المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌موقفه من المبتدعة: - موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية - جـ ٥

[المغراوي]

فهرس الكتاب

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من الخوارج:

- ‌موقفه من المرجئة:

- ‌موقفه من القدرية:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من القدرية:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من المرجئة:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من الرافضة والجهمية والخوارج والمرجئة والقدرية:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقف السلف من ابن أبي العزاقر (319 ه

- ‌موقف السلف من ابن مسرة (319 ه

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقف السلف من الحكيم الترمذي الصوفي (320 ه

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من الصوفية:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من الخوارج:

- ‌موقفه من القدرية:

- ‌موقف السلف من المهدي الرافضي عبيد الله أبي محمد (322 ه

- ‌أبو علي الروذباري الصوفي (322 ه

- ‌موقفه من الصوفية:

- ‌موقفه من المشركين:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من المرجئة:

- ‌موقفه من القدرية:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من المشركين:

- ‌المرتعش الصوفي (328 ه

- ‌موقفه من الصوفية:

- ‌موقفه من المشركين:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من الخوارج:

- ‌موقفه من المرجئة:

- ‌موقفه من القدرية:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من المشركين:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقف السلف من القرمطي عدوّ الله أبي طاهر سليمان الزنديق (332 ه

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقف السلف من القائم بأمر الله (الزنديق) (334 ه

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من المشركين:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقف السلف من الفارابي الزنديق (339 ه

- ‌القاهر بالله (339 ه

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من القدرية:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من القدرية:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من الخوارج:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌أبو محمد بن عبد البصري المالكي (347 ه

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من المشركين:

- ‌موقف السلف من ابن سالم الصوفي (350 ه

- ‌موقفه من المشركين:

- ‌موقف السلف من ابن أبي دارم الرافضي (352 ه

- ‌موقف السلف من ابن الداعي الشيعي (353 ه

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقف السلف من المتنبي (354 ه

- ‌موقفه من القدرية:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقف السلف من ابن الجعابي (355 ه

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من المشركين:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من الصوفية:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من الخوارج:

- ‌موقفه من المرجئة:

- ‌موقفه من القدرية:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقف السلف من النعمان الباطني العبيدي (363 ه

- ‌موقف السلف من المعز العبيدي المهدوي (365 ه

- ‌موقف السلف من النصرآبادي (367 ه

- ‌موقفه من المشركين:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقف السلف من أبي بكر الرازي المعتزلي (370 ه

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من المرجئة:

- ‌موقفه من القدرية:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌أبو عبد الله بن خفيف الشيرازي الصوفي (371 ه

- ‌موقفه من المبتدعة والرافضة والجهمية والخوارج والمرجئة والقدرية:

- ‌موقف السلف من عضد الدولة الشيعي (372 ه

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌أبو عثمان المغربي الصوفي (373 ه

- ‌موقفه من الصوفية:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من المشركين:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من الخوارج:

- ‌موقفه من المرجئة:

- ‌موقفه من القدرية:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من المشركين:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من المرجئة:

- ‌موقفه من القدرية:

- ‌موقفه من المشركين:

- ‌موقفه من الفلاسفة:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من علم الكلام:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من المشركين:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من المرجئة:

- ‌موقفه من القدرية:

- ‌موقف السلف من أبي طالب المكي (386 ه

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من المرجئة:

- ‌موقفه من القدرية:

- ‌موقفه من المشركين:

- ‌موقفه من المبتدعة والجهمية:

- ‌موقفه من المشركين:

- ‌موقفه من المؤولة وغيرهم:

- ‌موقفه من المرجئة:

- ‌موقفه من المرجئة:

- ‌موقفه من الجهمية:

- ‌موقفه من الأشعرية وغيرهم:

- ‌موقفه من الرافضة:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من المبتدعة:

- ‌موقفه من المشركين:

الفصل: ‌موقفه من المبتدعة:

‌موقفه من المبتدعة:

آثار الشيخ السلفية:

1 -

كتاب الشريعة: وهو من أعظم المصادر السلفية التي غاظت المبتدعة، فذكروه في كتبهم بأوصاف قبيحة كلها كذب وتدليس وغش، والبادي بذلك الجويني، وتبعه الأشاعرة بعده، كما فعل ذلك القرطبي في الأسنى، وقد رددت عليه وبينت بطلان تأويلاته لصفات الله عز وجل في كتابي: 'المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات'. (1)

هذا، وقد لقي كتاب 'الشريعة' عناية فائقة؛ فحقق تحقيقات عدة ولله الحمد والمنة.

