الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فِي الْحَيَوَانَات والنباتات وَغَيرهمَا وَاخْتِلَاف بقاع وأصوات وألوان ومقادير ولغات إِلَى مَا لَا يُحْصى من الصِّفَات وَلَا يُحِيط بِهِ إِلَّا خَالق الأَرْض وَالسَّمَوَات وَجَمِيع ذَلِك ملازم للأعراض الْحَادِثَة وَذَلِكَ يدل على حُدُوثه فَيكون دَالا على وجود الصَّانِع وَعلمه وَقدرته وإرادته وحياته لِأَن ذَلِك لَا يصدر إِلَّا عَمَّن اتّصف بِمَا ذكر
وَقَالَ السَّمْعَانِيّ يجب (على الْآبَاء) ثمَّ على الْوَصِيّ أَو الْقيم (تَعْلِيمه) أَي الْمُمَيز (أَن نَبينَا) مُحَمَّد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم بعث بِمَكَّة) إِلَى كَافَّة الثقلَيْن (وَدفن بِالْمَدِينَةِ) وَأَنه وَاجِب الطَّاعَة والمحبة انْتهى
وَاعْلَم أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم لما بلغ من الْعُمر أَرْبَعِينَ سنة نبأه الله تَعَالَى فِي يَوْم الْإِثْنَيْنِ فِي شهر ربيع الأول وأرسله لكافة النَّاس بشيرا وَنَذِيرا وَلما بلغ صلى الله عليه وسلم من الْعُمر إِحْدَى وَخمسين سنة وَنصفا أسرى بجسده وروحه يقظة من مَكَّة إِلَى بَيت الْمُقَدّس ثمَّ عرج مِنْهُ إِلَى السَّمَوَات السَّبع إِلَى سِدْرَة الْمُنْتَهى إِلَى مستوى سمع فِيهِ صريف الأقلام إِلَى الْعَرْش إِلَى مَكَان الْخطاب مَعَ ربه
وَفرض فِي ذَلِك الْوَقْت عَلَيْهِ صلى الله عليه وسلم وعَلى أمته خمس صلوَات
وَلما كمل لَهُ صلى الله عليه وسلم من الْعُمر ثَلَاث وَخَمْسُونَ سنة أمره الله تَعَالَى بِالْهِجْرَةِ من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة فَخرج من مَكَّة يَوْم الْخَمِيس هِلَال ربيع الأول واختفى بِغَار ثَوْر ثمَّ خرج مِنْهُ لَيْلَة الْإِثْنَيْنِ وَقدم صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَة أَي قبَاء يَوْم الْإِثْنَيْنِ الثَّانِي عشر من ربيع الأول
وَلما كمل لَهُ من الْعُمر ثَلَاث وَسِتُّونَ سنة توفاه الله تَعَالَى وَكَانَ ذَلِك يَوْم الْإِثْنَيْنِ الثَّانِي عشر من ربيع الأول فَدفن فِي حجرَة عَائِشَة رضي الله عنها وَكَانَ حمله صلى الله عليه وسلم يَوْم الْإِثْنَيْنِ فِي غرَّة رَجَب وولادته يَوْم الْإِثْنَيْنِ أَو لَيْلَة الْإِثْنَيْنِ الثَّانِي عشر من ربيع الأول فى مَكَّة فِي سوق اللَّيْل من مَحل مولده الْمَشْهُور
وَقَالَ الصبان الَّذِي عَلَيْهِ الْإِجْمَاع أَنه صلى الله عليه وسلم حمل بِهِ يَوْم الْإِثْنَيْنِ وَمثله وِلَادَته وبعثته وَخُرُوجه من مَكَّة أَي من غَار ثَوْر ووصوله الْمَدِينَة أَي قبَاء ووفاته
وَنقل بعض الأفاضل عَن القليوبي وَعَن جمع من الْمُحَقِّقين أَنه صلى الله عليه وسلم لم يُولد من الْفرج بل من مَحل فتح فَوق الْفرج وَتَحْت السُّرَّة والتأم فِي سَاعَته
وَنقل عَن القَاضِي عِيَاض أَن مثله صلى الله عليه وسلم فِي ذَلِك جَمِيع الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ لَكِن قَالَ الْعَلامَة التلمساني وكل من الْأَنْبِيَاء غير نَبينَا مولودون من فَوق الْفرج وَتَحْت السُّرَّة وَأما نَبينَا فمولود من الخاصرة الْيُسْرَى تَحت الضلوع ثمَّ التأم لوقته خُصُوصِيَّة لَهُ فَتحصل لَك من هَذِه أَنه لم يَصح نقل بولادته من الْفرج وَكَذَا غَيره من الْأَنْبِيَاء وَلِهَذَا أفتى الْمَالِكِيَّة بقتل من قَالَ إِن نَبينَا ولد من مجْرى الْبَوْل اه
فصل فِي مسَائِل منثورة
(شُرُوط الصَّلَاة خَمْسَة أَحدهَا طَهَارَة عَن حدث وجنابة) ومقاصد الطَّهَارَة أَرْبَعَة الْوضُوء
وَالْغسْل وَالتَّيَمُّم وَإِزَالَة النَّجَاسَة
ووسائلها أَرْبَعَة الْمِيَاه وَالتُّرَاب والدابغ وَحجر الِاسْتِنْجَاء ووسائل الْوَسَائِل شَيْئَانِ الِاجْتِهَاد والأواني
أما الِاجْتِهَاد فَإِذا اشْتبهَ طهُور مَاء أَو تُرَاب بمتنجس مِنْهُمَا اجْتهد وجوبا إِن لم يقدر على الْيَقِين وجوازا إِن قدر على طهُور بِيَقِين كَأَن كَانَ على شط نهر وَاسْتعْمل مَا ظَنّه طهُورا وَإِذا اشْتبهَ مَاء وَمَاء ورد مُنْقَطع الرَّائِحَة تَوَضَّأ بِكُل مرّة وَإِذا اشْتبهَ مَاء وَبَوْل أراقهما أَو خلطهما ثمَّ تيَمّم
وللاجتهاد شُرُوط التَّعَدُّد فِي المشتبه وأصلية الطَّهَارَة فِيهِ وَكَون الْعَلامَة لَهَا فِيهِ مجَال أَي مدْخل كالأواني وَالثيَاب بِخِلَاف اخْتِلَاط الْمحرم بنسوة وَالْعلم بِالنَّجَاسَةِ أَو ظَنّهَا بِإِخْبَار الْعدْل والملامة من التَّعَارُض وَبَقَاء المشتبهين إِلَى تَمام الِاجْتِهَاد فَلَو انصب أَحدهمَا بِتَمَامِهِ أَو تلف امْتنع الِاجْتِهَاد وَيتَيَمَّم وَيُصلي من غير إِعَادَة وَإِن لم يرق مَا بَقِي والحصر فِي المشتبه فَلَو اشْتبهَ إِنَاء بَوْل بأواني بلد فَلَا اجْتِهَاد بل يَأْخُذ مِنْهَا مَا شَاءَ
وَأما سَعَة الْوَقْت فلست بِشَرْط بل يجْتَهد وَإِن أدّى اجْتِهَاده إِلَى خُرُوج الْوَقْت وَكَذَا لَا يشْتَرط كَون الإناءين لوَاحِد بل لَو كَانَا لاثْنَيْنِ لَيْسَ لأَحَدهمَا أَن يتَوَضَّأ من إنائه إِلَّا بعد الِاجْتِهَاد وَشرط الْعَمَل بِالِاجْتِهَادِ ظُهُور الْعَلامَة فَإِن لم يظْهر لَهُ شَيْء أراق الماءين أَو خلط أَحدهمَا أَو بعضه بِالْآخرِ ثمَّ تيَمّم وَعلم أَن هَذَا شَرط للْعَمَل لَا لأصل الِاجْتِهَاد
وَأما الْأَوَانِي فَيحل اسْتِعْمَال كل إِنَاء طَاهِر وَلَو نفيسا كياقوت وَنَحْوه إِلَّا آنِية الذَّهَب أَو الْفضة فَحَرَام اسْتِعْمَالهَا واتخاذها من غير اسْتِعْمَال على النِّسَاء وَالرِّجَال
ثمَّ الطَّهَارَة قِسْمَانِ طَهَارَة لأجل حدث أَصْغَر وطهارة لأجل حدث أكبر (فَالْأولى) أَي الطَّهَارَة لحَدث أَصْغَر وَهُوَ الْمَقْصد الأول (الْوضُوء) وَهُوَ مُشْتَقّ من الْوَضَاءَة بِالْمدِّ وَهِي النَّظَافَة وَهُوَ فِي الشَّرْع اسْتِعْمَال المَاء فِي أَعْضَاء مَخْصُوصَة مفتتحا بِالنِّيَّةِ وَكَانَ قد فرض مَعَ الصَّلَاة فِي لَيْلَة الْمِعْرَاج كَمَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَهُوَ فرض على الْمُحدث وَسنة لتجديد إِذا صلى بِالْأولِ صَلَاة مَا غير سنة الْوضُوء وتندب إدامة الْوضُوء (وشروطه) أَي الْوضُوء (كالغسل) أَي كشروطه خَمْسَة أَحدهَا (مَاء مُطلق) وَلَو مظنونا وَهُوَ مَا يَصح أَن يُطلق عَلَيْهِ اسْم المَاء بِلَا قيد فَشَمَلَ المَاء الْمُتَغَيّر كثيرا بِمَا لَا يسْتَغْنى المَاء عَنهُ كطين وطحلب وَهُوَ شَيْء أَخْضَر يَعْلُو على وَجه المَاء من طول الْمكْث وَلَا فرق بَين أَن يكون فِي مقرّ المَاء وممره أَولا
والمتغير بِمَا فِي مَوضِع قراره ومروره فَهُوَ مُطلق يَصح التَّطْهِير بِهِ وَلَو كَانَ التَّغَيُّر كثيرا لعدم استغنائه عَنهُ وَمن المَاء الْمُطلق مَا إِذا تغير المَاء بِمَا تساقط فِيهِ من أوراق الْأَشْجَار وَلَو ربيعية أَو تفتتت فِيهِ لتعذر صون المَاء عَنْهَا وَمِنْه مَا إِذا تغير مَاء المغاطس بأوساخ أبدان المغتسلين وَمَاء الفساقى بأوساخ أرجل المتوضئين فَإِنَّهُ لَا يضر وَلَو كثر التَّغَيُّر
ثمَّ ذكر المُصَنّف للْمَاء الْمُطلق قيودا تستلزمه (غير مُسْتَعْمل فِي) مَا لَا بُد مِنْهُ أَثم
