من المبتدعة:

له من الآثار السلفية:

1 -

'الإبانة الكبرى': وهو من أعظم المصادر السلفية التي نقلت العقيدة السلفية بإسهاب وطول نفس، وقد كان من أهم المراجع عندنا في هذه المسيرة المباركة، وهذا الإمام لم يكن بالناقل لأقوال السلف فقط، ولكنه يعلق على ذلك بأسلوب متين رصين، يشعر القارئ أنه يعيش مع سلفي غيور على عقيدته. والبكاء ينساب على خده لما يرى من طغيان البدع في زمانه. فماذا عن زمان الناس اليوم حيث أصبحت البدعة هي السنة والسنة هي البدعة. فإلى الله المشتكى من انقلاب الموازين والأحوال، والله المستعان.

2 -

'الإبانة الصغرى': وقد حققت وطبعت في رسالة علمية في جامعة أم القرى.

- فمن أقواله رحمه الله: فلو أن رجلاً ممن وهب الله له عقلاً صحيحاً وبصراً نافذاً، فأمعن نظره وردد فكره وتأمل أمر الإسلام وأهله، وسلك بأهله الطريق الأقصد، والسبيل الأرشد، لتبين له أن الأكثر والأعم الأشهر من الناس قد نكصوا على أعقابهم، وارتدوا على أدبارهم، فحادوا عن

ص: 374

المحجة، وانقلبوا عن صحيح الحجة، ولقد أضحى كثير من الناس يستحسنون ما كانوا يستقبحون، ويستحلون ما كانوا يحرمون، ويعرفون ما كانوا ينكرون، وما هذه رحمكم الله أخلاق المسلمين، ولا أفعال من كانوا على بصيرة في هذا الدين، ولا من أهل الإيمان به واليقين. (1)

- وقال: فانظروا رحمكم الله من تصحبون، وإلى من تجلسون، واعرفوا كل إنسان بخدنه، وكل أحد بصاحبه، أعاذنا الله وإياكم من صحبة المفتونين، ولا جعلنا وإياكم من إخوان العابثين، ولا من أقران الشياطين، وأستوهب الله لي ولكم عصمة من الضلال وعافية من قبيح الفعال. (2)

- وقال: فاعتبروا يا أولي الأبصار! فشتان بين هؤلاء العقلاء السادة الأبرار الأخيار الذين ملئت قلوبهم بالغيرة على إيمانهم والشح على أديانهم، وبين زمان أصبحنا فيه وناس نحن منهم وبين ظهرانيهم، هذا عبد الله بن مغفل صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيد من ساداتهم يقطع رحمه ويهجر حميمه حين عارضه في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحلف أيضاً على قطيعته وهجرانه وهو يعلم ما في صلة الأقربين وقطيعة الأهلين. وعبادة بن الصامت وأبو الدرداء سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم حكيم هذه الأمة، وأبو سعيد الخدري يظعنون عن أوطانهم وينتقلون عن بلدانهم، ويظهرون الهجرة لإخوانهم لأجل من عارض حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوقف عن استماع سنته، فياليت شعري كيف حالنا عند الله عز وجل، ونحن نلقى أهل الزيغ في صباحنا والمساء، يستهزئون

(1) الإبانة (1/ 1/188).

(2)

الإبانة (1/ 1/206).

ص: 375

بآيات الله، ويعاندون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حائدين عنها، وملحدين فيها، سلمنا الله وإياكم من الزيغ والزلل. (1)

- وقال: جعلنا الله وإياكم بكتاب الله عاملين، وبسنة نبينا صلى الله عليه وسلم متمسكين، وللأئمة الخلفاء الراشدين المهديين متبعين، ولآثار سلفنا وعلمائنا مقتفين، وبهدي شيوخنا الصالحين رحمة الله عليهم أجمعين مهتدين، فإن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه قد جعل في كل زمان فترة من الرسل، ودروساً للأثر، ثم هو تعالى بلطفه بعباده ورفقه بأهل عنايته ومن سبقت له الرحمة في كتابه لا يخلي كل زمان من بقايا من أهل العلم، وحملة الحجة، يدعون من ضل إلى الهدى، ويذودونهم عن الردى، يصبرون منهم على الأذى، ويحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بعون الله أهل العمى وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الجهالة والغبا. (2)

- وقال: فلله در أقوام دقت فطنهم، وصفت أذهانهم، وتعالت بهم الهمم في اتباع نبيهم، وتناهت بهم المحبة حتى اتبعوه هذا الاتباع، فبمثل هدي هؤلاء العقلاء -إخواني- فاهتدوا، ولآثارهم فاقتفوا، ترشدوا وتنصروا وتجبروا. (3)

- وقال:

باب ذكر ما نطق به الكتاب في محكم التنزيل بلزوم الجماعة والنهي عن الفرقة:

أما بعد: فاعلموا يا إخواني وفقنا الله وإياكم للسداد والائتلاف،

(1) الإبانة (1/ 1/259 - 260).

(2)

الإبانة (1/ 1/197).

(3)

الإبانة (1/ 1/245).

ص: 376

وعصمنا وإياكم من الشتات والاختلاف، أن الله عز وجل قد أعلمنا اختلاف الأمم الماضين قبلنا، وأنهم تفرقوا واختلفوا فتفرقت بهم الطرق، حتى صار بهم الاختلاف إلى الافتراء على الله عز وجل والكذب عليه، والتحريف لكتابه والتعطيل لأحكامه، والتعدي لحدوده، وأعلمنا تعالى أن السبب الذي أخرجهم إلى الفرقة بعد الألفة، والاختلاف بعد الائتلاف، هو شدة الحسد من بعضهم لبعض، وبغي بعضهم على بعض، فأخرجهم ذلك إلى الجحود بالحق بعد معرفته، وردهم البيان الواضح بعد صحته، وكل ذلك وجميعه قد قصه الله عز وجل علينا وأوعز فيه إلينا، وحذرنا من مواقعته وخوفنا من ملابسته. ولقد رأينا ذلك في كثير من أهل عصرنا وطوائف ممن يدعي أنه من أهل ملتنا، وسأتلو عليكم من نبأ ما قد أعلمناه مولانا الكريم، وما قد علمه إخواننا من أهل القرآن وأهل العلم وكتبة الحديث والسنن وما يكون فيه إن شاء الله بصيرة لمن علمه ونسيه، ولمن غفله أو جهله، ويمتحن الله به من خالفه وجحده، بألا يجحده إلا الملحدون، ولا ينكره إلا الزائغون. قال الله عز وجل: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ

ص: 377

الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213)} (1).

وقال تعالى: {* تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (253)} (2). وقال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِن اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19)} (3). وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159)} (4). وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ

(1) البقرة الآية (213).

(2)

البقرة الآية (87).

(3)

آل عمران الآية (19).

(4)

الأنعام الآية (159).