وهو كتاب عظيم فيه علوم نافعة اغتاظ به منافقو الجهمية وأذنابهم.

2 -

التصديق بالنظر إلى الله تعالى في الآخرة، وقد حقق رسالة علمية بالجامعة الإسلامية.

- قال محمد بن الحسين رحمه الله: باب ذكر الأمر بلزوم الجماعة والنهي عن الفرقة، بل الاتباع وترك الابتداع: إن الله عز وجل بمنه وفضله أخبرنا في كتابه عمن تقدم من أهل الكتابين اليهود والنصارى، أنهم إنما هلكوا لما افترقوا في دينهم وأعلمنا مولانا الكريم، أن الذي حملهم على الفرقة عن الجماعة، والميل إلى الباطل، الذي نهوا عنه إنما هو البغي والحسد بعد أن علموا ما لم يعلم غيرهم، فحملهم شدة البغي والحسد إلى أن صاروا فرقاً فهلكوا، فحذرنا مولانا الكريم أن نكون مثلهم فنهلك كما هلكوا بل أمرنا

(1)(4/ 1574 - 1796).

ص: 208

عز وجل بلزوم الجماعة، ونهانا عن الفرقة، وكذلك حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من الفرقة وأمرنا بالجماعة، وكذلك حذرنا أئمتنا ممن سلف من علماء المسلمين، كلهم يأمرون بلزوم الجماعة، وينهون عن الفرقة.

فإن قال قائل: فاذكر لنا ذلك لنحذر ما تقوله. والله الموفق لنا إلى سبيل الرشاد.

قيل له: سأذكر من ذلك ما حضرني ذكره مبلغ علمي، الذي علمني الله عز وجل، نصيحة لإخواني من أهل القرآن، وأهل الحديث، وأهل الفقه، وغيرهم من سائر المسلمين. والله الموفق لما قصدت له، والمعين عليه، إن شاء الله.

قال الله تعالى في سورة البقرة: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (1) وقال عز وجل: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ

(1) البقرة الآية (213).

ص: 209

وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} (1) وقال تعالى في سورة آل عمران: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} (2) وقال تعالى في سورة الأنعام: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} (3) وقال تعالى في سورة يونس: {وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} (4) وقال تعالى في سورة حم عسق: {مَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ

(1) البقرة الآية (253).

(2)

آل عمران الآية (19).

(3)

الأنعام الآية (159).

(4)

يونس الآية (93) ..

ص: 210

مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ} (1) وقال تعالى في سورة (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب) قوله تعالى: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (4) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} (2).

قال محمد بن الحسين رحمه الله: فأعلمنا مولانا الكريم أنهم أوتوا علماً، فبغى بعضهم على بعض، وحسد بعضهم بعضاً، حتى أخرجهم ذلك إلى أن تفرقوا فهلكوا.

فإن قال قائل: فأين المواضع من القرآن التي فيها نهانا الله تعالى أن نكون مثلهم، حتى نحذر ما حذرنا مولانا الكريم من الفرقة، بل نلزم الجماعة؟

قيل له: قال الله تعالى في سورة آل عمران: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ

(1) الشورى الآية (14).

(2)

البينة الآيتان (4و5).

ص: 211

النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (1) وقال تعالى في سورة الأنعام: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (2) وقال تعالى في سورة الروم: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} (3) وقال تعالى في سورة حم عسق: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ

(1) آل عمران الآيات (102 - 105).

(2)

الأنعام الآية (153).

(3)

الروم الآيات (30 - 32).

ص: 212

أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} (1).

قال محمد بن الحسين رحمه الله: فهل يكون من البيان أشفى من هذا عند من عقل عن الله تعالى، وتدبر ما به حذره مولاه الكريم من الفرقة؟

ثم اعلموا رحمنا الله تعالى وإياكم: أن الله تعالى قد أعلمنا وإياكم في كتابه، أنه لا بد من أن يكون الاختلاف بين خلقه، ليضل من يشاء، ويهدي من يشاء، جعل الله عز وجل ذلك موعظة يتذكر بها المؤمنون، فيحذرون الفرقة، ويلزمون الجماعة، ويدعون المراء والخصومات في الدين، ويتبعون ولا يبتدعون. فإن قال قائل: أين هذا من كتاب الله تعالى؟ قيل له: قال الله تعالى في سورة هود: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119) وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} (2) ثم إن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتبع ما أنزله إليه، ولا يتبع أهواء من تقدم من الأمم فيما اختلفوا فيه. ففعل صلى الله عليه وسلم، وحذر أمته الاختلاف والإعجاب، واتباع الهوى.