تَاركه أم لَا من (رفع حدث) كالغسلة الأولى فَشَمَلَ وضوء الصَّبِي وَلَو غير مُمَيّز بِأَن وضأه وليه للطَّواف وَإِن لم ينْو وَشَمل مَا اسْتعْمل فِي غسل بدل مسح من رَأس أَو خف أَو فِي غسل كِتَابِيَّة أَو مَجْنُونَة عَن حيض أَو نِفَاس ليحل وَطْؤُهَا وَلَو كَانَ الحليل كَافِرًا أَو الْوَطْء زنا وَالْوَطْء غير حرَام من جِهَة الطَّهَارَة عَن حيض لَا من جِهَة الزِّنَا (و) إِزَالَة (نجس) وَلَو معفوا عَنهُ (قَلِيلا) أَي حَالَة كَون الْمُسْتَعْمل فِي حَال قلته وَهُوَ دون الْقلَّتَيْنِ بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ قُلَّتَيْنِ فَأكْثر فَإِنَّهُ إِذا رفع الْحَدث لَا يحكم عَلَيْهِ بِالِاسْتِعْمَالِ وَإِذا أَزَال النَّجس لَا يحكم بتنجسه إِلَّا إِذا تغير بِالنَّجَاسَةِ وَلَا يحكم بِاسْتِعْمَالِهِ أَيْضا وَلَو جمعت الْمِيَاه المستعملة حَتَّى صَارَت مَاء كثيرا قُلَّتَيْنِ فَأكْثر عَاد طهُورا
وَالْمَاء الْقَلِيل الَّذِي أزيلت بِهِ النَّجَاسَة طَاهِر غير مطهر بِشُرُوط أَن يكون المَاء واردا بِخِلَاف مَا لَو كَانَ المَاء مورودا كَأَن وضع الشَّيْء فِي المَاء الْقَلِيل فَإِنَّهُ ينجس بِمُجَرَّد ملاقاة النَّجَاسَة وَأَن لَا يتَغَيَّر طعمه أَو لَونه أَو رِيحه وَأَن لَا يزِيد وَزنه عَمَّا كَانَ قبل الْغسْل بِهِ بعد اعْتِبَار مَا يتشربه المغسول من المَاء وَمَا يمجه من الْوَسخ وَأَن يطهر الْمحل
فَإِن فقد شَرط من ذَلِك كَانَ المَاء متنجسا (و) غير (متغير) تغيرا (كثيرا) يمْنَع إِطْلَاق اسْم المَاء عَلَيْهِ بِأَن يحدث لَهُ بِسَبَب ذَلِك اسْم آخر يَزُول بِهِ وصف الْإِطْلَاق (بخليط طَاهِر غَنِي) أَي المَاء (عَنهُ) أَي الخليط سَوَاء كَانَ التَّغَيُّر حسيا أم تقديريا وَسَوَاء كَانَ المَاء قَلِيلا أَو كثيرا فَلَو وَقع فِي المَاء مَائِع طَاهِر يُوَافقهُ فِي صِفَاته فرض وصف الخليط الْمَفْقُود مُخَالفا فِي أَوسط الصِّفَات كلون عصير الْعِنَب أَبيض أَو أسود وَطعم الرُّمَّان وريح اللاذن كَذَا قَالَه ابْن أبي عصرون وَاعْتبر الرَّوْيَانِيّ الْأَشْبَه بالخليط فماء الْورْد الْمُنْقَطع الرَّائِحَة يفْرض على القَوْل الأول من اللاذن فَإِنَّهُ أَوسط فِي الرَّائِحَة وَإِن لم يشبه صفة الْوَاقِع وعَلى الثَّانِي يعْتَبر بِمَاء ورد لَهُ رَائِحَة لِأَنَّهُ أشبه بالمخالط فَلَا يضر المَاء تغيره بطول الْمكْث وَلَا بالمجاور الطَّاهِر وَلَو كَانَ التَّغَيُّر كثيرا
نعم إِن تحلل مِنْهُ شَيْء كَمَا لَو نقع التَّمْر فِي المَاء فاكتسب الْحَلَاوَة مِنْهُ سلبه الطّهُورِيَّة كَذَا قَالَه الشبراملسي (أَو) كَانَ المَاء غير متغير بخليط طَاهِر بل كَانَ تغيره (بِنَجس) فَإِنَّهُ لَا يُسمى مَاء مُطلقًا (وَلَو كَانَ) أَي المَاء (كثيرا) قُلَّتَيْنِ فَأكْثر فالماء إِذا تغير بِنَجس صَار متنجسا بِالْإِجْمَاع سَوَاء كَانَ التَّغَيُّر قَلِيلا أم كثيرا وَسَوَاء المخالط والمجاور وَلَا فرق بَين التَّغَيُّر الْحسي والتقديري فَإِن كَانَ الخليط نجسا فِي مَاء كثير اعْتبر بأشد الصِّفَات كلون الحبر وَطعم الْخلّ وريح الْمسك لغلظه
وَالْحَاصِل أَن الْمِيَاه أَرْبَعَة أَقسَام أَحدهَا مَاء طَاهِر فِي نَفسه مطهر لغيره غير مَكْرُوه اسْتِعْمَاله وَهُوَ المَاء الْمُطلق الْغَيْر المتشمس
وَثَانِيها مَاء طَاهِر فِي نَفسه مطهر لغيره مَكْرُوه اسْتِعْمَاله وَهُوَ المَاء الْمُطلق المتشمس
ولكراهة اسْتِعْمَاله تِسْعَة شُرُوط الأول أَن يكون بِبَلَد حَار كبلاد الْحجاز غير الطَّائِف بِخِلَاف الْبَارِد كبلاد الشَّام غير حران
والمعتدل كبلاد مصر والحاوه
فَلَا يكره
اسْتِعْمَال المتشمس فِيهَا
الثَّانِي أَن تنقله الشَّمْس من حَالَة إِلَى أُخْرَى بِحَيْثُ تنفصل مِنْهُ زهومة تعلو المَاء بِخِلَاف مُجَرّد انْتِقَاله من الْبُرُودَة إِلَى الْحَرَارَة حَيْثُ لم يصل إِلَى هَذِه الْحَالة
الثَّالِث أَن يكون فِيمَا ينطبع غير الذَّهَب وَالْفِضَّة كالحديد والنحاس وَنَحْوهمَا بِخِلَاف مَا لَو كَانَ غير منطبع كالفخار أَو فِي منطبع من الذَّهَب أَو الْفضة فَلَا كَرَاهَة
الرَّابِع أَن يسْتَعْمل فِي حَال حرارته بِخِلَاف مَا لَو تَركه حَتَّى زَالَت حرارته
الْخَامِس أَن يكون اسْتِعْمَاله فِي الْبدن وَلَو شربا وَلَو كَانَ بدن أبرص أَو ميت أَو حَيَوَان غير آدَمِيّ حَيْثُ كَانَ يُدْرِكهُ البرص كالخيل
السَّادِس أَن يكون تشمسه فِي زمن الْحر كالصيف بِخِلَاف الزَّمن الْبَارِد أَو المعتدل
السَّابِع أَن يجد غَيره
الثَّامِن أَن يكون الْوَقْت متسعا فَإِن ضَاقَ الْوَقْت أَو لم يجد غير المتشمس فَلَا كَرَاهَة فِي اسْتِعْمَاله بل يجب اسْتِعْمَاله إِلَّا إِذا تحقق الضَّرَر أَو ظَنّه فَيحرم اسْتِعْمَاله بل يتَيَمَّم
التَّاسِع أَن لَا يتَحَقَّق الضَّرَر أَو يَظُنّهُ وَإِلَّا حرم اسْتِعْمَاله كَمَا تقدم
وَثَالِثهَا مَاء طَاهِر فِي نَفسه غير مطهر لغيره وَهُوَ قِسْمَانِ المَاء الْمُسْتَعْمل فِيمَا لَا بُد مِنْهُ من رفع حدث أَو إِزَالَة نجس وَلَو معفوا عَنهُ وَكَانَ المَاء دون الْقلَّتَيْنِ وَالْمَاء الْمُتَغَيّر بِشَيْء خالطه من الْأَعْيَان الطاهرات المستغنى عَنْهَا تغيرا كثيرا يمْنَع إِطْلَاق اسْم المَاء عَلَيْهِ بِأَن يَزُول بِهِ وصف الْإِطْلَاق كَأَن يُقَال مَاء نورة أَو مَاء سدر أَو مرقة
وَرَابِعهَا مَاء مُتَنَجّس وَهُوَ المَاء الَّذِي لاقته نَجَاسَة تدْرك الْبَصَر وَهُوَ قِسْمَانِ قَلِيل دون الْقلَّتَيْنِ بِأَكْثَرَ من رطلين سَوَاء تغير أم لَا وَلَكِن يسْتَثْنى من النَّجَاسَة ميتَة لَا دم لَهَا سَائل أَصَالَة كزنبور وعقرب ووزغ وذباب وقمل وبرغوث إِذا وَقعت فِي الْإِنَاء الَّذِي فِيهِ مَاء قَلِيل أَو شَيْء من الْمَائِعَات كالزيت وَالْعَسَل فَإِنَّهَا لَا تنجسه بِشَرْط أَن لَا يَطْرَحهَا طارح وَلَو حَيَوَانا وَهِي ميتَة وَتصل ميتَة وَإِلَّا نجسته
وَكثير بِأَن كَانَ قُلَّتَيْنِ فَأكْثر وَقد تغير باتصال النَّجَاسَة وَلَو تغيرا يَسِيرا أَو كَانَ تقديريا وَلَو نقل من مَحل إِلَى آخر فَوجدَ فِيهِ طعم النَّجَاسَة أَو رائحتها فَإِن وجد سَبَب يُحَال عَلَيْهِ التَّنْجِيس كَأَن كَانَ محلهَا الأول مِمَّا يحصل فِيهِ بَوْل مثلا حكم بِنَجَاسَة ذَلِك وَإِلَّا فَلَا وَلَو جمعت الْمِيَاه المتنجسة حَتَّى صَارَت مَاء كثيرا قُلَّتَيْنِ فَأكْثر وَلَا تغير بِهِ عَاد طهُورا وَلَو زَالَ تغير المَاء الْكثير بِمَا زيد عَلَيْهِ أَو نقص مِنْهُ وَالْبَاقِي قلتان فَأكْثر عَاد طهُورا والقلتان خَمْسمِائَة رَطْل بالبغدادي تَقْرِيبًا
وَأما التُّرَاب فَإِنَّهُ يكون مطهرا اسْتِقْلَالا فِي التَّيَمُّم أَو مَعَ انضمامه للْمَاء فِي إِزَالَة النَّجَاسَة الْمُغَلَّظَة بِشَرْط أَنه لم يكن اسْتعْمل فِي فرض مُطلقًا وَلم يخْتَلط بِغَيْرِهِ فِي التَّيَمُّم
وَأما الدابغ فَهُوَ كل حريف ينْزع فضول الْجلد وَهُوَ رطوبته ومائيته الَّتِي يُفْسِدهُ بَقَاؤُهَا ويطيبه نَزعهَا بِحَيْثُ لَو نقع فِي المَاء لم يعد إِلَيْهِ النتن وَالْفساد وَذَلِكَ كالعفص وقشور الرُّمَّان وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين الطَّاهِر وَالنَّجس كذرق الطُّيُور وَلَو كَانَ النَّجس من مغلظ لَكِن يحرم التضمخ بِهِ إِذا وجد مَا يقوم مقَامه وكل جلد نجس بِالْمَوْتِ يطهر بالدباغ ظَاهرا وَبَاطنا دون مَا عَلَيْهِ من الشّعْر فَلَا يطهر بالدباغ إِلَّا جلد الْكَلْب أَو الْخِنْزِير أَو فرع أَحدهمَا مَعَ الآخر أَو مَعَ حَيَوَان طَاهِر فَإِن جلد ذَلِك كَانَ نجسا فِي حَال الْحَيَاة وَجلد الْحَيَوَان الْمَأْكُول المذكى لَا يحْتَاج إِلَى الدّباغ لِأَنَّهُ طَاهِر بعد الْمَوْت بِسَبَب تذكيته نعم لَو أَصَابَته نَجَاسَة من دم أَو نَحوه طهر بِالْمَاءِ