ص: 378

الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (93)} (1). وقال تعالى: {وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (14)} (2).

وقال تعالى: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (4) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5)} (3).

وقال: إخواني فهذا نبأ قوم فضلهم الله وعلمهم وبصرهم ورفعهم، ومنع ذلك آخرين إصرارهم على البغي عليهم، والحسد لهم، إلى مخالفتهم وعداوتهم ومحاربتهم، فاستنكفوا أن يكونوا لأهل الحق تابعين، وبأهل العلم مقتدين، فصاروا أئمة مضلين، ورؤساء في الإلحاد متبوعين، رجوعاً عن الحق وطلب الرياسة وحباً للاتباع والاعتقاد والناس في زماننا هذا أسراب كالطير، يتبع بعضهم بعضاً، لو ظهر لهم من يدعي النبوة مع علمهم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء، أو من يدعي الربوبية، لوجد على ذلك أتباعاً وأشياعاً. فقد ذكرت ما حضرني من الآيات التي عاب الله فيها المختلفين، وذم بها الباغين، وأنا الآن أذكر لك الآيات من القرآن التي حذرنا فيها ربنا تعالى من الفرقة

(1) يونس الآية (93).

(2)

الشورى الآية (14).

(3)

البينة الآيتان (4و5).

ص: 379

والاختلاف، وأمرنا بلزوم الجماعة والائتلاف، نصيحة لإخواننا وشفقة على أهل مذهبنا، قال الله تعالى:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} (1) .. إلى آخر الآية.

ثم حذرنا من مواقعة ما أتاه من قبلنا من أهل الكتاب فيصيبنا ما أصابهم، فقال تعالى:{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105)} (2).

فأخبرنا أنهم عن الحق رجعوا ومن بعد البيان اختلفوا، وقال تعالى:{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)} (3). وقال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} (4). وقال تعالى: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ

(1) آل عمران الآية (103).

(2)

آل عمران الآية (105).

(3)

الأنعام الآية (153).

(4)

الشورى الآية (13).

ص: 380

وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32)} (1).

فهل بقي رحمكم الله أوضح من هذا البرهان، أو أشفى من هذا البيان؟ وقد أعلمنا الله تعالى أنه قد خلق خلقاً للاختلاف والفرقة، وحذرنا أن نكون كهم لهم واستثنى أهل رحمته لنواظب على المسألة أن يجعلنا منهم فقال تعالى:{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119)} (2).

ثم حذر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتبع أهل الأهواء المختلفين وآراء المتقدمين فقال عز وجل: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} (3). وقال: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} (4). وقال: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ

(1) الروم الآية (32).

(2)

هود الآيتان (118و119).

(3)

المائدة الآية (49).

(4)

المائدة الآية (48).

ص: 381

الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16) وَآَتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (17) ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (19)} (1). وقال عز وجل فيما ذم به المخالفين: {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53)} (2).اهـ (3)

- وقال: فإن قال قائل: قد ذكرت نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الفرقة وتحذيره أمته ذلك وحضه إياهم على الجماعة والتمسك بالسنة، وقلت إن ذلك هو أصل المسلمين ودعامة الدين، وأن الفرقة الناجية هي واحدة، والفرق المذمومة نيف وسبعون فرقة، ونحن نرى أن هذه الفرقة الناجية أيضاً فيها اختلاف كثير وتباين في المذاهب، ونرى فقهاء المسلمين مختلفين، فلكل واحد منهم قول يقوله ومذهب يذهب إليه وينصره ويعيب من خالفه عليه. فمالك ابن أنس رحمه الله إمام وله أصحاب يقولون بقوله ويعيبون من خالفهم،

(1) الجاثية الآيات (16 - 19).

(2)

المؤمنون الآية (53).

(3)

الإبانة (1/ 1/270 - 275).

ص: 382

وكذلك الشافعي رحمه الله، وكذلك سفيان الثوري رحمه الله، وطائفة من فقهاء العراق، وكذلك أحمد ابن حنبل رحمه الله، كل واحد من هؤلاء له مذهب يخالف فيه غيره.

ونرى قوماً من المعتزلة والرافضة وأهل الأهواء يعيبونا بهذا الاختلاف، ويقولون لنا: الحق واحد فكيف يكون في وجهين مختلفين؟ فإني أقول له في جواب هذا السؤال: أما ما تحكيه عن أهل البدع مما يعيبون به أهل التوحيد والإثبات من الاختلاف، فإني قد تدبرت كلامهم في هذا المعنى، فإذا هم ليس الاختلاف يعيبون، ولا له يقصدون، وإنما هم قوم علموا أن أهل الملة وأهل الذمة والملوك والسوقة والخاصة والعامة وأهل الدنيا كافة، إلى الفقهاء يرجعون ولأمرهم يطيعون، وبحكمهم يقضون، في كل ما أشكل عليهم، وفي كل ما يتنازعون فيه فعلى فقهاء المسلمين يعولون، في رجوع الناس إلى فقهائهم، وطاعتهم لعلمائهم ثبات للدين، وإضاءة للسبيل وظهور لسنة الرسول، وكل ذلك ففيه غيظ لأهل الأهواء، واضمحلال للبدع، فهم يوهون أمر الفقهاء، ويضعفون أصولهم، ويطعنون عليهم بالاختلاف، لتخرج الرعية عن طاعتهم، والانقياد لأحكامهم، فيفسد الدين وتترك الصلوات والجماعات، وتبطل الزكوات والصدقات، والحج والجهاد، ويستحل الربا والزنا والخمور والفجور، وما قد ظهر مما لا خفاء به على العقلاء. فأما أهل البدع -يا أخي رحمك الله- فإنهم يقولون على الله ما لا يعلمون، ويعيبون ما يأتون، ويجحدون ما يعلمون، ويبصرون القذى في عيون غيرهم وعيونهم تطرف على الأجذال، ويتهمون أهل العدالة والأمانة في النقل، ولا يتهمون

ص: 383

آراءهم وأهواءهم على الظن، وهم أكثر الناس اختلافاً، وأشدهم تنافياً وتبايناً، لا يتفق اثنان من رؤسائهم على قول، ولا يجتمع رجلان من أئمتهم على مذهب.

فأبو الهذيل يخالف النظام، وحسين النجار يخالفهما، وهشام الفوطي يخالفهم، وثمامة بن أشرس يخالف الكل، وهاشم الأوقص وصالح قبة يخالفانهم، وكل واحد منهم قد انتحل لنفسه ديناً ينصره ورباً يعبده وله على ذلك أصحاب يتبعونه، وكل واحد منهم يكفر من خالفه ويلعن من لا يتبعه، وهم في اختلافهم وتباينهم كاختلاف اليهود والنصارى، كما قال الله تعالى:{وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ} (1).