قال الله تعالى في سورة حم الجاثية:

(1) الشورى الآية (13).

(2)

هود الآيات (118 - 120).

ص: 213

{وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16) وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (17) ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (19) هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (1).اهـ (2)

- وقال محمد بن الحسين: علامة من أراد الله به خيراً: سلوك هذا الطريق: كتاب الله، وسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنن أصحابه رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان، وما كان عليه أئمة المسلمين في كل بلد إلى آخر ما كان من العلماء، مثل الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والشافعي، وأحمد بن حنبل، والقاسم بن سلام، ومن كان على مثل طريقتهم، ومجانبة كل مذهب يذمه هؤلاء العلماء. (3)

(1) الجاثية الآيات (16 - 20).

(2)

الشريعة (1/ 113 - 116).

(3)

الشريعة (1/ 124).

ص: 214

- وقال رحمه الله:

باب ذكر افتراق الأمم في دينهم وعلى كم تفترق هذه الأمة:

أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عن أمة موسى عليه السلام: "أنهم اختلفوا على إحدى وسبعين ملة، كلها في النار إلا واحدة". وأخبرنا عن أمة عيسى عليه السلام: "أنهم اختلفوا عليه على اثنتين وسبعين ملة، إحدى وسبعون منها في النار وواحدة في الجنة". قال صلى الله عليه وسلم: "وتعلو أمتي الفريقين جميعاً، تزيد عليهم فرقة واحدة، ثنتان وسبعون منها في النار وواحدة في الجنة".

ثم إنه سئل صلى الله عليه وسلم: من الناجية؟ فقال في حديث: "ما أنا عليه وأصحابي"(1).

وفي حديث قال: "السواد الأعظم"(2).

وفي حديث قال: "واحدة في الجنة، وهي الجماعة"(3).

قلت أنا: ومعانيها واحدة إن شاء الله تعالى. (4)

(1) أخرجه الترمذي (5/ 26/2641) والحاكم (1/ 128 - 129) من طريق عبد الرحمن بن زياد عن عبد الله بن يزيد عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً، وفيه عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، قال فيه الحافظ:"ضعيف في حفظه، ولكن للحديث شواهد كشاهد أبي هريرة ومعاوية وغيرهما".

(2)

أخرجه: ابن أبي عاصم في السنة (1/ 34/68)، الطبراني في الكبير (8/ 268/8035) وفي الأوسط (8/ 98/7198) والبيهقي (8/ 188) كلهم عن أبي أمامة رضي الله عنه. وذكر الهيثمي في المجمع (7/ 258) وقال:"رواه الطبراني في الأوسط والكبير بنحوه وفيه أبو غالب وثقه ابن معين وغيره، وبقية رجال الأوسط ثقات، وكذلك أحد إسنادي الكبير".

(3)

رواه أحمد (4/ 102) وأبو داود (5/ 5 - 6/ 4597) والحاكم (1/ 128) من طريق الأزهر بن عبد الله عن أبي عامر عبد الله بن لحي عن معاوية بن أبي سفيان مرفوعاً. وحسن إسناده الحافظ في تخريج الكشاف، وفي الباب عن أنس ابن مالك وعوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنهما.

(4)

الشريعة (1/ 125).

ص: 215

- وقال رحمه الله: رحم الله عبداً حذر هذه الفرق، وجانب البدع ولم يبتدع، ولزم الأثر فطلب الطريق المستقيم، واستعان بمولاه الكريم. (1)

وقال: ينبغي لأهل العلم والعقل إذا سمعوا قائلا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء قد ثبت عند العلماء، فعارض إنسان جاهل، فقال: لا أقبل إلا ما كان في كتاب الله تعالى، قيل له: أنت رجل سوء، وأنت ممن يحذرناك النبي صلى الله عليه وسلم، وحذر منك العلماء.

وقيل له: يا جاهل، إن الله أنزل فرائضه جملة، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس ما أنزل إليهم، قال الله عز وجل:{بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (2) فأقام الله تعالى نبيه عليه السلام مقام البيان عنه، وأمر الخلق بطاعته، ونهاهم عن معصيته، وأمرهم بالانتهاء عما نهاهم عنه، فقال تعالى:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (3)، ثم حذرهم أن يخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تعالى:{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (4) وقال عز وجل: {فلا

(1) الشريعة (1/ 132).