وَأما حجر الِاسْتِنْجَاء فَيجوز الِاسْتِنْجَاء بِهِ وَحده بَدَلا عَن المَاء وَلَو مَعَ الْقُدْرَة على المَاء لَكِن لَهُ شُرُوط من حَيْثُ اسْتِعْمَاله وشروط من حَيْثُ
ذَاته وشروط من حَيْثُ الْخَارِج وشروط من حَيْثُ الْمحل
أما شُرُوطه من حَيْثُ اسْتِعْمَاله فأمران أَحدهمَا ثَلَاث مسحات بِحَيْثُ يعم بِكُل مسحة الْمحل وَلَو بأطراف حجر
ثَانِيهمَا إنقاء الْمحل بِحَيْثُ لَا يبْقى إِلَّا قدر لَا يُزِيلهُ إِلَّا المَاء أَو صغَار الخزف فَإِن لم يحصل الإنقاء بِالثلَاثِ وَجَبت الزِّيَادَة عَلَيْهَا حَتَّى يحصل الإنقاء وَيسن الإيتار إِذا لم يحصل الإنقاء بِوتْر وَإِذا حصل الإنقاء بِدُونِ الثَّلَاث وَجب تتميمها
وَأما شُرُوطه من حَيْثُ ذَاته فَهِيَ أَن يكون جَامِدا طَاهِرا قالعا غير مُحْتَرم وَلَا مبتل وَمن الْمُحْتَرَم مطعوم الْآدَمِيّين أَو الْجِنّ
وَأما شُرُوطه من حَيْثُ الْخَارِج فَهِيَ أَن لَا يجِف الْخَارِج النَّجس وَأَن لَا ينْتَقل وَأَن لَا يَنْقَطِع وَأَن لَا يطْرَأ عَلَيْهِ أَجْنَبِي وَأَن لَا يُجَاوز فِي الْغَائِط صفحته وَلَا فِي الْبَوْل حشفته
وَأما من حَيْثُ الْمحل فَلهُ شَرط وَاحِد وَهُوَ أَن يكون ذَلِك الْمحل فرجا مُعْتَادا
وَحَقِيقَة الِاسْتِنْجَاء إِزَالَة الْخَارِج من الْفرج بِمَاء أَو حجر وَالْأَصْل فِي ذَلِك هُوَ المَاء وَالْحجر رخصَة وَهُوَ من خَصَائِص هَذِه الْأمة وَإِذا أَرَادَ المستنجي الِاقْتِصَار على أَحدهمَا فالماء أفضل وَالْأَفْضَل الْجمع بَينهمَا بِتَقْدِيم الْأَحْجَار
والاستنجاء تعتريه أَحْكَام أَرْبَعَة يكون وَاجِبا من كل خَارج نجس ملوث وَيكون مُسْتَحبا من دود وبعر بِلَا لوث وَيكون مَكْرُوها من الرّيح وَيكون حَرَامًا بالمحترم
وأركانه أَرْبَعَة مستنج ومستنجى مِنْهُ ومستنجى بِهِ ومستنجى فِيهِ فالمستنجى الشَّخْص والمستنجى مِنْهُ الْخَارِج والمستنجى بِهِ المَاء أَو الْحجر والمستنجى فِيهِ الْفرج
وشروطه استفراغ مخرج وَإِزَالَة نجس وَرفع شكّ وَثُبُوت يَقِين وَالْمرَاد بِالْيَقِينِ مَا يَشْمَل غَلَبَة الظَّن فَإِن الْوَاجِب فِي الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ اسْتِعْمَال قدر يغلب على الظَّن مَعَه زَوَال النَّجَاسَة وعلامته ذهَاب النعومة وحدوث الخشونة
وسننه أَن يكون بِالْيَدِ الْيُسْرَى وَأَن يقدم الْقبل على الدبر فِي الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ وَعَكسه فِي الْحجر وَأَن يدلك يَده بِنَحْوِ الأَرْض بعده ثمَّ يغسلهَا وَأَن ينضح فرجه وَإِزَاره بعده بِالْمَاءِ وَأَن يعْتَمد أُصْبُعه الْوُسْطَى لِأَنَّهُ أمكن وَأَن يَقُول بعد فَرَاغه وَبعد خُرُوجه من مَحل قَضَاء الْحَاجة اللَّهُمَّ طهر قلبِي من النِّفَاق وحصن فَرجي من الْفَوَاحِش
وَمن آدَاب قَاضِي الْحَاجة أَن يقدم يسراه فِي دُخُول مَحل قَضَاء الْحَاجة ويمناه فِي الْخُرُوج مِنْهُ وَلَو بِوَضْع إبريق مثلا وَأَن يعْتَمد يسَاره فِي الْجُلُوس لقَضَاء الْحَاجة وَأَن يبعد عَن النَّاس بِحَيْثُ لَا يسمع للْخَارِج مِنْهُ صَوت وَلَا يشم لَهُ ريح وَلَا يَبُول فِي مَاء راكد وَلَا فِي مهب ريح وَلَا فِي طَرِيق النَّاس وَلَا فِي مَوَاضِع جلوسهم وَلَا تَحت الشَّجَرَة المثمرة وَلَا فِي الثقب وَلَا فِي مَكَان صلب وَأَن لَا يكون قَائِما وَأَن لَا ينظر إِلَى فرجه وَلَا إِلَى الْخَارِج مِنْهُ وَلَا يعبث بِيَدِهِ وَلَا يلْتَفت يَمِينا وَلَا شمالا وَلَا يسْتَقْبل الشَّمْس وَلَا الْقَمَر وَلَا صَخْرَة بَيت الْمُقَدّس وَلَا يدْخل الْخَلَاء حافيا وَلَا مَكْشُوف الرَّأْس وَلَا يتَكَلَّم وَلَا يستنجي بِالْمَاءِ فِي مَحل قَضَاء الْحَاجة بل ينْتَقل مِنْهُ إِلَّا فِي الْمَكَان الْمعد لقَضَاء الْحَاجة فَلَا ينْتَقل مِنْهُ ويستبرىء من الْبَوْل بِحَسب عَادَته فَإِن عَادَة الْإِنْسَان تخْتَلف
وَإِذا صَارَت عَادَة الشَّخْص أَنه لَا يَنْقَطِع بَوْله إِلَّا بالاستبراء وَجب ذَلِك فِي حَقه وَيَقُول كل من دخل الْخَلَاء (باسم الله اللَّهُمَّ إنى أعوذ بك من الْخبث والخبائث) وَإِذا خرج قَاضِي الْحَاجة يَقُول (غفرانك الْحَمد لله الَّذِي أذهب عني الْأَذَى وعافاني)
وَيجب الاستتار عَن عين من يحرم نظره
وَيجب ترك اسْتِقْبَال الْقبْلَة واستدبارها حَال قَضَاء الْحَاجة فِي غير الْمعد لذَلِك
وَيكرهُ أَن يَبُول فِي المَاء الْجَارِي لَيْلًا وَفِي المَاء الراكد مُطلقًا وَمحل الْكَرَاهَة إِن كَانَ المَاء مُبَاحا أَو مَمْلُوكا لَهُ فَإِن كَانَ المَاء مسبلا أَو مَمْلُوكا لغيره حرم الْبَوْل فِيهِ إِلَّا بِإِذن الْمَالِك وَأَن يَبُول فِي مَحل اغتساله فَإِنَّهُ يَقع فِي الوسواس وَيحرم قَضَاء الْحَاجة على الْقَبْر وَفِي الْمَسْجِد وَلَو فِي إِنَاء
تَنْبِيه لَو كَانَ مستنجيا بالأحجار حرم عَلَيْهِ الْجِمَاع قبل غسل الذّكر وَإِن لم يجد المَاء
نعم إِن خَافَ الزِّنَا كَانَ عذرا وَلَو كَانَ فرج الْمَرْأَة متنجسا أَو كَانَت مستنجية بالأحجار حرم عَلَيْهَا تَمْكِين الحليل قبل تَطْهِيره وَلَا تعد بِعَدَمِ التَّمْكِين نَاشِزَة
(و) ثَانِيهَا (جرى مَاء على عُضْو) مغسول فَلَا يَكْفِي مَسحه وَلَا مَسّه بِالْمَاءِ من غير جَرَيَان وَلَا يمْنَع من عد هَذَا شرطا كَونه مَعْلُوما من مَفْهُوم الْغسْل لِأَنَّهُ قد يُرَاد بِالْغسْلِ مَا يعم النَّضْح
(و) ثَالِثهَا (أَن لَا يكون عَلَيْهِ) أَي الْعُضْو (مغير لماء) تغيرا مضرا بِهِ كزعفران
(و) رَابِعهَا أَن لَا يكون على الْعُضْو (حَائِل) يمْنَع وُصُول المَاء إِلَى جَمِيع أَجزَاء الْعُضْو الَّذِي يجب تعميمه (كنورة) ودهن لَهُ حرم يمْنَع وُصُول المَاء للبشرة ووسخ تَحت أظفار حَيْثُ لم يصر كالجزء وغبار على بدن لَا عرق متجمد عَلَيْهِ وَإِن لم يصر كالجزء وَلم يتأذ بإزالته لِكَثْرَة تكرره وللمشقة فِي إِزَالَته وَإِذا تراكم الْوَسخ على الْعُضْو وَصَارَ جُزْءا من الْبدن يتعسر فَصله عَنهُ بِحَيْثُ يخْشَى من فَصله مَحْذُور تيَمّم فَلَا يمْنَع صِحَة الْوضُوء وينتقض الْوضُوء بلمسه
وَبَقِي للْوُضُوء شُرُوط وَهِي إِسْلَام وتمييز وَهَذَانِ الشرطان فِي كل عبَادَة تفْتَقر لنِيَّة وَعدم الْمنَافِي كالحيض وَالنّفاس فِي الْوضُوء لغير أغسال الْحَج وَنَحْوه ودوام النِّيَّة حكما بِأَن لَا يَأْتِي بِمَا ينافيها فَإِن قصد بِغسْل الْعُضْو تبردا أَو تنظفا فَإِن كَانَ مَعَ الْغَفْلَة عَن نِيَّة الْوضُوء كَانَ صارفا للنِّيَّة فَيضر وَمن ذَلِك مَا إِذا قصد إِزَالَة مَا على رجلَيْهِ من الْوَسخ بحكها على بلاط المطهرة فَفِيهِ هَذَا التَّفْصِيل
وَتقدم إِزَالَة النَّجَاسَة بِغسْل غير غسل الْحَدث إِذا لم تزل بغسلة وَاحِدَة فِي الْوضُوء وَعلم بكيفية الْوضُوء فَلَا بُد من التَّمْيِيز بَين فروضه وسننه على تَفْصِيل فِي ذَلِك
حَاصله أَنه مَتى ميز الْفُرُوض من السّنَن أَو اعتقده كُله فروضا صَحَّ من الْعَالم والعامى وَهَاتَانِ صُورَتَانِ
وان اعتقده كُله سننا أَو علم أَن فِيهِ فروضا وسننا وَلم يُمَيّز بَينهَا واعتقد بِفَرْض معِين نفلا بَطل من الْعَالم والعامي وَهَاتَانِ صُورَتَانِ
وَإِن اعْتقد أَن فِيهِ فروضا وسننا وَلم يُمَيّز بَينهَا وَلم يعْتَقد بِفَرْض معِين نفلا كَأَن