فاختلافهم كاختلاف اليهود والنصارى، لأن اختلافهم في التوحيد، وفي صفات الله، وفي الكيفية، وفي قدرة الله، وفي عظمته، وفي نعيم الجنة، وفي عذاب النار، وفي البرزخ، وفي اللوح المحفوظ، وفي الرق المنشور، وفي علم الله، وفي القرآن، وفي غير ذلك من الأمور التي لا يعلمها نبي مرسل، إلا بوحي من الله، وليس يعدم من رد العلم في هذه الأشياء إلى رأيه وهواه وقياسه ونظره واختياره؛ من الاختلاف العظيم والتباين الشديد.

وأما الرافضة فأشد الناس اختلافاً وتبايناً وتطاعناً فكل واحد منهم يختار مذهبا لنفسه يلعن من خالفه عليه ويكفر من لم يتبعه، وكلهم يقول: إنه لا صلاة ولا صيام ولا جهاد ولا جمعة ولا عيدين ولا نكاح ولا طلاق

(1) البقرة الآية (113).

ص: 384

ولا بيع ولا شراء؛ إلا بإمام، وإنه من لا إمام له فلا دين له، ومن لم يعرف إمامه فلا دين له، ثم يختلفون في الأئمة، فالإمامية لها إمام تسوده وتلعن من قال: إن الإمام غيره وتكفره، وكذلك الزيدية لها إمام غير إمام الإمامية. وكذلك الإسماعيلة، وكذلك الكيسانية، والبترية، وكل طائفة تنتحل مذهباً وإماماً وتلعن من خالفها عليه وتكفره. ولولا ما نؤثره من صيانة العلم الذي أعلى الله أمره، وشرف قدره، ونزهه أن يخلط به نجاسات أهل الزيغ، وقبيح أقوالهم ومذاهبهم التي تقشعر الجلود من ذكرها، وتجزع النفوس من استماعها، وينزه العقلاء ألفاظهم وأسماعهم عن لفظها؛ لذكرت من ذلك ما فيه عبرة للمعتبرين، ولكنه قد روي عن طلحة بن مصرف رحمه الله، قال: لولا أني على طهارة لأخبرتكم بما تقوله الروافض.

وقال ابن المبارك رحمه الله: إنا لنستطيع أن نحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية. ولولا أنك قلت إن أهل الزيغ يطعنون على أئمتنا وعلمائنا باختلافهم، فأحببت أن أعلمك أن الذي أنكروه هم ابتدعوه، وأن الذي عابوه هم استحسنوه، ولولا اختلافهم في أصولهم وعقودهم وإيمانهم ودياناتهم؛ لما دنسنا ألفاظنا بذكر حالهم.

فأما الاختلاف فهو ينقسم على وجهين: أحدهما اختلاف، الإقرار به إيمان ورحمة وصواب، وهو الاختلاف المحمود الذي نطق به الكتاب ومضت به السنة، ورضيت به الأمة، وذلك في الفروع والأحكام التي أصولها ترجع إلى الإجماع والائتلاف. واختلاف هو كفر وفرقة وسخطة وعذاب يؤول بأهله إلى الشتات، والتضاغن والتباين والعداوة، واستحلال الدم والمال، وهو

ص: 385

اختلاف أهل الزيغ في الأصول والاعتقاد والديانة. فأما اختلاف أهل الزيغ، فقد بينت لك كيف هو، وفيما اختلفوا فيه. وأما اختلاف أهل الشريعة الذي يؤول بأهله إلى الإجماع والألفة، والتواصل والتراحم؛ فإن أهل الإثبات من أهل السنة يجمعون على الإقرار بالتوحيد وبالرسالة؛ بأن الإيمان قول وعمل ونية وبأن القرآن كلام الله غير مخلوق، ومجمعون على أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لا يكون، وعلى أن الله خالق الخير والشر ومقدرهما، وعلى أن الله يرى في القيامة، وعلى أن الجنة والنار مخلوقتان باقيتان ببقاء الله، وأن الله على عرشه، بائن من خلقه، وعلمه محيط بالأشياء، وأن الله قديم لا بداية له ولا نهاية ولا غاية، بصفاته التامة، لم يزل عالماً ناطقاً سميعاً بصيراً، حياً حليماً، قد علم ما يكون قبل أن يكون، وأنه قدر المقادير قبل خلق الأشياء.

ومجمعون على إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي عليهم السلام، وعلى تقديم الشيخين، وعلى أن العشرة في الجنة جزماً وحتماً لا شك فيه، ومجمعون على الترحم على جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاستغفار لهم ولأزواجه وأولاده وأهل بيته، والكف عن ذكرهم إلا بخير، والإمساك وترك النظر فيما شجر بينهم، فهذا وأشباهه مما يطول شرحه لم يزل الناس مذ بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم إلى وقتنا هذا مجمعين عليه في شرق الأرض وغربها، وبرها وبحرها وسهلها وجبلها، يرويه العلماء رواة الآثار وأصحاب الأخبار، ويعرفه الأدباء والعقلاء، ويجمع على الإقرار به الرجال والنسوان، والشيب والشبان، والأحداث والصبيان، في الحاضرة والبادية، والعرب والعجم، لا يخالف ذلك ولا ينكره ولا يشذ عن الإجماع مع الناس فيه إلا رجل خبيث زائغ، مبتدع

ص: 386

محقور مهجور مدحور، يهجره العلماء ويقطعه العقلاء، إن مرض لم يعودوه، وإن مات لم يشهدوه. ثم أهل الجماعة مجمعون بعد ذلك على أن الصلاة خمس، وعلى أن الطهارة والغسل من الجنابة فرض، وعلى الصيام والزكاة والحج والجهاد، وعلى تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير والربا والزنا وقتل النفس المؤمنة بغير حق، وتحريم شهادة الزور، وأكل مال اليتيم، وما يطول الكتاب بشرحه، ثم اختلفوا بعد إجماعهم على أصل الدين واتفاقهم على شريعة المسلمين، اختلافاً لم يصر بهم إلى فرقة ولا شتات، ولا معاداة ولا تقاطع وتباغض، فاختلفوا في فروع الأحكام والنوافل التابعة للفرائض، فكان لهم وللمسلمين فيه مندوحة، ونفس وفسحة ورحمة، ولم يعب بعضهم على بعض ذلك، ولا أكفره ولا سبه ولا لعنه، ولقد اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأحكام اختلافاً ظاهراً، علمه بعضهم من بعض، وهم القدوة والأئمة والحجة.

فكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول: إن الجد يرث ما يرثه الأب ويحجب من يحجبه الأب، فخالفه على ذلك زيد بن ثابت وخالفهما علي بن أبي طالب، وخالفهم ابن مسعود، وخالف ابن عباس جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسائل من الفرائض، وكذلك اختلفوا في أبواب من العدة والطلاق، وفي الرهون والديون والوديعة والعارية، وفي المسائل التي المصيب فيها محمود مأجور، والمجتهد فيها برأيه المعتمد للحق إذا أخطأ فمأجور أيضاً، غير مذموم، لأن خطأه لا يخرجه من الملة، ولا يوجب له النار، وبذلك جاءت السنة عن المصطفى صلى الله عليه وسلم. (1)

(1) الإبانة (2/ 4/553 - 559).