(2)

النحل الآية (44).

(3)

الحشر الآية (7).

(4)

النور الآية (63).

ص: 216

وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (1) ثم فرض على الخلق طاعته صلى الله عليه وسلم في نيف وثلاثين موضعاً من كتابه تعالى.

وقيل لهذا المعارض لسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا جاهل، قال الله تعالى:{وأقيموا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزكاة} (2) أين تجد في كتاب الله تعالى أن الفجر ركعتان، وأن الظهر أربع، والعصر أربع، والمغرب ثلاث، وأن العشاء الآخرة أربع؟ أين تجد أحكام الصلاة ومواقيتها، وما يصلحها وما يبطلها إلا من سنن النبي صلى الله عليه وسلم؟ ومثله الزكاة، أين تجد في كتاب الله تعالى من مائتي درهم خمسة دراهم، ومن عشرين ديناراً نصف دينار، ومن أربعين شاة شاة، ومن خمس من الإبل شاة، ومن جميع أحكام الزكاة، أين تجد هذا في كتاب الله تعالى؟

وكذلك جميع فرائض الله، التي فرضها الله في كتابه، لا يعلم الحكم فيها، إلا بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هذا قول علماء المسلمين، من قال غير هذا خرج عن ملة الإسلام، ودخل في ملة الملحدين، نعوذ بالله من الضلالة بعد الهدى. (3)

- وقال رحمه الله: من كان له علم وعقل، فميز جميع ما تقدم ذكرى

(1) النساء الآية (65).

(2)

البقرة الآية (43).

(3)

الشريعة (1/ 176 - 177).

ص: 217

له من أول الكتاب إلى هذا الموضع علم أنه محتاج إلى العمل به، فإن أراد الله به خيراً لزم سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان من أئمة المسلمين في كل عصر، وتعلم العلم لنفسه، لينتفي عنه الجهل، وكان مراده أن يتعلمه لله تعالى ولم يكن مراده أن يتعلمه للمراء والجدال والخصومات، ولا للدنيا، ومن كان هذا مراده، سلم إن شاء الله تعالى من الأهواء والبدع والضلالة، واتبع ما كان عليه من تقدم من أئمة المسلمين الذين لا يستوحش من ذكرهم، وسأل الله تعالى أن يوفقه لذلك.

فإن قال قائل: فإن كان رجل قد علمه الله تعالى علماً، فجاءه رجل يسأله عن مسألة في الدين، ينازعه فيها ويخاصمه، ترى له أن يناظره، حتى تثبت عليه الحجة، ويرد عليه قوله؟

قيل له: هذا الذي نهينا عنه، وهو الذي حذرناه من تقدم من أئمة المسلمين.

فإن قال قائل: فماذا نصنع؟

قيل له: إن كان الذي يسألك مسألته، مسألة مسترشد إلى طريق الحق لا مناظرة، فأرشده بألطف ما يكون من البيان بالعلم من الكتاب والسنة، وقول الصحابة، وقول أئمة المسلمين، رضي الله عنهم، وإن كان يريد مناظرتك، ومجادلتك، فهذا الذي كره لك العلماء، فلا تناظره، واحذره على دينك، كما قال من تقدم من أئمة المسلمين إن كنت لهم متبعاً.

فإن قال: فندعهم يتكلمون بالباطل، ونسكت عنهم؟

قيل له: سكوتك عنهم وهجرتك لما تكلموا به أشد عليهم من

ص: 218

مناظرتك لهم كذا قال من تقدم من السلف الصالح من علماء المسلمين. (1)

- وقال: ألم تسمع، رحمك الله، إلى ما تقدم ذكرنا له من قول أبي قلابة: لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم، فإني لا آمن أن يغمسوكم في الضلالة، أو يلبسوا عليكم في الدين بعض ما لبس عليهم.

أو لم تسمع إلى قول الحسن وقد سأله رجل عن مسألة فقال: ألا تناظرني في الدين؟ فقال له الحسن: أما أنا فقد أبصرت ديني، فإن كنت أنت أضللت دينك فالتمسه.

أو لم تسمع إلى قول عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه عرضاً للخصومات أكثر التنقل.

قال محمد بن الحسين رحمه الله: فمن اقتدى بهؤلاء الأئمة سلم له دينه إن شاء الله تعالى.