كَانَ كلما سُئِلَ عَن شَيْء مِنْهُ هَل هُوَ فرض أَو سنة يَقُول لَا أَدْرِي صَحَّ من الْعَاميّ دون الْعَالم وَهَذِه صُورَة وَاحِدَة فالصور خمس اثْنَتَانِ تصحان من الْعَاميّ والعالم وَاثْنَتَانِ تبطلان مِنْهُمَا وَوَاحِدَة تصح من الْعَاميّ وَتبطل من الْعَالم وَهَذَا الشَّرْط مَعَ هَذَا التَّفْصِيل عَام فِي جَمِيع الْعِبَادَات كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْم وَنَحْو ذَلِك
لَكِن بَعضهم اسْتثْنى الْحَج قَالَ فَلَا يشْتَرط ذَلِك فَهَذِهِ عشرَة فِي وضوء السَّلِيم وَصَاحب الضَّرُورَة مَعًا وَيُزَاد فِي وضوء صَاحب الضَّرُورَة شَرط آخر وَهُوَ خَامِس فِي كَلَام المُصَنّف فَقَالَ (وَدخُول وَقت) أَو ظن دُخُوله (لدائم حدث) كسلس بَوْل وَهُوَ الَّذِي يتقاطر بَوْله دَائِما وَيشْتَرط لَهُ أَيْضا تقدم الِاسْتِنْجَاء على الْوضُوء لِأَنَّهُ يشْتَرط لطهره تقدم إِزَالَة النَّجَاسَة وَتقدم التحفظ مثل الحشو والعصب والموالاة بَين الِاسْتِنْجَاء والتحفظ والموالاة بَينهمَا وَبَين الْوضُوء
وَيسْتَثْنى من ذَلِك مَا إِذا كَانَ السلس بِالرِّيحِ فَلَا يشْتَرط الْمُوَالَاة بَين ذَلِك والموالاة بَين أَفعاله وَأما الْمُوَالَاة بَين الْوضُوء وَالصَّلَاة فَشرط لجَوَاز فعل الصَّلَاة بِهِ لَا شَرط لصِحَّته كَمَا قَالَه الرَّشِيدِيّ
(وفروضه) أَي الْوضُوء سِتَّة أَولهَا (نِيَّة) أَدَاء (فرض وضوء) أَو فرض الْوضُوء أَو أَدَاء الْوضُوء أَو رفع الْحَدث أَو الطَّهَارَة عَن الْحَدث أَو نَحْو ذَلِك من النيات الْمُعْتَبرَة وَالنِّيَّة لُغَة الْقَصْد
وَشرعا قصد الشَّيْء مقترنا بِفِعْلِهِ فَإِن ترَاخى عَنهُ سمي عزما وَحكمهَا الْوُجُوب ومحلها الْقلب
أما التَّلَفُّظ بالمنوي فَسنة ليساعد اللِّسَان الْقلب وَالْمَقْصُود بهَا تَمْيِيز الْعِبَادَات عَن الْعَادَات كالجلوس فِي الْمَسْجِد يكون للاعتكاف تَارَة وللاستراحة أُخْرَى أَو تَمْيِيز رتب الْعِبَادَات كَالصَّلَاةِ تكون فرضا تَارَة ونفلا أُخْرَى وَالنِّيَّة تميز هَذَا من هَذَا
وَشَرطهَا إِسْلَام الناوي وتمييزه وَعلمه بالمنوي وَعدم إِتْيَانه بِمَا ينافيها كردة أَو قطع بِأَن يستصحبها حكما أما استصحابها ذكرا إِلَى آخر الْوضُوء فَهُوَ سنة وَأَن لَا تكون معلقَة فَلَو قَالَ نَوَيْت الْوضُوء إِن شَاءَ الله فَإِن قصد التَّعْلِيق أَو أطلق لم تصح أَو قصد التَّبَرُّك أَو أَن ذَلِك وَاقع بِمَشِيئَة الله تَعَالَى صَحَّ ووقتها أول الْعِبَادَات إِلَّا نِيَّة الصَّوْم فَلَا تجوز فِيهَا مُقَارنَة الْفجْر إِذا كَانَ فرضا لوُجُوب تبييت النِّيَّة فِيهِ وَتجوز من أول اللَّيْل وكيفيتها تخْتَلف بِحَسب الْأَبْوَاب
فكيفيتها فِي الْوضُوء قد علمتها وَسَيَأْتِي كيفيتها فِي كل بَاب بِحَسبِهِ فَهَذِهِ سَبْعَة أُمُور تتَعَلَّق بِالنِّيَّةِ وَيجب وجودهَا (عِنْد) أول (غسل) جُزْء من (وَجه) وَيَنْبَغِي أَن يَنْوِي سنَن الْوضُوء عِنْد الشُّرُوع فِي غسل الْكَفَّيْنِ أول الْوضُوء ليثاب على السّنَن وَهَذَا أسهل من الْإِتْيَان بنية من نيات الْوضُوء الْمُعْتَبرَة عِنْد غسل الْكَفَّيْنِ لِأَنَّهَا وَإِن كَانَت كَافِيَة لَكِن يعسر مَعهَا تَحْصِيل الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق إِذْ مَتى انغسل جُزْء من حمرَة الشفتين مَعَ هَذِه النِّيَّة فَاتَهُ الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق
(و) ثَانِيهَا (غسل وَجهه و) حَده طولا (هُوَ مَا بَين منابت) شعر (رَأسه)
الْمُعْتَاد (و) بَين تَحت (مُنْتَهى لحييْهِ) بِفَتْح اللَّام (و) عرضا (مَا بَين) وتدي (أُذُنَيْهِ) وَيجب تَعْمِيم الْوَجْه بِالْمَاءِ طولا وعرضا وَيجب غسل جُزْء من رَأسه وَمن تَحت ذقنه وَمن صفحة عُنُقه وَمن كل مَا كَانَ مُتَّصِلا بِالْوَجْهِ مِمَّا يُحِيط بِهِ ليتَحَقَّق تَعْمِيم الْوَجْه بِالْمَاءِ من بَاب مَا لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِب وَإِذا كَانَ على الْوَجْه حَائِل وَجَبت إِزَالَته وَمِنْه الرمص فِي الْعين والوسخ الَّذِي يكون فِي بَاب الْأنف فَلَا بُد من إِزَالَة ذَلِك وَإِذا كثفت لحية الرجل وعارضاه كَفاهُ غسل ظَاهر ذَلِك وَهُوَ الطَّبَقَة الْعليا من الشّعْر وَضَابِط الكثافة أَن لَا ترى الْبشرَة من خلال الشّعْر عِنْد التخاطب مَعَ الْقرب وَلَو خفت اللِّحْيَة والعارضان بِأَن ترى الْبشرَة من الشّعْر عِنْد التخاطب مَعَ الْقرب وَجب غسل الظَّاهِر وَالْبَاطِن وَهُوَ الطَّبَقَة السُّفْلى وَمَا فِي خلال الشّعْر وَبَاقِي شُعُور الْوَجْه إِن كثف وَخرج عَن حد الْوَجْه كفى غسل ظَاهره وَإِلَّا وَجب غسل ظَاهره وباطنه
(و) ثَالِثهَا (غسل يَدَيْهِ ب) كل (مرفق) أَي مَعَه وَالْمرَاد بِالْيَدِ هُنَا من رُؤُوس الْأَصَابِع إِلَى رَأس الْعَضُد وَإِذا كَانَ على الْيَدَيْنِ شعر وَجب غسل ظَاهره وباطنه وَإِن كثف وَتجب إِزَالَة مَا تَحت الأظافر من الْوَسخ وَكَذَا مَا على الْيَدَيْنِ من شمع وَنَحْوه من كل مَا يمْنَع وُصُول المَاء إِلَى الْعُضْو وَمثل الْيَدَيْنِ فِي ذَلِك الْوَجْه وَالرجلَانِ فَلَو رأى بعد تَمام وضوئِهِ على يَدَيْهِ مثلا حَائِلا كقشرة سمك وَعلم أَن ذَلِك كَانَ حَاصِلا وَقت الْوضُوء وَجب عَلَيْهِ إِزَالَته وَغسل مَا تَحْتَهُ وإعادة تَطْهِير الْأَعْضَاء الَّتِي بعده لأجل مُرَاعَاة التَّرْتِيب فِي الْوضُوء
(و) رَابِعهَا (مسح بعض رَأسه) وَلَو قَلِيلا سَوَاء كَانَ من بشرة الرَّأْس أَو من شعرهَا الَّذِي لَا يخرج عَنْهَا بِالْمدِّ من جِهَة نُزُوله وَلَو بعض شَعْرَة وَالْمرَاد بِالْمَسْحِ مُجَرّد وُصُول البلل إِلَى الرَّأْس وَإِن لم يمر يَده عَلَيْهَا
(و) خَامِسهَا (غسل رجلَيْهِ ب) كل (كَعْب) أَي مَعَه وَيجب غسل بَاطِن شقوق فيهمَا وَإِذا كَانَ فِي تِلْكَ الشقوق شمع أَو نَحوه وَجَبت إِزَالَته إِلَّا إِذا كَانَ لَهُ غور فِي اللَّحْم وَإِذا كَانَ فِي عُضْو يجب تعميمه شَوْكَة فَفِيهَا تَفْصِيل حَاصله أَنَّهَا إِذا كَانَت بِحَيْثُ لَو قلعت لم يبْق محلهَا مَفْتُوحًا كشوكة القثاء فَلَا تضر وَإِذا كَانَت بِحَيْثُ لَو قلعت بَقِي محلهَا مَفْتُوحًا كَانَت حَائِلا فتحب إِزَالَتهَا مَا لم يكن لَهَا غور فِي اللَّحْم فَإِن كَانَ لَهَا غور فِي اللَّحْم فَلَا تضر فِي الْوضُوء وَأما فِي الصَّلَاة فتضر إِذا كَانَت مُتَّصِلَة بِدَم كثير وَإِلَّا فَلَا هَذَا كُله مَا لم يلتحم الْجلد فَوْقهَا وَإِلَّا صَارَت من حكم الْبَاطِن فَلَا تضر فِي وضوء وَلَا صَلَاة وَتجب إِزَالَة مَا على الرجلَيْن من قشف وَنَحْوه
وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا بُد من تَخْصِيص الرجلَيْن بمزيد الِاحْتِيَاط لِأَن الرجل مَظَنَّة الأوساخ خُصُوصا الْعقب فَإِنَّهُ مَحل تراكم الأوساخ
وَقد ورد فِي الحَدِيث ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار وَلَو أَزَال شعرًا أَو قلم ظفرا أَو قطع عضوا من أَعْضَاء الْوضُوء أَو كشط مِنْهُ جُزْءا بعد تَطْهِير ذَلِك لم يجب تَطْهِير موضعهَا لِأَن الْوضُوء يرفع الْحَدث عَن الظَّاهِر وَالْبَاطِن
(و) سادسها (تَرْتِيب) بِأَن يبْدَأ بِالْوَجْهِ
مَقْرُونا بِالنِّيَّةِ ثمَّ غسل الْيَدَيْنِ ثمَّ مسح بعض الرَّأْس ثمَّ غسل الرجلَيْن
وَلَو شرع ثَلَاثَة نفر فِي غسل بَقِيَّة أَعْضَائِهِ بعد غسل بعض الْوَجْه لم يرْتَفع غير حدث وَجهه