ص: 387

- وقال: فاختلاف الفقهاء -يا أخي، رحمك الله- في فروع الأحكام وفضائل السنن رحمة من الله بعباده، والموفق منهم مأجور، والمجتهد في طلب الحق إن أخطأه غير مأزور، وهو يحسن نيته، وكونه في جملة الجماعة في أصل الاعتقاد والشريعة مأجور، قال النبي صلى الله عليه وسلم:«بعثت بالحنيفية السمحة» (1). وإن تأول متأول من الفقهاء مذهباً في مسألة من الأحكام خالف فيها الإجماع، وقعد عنه فيها الاتباع، كان منتهى القول بالعتب عليه أخطأت، لا يقال له كفرت ولا جحدت ولا ألحدت، لأن أصله موافق للشريعة وغير خارج عن الجماعة في الديانة. (2)

- وقال: فالإصابة في الجماعة توفيق ورضوان، والخطأ في الاجتهاد عفو وغفران، وأهل الأهواء اختلفوا في الله، وفي الكيفية، وفي الأبنية، وفي الصفات، وفي الأسماء، وفي القرآن، وفي قدرة الله، وفي عظمة الله، وفي علم

(1) أخرجه أحمد (5/ 266) والطبراني في الكبير (8/ 216/7868) من حديث أبي أمامة. قال الهيثمي في المجمع (5/ 279): "فيه علي بن يزيد الألهاني وهو ضعيف". وضعفه العراقي في تخريج الإحياء (5/ 2206/3485) وله شاهد من حديث جابر، أخرجه الخطيب في تاريخه (7/ 209) وأشار له السيوطي في الجامع بالضعف. وآخر مرسل عن حبيب بن أبي ثابت أخرجه ابن سعد (1/ 192). قال المناوي في فيض القدير (3/ 203):"لكن له طرق ثلاث ليس يبعد أن لا ينزل بسببها عن درجة (الحسن) ". وله شاهد آخر من حديث عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ (أي يوم لعب الحبشة): «لتعلم يهود في ديننا فسحة، إني أرسلت بحنيفية سمحة» . أخرجه أحمد (6/ 116و233) وحسن إسناده السخاوي في المقاصد الحسنة (رقم 214) وجود إسناده الشيخ الألباني في الصحيحة (4/ 443). وعلق البخاري في صحيحه (1/ 126): «أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة» . ووصله في الأدب المفرد (رقم 287) وأحمد (1/ 236) والبزار (كشف 1/ 58 - 59/ 78) والطبراني في الكبير (11/ 227/11571).

(2)

الإبانة (2/ 4/566).

ص: 388

الله، تعالى الله عما يقول الملحدون علوّاً كبيراً. (1)

- وقال: فقد ذكرت من الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أخبر به من تفرق هذه الأمة، ومضاهاتها في تفرقها اليهود والنصارى والأمم السالفة، ما في بعضه كفاية لأهل الحق والرعاية، فإن قال قائل: قد صح عندنا من كتاب ربنا ومن قول نبينا صلى الله عليه وسلم؛ أن الأمم الماضية من أهل الكتاب تفرقوا واختلفوا وكفر بعضهم بعضاً ومثل ذلك فقد حل بهذه الأمة، حتى قد كثرت فيهم الأهواء، وأصحاب الآراء والمذاهب، وكل ذلك فقد رأيناه وشاهدناه، فنريد أن نعرف هذه الفرق المذمومة لنجتنبها، ونسأل مولانا الكريم أن يعصمنا منها ويعيذنا مما حل بأهلها، الذين استهوتهم الشياطين، فأصبحوا حيارى، عن طريق الحق صادفين.

قلت: فاعلم رحمك الله أن لهذه الفرق والمذاهب كلها أصولاً أربعة فكلها عن الحق حائدة، وللإسلام وأهله معاندة، وعن أربعة أصول يتفرقون، ومنها يتشعبون، وإليها يرجعون، ثم تتشعب بهم الطرق وتأخذهم الأهواء، وقبيح الآراء حتى يصيروا في التفرق إلى ما لا يحصى، فأما الأربعة الأصول، التي بها يعرفون، وإليها يرجعون، فهو ما حدثنا أبو بكر أحمد بن سليمان النجاد وأبو عمر عبيد الله بن محمد بن عبيد بن مسبح العطار وأبو بكر محمد ابن الحسين وأبو يوسف يعقوب بن يوسف، قالوا: حدثنا أبو بكر عبد الله بن سليمان بن الأشعث السجستاني، قال: حدثنا المسيب بن واضح، قال: سمعت يوسف بن أسباط يقول: أصل البدع أربعة: الروافض، والخوارج،

(1) الإبانة (2/ 4/567).

ص: 389

والقدرية، والمرجئة. ثم تتشعب كل فرقة ثماني عشرة طائفة، فتلك اثنتان وسبعون فرقة، والثالثة والسبعون الجماعة التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها الناجية.

وحدثنا أبو القاسم حفص بن عمر قال: حدثنا أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي قال: حدثنا المسيب بن واضح السلمي الحمصي، قال: أتيت يوسف بن أسباط فسلمت عليه وانتسبت إليه، وقلت له: يا أبا محمد إنك بقية أسلاف العلم الماضين وإنك إمام سنة وأنت على من لقيك حجة، ولم آتك لسمع الأحاديث ولكن لأسألك عن تفسيرها، وقد جاء هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن بني إسرائيل افترقوا على إحدى وسبعين فرقة، وأن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة، فأخبرني مَن هذه الفرق حتى أتوقاها، فقال لي أصلها أربعة: القدرية والمرجئة والشيعة وهم الروافض والخوارج، فثماني عشرة فرقة في القدرية، وثماني عشرة في المرجئة، وثماني عشرة في الخوارج، وثماني عشرة في الشيعة، ثم قال: ألا أحدثك بحديث لعل الله أن ينفعك به، قلت: بلى يرحمك الله، قال: أسلم رجل على عهد عمرو بن مرة فدخل مسجد الكوفة، فجعلت أجلس إلى قوم أصحاب أهواء فكل يدعو إلى هواه، وقد اختلفوا علي فما أدري بأيها أتمسك فقال له عمرو بن مرة: اختلفوا عليك في الله عز وجل أنه ربهم؟ قال: لا، قال: اختلفوا عليك في محمد صلى الله عليه وسلم أنه نبيهم؟ قال: لا، قال: فاختلفوا عليك في الكعبة أنها قبلتهم؟ قال: لا، قال: فاختلفوا عليك في شهر رمضان أنه صومهم؟ قال: لا، قال: فاختلفوا عليك في الصلوات الخمس والزكاة والغسل من الجنابة؟ قال: لا، قال: فانظر

ص: 390

هذا الذي اجتمعوا عليه فهو دينك ودينهم فتمسك به وانظر تلك الفرق التي اختلفوا عليك فيها فاتركهم فليست من دينهم في شيء. قال أبو حاتم الرازي: حدثت عن عامر، عن إبراهيم الأصبهاني، قال: حدثنا يعقوب الأشعري، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: تفرقت اليهود على إحدى وسبعين والنصارى على اثنتين وسبعين وأنتم على ثلاث وسبعين وإن من أضلها وشرها وأخبثها الشيعة الذين يشتمون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما.