فإن قال قائل: فإن اضطرني في الأمر وقتا من الأوقات إلى مناظرتهم، وإثبات الحجة عليهم ألا أناظرهم؟

قيل له: الاضطرار إنما يكون مع إمام له مذهب سوء، فيمتحن الناس، ويدعوهم إلى مذهبه، كفعل من مضى في وقت أحمد بن حنبل: ثلاثة خلفاء امتحنوا الناس، ودعوهم إلى مذهبهم السوء، فلم يجد العلماء بدّاً من الذب عن الدين، وأرادوا بذلك معرفة العامة الحق من الباطل، فناظروهم ضرورة لا اختياراً، فأثبت الله تعالى الحق مع أحمد بن حنبل، ومن كان على طريقته، وأذل الله تعالى المعتزلة وفضحهم، وعرفت العامة أن الحق ما كان عليه أحمد

(1) الشريعة (1/ 195 - 196).

ص: 219

ومن تابعه إلى يوم القيامة.

أرجو أن يعيذ الله الكريم أهل العلم من أهل السنة والجماعة من محنة تكون أبداً. (1)

- وقال: فإن قال قائل: هذا الذي ذكرته وبينته قد عرفناه، فإذا لم تكن مناظرتنا في شيء من الأهواء التي ينكرها أهل الحق، ونهينا عن الجدال والمراء والخصومة فيها، فإن كانت مسألة من الفقه في الأحكام مثل الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والنكاح والطلاق، وما أشبه ذلك من الأحكام، هل لنا مباح أن نناظر فيه ونجادل، أم هو محظور علينا، عرفنا ما يلزم فيه؟ كيف السلامة؟

قيل له: هذا الذي ذكرته ما أقل من يسلم من المناظرة فيه، حتى لا يلحقه فيه فتنة ولا مأثم، ولا يظفر فيه الشيطان فإن قال: كيف؟ ..

قيل له: هذا، قد كثر في الناس جدّاً في أهل العلم والفقه في كل بلد يناظر الرجل الرجل يريد مغالبته، ويعلو صوته، والاستظهار عليه بالاحتجاج، فيحمر لذلك وجهه، وتنتفخ أوداجه، ويعلو صوته وكل واحد منهما يحب أن يخطئ صاحبه، وهذا المراد من كل واحد منهما خطأ عظيم، لا يحمد عواقبه ولا يحمده العلماء من العقلاء لأن مرادك أن يخطئ مناظرك: خطأ منك، ومعصية عظيمة، ومراده أن تخطئ: خطأ منه، ومعصية، فمتى يسلم الجميع؟

فإن قال قائل: فإنما نناظر لتخرج لنا الفائدة؟

(1) الشريعة (1/ 196 - 197).

ص: 220

قيل له: هذا كلام ظاهر، وفي الباطن غيره.

وقيل له: إذا أردت وجه السلامة في المناظرة لطلب الفائدة، كما ذكرت، فإذا كنت أنت حجازياً، والذي يناظرك عراقياً، وبينكما مسألة، تقول أنت: حلال. ويقول هو: بل حرام. فإن كنتما تريدان السلامة، وطلب الفائدة، فقل له: رحمك الله، هذه المسألة قد اختلف فيها من تقدم من الشيوخ، فتعال حتى نتناظر فيها مناصحة لا مغالبة فإن يكن الحق فيها معك، اتبعتك، وتركت قولي، وإن يكن الحق معي، اتبعتني، وتركت قولك، لا أريد أن تخطئ ولا أغالبك، ولا تريد أن أخطئ، ولا تغالبني.

فإن جرى الأمر على هذا فهو حسن جميل، وما أعز هذا في الناس.

فإذا قال كل واحد منهما: لا نطيق هذا، وصدقا عن أنفسهما.

قيل لكل واحد منهما: قد عرفت قولك وقول صاحبك وأصحابك واحتجاجهم، وأنت فلا ترجع عن قولك، وترى أن خصمك على الخطأ وقال خصمك كذلك، فما بكما إلى المجادلة والمراء والخصومة حاجة إذا كان كل واحد منكما ليس يريد الرجوع عن مذهبه، وإنما مراد كل واحد منكما أن يخطئ صاحبه، فأنتما آثمان بهذا المراد، أعاذ الله العلماء العقلاء عن مثل هذا المراد.

فإذا لم تجر المناظرة على المناصحة، فالسكوت أسلم، قد عرفت ما عندك وما عنده، وعرف ما عنده وما عندك. والسلام.