وَلَو اغْتسل مُحدث حَدثا أَصْغَر فَقَط بنية رفع الْحَدث أَو نَحوه أَو بنية رفع الْجَنَابَة أَو فرض الْغسْل أَو أَدَائِهِ غالطا ورتب ترتيبا حَقِيقِيًّا أَجزَأَهُ حَيْثُ وجدت النِّيَّة عِنْد غسل الْوَجْه وَمِنْه مَا لَو وقف تَحت نَحْو ميزاب وَاسْتمرّ المَاء يجْرِي مِنْهُ على أَعْضَائِهِ إِذْ الدفعة الأولى مثلا يرْتَفع بهَا حدث الْوَجْه فالماء الَّذِي بعده يرفع حدث الْيَدَيْنِ وَهَكَذَا
وَلَو انغمس مُحدث وَلَو فِي مَاء قَلِيل بنية مَا ذكر أَجزَأَهُ عَن الْوضُوء وَإِن لم يمْكث زَمنا يُمكن فِيهِ التَّرْتِيب لحصوله تَقْديرا فِي لحظات لَطِيفَة لَا يظْهر فِي الْحس هَذَا إِذا وجدت النِّيَّة عِنْد وُصُول المَاء إِلَى الْوَجْه
أما لَو انغمس وَنوى عِنْد وُصُول المَاء إِلَى صَدره مثلا ثمَّ تمم الانغماس وَلم يستحضر النِّيَّة عِنْد وُصُول المَاء للْوَجْه لم يَصح وضوؤه لعدم النِّيَّة وَإِن أمكن التَّرْتِيب بمكثه وَلَو أغفل لمْعَة من غير أَعْضَاء الْوضُوء أَجزَأَهُ ذَلِك الانغماس خلافًا للْقَاضِي حُسَيْن
(وَسن) للمتوضىء تعوذ و (تَسْمِيَة) وَحمد الله (أَوله) عِنْد غسل الْكَفَّيْنِ مَعَ نِيَّة سنَن الْوضُوء بِقَلْبِه ليجمع بَين عمل اللِّسَان والجنان والأركان فِي أول وضوئِهِ ثمَّ يتَلَفَّظ بِالنِّيَّةِ فَيَقُول عِنْد ذَلِك أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله على الْإِسْلَام وَنعمته الْحَمد لله الَّذِي جعل المَاء طهُورا وَالْإِسْلَام نورا رب أعوذ بك من همزات الشَّيَاطِين وَأَعُوذ بك رب أَن يحْضرُون
(فَغسل الْكَفَّيْنِ) وَإِذا شكّ فِي طهرهما كره مباشرتهما للْمَاء الْقَلِيل قبل غسلهمَا ثَلَاثًا خَارجه (فسواك ب) كل (خشن) فَيحصل بِخرقَة
وأركانه خَمْسَة مستاك وَهُوَ الشَّخْص ومستاك بِهِ وَهُوَ كل خشن ومستاك مِنْهُ كالتغير مثلا ومستاك فِيهِ وَهُوَ الْفَم وَنِيَّة للسنية كَأَن يَنْوِي بِهِ سنيته للصَّلَاة مثلا وَمحله فِي الْوضُوء بعد غسل الْكَفَّيْنِ وَقبل الْمَضْمَضَة وَلَا يحْتَاج حِينَئِذٍ لنِيَّة لِأَن نِيَّة الْوضُوء تشمله
والسواك مُسْتَحبّ فِي كل حَال وَفِي كل وَقت إِلَّا بعد الزَّوَال للصَّائِم وَلَو نفلا
ويتأكد فِي أَحْوَال مِنْهَا الْوضُوء وَعند إِرَادَة الصَّلَاة وَعند الاحتضار وَفِي السحر وللصائم قبل الزَّوَال وَعند قِرَاءَة الْقُرْآن أَو الحَدِيث أَو الْعلم الشَّرْعِيّ وَلذكر الله تَعَالَى وَعند تغير الْفَم وَعند دُخُول الْمنزل وَعند إرداة النّوم
ومراتبه خمس مرتبَة فِي الْأَفْضَلِيَّة الْأَرَاك ثمَّ جريد النّخل ثمَّ الزَّيْتُون ثمَّ ذُو الرّيح الطّيب من الأعواد ثمَّ بَاقِي الأعواد وكل وَاحِد مِنْهَا فِيهِ خمس مَرَاتِب مرتبَة فِي الْأَفْضَلِيَّة أَيْضا
وَهِي الْيَابِس المندى بِالْمَاءِ ثمَّ المندى بِمَاء الْورْد ثمَّ المندى بالريق ثمَّ الرطب خلقَة ثمَّ الْيَابِس الْغَيْر المندى
وكل وَاحِد من الْخمس الأول بمراتبه الْخمس مقدم على مَا بعده
وَاعْتمد بَعضهم أَن الْيَابِس الْغَيْر المندى مقدم على الرطب لِأَنَّهُ أقوى فِي إِزَالَة التَّغَيُّر
وَلَا تجْرِي فِي الْخِرْقَة الْمَرَاتِب الْخمس الثَّانِيَة لِأَن الرُّطُوبَة الخلقية لَا تتَصَوَّر فِيهَا
وَيسن أَن يكون السِّوَاك فِي عرض الْأَسْنَان ظَاهرا وَبَاطنا وَفِي اللِّسَان طولا
وَأَن يمسِكهُ بِالْيَدِ الْيُمْنَى يَجْعَل خِنْصره تَحْتَهُ والبنصر وَالْوُسْطَى والسبابة فَوْقه والإبهام أَسْفَل رَأسه
وَلَا يقبض عَلَيْهِ بِيَدِهِ لِأَن ذَلِك يُورث الْبَاسُور وَأَن يبْدَأ بِيَمِين فَمه
وَكَيْفِيَّة ذَلِك أَن يبْدَأ
بالجانب الْأَيْمن من فَمه فيستوعبه بِاسْتِعْمَال السِّوَاك فِي الْأَسْنَان الْعليا والسفلى ظهرا وبطنا إِلَى الْوسط ثمَّ الْأَيْسَر كَذَلِك ثمَّ اللِّسَان ثمَّ سقف الْحلق
وَيسن أَن يبلع رِيقه وَقت وضع السِّوَاك فِي الْفَم وَقبل أَن يحركه كثيرا لما قيل إِن ذَلِك أَمَان من الجذام والبرص وَمن كل دَاء سوى الْمَوْت وَلَا يبلع رِيقه بعده لما قيل إِنَّه يُورث الوسواس وَيكرهُ أَن يزِيد طوله على شبر معتدل لما قيل ان الشَّيْطَان يركب على الزَّائِد (فمضمضة) وأقلها جعل المَاء فِي الْفَم من غير إدارة فِيهِ وَمَج مِنْهُ وأكملها أَن يبلغ المَاء إِلَى أقْصَى الحنك ووجهي الْأَسْنَان وَاللِّسَان وإمرار أصْبع يَده على ذَلِك وإدارة المَاء فِي الْفَم ومجه مِنْهُ (فاستنشاق) وَأقله وضع المَاء فِي الْأنف وَإِن لم يصل إِلَى الخيشوم
وأكمله أَن يصعد المَاء إِلَى الخيشوم وَيسن الاستنثار وَهُوَ أَن يخرج بعد الِاسْتِنْشَاق مَا فِي أَنفه من مَاء وأذى
فقد ورد عَنهُ صلى الله عليه وسلم أَنه قَالَ مَا مِنْكُم من أحد يتمضمض ثمَّ يستنشق فيستنثر إِلَّا خرت خَطَايَا وَجهه وخياشيمه
وَالْأَفْضَل أَن يكون إِخْرَاج ذَلِك بخنصر يَده الْيُسْرَى (و) الْأَفْضَل (جَمعهمَا) بغرفة وَاحِدَة بِأَن يتمضمض مِنْهَا ثمَّ يستنشق مِنْهَا ثمَّ يفعل مِنْهَا كَذَلِك ثَانِيًا وثالثا أَو بِأَن يتمضمض مِنْهَا وَلَاء ثَلَاثًا ثمَّ يستنشق كَذَلِك وَهَذِه فِي الْحَقِيقَة فصل لِأَنَّهُ لم ينْتَقل لتطهير الثَّانِي إِلَّا بعد الْفَرَاغ من الأول وتسميتها وصلا بِاعْتِبَار اتِّحَاد الغرفة
وَالْأولَى مِنْهُمَا أَن يكون الْجمع (بِثَلَاث غرف) يتمضمض من كل غرفَة ثمَّ يستنشق وَهَذِه ثَلَاث كيفيات للْجمع وَهِي أفضل من الْفَصْل
وكيفياته ثَلَاثَة أَيْضا الأولى أَن يكون بغرفتين يتمضمض بِالْأولَى ثَلَاثًا ثمَّ يستنشق بِالْأُخْرَى كَذَلِك
وَالثَّانيَِة أَن يكون بست غرف بِأَن يَأْخُذ غرفَة يتمضمض مِنْهَا ويطرحها وَيَأْخُذ أُخْرَى يستنشق مِنْهَا ويطرحها وَهَكَذَا
وَالثَّالِثَة أَن يكون بست غرف أَيْضا يتمضمض بِثَلَاث ثمَّ يستنشق بِثَلَاث وَهَذِه أضعفها وأنظفها وَتسن الْمُبَالغَة فيهمَا للمفطر وَهِي فِي الْمَضْمَضَة أَن يبلغ المَاء إِلَى أقْصَى الحنك ووجهي الْأَسْنَان واللثات مَعَ إمرار الْأصْبع الْيُسْرَى على ذَلِك وَفِي الِاسْتِنْشَاق أَن يصعد المَاء بِالنَّفسِ إِلَى الخيشوم بِحَيْثُ لَا يصل دماغه مَعَ إِدْخَال أُصْبُعه الْيُسْرَى ليزيل مَا فِيهِ من أَذَى ثمَّ يستنثر كالمتمخط
(وَمسح كل رَأس) ويثاب ثَوَاب الْفَرْض على الْقدر المجزىء فَقَط وثواب النَّفْل على مَا عداهُ
وَالسّنة فِي كيفيته أَن يضع يَدَيْهِ على مقدم رَأسه ويلصق سبابته بِالْأُخْرَى وَيَضَع إبهاميه على صدغيه ثمَّ يذهب بأصابعه غير الإبهامين إِلَى قَفاهُ ثمَّ يردهَا إِلَى الْمَكَان الَّذِي ذهب مِنْهُ إِن كَانَ لَهُ شعر يَنْقَلِب ليصل البلل لجميعه وَحِينَئِذٍ يكون الذّهاب وَالرَّدّ مسحة وَاحِدَة لعدم تَمام المسحة بالذهاب فَإِن لم يكن لَهُ شعر يَنْقَلِب لقصره أَو عَدمه لم يرد لعدم الْفَائِدَة فَإِن رد لم تحسب مسحة ثَانِيَة لِأَن المَاء صَار مُسْتَعْملا لاختلاط بلله ببلل يَده الْمُنْفَصِل عَنهُ حكما بِالنِّسْبَةِ للثَّانِيَة ولضعف البلل أثر فِيهِ أدنى اخْتِلَاط
فَإِن كَانَ على رَأسه نَحْو عِمَامَة كخمار وقلنسوة وَلم يرد رفع ذَلِك كمل بِالْمَسْحِ عَلَيْهِ
وَإِن كَانَ لبسهَا على حدث لَكِن بِشُرُوط أَن لَا يكون على الْعِمَامَة أَو نَحْوهَا نَجَاسَة وَلَو معفوا عَنْهَا كَدم البراغيث وَأَن لَا يكون عَاصِيا باللبس لذاته كَأَن لبسهَا وَهُوَ محرم لغير عذر وَأَن يبْدَأ بمسح الْقدر الْوَاجِب من الرَّأْس وَلَو كَانَ فَوق الْعِمَامَة
طيلسان كفى الْمسْح عَلَيْهِ