وحدثنا أبو القاسم حفص بن عمر، قال: حدثنا أبو حاتم الرازي قال: حدثنا يحيى بن زكريا بن عيسى، قال: قال حفص بن حميد، قلت لعبد الله بن المبارك: على كم افترقت هذه الأمة؟ فقال: الأصل أربع فرق: هم الشيعة، والحرورية، والقدرية، والمرجئة، فافترقت الشيعة على ثنتين وعشرين فرقة وافترقت الحرورية على إحدى وعشرين فرقة وافترقت القدرية على ست عشرة فرقة، وافترقت المرجئة على ثلاث عشرة فرقة. قال: قلت يا أبا عبد الرحمن لم أسمعك تذكر الجهمية، قال: إنما سألتني عن فرق المسلمين. (1)

- وقال: فقد ذكرت في هذا الباب ما قاله المصطفى صلى الله عليه وسلم وأمر به أصحابه والتابعين بعدهم بإحسان من لزوم السنة واتباع الآثار ما فيه بلاغ وكفاية لمن شرح الله صدره ووفقه لقبوله، فإن الله عز وجل ضمن لمن أطاع الله ورسوله خير الدنيا والآخرة، فإنه قال: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ

(1) الإبانة (1/ 2/376 - 380).

ص: 391

فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69)} (1) وتوعد من خالف ذلك وعدل عنه بما نستجير بالله منه ونعوذ به ممن كان موصوفاً به، فإنه قال:{وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115)} (2). فرحم الله عبداً لزم الحذر واقتفى الأثر ولزم الجادة الواضحة وعدل عن البدعة الفاضحة. (3)

- وقال: أعاذنا الله وإياكم من الآراء المخترعة والأهواء المتبعة والمذاهب المبتدعة، فإن أهلها خرجوا عن اجتماع إلى شتات، وعن نظام إلى تفرق، وعن أنس إلى وحشة، وعن ائتلاف إلى اختلاف، وعن محبة إلى بغضة، وعن نصيحة وموالاة إلى غش ومعاداة، وعصمنا وإياكم من الانتماء إلى كل اسم خالف الإسلام والسنة. (4)

- وقال: اعلموا إخواني أني فكرت في السبب الذي أخرج أقواما من السنة والجماعة واضطرهم إلى البدعة والشناعة وفتح باب البلية على أفئدتهم، وحجب نور الحق عن بصيرتهم، فوجدت ذلك من وجهين: أحدهما: البحث والتنقير وكثرة السؤال عما لا يعني ولا يضر العاقل جهله ولا ينفع المؤمن

(1) النساء الآية (69).

(2)

النساء الآية (115).

(3)

الإبانة (1/ 2/364 - 365).

(4)

الإبانة (1/ 2/388 - 389).

ص: 392

فهمه. والآخر: مجالسة من لا تؤمن فتنته وتفسد القلوب صحبته. (1)

- وقال: فالعجب يا إخواني رحمكم الله لقوم حيارى تاهت عقولهم عن طرقات الهدى، فذهبت تند محاضره في أودية الردى، تركوا ما قدمه الله عز وجل في وحيه وافترضه على خلقه، وتعبدهم بطلبه وأمرهم بالنظر والعمل به، وأقبلوا على ما لم يجدوه في كتاب ناطق ولا تقدمهم فيه سلف سابق، فشغلوا به وفرغوا له آراءهم وجعلوه ديناً يدعون إليه ويعادون من خالفهم عليه، أما عَلِمَ الزائغون مفاتيح أبواب الكفر ومعالم أسباب الشرك، التكلف لما لم تحط الخلائق به علماً به، ولم يأت القرآن بتأويله ولا أباحت السنة النظر فيه، فتزيد الناقص الحقير والأحمق الصغير بقوته الضعيفة، وعقله القصير، أن يهجم على سر الله المحجوب، ويتناول علمه بالغيوب، يريدها لنفسه وطوى عليها علمها دون خلقه، فلم يحيطوا من علمها إلا بما شاء، ولا يعلمون منها إلا ما يريد، فكل ما لم ينزل الوحي بذكره، ولم تأت السنة بشرحه من مكنون علم الله ومخزون غيبه، وخفي أقداره فليس للعباد أن يتكلفوا من علمه ما لا يعلمون، ولا يتحملوا من نقله ما لا يطيقون، فإنه لن يعدوا رجل كلف ذلك نظره وقلب فيه فكره أن يكون كالناظرين في عين الشمس ليعرف قدرها، أو كالمرتمي في ظلمات البحور ليدرك قعرها، فليس يزداد على المضي في ذلك إلا بعداً، ولا على دوام النظر في ذلك إلا تحيراً، فليقبل المؤمن العاقل ما يعود عليه نفعه، ويترك إشغال نظره وإعمال فكره في محاولة الإحاطة بما لم يكلفه، ومرام الظفر بما لم يطوقه، فيسلك سبيل العافية،

(1) الإبانة (1/ 2/390).

ص: 393

ويأخذ بالمندوحة الواسعة، ويلزم الحجة الواضحة، والجادة السابلة، والطريق الآنسة، فمن خالف ذلك وتجاوزه إلى الغمط بما أمر به والمخالفة إلى ما ينهى عنه، يقع والله في بحور المنازعة وأمواج المجادلة، ويفتح على نفسه أبواب الكفر بربه والمخالفة لأمره والتعدي لحدوده، والعجب لمن خلق من نطفة من ماء مهين فإذا هو خصيم مبين، كيف لا يفكر في عجزه عن معرفة خلقه، أما يعلمون أن الله عز وجل قد

أخذ عليكم ميثاق الكتاب أن لا تقولوا على الله إلا الحق، فسبحان الله أنى تؤفكون. حدثني ابن الصواف، قال: سمعت أبي يقول: سمعت بعض العلماء يقول: لو كلف الله هؤلاء ما كلفوه أنفسهم من البحث والتنقير لكان من أعظم ما افترضه عليهم. قال ابن بطة: فالزموا رحمكم الله الطريق الأقصد، والسبيل الأرشد، والمنهاج الأعظم من معالم دينكم وشرائع توحيدكم التي اجتمع عليها المختلفون، واعتدل عليها المعترفون:{وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)} (1). وترك الدخول في الضيق الذي لم نخلق له. اهـ. (2)

- وقال: الله الله إخواني يا أهل القرآن، ويا حملة الحديث، لا تنظروا فيما لا سبيل لعقولكم إليه، ولا تسألوا عما لم يتقدمكم السلف الصالح من علمائكم إليه، ولا تكلفوا أنفسكم ما لا قوة بأبدانكم الضعيفة، ولا تنقروا ولا تبحثوا عن مصون الغيب ومكنون العلوم، فإن الله جعل للعقول غاية

(1) الأنعام الآية (153).