ثم لا نأمن أن يقول لك في مناظرته: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتقول له: هذا حديث ضعيف، أو تقول: لم يقله النبي صلى الله عليه وسلم كل ذلك، لترد قوله، وهذا

ص: 221

عظيم، وكذلك يقول لك أيضاً، فكل واحد منكما يرد حجة صاحبه بالمخارقة والمغالبة.

وهذا موجود في كثير ممن رأينا يناظر ويجادل ونتجادل، حتى ربما خرق بعضهم على بعض. هذا الذي خافه النبي صلى الله عليه وسلم على أمته، وكرهه العلماء ممن تقدم والله أعلم. (1)

- وقال رحمه الله: ينبغي لكل من تمسك بما رسمناه في كتابنا هذا -وهو كتاب الشريعة- أن يهجر جميع أهل الأهواء من الخوارج والقدرية والمرجئة والجهمية، وكل من ينسب إلى المعتزلة، وجميع الروافض، وجميع النواصب، وكل من نسبه أئمة المسلمين أنه مبتدع بدعة ضلالة، وصح عنه ذلك، فلا ينبغي أن يكلم ولا يسلم عليه، ولا يجالس ولا يصلى خلفه، ولا يزوج ولا يتزوج إليه من عرفه، ولا يشاركه ولا يعامله ولا يناظره ولا يجادله، بل يذله بالهوان له، وإذا لقيته في طريق أخذت في غيرها إن أمكنك

وهذا الذي ذكرته لك فقول من تقدم من أئمة المسلمين، وموافق لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما الحجة في هجرتهم بالسنة فقصة هجره الثلاثة الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج معه في غزاته بغير عذر، كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، رحمهم الله تعالى، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم

(1) الشريعة (1/ 201 - 202).

ص: 222

بهجرتهم، وأن لا يكلموا، وطردهم حتى نزلت توبتهم من الله عز وجل (1)، وهكذا قصة حاطب بن أبي بلتعة لما كتب إلى قريش يحذرهم خروج النبي صلى الله عليه وسلم إليهم فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بهجرته وطرده، فلما أنزل الله توبته فعاتبه الله تعالى على فعله فتاب عليه (2)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم:"أفضل العمل الحب في الله والبغض في الله"(3). وضرب عمر بن الخطاب رضي الله عنه لصبيغ، وبعث إلى أهل البصرة أن لا يجالسوه، قال: فلو جاء إلى حلقة ما هي قاموا وتركوه. (4)

- وقال رحمه الله: ينبغي لإمام المسلمين ولأمرائه في كل بلد إذا صح عنده مذهب رجل من أهل الأهواء ممن قد أظهره أن يعاقبه العقوبة الشديدة، فمن استحق منهم أن يقتله قتله، ومن استحق أن يضربه ويحبسه وينكل به فعل به ذلك، ومن استحق أن ينفيه نفاه، وحذر منه الناس.

فإن قال قائل: وما الحجة فيما قلت؟

قيل: ما لا تدفعه العلماء ممن نفعه الله عز وجل بالعلم، وذلك أن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه جلد صبيغاً التميمي، وكتب إلى عماله: أن

(1) رواه: أحمد (3/ 456 - 459) والبخاري (8/ 142 - 145/ 4418) ومسلم (4/ 2120 - 2128/ 2769) هكذا مطولا. وأخرج بعضا منه: أبو داود (5/ 7 - 8/ 4600) والترمذي (5/ 263 - 264/ 3102) والنسائي (2/ 386/730).

(2)

لم أقف عليه بهذا اللفظ. وقصة حاطب في الصحيحين: البخاري (8/ 817/4890) ومسلم (4/ 1941 - 1942/ 2494) وغيرهما دون الأمر بهجره.

(3)

أخرجه: أحمد (5/ 146) وأبو داود (5/ 6 - 7/ 4599). وفيه يزيد بن عطاء ويزيد بن أبي زياد، وهما ضعيفان. وفيه أيضاً الرجل المبهم. لكن للحديث شواهد يرتقي بها إلى درجة الحسن. قال الشيخ الألباني رحمه الله في الصحيحة (1728) بعد أن ذكر بعض الشواهد للحديث:"فالحديث بمجموع طرقه يرتقي إلى درجة الحسن على الأقل. والله أعلم".

(4)

الشريعة (3/ 574 - 575).

ص: 223