(و) بعد الرَّأْس مسح (الْأُذُنَيْنِ) ظَاهرا وَبَاطنا بِمَاء جَدِيد وَالْأَفْضَل فِي كَيْفيَّة مسحهما أَن يدْخل مسبحتيه فِي صماخيه ويديرهما فِي المعاطف ويمر إبهاميه على ظَاهر أُذُنَيْهِ وَيسن غسل الْأُذُنَيْنِ مَعَ غسل الْوَجْه ثَلَاثًا مُرَاعَاة لِلْقَوْلِ بِأَنَّهُمَا من الْوَجْه وَيسن مسحهما مَعَ الرَّأْس ثَلَاثًا مُرَاعَاة لِلْقَوْلِ بِأَنَّهُمَا من الرَّأْس وبالكيفية الْمُتَقَدّمَة ثَلَاثًا مُرَاعَاة لِلْقَوْلِ بِأَنَّهُمَا عضوان مستقلان لَا من الْوَجْه وَلَا من الرَّأْس وَهُوَ الْمُعْتَمد وَيسن أَن يمسحهما ثَلَاثًا استظهارا بِأَن يضع كفيه وهما مبلولتان على الْأُذُنَيْنِ فجملة مَا يسن فيهمَا اثْنَتَا عشرَة مرّة
(ودلك أَعْضَاء) وَهُوَ إمرار الْيَد عَلَيْهَا عقب ملاقاتها للْمَاء أَو مَعهَا فِرَارًا من خلاف من أوجبه وَيَنْبَغِي الِاجْتِهَاد فِي ذَلِك الْعقب لَا سِيمَا فِي الشتَاء
(وتخليل لحية كثة) وَنَحْوهَا من كل شعر يَكْتَفِي بِغسْل ظَاهره وكيفيته أَن يدْخل أَصَابِعه من أَسْفَل اللِّحْيَة ليصل المَاء إِلَى بَاطِنهَا (و) تَخْلِيل (أَصَابِع) الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ إِن كَانَ المَاء يصل بِدُونِ التَّخْلِيل وَإِلَّا وَجب
فتخليل أَصَابِع الْيَدَيْنِ بالتشبيك بِأَيّ كَيْفيَّة كَانَت بِأَن يدْخل أَصَابِع إِحْدَى يَدَيْهِ فِي أَصَابِع الْأُخْرَى سَوَاء فِي ذَلِك وضع إِحْدَى الراحتين على الْأُخْرَى أَو غير ذَلِك لَكِن الْأَفْضَل أَن يضع بطن الْكَفّ الْيُسْرَى على ظهر الْيُمْنَى ويخلل أَصَابِعه ثمَّ يضع بطن الْيُمْنَى على ظهر الْيُسْرَى وَيفْعل كَذَلِك وَالْأَفْضَل فِي تَخْلِيل أَصَابِع الرجلَيْن أَن يكون بخنصر الْيَد الْيُسْرَى مبتدئا بخنصر الرجل الْيُمْنَى مختتما بخنصر الرجل الْيُسْرَى
فَيكون بخنصر من خنصر إِلَى خنصر
(وإطالة غرَّة وتحجيل) فالغرة فِي الْوَجْه والتحجيل فِي الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ وهما اسمان للْوَاجِب وَالْمَنْدُوب
وَغَايَة الإطالة فِي الْغرَّة أَن يغسل صفحتي الْعُنُق مَعَ مُقَدمَات الرَّأْس وَفِي التحجيل اسْتِيعَاب العضدين والساقين
(وتثليث كل) مِمَّا ذكر من الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال فَلَا بُد أَن يَقع تثليث مغسول وممسوح على مَحل وَاحِد فإيصال المَاء لغيره محاولة تَعْمِيم لَا تكْرَار وَلَا يجزىء تثليث عُضْو قبل إتْمَام وَاجِب وَلَا بعد تَمام الْوضُوء وَلَو تَوَضَّأ مرّة مرّة ثمَّ أعَاد كَذَلِك لم تحصل فَضِيلَة التَّثْلِيث كَمَا قَالَه الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد وَهُوَ الْمُعْتَمد وَحكم هَذِه الْإِعَادَة الْكَرَاهَة فَلَا يُقَال إِنَّه عبَادَة فَاسِدَة فَتحرم وَإِنَّمَا لم يحرم مَعَ أَن الثَّانِي وَالثَّالِث بعد تَمام الْوضُوء وَقبل صَلَاة لِأَن الرَّوْيَانِيّ والفوراني قَالَا بِحُصُول التَّثْلِيث بِهِ وَذَلِكَ شُبْهَة دافعة للتَّحْرِيم
(وتيامن) إِلَّا فِي الْكَفَّيْنِ أول الْوضُوء والخدين والأذنين لغير أقطع وَمن خلق بيد وَاحِدَة وَيسن بداءة فِي الْوَجْه بأعلاه وَفِي الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ بالأصابع إِن لم يكن الْوضُوء بالصب من الْغَيْر أَو من نَحْو حنفية وَإِلَّا بَدَأَ فِي الْيَدَيْنِ بالمرفقين وَفِي الرجلَيْن بالكعبين وَيبدأ فِي الرَّأْس بمقدمه كَمَا تقدم
(وَوَلَاء) بَين أَعْضَاء
الْوضُوء بِحَيْثُ لَا يجِف الْعُضْو الأول قبل الشُّرُوع فِي الثَّانِي مَعَ اعْتِدَال الرّيح وطبائع الشَّخْص نَفسه وَالْمَكَان وَالزَّمَان فَلَو خرج وَاحِد من ذَلِك عَن الِاعْتِدَال قدر اعتداله وَيقدر الْمَمْسُوح مغسولا هَذَا فِي وضوء السَّلِيم إِذا كَانَ الْوَقْت وَاسِعًا أما وضوء صَاحب الضَّرُورَة فَتجب فِيهِ الْمُوَالَاة وَكَذَا على السَّلِيم عِنْد ضيق الْوَقْت
(وتعهد موق) وَإِذا كَانَ عَلَيْهِ حَائِل كرمص وَجب إِزَالَته
وَيسن أَن يُحَرك خَاتمه إِذا كَانَ المَاء يصل إِلَى مَا تَحْتَهُ بِدُونِ التحريك وَإِلَّا وَجب تحريكه (واستقبال) للْقبْلَة
وَيسن جُلُوس بِمحل لَا يُصِيبهُ فِيهِ رشاش المَاء
وَيسن أَن لَا يلطم وَجهه بِالْمَاءِ (وَترك تكلم) فِي أثْنَاء وضوئِهِ بِغَيْر ذكر لِأَنَّهُ شاغل عَن الْعِبَادَة
وَقد يسن لعذر بل يجب لنَحْو إنذار من خيف عَلَيْهِ مؤذ لم يشْعر بِهِ
(و) ترك (تنشيف) لِلِاتِّبَاعِ وَهُوَ أَخذ المَاء بِخرقَة
نعم ينْدب فِي ميت ولعذر كَأَن هبت ريح بِنَجس أَو آلمه نَحْو برد أما ترك النفض فَهُوَ كَتَرْكِ الِاسْتِعَانَة بصب المَاء عَلَيْهِ من غير عذر ففعلهما خلاف الأولى لَا مَكْرُوه كَمَا اتّفق عَلَيْهِ الاكليلان الرَّمْلِيّ وَابْن حجر وَتسن أذكار الْأَعْضَاء بِأَن يَقُول عِنْد غسل الْكَفَّيْنِ اللَّهُمَّ احفظ يَدي عَن مَعَاصِيك كلهَا وَعند الْمَضْمَضَة اللَّهُمَّ أَعنِي على ذكرك وشكرك اللَّهُمَّ اسْقِنِي من حَوْض نبيك صلى الله عليه وسلم كأسا لَا أظمأ بعْدهَا أبدا وَعند الِاسْتِنْشَاق اللَّهُمَّ أرحني رَائِحَة الْجنَّة اللَّهُمَّ لَا تحرمني رَائِحَة نعيمك وجناتك وَعند غسل الْوَجْه اللَّهُمَّ بيض وَجْهي يَوْم تبيض وُجُوه وَتسود وُجُوه وَعند غسل الْيَد الْيُمْنَى اللَّهُمَّ أَعْطِنِي كتابي بيميني وحاسبني حسابا يَسِيرا وَعند غسل الْيَد الْيُسْرَى اللَّهُمَّ لَا تعطني كتابي بشمالي وَلَا من وَرَاء ظَهْري وَعند مسح الرَّأْس اللَّهُمَّ حرم شعري وبشري على النَّار وأظلني تَحت ظلّ عرشك يَوْم لَا ظلّ إِلَّا ظلك وَعند مسح الْأُذُنَيْنِ اللَّهُمَّ اجْعَلنِي من الَّذين يَسْتَمِعُون القَوْل فيتبعون أحْسنه وَعند غسل الرجلَيْن اللَّهُمَّ ثَبت قدمي على الصِّرَاط يَوْم تزل الْأَقْدَام
(والشهادتان عقبه) أَي الْوضُوء بِأَن تنسبا للْوُضُوء فَإِن أخرهما بِحَيْثُ يطول فاصل عَنهُ عرفا فَاتَ مَحلهمَا فَيَقُول مُسْتَقْبل الْقبْلَة رَافعا يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاء كَهَيئَةِ الدَّاعِي أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله لقَوْله صلى الله عليه وسلم من تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ قَالَ أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله إِلَى قَوْله وَرَسُوله فتحت لَهُ أَبْوَاب الْجنَّة يدْخل من أَيهَا شَاءَ
رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم
وأبواب الْجنَّة ثَمَانِيَة بَاب الصَّدَقَة وَبَاب الصَّلَاة وَبَاب الصَّوْم وَيُقَال لَهُ الريان وَبَاب الْجِهَاد وَبَاب الكاظمين الغيظ وَالْعَافِينَ عَن النَّاس وَبَاب الرَّاحِمِينَ وَبَاب من لَا حِسَاب عَلَيْهِم وَبَاب التَّوْبَة وَيُقَال لَهُ بَاب الرَّحْمَة وَبَاب مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مَفْتُوح مُنْذُ خلقه الله تَعَالَى لَا يغلق إِلَّا إِذا طلعت الشَّمْس من مغْرِبهَا فَحِينَئِذٍ يغلق وَلَا يفتح إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
وَهَذِه الْأَبْوَاب مقسومة على أَعمال الْبر إِلَّا بَاب التَّوْبَة فَلَيْسَ بَاب عمل وَإِنَّمَا هُوَ بَاب الرَّحْمَة الْعُظْمَى وَإِنَّمَا فتحت لَهُ الْأَبْوَاب الثَّمَانِية تكرمة لَهُ وَإِلَّا فَهُوَ إِذا اتّصف بِنَوْع من هَذِه الْأَعْمَال دخل من بَابه فَلَو اتّصف بنوعين فَأكْثر فَيُخَير أَو يدْخل من الْبَاب الَّذِي هُوَ لَازم نَوعه أَكثر وَيجب الْإِيمَان بذلك من غير بحث وَزَاد التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم
على رِوَايَة مُسلم اللَّهُمَّ اجْعَلنِي من التوابين واجعلني من المتطهرين وَزَاد الْحَاكِم على روايتهما سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا أَنْت أستغفرك وَأَتُوب إِلَيْك فَقَالَ عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من قَالَ عقب الْوضُوء سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك إِلَى آخِره كتب فِي رق ثمَّ طبع عَلَيْهِ بِطَابع فَلم يتَطَرَّق إِلَيْهِ خلل إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
وَهَذَا كِنَايَة عَن عدم إحباط ثَوَابه وَفِيه بشرى بِأَن قَائِله يَمُوت على الْإِيمَان وَلَا يحصل لَهُ ردة أبدا لِأَن الرِّدَّة إِن اتَّصَلت بِالْمَوْتِ أحبطت الْعَمَل من أَصله وَإِن لم تتصل بِالْمَوْتِ بِأَن عَاد لِلْإِسْلَامِ قبل الْمَوْت عَادَتْ لَهُ الْأَعْمَال مُجَرّدَة عَن الثَّوَاب فَيكون قَائِل هَذَا الدُّعَاء مبشرا بالسلامة من هَذَا كُله
وَيسن أَن يَقُول عقبه وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآل مُحَمَّد
وَيسن أَن يقْرَأ بعد ذَلِك مَعَ رفع الْبَصَر كَمَا فِي الشَّهَادَتَيْنِ من غير رفع الْيَدَيْنِ سُورَة إِنَّا أَنزَلْنَاهُ لخَبر من قَرَأَ فِي أثر وضوئِهِ {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة الْقدر} 97 الْقدر الْآيَة 1 مرّة وَاحِدَة كَانَ من الصديقين وَمن قَرَأَهَا مرَّتَيْنِ كتب فِي ديوَان الشُّهَدَاء وَمن قَرَأَهَا ثَلَاثًا حشره الله محشر الْأَنْبِيَاء
رَوَاهُ الديلمي عَن أنس
وَيسن بعد قِرَاءَة السُّورَة الْمَذْكُورَة أَن يَقُول ثَلَاثًا مُسْتَقْبل الْقبْلَة بصدره رَافعا يَدَيْهِ وبصره اللَّهُمَّ اغْفِر لي ذَنبي ووسع فِي دَاري وَبَارك لي فِي رِزْقِي وَلَا تفتني بِمَا زويت عني
(وشربه من فضل وضوئِهِ) بِفَتْح الْوَاو أَي مَائه الَّذِي تَوَضَّأ بِهِ لما ورد فِي الْخَبَر أَن فِيهِ شِفَاء من كل دَاء
ومكروهات الْوضُوء الْإِسْرَاف فِي المَاء كَأَن يزِيد على الثَّلَاث بنية الْوضُوء أَو يَأْخُذ فِي الغرفة زِيَادَة عَمَّا يَكْفِي الْعُضْو وَلَو كَانَ يغترف من الْبَحْر وَمحل كَون الْإِسْرَاف مَكْرُوها إِن كَانَ المَاء مُبَاحا أَو مَمْلُوكا لَهُ فَإِن كَانَ مسبلا للْوُضُوء كالفساقي أَو مَمْلُوكا للْغَيْر وَأذن فِي الْوضُوء مِنْهُ وَلم يَأْذَن فِي الْإِسْرَاف حرم
وَيجب الِاقْتِصَار فِي المسبل على مَا أَرَادَ مسبله فَيحرم اسْتِعْمَاله فِي غير ذَلِك كتزويد الدواة وَنَحْوه وكالاستنجاء من مَاء الفساقي الْمعدة للْوُضُوء أَو مَاء مغاطس الْمَسْجِد إِلَّا إِذا لم يكن فِي بيُوت الأخلية مَاء للْعُذْر
وَيحرم تقذير ذَلِك كالبول فِيهِ وَوضع الْعُضْو فِيهِ متنجسا وَكَذَا البصق أَو الامتخاط أَو نَحْو ذَلِك
وَمن مكروهات الْوضُوء النَّقْص عَن الثَّلَاث وَالْوُضُوء فِي المَاء الراكد بِلَا عذر وَلَو كثيرا مَا لم يكن مستبحرا (وليقتصر) أَي المتوضىء (حتما) أَي وجوبا (على وَاجِب لضيق وَقت) عَن إِدْرَاك فرض الصَّلَاة كلهَا فِيهِ فَيجب ترك جَمِيع السّنَن لذَلِك على مَا قَالَه ابْن حجر
وَيجب الِاقْتِصَار على مرّة وَاحِدَة لذَلِك أَيْضا بِحَيْثُ لَو ثلث خرج وَقت الْفَرْض
(أَو قلَّة مَاء) بِحَيْثُ كَانَ المَاء لَا يَكْفِي إِلَّا فرض الْوضُوء أَو كَانَ المتوضىء يحْتَاج للفاضل للعطش بِحَيْثُ لَو أكمل الْوضُوء لاستغرق المَاء وأدركه الْعَطش
(و) ليقتصر (ندبا) على الْوَاجِب (لإدراك جمَاعَة) لم يرج غَيرهَا نعم مَا قيل بِوُجُوبِهِ كالدلك لَا يسن تَركه لأجل الْجَمَاعَة بل يسن إِتْيَانه وَإِن أدّى إِلَى فَوت الْجَمَاعَة قِيَاسا على ندب رِعَايَة تَرْتِيب الْفَوَائِت وَإِن فَاتَت الْجَمَاعَة إِذْ قد قيل بِوُجُوب ترتيبها
(ونواقضه) أَي
الْوضُوء أَي الْأَسْبَاب الَّتِي يَنْتَهِي بهَا الطُّهْر أَرْبَعَة فَقَط ثَابِتَة بالأدلة
أَحدهَا (خُرُوج شَيْء) غير منيه الْمُوجب للْغسْل (من أحد سبيلي حَيّ) أَي من قبل الْحَيّ الْوَاضِح أَو دبره
وَخرج بالحي الْمَيِّت فَلَا نقض بالخارج من قبله أَو دبره بعد وضوئِهِ
وَخرج بالواضح الْمُشكل وَهُوَ من لَهُ آلتان آلَة تشبه آلَة الرِّجَال وَآلَة تشبه آلَة النِّسَاء فَلَا نقض إِلَّا بالخارج من الآلتين جَمِيعًا أَو من دبره وَلَا فرق فِي الْخَارِج بَين أَن يكون عينا أَو ريحًا طَاهِرا أَو نجسا جافا أَو رطبا مُعْتَادا كالبول أَو نَادرا كَالدَّمِ انْفَصل أَو لَا قَلِيلا أَو كثيرا طَوْعًا أَو كرها سَهوا أَو عمدا (وَلَو كَانَ) أَي الْخَارِج (باسورا) بِأَن خرج الْبَاسُور نَفسه من دَاخل الدبر أَو زَاد خُرُوجه فَإِنَّهُ نَاقض وَكَذَا دم بواسير من باسور دَاخل الدبر لَا خَارجه
وَأما منيه الْمُوجب للْغسْل كَأَن أمنى بِمُجَرَّد نظر أَو احْتِلَام مُمكنا مقعدته فَلَا نقض بِهِ لِأَنَّهُ أوجب أعظم الْأَمريْنِ وَهُوَ الْغسْل بِخُصُوص كَونه منيا فَلَا يُوجب أدونهما وَهُوَ الْوضُوء بِعُمُوم كَونه خَارِجا كزنا الْمُحصن لما أوجب أعظم الحدين وَهُوَ الرَّجْم بِخُصُوص كَونه زنا مُحصن لم يُوجب أدونهما وَهُوَ الْجلد والتغريب بِعُمُوم كَونه زنا
وَلَو انسد الْفرج بِأَن صَار لَا يخرج مِنْهُ شَيْء وَإِن لم يلتحم وَانْفَتح بدله ثقبة لخُرُوج الْخَارِج فَإِن كَانَت تَحت السُّرَّة أَعْطَيْت حكم الْفرج فِي ثَلَاثَة أُمُور النَّقْض بِالْخرُوجِ مِنْهَا
وَجَوَاز وَطْء الحليلة فِيهَا
وَعدم النَّقْض بِالنَّوْمِ مُمكنا لَهَا وَلَا يصير الواطىء جنبا بِالْوَطْءِ فِيهَا إِلَّا إِذا أنزل
وَلَو عَاد الْأَصْلِيّ منفتحا عَادَتْ لَهُ جَمِيع الْأَحْكَام من الْآن وتلغو أَحْكَام الثقبة فَإِنَّهَا مَتى كَانَ الْفرج منفتحا لَا عِبْرَة بهَا وَلَا بُد فِي الثقبة الَّتِي تقوم مقَام الْفرج أَن تكون قريبَة من السُّرَّة عرفا فَإِن كَانَت فِي رجله أَو نَحْوهَا فَلَا ينْقض الْخَارِج مِنْهَا
فَإِن لم تكن تَحت السُّرَّة بل كَانَت فَوْقهَا أَو فِيهَا أَو فِي محاذيها فَلَا نقض بِالْخرُوجِ مِنْهَا
هَذَا فِي الانسداد الْعَارِض أما الخلقي فينقض مَعَه الْخَارِج من المنفتح مُطلقًا أَي فِي أَي مَوضِع كَانَ من الْبدن
وَيثبت لَهُ جَمِيع أَحْكَام الْأَصْلِيّ من النّظر بالإيلاج فِيهِ وَوُجُوب الْحَد بِهِ وَحُرْمَة النّظر إِلَيْهِ وَوُجُوب ستره من غير الحليل وَفِي الصَّلَاة
وَتبطل بكشفه وَلَو فِي الْجَبْهَة وَيصِح السُّجُود مَعَ الْحَائِل لوُجُوب ذَلِك شرعا
والفرج حِينَئِذٍ كعضو زَائِد من الْخُنْثَى لَا يتَعَلَّق بِهِ حكم من أَحْكَام الْفرج وَلَو قَامَ مقَام الْفرج شَيْء من المنافذ الْأَصْلِيَّة كالفم وَالْأنف وَالْأُذن فَلَا نقض بالخارج مِنْهُ على الْمُعْتَمد
(و) ثَانِيهَا (زَوَال عقل) أَي تَمْيِيز بجنون أَو سكر أَو إِغْمَاء وَلَو خَفِيفا أَو شرب دَوَاء أَو غيبوبة حَال ذكر أَو نَحْو ذَلِك
وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين المتمكن وَغَيره
(لَا) ينْتَقض بِزَوَال التَّمْيِيز (بنوم مُمكن مَقْعَده) من مقره لأمن خُرُوج شَيْء من دبره حِينَئِذٍ
لَكِن يسن الْوضُوء خُرُوجًا من الْخلاف وَلَا تَمْكِين لمن نَام على قَفاهُ مُلْصقًا مَقْعَده بمقره وَكَذَا لَو كَانَ نحيفا بِحَيْثُ يكون بَين بعض ألييه ومقره تجاف