(2)

الإبانة (1/ 2/420 - 421).

ص: 394

تنتهي إليها، ونهاية تقصر عندها، فما نطق به الكتاب وجاء به الأثر فقولوه، وما أشكل عليكم فكِلوه إلى عالمه، ولا تحيطوا الأمور بحيط العشوا حنادس الظلماء بلا دليل هاد، ولا ناقد بصير، أتراكم أرجح أحلاماً وأوفر عقولاً من الملائكة المقربين، حين قالوا:{لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)} (1).اهـ (2)

- وقال: قد أعلمتك يا أخي -عصمني الله وإياك من الفتن ووقانا وإياك جميع المحن- أن الذي أورد القلوب حمامها، وأورثها الشك بعد اتقائها، هو البحث والتنقير وكثرة السؤال عما لا تؤمن فتنته وقد كفي العقلاء مؤنته، وأن الذي أمرضها بعد صحتها، وسلبها أثواب عافيتها، إنما هو من صحبة من تغر ألفته، وتورد النار في القيامة صحبته. أما البحث والسؤال فقد شرحت لك ما إن أصغيت إليه -مع توفيق الله- عصمك، ولك فيه مقنع وكفاية، وأما الصحبة فسأتلو عليك من نبأ حالها ما إن تمسكت به نفعك، وإن أردت الله الكريم به وفقك، قال الله عز وجل فيما أوصى به نبيه صلى الله عليه وسلم وحذره منه:{وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68)} (3) ثم أذكره ما حذره

(1) البقرة الآية (32).

(2)

الإبانة (1/ 2/423 - 424).

(3)

الأنعام الآية (68).

ص: 395

وأعاد له ذكر ما أنذره فقال تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140)} (1).اهـ (2)

- وقال ابن بطة -عقب إيراده لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «من سمع منكم بخروج الدجال فلينأ عنه ما استطاع فإن الرجل يأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فما يزال به حتى يتبعه لما يرى من الشبهات» (3) -: هذا قول الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق. فالله الله معشر المسلمين، لا يحملن أحداً منكم حسن ظنه بنفسه وما عهده من معرفته بصحة مذهبه على المخاطرة بدينه في مجالسة بعض أهل هذه الأهواء، فيقول أداخله لأناظره أو لأستخرج منه مذهبه، فإنهم أشد فتنة من الدجال، وكلامهم ألصق من الجرب، وأحرق للقلوب من اللهب، ولقد رأيت جماعة من الناس كانوا يلعنونهم ويسبونهم فجالسوهم على سبيل الإنكار والرد عليهم، فما زالت بهم المباسطة وخفي المكر ودقيق الكفر حتى صبوا إليهم. (4)

ثم أورد رحمه الله آثاراً على ذلك تجدها مبثوثة بحمد الله في هذه

(1) النساء الآية (140).

(2)

الإبانة (2/ 3/429 - 430)

(3)

تقدم تخريجه. انظر مواقف أحمد بن سنان (259هـ).

(4)

الإبانة (2/ 3/470).

ص: 396

المسيرة المباركة.

- وقال ابن بطة: فاعلم يا أخي أني لم أر الجدال والمناقضة والخلاف والمماحلة والأهواء المختلفة والآراء المخترعة من شرائع النبلاء، ولا من أخلاق العقلاء، ولا من مذاهب أهل المروءة، ولا مما حكي لنا عن صالحي هذه الأمة، ولا من سير السلف، ولا من شيمة المرضيين من الخلف، وإنما هو لهو يتعلم ودراية يتفكه بها، ولذة يستراح إليها، ومهارشة العقول، وتذريب اللسان بمحق الأديان، وضراوة على التغالب واستمتاع بظهور حجة المخاصم، وقصد إلى قهر المناظر والمغالطة في القياس، وبهت في المقاولة وتكذيب الآثار، وتسفيه أحلام الأبرار، ومكابرة لنص التنزيل وتهاون بما قاله الرسول، ونقض لعقدة الإجماع، وتشتيت الألفة وتفريق لأهل الملة، وشكوك تدخل على الأمة، وضراوة السلاطة، وتوغير للقلوب، وتوليد للشحناء في النفوس، عصمنا الله وإياكم من ذلك وأعاذنا من مجالسة أهله. (1)

- وقال: فأهل الأهواء في تكفير بعضهم لبعض مصيبون، لأن اختلافهم في شرائع شرعتها أهواؤهم وديانات استحسنتها آراؤهم، فتفرقت بهم الأهواء وشتت بهم الآراء، وحل بهم البلاء، وحرموا البصيرة والتوفيق، فزلت أقدامهم عن محجة الطريق، فالمخطئ منهم زنديق، والمصيب على غير أصل ولا تحقيق. (2)

- وقال: فإن قال قائل: قد حذرتنا الخصومة والمراء والجدال والمناظرة،

(1) الإبانة (2/ 3/531 - 532).

(2)

الإبانة (2/ 3/535 - 536).

ص: 397

وقد علمنا أن هذا هو الحق، وإن هذه سبيل العلماء وطريق الصحابة والعقلاء من المؤمنين والعلماء المستبصرين، فإن جاءني رجل يسألني عن شيء من هذه الأهواء التي قد ظهرت والمذاهب القبيحة التي قد انتشرت، ويخاطبني منها بأشياء يلتمس مني الجواب عليها، وأنا ممن قد وهب الله الكريم لي علماً بها وبصراً نافذاً في كشفها، أفأتركه يتكلم بما يريد ولا أجيبه وأخليه وهواه وبدعته، ولا أردّ عليه قبيح مقالته، فإني أقول له: اعلم يا أخي رحمك الله أن الذي تبلى به من أهل هذا الشأن لن يخلو أن يكون واحداً من ثلاثة: إما رجلاً قد عرفت حسن طريقته وجميل مذهبه ومحبته للسلامة وقصده طريق الاستقامة، وإنما قد طرق سمعه من كلام هؤلاء الذين قد سكنت الشياطين قلوبهم، فهي تنطق بأنواع الكفر على ألسنتهم، وليس يعرف وجه المخرج مما قد بلي به، فسؤاله سؤال مسترشد يلتمس المخرج مما بلي به والشفا مما أوذي (1) إلى علمك حاجته إليك حاجة الصادي إلى الماء الزلال وأنت قد استشعرت طاعته وأمنت مخالفته، فهذا الذي قد افترض عليك توفيقه وإرشاده من حبائل كيد الشياطين، وليكن ما ترشده به وتوقفه عليه من الكتاب والسنة والآثار الصحيحة من علماء الأمة من الصحابة والتابعين، وكل ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة، وإياك والتكلف لما لا تعرفه وتمحل الرأي والغوص على دقيق الكلام، فإن ذلك من فعلك بدعة وإن كنت تريد به السنة، فإن إرادتك للحق من غير طريق الحق باطل وكلامك على السنة من غير السنة بدعة، ولا تلتمس لصاحبك الشفاء بسقم نفسك، ولا تطلب

(1) قال محقق الإبانة: كذا في ظ: العبارة غير واضحة ولا يوجد هذا الأثر في ت.

ص: 398

صلاحه بفسادك، فإنه لا ينصح الناس من غش نفسه، ومن لا خير فيه لنفسه لا خير فيه لغيره، فمن أراد الله وفقه وسدده ومن اتقى الله أعانه ونصره. (1)

وقال ابن بطة -عقب أثر الأوزاعي لما سأله محمد بن النضر قال: أآمر بالمعروف؟ قال (الأوزاعي): من يقبل منك؟ -: صدق الأوزاعي رحمه الله، فهكذا قال علي بن أبي طالب عليه السلام:"لا إمرة لمن لا يطاع". فإذا كان السائل لك هذه أوصافه وجوابك له على النحو الذي قد شرحته فشأنك به، ولا تأل فيه جهداً فهذه سبيل العلماء الماضين الذين جعلهم الله أعلاماً في هذا الدين فهذا أحد الثلاثة. ورجل آخر يحضر في مجلس أنت فيه حاضر تأمن فيه على نفسك ويكثر ناصروك ومعينوك، فيتكلم بكلام فيه فتنة وبلية على قلوب مستمعيه ليوقع الشك في القلوب لأنه هو ممن في قلبه زيغ يتبع المتشابه ابتغاء الفتنة والبدعة، وقد حضر معك من إخوانك وأهل مذهبك من يسمع كلامه إلا أنه لا حجة عندهم على مقابلته، ولا علم لهم بقبيح ما يأتي به، فإن سكت عنه لم تأمن فتنته بأن يفسد بها قلوب المستمعين، وإدخال الشك على المستبصرين، فهذا أيضاً مما ترد عليه بدعته وخبيث مقالته، وتنشر ما علمك الله من العلم والحكمة، ولا يكن قصدك في الكلام خصومته ولا مناظرته، وليكن قصدك بكلامك خلاص إخوانك من شبكته، فإن خبثاء الملاحدة إنما يبسطون شباك الشياطين ليصيدوا بها المؤمنين، فليكن إقبالك بكلامك ونشر علمك وحكمتك وبشر وجهك وفصيح منطقك على إخوانك، ومن قد حضر معك لا عليه، حتى تقطع أولئك عنه وتحول بينهم

(1) الإبانة (2/ 3/540 - 541).

ص: 399

وبين استماع كلامه، بل إن قدرت أن تقطع عليه كلامه بنوع من العلم تحول به وجوه الناس عنه فافعل.

حدثني أبو صالح قال حدثنا محمد بن داود أبو جعفر البصروي قال حدثنا مثنى بن جامع، قال: سمعت بشر بن الحارث، سئل عن الرجل يكون مع هؤلاء أهل الأهواء في موضع جنازة أو مقبرة فيتكلمون ويعرضون فترى لنا أن نجيبهم، فقال: إن كان معك من لا يعلم فردوا عليه لئلا يرى أولئك أن القول كما يقولون وإن كنتم أنتم وهم فلا تكلموهم ولا تجيبوهم.

فهذان رجلان قد عرفتك حالهما ولخصت لك وجه الكلام لهما. وثالث مشؤوم قد زاغ قلبه وزلت عن سبيل الرشاد قدمه، فعشيت بصيرته واستحكمت للبدعة نصرته، يجهده أن يشكك في اليقين ويفسد عليك صحيح الدين، فجميع الذي رويناه وكلما حكيناه في هذا الباب لأجله وبسببه، فإنك لن تأتي في باب حصر منه ووجيع مكيدته أبلغ من الإمساك عن جوابه، والإعراض عن خطأ به لأن غرضه من مناظرتك أن يفتنك فتتبعه فيملك وييأس منك، فيشفي غيظه أن يسمعك في دينك ما تكرهه، فأخسئه بالإمساك عنه، وأذلله بالقطيعة له، أليس قد أخبرتك بقول الحسن رحمه الله حين قال له القائل: يا أبا سعيد: تعال حتى أخاصمك في الدين، فقال له الحسن: أما أنا فقد أبصرت ديني فإن كنت قد أضللت دينك فالتمسه. وأخبرتك بقول مالك حين جاءه بعض أهل الأهواء فقال له: أما أنا فعلى بينة من ربي وأما أنت فشاك فاذهب إلى شاك مثلك فخاصمه. فهل يأتي في جواب المخالف من جميع الحجج حجة هي أسخن لعينه ولا أغيظ لقلبه من

ص: 400

مثل هذه الحجة؟ والجواب: أما سمعت قول مصعب بن سعد: لا تجالس مفتونا فإنه لن يخطئك إحدى اثنتين: إما أن يفتنك فتتبعه، وإما أن يؤذيك قبل أن تفارقه. وأيوب السختياني حين قال له الرجل: أكلمك بكلمة، فولى عنه وأشار بإصبعه: ولا نصف كلمة. وعبد الرزاق حين قال لابن أبي يحيى: القلب ضعيف وليس الدين لمن غلب.

حدثنا أبو طلحة أحمد بن محمد الفزاري، قال: حدثنا عبد الله بن خبيق، قال: حدثنا عبد الله بن داود، قال: قال الأعمش: السكوت جواب. حدثنا ابن دريد، قال: حدثنا الرياشي قال: حدثنا الأصمعي قال: سمعت شبيب بن شيبة يقول: من صبر على كلمة حسمها ومن أجاب عنها استدرها، فإن كنت ممن يريد الاستقامة ويؤثر طريق السلامة فهذه طريق العلماء وسبيل العقلاء، ولك فيما انتهى إليك من علمهم وفعلهم كفاية وهداية، وإن كنت ممن قد زاغ قلبه وزلت قدمه فأنت متحيز إلى فئة الضلالة وحزب الشيطان، قد أنست بما استوحش منه العقلاء ورغبت فيما زهد فيه العلماء، قد جعلت لقوم بطانتك وخزانتك، قد استبشرت جوارحك بلقائهم وأنس قلبك بحديثهم، فقد جعلت ذريعتك إلى مجالستهم وطريقك إلى محادثتهم، أنك تريد بذلك مناظرتهم وإقامة الحجة عليهم ورد بالهم إليهم، فإن تك بهرجتك خفيت على أهل الغفلة من الآدمين فلن يخفى ذلك على من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. (1)

- وقال ابن بطة: فإن قال قائل فهذا النهي والتحذير عن الجدل في

(1) الإبانة (2/ 3/541 - 544).

ص: 401

الأهواء والمماراة لأهل البدع قد فهمناه ونرجو أن تكون لنا فيه عظة ومنفعة، فما نصنع بالجدل والحجاج فيما يعرض من مسائل الأحكام في الفقه، فإنا نرى الفقهاء وأهل العلم يتناظرون على ذلك كثيرا في الجوامع والمساجد، ولهم بذلك حلق ومساجد، فإني أقول له: هذا لست أمنعك منه ولكني أذكر لك الأصل الذي بنى المسلمون عليه في هذا المعنى كيف أسسوه ووضعوه، فمن كان ذلك الأصل أصله وهو قصده ومعوله فالحجاج والمناظرة له مباحة وهو مأجور، ثم أنت أمين الله على نفسك فهو المطلع على سرك، فاعلم رحمك الله: أن أصل الدين النصيحة، وليس المسلمون إلى شيء من وجوه النصيحة أفقر ولا أحوج ولا هي لبعضهم على بعض أفرض ولا ألزم من النصيحة في تعليم العلم، الذي هو قوام الدين وبه أديت الفرائض إلى رب العالمين.

فالذي يلزم المسلمين في مجالسهم ومناظراتهم في أبواب الفقه والأحكام تصحيح النية بالنصيحة واستعمال الإنصاف والعدل ومراد الحق الذي به قامت السماوات والأرض، فمن النصيحة أن تكون تحب صواب مناظرك ويسوؤك خطأه كما تحب الصواب من نفسك ويسوؤك الخطأ منها، فإنك إن لم تكن هكذا كنت غاشّاً لأخيك ولجماعة المسلمين، وكنت محباً أن يخطأ في دين الله وأن يكذب عليه ولا يصيب الحق في الدين ولا يصدق، فإذا كانت نيتك أن يسرك صواب مناظرك ويسوؤك خطأه فأصاب وأخطأت لم يسؤك الصواب ولم تدفع ما أنت تحبه بل سرك ذلك وتتلقاه بالقبول والسرور والشكر لله عز وجل حين وفق صاحبك لما كنت تحب أن تسمعه منه، فإن أخطأ ساءك ذلك وجعلت همتك التلطف لتزيله عنه، لأنك

ص: 402

رجل من أهل العلم يلزمك النصيحة للمسلمين بقول الحق، فإن كان عندك بذلته وأحببت قبوله، وإن كان عند غيرك قبلته، ومن دَلَّك عليه شكرت له، فإذا كان هذا أصلك وهذه دعواك فأين تذهب عما أنت له طالب وعلى جمعه حريص، ولكنك والله يا أخي تأبى الحق وتنكره إذا سبقك مناظرك إليه وتحتال لإفساد صوابه وتصويب خطئك وتغتاله وتلقي عليه التغاليظ وتظهر التشنيع، ولا سيما إن كان في عينك وعند أهل مجلسك أنه أقل علماً منك فذاك الذي تجحد صوابه وتكذب حقه، ولعل الأنفة تحملك إذا هو احتج عليك بشيء خالف قولك فقال لك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قلت لم يقله رسول الله فجحدت الحق الذي تعلمه ورددت السنة، فإن كان مما لا يمكنك إنكاره أدخلت على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم علة تغير بها معناه وصرفت الحديث إلى غير وجهه، فإرادتك أن يخطأ صاحبك خطأ منك واغتنامك بصوابه غش فيك وسوء نية في المسلمين.

فاعلم يا أخي أن من كره الصواب من غيره ونصر الخطأ من نفسه لم يؤمن عليه أن يسلبه الله ما علمه وينسيه ما ذكره، بل يخاف عليه أن يسلبه الله إيمانه، لأن الحق من رسول الله إليك افترض عليك طاعته فمن سمع الحق فأنكره بعد علمه له فهو من المتكبرين على الله، ومن نصر الخطأ فهو من حزب الشيطان، فإن قلت أنت الصواب وأنكره خصمك ورده عليك كان ذلك أعظم لأنفتك وأشد لغيظك وحنقك وتشنيعك وإذاعتك وكل ذلك مخالف للعلم ولا موافق للحق. بلغني عن الحسن بن عبد العزيز الجروي المصري أنه قال: سمعت الشافعي يقول: ما ناظرت أحداً قط فأحببت أن يخطأ وما في ظني علم إلا وددت أنه عند كل

ص: 403

أحد ولا ينسب إلي. وبلغني عن حرملة بن يحيى، قال: سمعت الشافعي يقول: وددت أن كل علم أعلمه يعلمه الناس أؤجر عليه ولا يحمدونني.

وحدثني أبو صالح محمد بن أحمد، قال: حدثنا أبو الأحوص، قال: سمعت حسينا الزعفراني يقول: سمعت الشافعي يحلف وهو يقول: ما ناظرت أحداً قط إلا على النصيحة وما ناظرت أحداً ما فأحببت أن يخطئ، أفهكذا أنت يا أخي بالله عليك؟ إن ادعيت ذلك فقد زعمت أنك خير من الأخيار، وبدل من الأبدال والذي يظهر من أهل وقتنا أنهم يناظرون مغالبة لا مناظرة ومكايدة لا مناصحة، ولربما ظهر من أفعالهم ما قد كثر وانتشر في كثير من البلدان، فمما يظهر من قبيح أفعالهم وما يبلغ بهم حب الغلبة ونصرة الخطأ أن تحمر وجوههم وتدر عروقهم وتنتفخ أوداجهم ويسيل لعابهم، ويزحف بعضهم إلى بعض حتى ربما لعن بعضهم بعضاً، وربما بزق بعضهم على بعض، وربما مد أحدهم يده إلى لحية صاحبه، ولقد شهدت حلقة بعض المتصدرين في جامع المنصور فتناظر أهل مجلسه بحضرته فأخرجهم غيظ المناظرة وحمية المخالفة إلى أن قذف بعضهم زوجة صاحبه ووالدته، فحسبك بهذه الحال بشاعة وشناعة على سفه الناس وجهالهم، فكيف بمن تسمى بالعلم وترشح للإمامة والفتيا، ولقد رأيت المناظرين في قديم الزمان وحديثه فما رأيت ولا حدثت ولا بلغني أن مختلفين تناظرا في شيء ففلجت حجة أحدهما وظهر صوابه وأخطأ الآخر وظهر خطؤه فرجع المخطئ عن خطأه ولا صبا إلى صواب صاحبه ولا افترقا إلا على الاختلاف والمباينة، وكل واحد منهما متمسك بما كان عليه ولربما علم أنه على الخطأ فاجتهد في نصرته، وهذه

ص: 404