وَإِنَّمَا كَانَ النّوم على غير هَيْئَة الْمُمكن مقعدته من مقره ناقضا لِأَنَّهُ مَظَنَّة لخُرُوج شَيْء من دبره
ثمَّ نزلُوا المظنة منزلَة المئنة ثمَّ جعلُوا نفس النّوم على هَذِه الْهَيْئَة ناقضا وَإِن تَيَقّن عدم خُرُوج
شَيْء من دبره كَمَا لَو أخبرهُ مَعْصُوم بِأَنَّهُ لم يخرج مِنْهُ شَيْء أَو كَانَ الْمحل مسدودا بِمَا لَا يُمكن مَعَه خُرُوج شَيْء
وَعلم مِمَّا ذكر أَن الْقبل لَا يجب تَمْكِينه وَإِن احْتمل خُرُوج ريح مِنْهُ لِأَن ذَلِك نَادِر بل قَالُوا لَا يضر وَإِن كَانَ من عَادَته خُرُوج الرّيح من قبله
نعم إِن تَيَقّن خُرُوج شَيْء من قبله انْتقض وضوؤه
وَلَو نَام مُمكنا وزالت إِحْدَى ألييه أَو سقط ذراعه على الأَرْض فَلهُ أَربع حالات فَإِن كَانَ ذَلِك قبل انتباهه يَقِينا انْتقض وضوؤه أَو بعده أَو مَعَه أَو شكّ فَلَا
وَلَو شكّ هَل كَانَ مُتَمَكنًا أم لَا فَلَا نقض
وَلَا ينْقض النعاس لِأَنَّهُ أخف من النّوم لِأَن سَبَب النّوم ريح تَأتي من قبل الدِّمَاغ فتغطي الْقلب فَإِن لم تصل إِلَى الْقلب بل غطت الْعين فَقَط كَانَ نعاسا
وَمن عَلَامَات النّوم الرُّؤْيَا وَمن عَلَامَات النعاس سَماع كَلَام الْحَاضِرين مَعَ عدم فهمه فَلَو رأى رُؤْيا علم أَن ذَلِك نوم وَلَو شكّ هَل نَام أَو نعس وَأَن الَّذِي خطر بِبَالِهِ رُؤْيا أَو حَدِيث نفس فَلَا نقض
(و) ثَالِثهَا (مس فرج آدَمِيّ) وَهُوَ قبله وَلَو مَحل الْجب
أَو ذكرا أشل وحلقة دبره من نَفسه أَو غَيره وَلَو مَعَ التوافق فِي الذُّكُورَة أَو الْأُنُوثَة وَالْمرَاد بفرج الْمَرْأَة الشفران من أَولهمَا إِلَى آخرهما وَمن ذَلِك مَا يظْهر عِنْد جلوسها على قدميها
وَالظَّاهِر أَن من ذَلِك مَا يظْهر عِنْد الاسترخاء الْمَطْلُوب فِي الِاسْتِنْجَاء وَمثل ذَلِك مَا يقطع فِي الْخِتَان مِنْهَا حَال اتِّصَاله وَلَو بارزا وَالْمرَاد بِحَلقَة الدبر ملتقى منفذه فَمَا عدا ذَلِك كُله لَا نقض فِيهِ بالمس فَلَا نقض بِمَسّ الْأُنْثَيَيْنِ وَلَا بِمَسّ الْعَانَة (بِبَطن كف) وَهِي رَاحَة مَعَ أَصَابِع وَلَو من يَد شلاء من غير حَائِل سَوَاء كَانَ الْآدَمِيّ ذكرا أَو أُنْثَى بلغ حد الشَّهْوَة أم لَا عمدا أَو سَهوا طَوْعًا أَو كرها وَلَو بِلَا قصد وَلَا فعل مُتَّصِلا كَانَ الْفرج أَو مُنْفَصِلا وَكَانَ بِحَيْثُ يُطلق عَلَيْهِ اسْم الْفرج وَلَو نبت على بَاطِن الْكَفّ شعر كثير لَا يعد حَائِلا بل ينْقض الْمس بِهِ ثمَّ عِنْد مس الْقبل إِن كَانَ كل من الماس والممسوس وَاضحا فَالْأَمْر وَاضح وَكَذَا إِن كَانَ الماس مُشكلا والممسوس وَاضحا
وَأما عكس هَذِه وَهِي أَن يكون الماس وَاضحا والممسوس مُشكلا
فَإِن مس الآلتين جَمِيعًا فَالْأَمْر ظَاهر وَإِن مس إِحْدَاهمَا فَإِن كَانَ مثل مَا لَهُ مَعَ فقد الْمَحْرَمِيَّة والصغر انْتقض الْوضُوء جزما لِأَن الممسوس إِن كَانَ مثل الماس ذكورة أَو أنوثة فقد حصل مس وَإِن لم يكن مثله فقد لمس وَإِن كَانَ غير مَا لَهُ أَو مثله مَعَ الْمَحْرَمِيَّة أَو الصغر فَلَا نقض لاحْتِمَال توافقهما فِي الذُّكُورَة أَو الْأُنُوثَة فِي الأولى ولوجود الْمَحْرَمِيَّة أَو الصغر فِي الثَّانِيَة
وَإِن كَانَ كل من الماس والممسوس مُشكلا فَلَا بُد من مس الآلتين جَمِيعًا لِأَنَّهُمَا إِن كَانَا ذكرين فقد مس آلَة الذُّكُور أَو أنثيين فقد مس آلَة النِّسَاء أَو متخالفين فَهُوَ مس ولمس وَلَو تعدد الْقبل من الْوَاضِح فعلى التَّفْصِيل الْمُتَقَدّم فِي خُرُوج الْخَارِج
وَلَو نَبتَت لَهُ أصْبع زَائِدَة فَإِن كَانَت على سمت الْأَصْلِيَّة نقض بَاطِنهَا دون ظَاهرهَا وَإِن كَانَت بِبَطن الْكَفّ فَإِن سامتت فَكَذَلِك وَإِن لم تسامت نقض بَاطِنهَا وظاهرها كسلعة فِي بطن الْكَفّ وَإِن كَانَت بِظهْر الْكَفّ لَا ينْقض
ظَاهرهَا وَلَا بَاطِنهَا
وَكَذَا لَو كَانَت بِحرف الرَّاحَة وَلم تكن على سمت الْأَصْلِيَّة وَخرج بِبَطن الْكَفّ رُؤُوس الْأَصَابِع وَمَا بَينهَا وحروفها وحروف الرَّاحَة فَلَا نقض بذلك
وَخرج بفرج الْآدَمِيّ فرج الْبَهِيمَة وَالطير فَلَا نقض بمسه نعم الجني كالآدمي
تَنْبِيه ضَابِط مَا ينْقض الْمس بِهِ هُوَ مَا يسْتَتر عِنْد وضع إِحْدَى الراحتين على الْأُخْرَى مَعَ تحامل يسير
هَذَا بِالنِّسْبَةِ لغير الإبهامين
أما بِالنِّسْبَةِ لَهما فَهُوَ مَا يسْتَتر عِنْد وضع بطن أَحدهمَا على بطن الآخر بِحَيْثُ تكون رَأس أَحدهمَا عِنْد أصل الآخر مَعَ تحامل يسير
(و) رَابِعهَا اللَّمْس وَهُوَ (تلاقي بشرتي ذكر وَأُنْثَى) وَلَو كَانَ الذّكر خَصيا أَو عنينا أَو ممسوحا أَو كَانَ أَحدهمَا مَيتا لَكِن لَا ينْتَقض وضوء الْمَيِّت سَوَاء كَانَ التلاقي عمدا أَو سَهوا بِشَهْوَة أَو دونهَا بعضو سليم أَو أشل
أُصَلِّي أَو زَائِد من أَعْضَاء الْوضُوء أَو غَيرهَا وَلَو كَانَت الْأُنْثَى عجوزا شوهاء لَا تشْتَهى وَلَا ينْقض لمس الْعُضْو المبان
وَلَو قطع عُضْو من شخص والتصق بآخر وحلته الْحَيَاة فَلهُ حكم من اتَّصل بِهِ لَا إِن انْفَصل عَنهُ فَلَو قطعت يَد رجل والتصقت بِامْرَأَة وحلتها الْحَيَاة انْتقض وضوء الرجل بلمسها وَعَكسه وَلَو قطعت الْمَرْأَة جزأين فَلَا نقض بلمس أَحدهمَا إِلَّا إِذا كَانَ يُطلق عَلَيْهِ اسْم امْرَأَة بِمُجَرَّد النّظر إِلَيْهِ (بكبر) أَي مَعَ كبرهما يَقِينا بِأَن بلغ كل مِنْهُمَا حد الشَّهْوَة لأرباب الطباع السليمة
وَإِن انْتَفَت الشَّهْوَة لهرم أَو مرض لِأَنَّهُ مَا من سَاقِطَة إِلَّا وَلها لاقطة (لَا) ينْتَقض الْوضُوء بتلاقي بشرتيهما (مَعَ محرمية)
وَالْحَاصِل أَن اللَّمْس نَاقض بِشُرُوط خَمْسَة أَحدهَا أَن يكون بَين مُخْتَلفين ذكورة وأنوثة فَلَا نقض بَين ذكرين وَلَا بَين أنثيين وَلَا بَين أَحدهمَا وَخُنْثَى لاحْتِمَال أَن يكون مثله
ثَانِيهَا أَن يكون بالبشرة وَهِي ظَاهر الْجلد وَمثلهَا اللَّحْم كلحم الْأَسْنَان وَاللِّسَان وباطن الْعين وداخل الْأنف والفم فَلَا نقض بالشعر وَإِن نبت على الْفرج وَالسّن وَالظفر والعظم
ثَالِثهَا أَن يكون بِدُونِ حَائِل فَلَا نقض مَعَ الْحَائِل وَلَو رَقِيقا
رَابِعهَا أَن يبلغ كل مِنْهُمَا حدا يَشْتَهِي فِيهِ فَلَو بلغه أَحدهمَا وَلم يبلغهُ الآخر فَلَا نقض
وخامسها عدم الْمَحْرَمِيَّة فَلَا نقض بلمس الْمَحَارِم
وَمن خصوصيات نَبينَا صلى الله عليه وسلم عدم نقض وضوئِهِ بلمس غير الْمَحَارِم
وَاعْلَم أَن اللَّمْس يُفَارق الْمس فِي سَبْعَة أُمُور أَحدهمَا أَن اللَّمْس لَا يخْتَص بعضو بِخِلَاف الْمس فَإِنَّهُ يخْتَص بِبَطن كف
ثَانِيهَا أَنه لَا بُد فِي اللَّمْس من اخْتِلَاف الْجِنْس بِخِلَاف الْمس
ثَالِثهَا أَن الْفرج المبان ينْقض مَسّه على مَا تقدم بِخِلَاف الْعُضْو المبان لَا ينْقض لمسه
رَابِعهَا أَن اللَّمْس ينْقض وضوء اللامس والملموس بِخِلَاف الْمس فَإِنَّهُ عِنْد اتِّحَاد الْجِنْس لَا ينْقض إِلَّا وضوء الماس
خَامِسهَا أَن مس فرج الْمحرم نَاقض بِخِلَاف لمسها
سادسها اشْتِرَاط بُلُوغ حد الشَّهْوَة فِي اللَّمْس دون الْمس
سابعها أَن اللَّمْس لَا بُد فِيهِ من التَّعَدُّد بِخِلَاف الْمس فَإِنَّهُ يحصل بِمَسّ فرج نَفسه
تَتِمَّة من الْقَوَاعِد المقررة الَّتِي يَنْبَنِي عَلَيْهَا كثير من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة اسْتِصْحَاب الأَصْل
وَطرح الشَّك وإبقاء مَا كَانَ على مَا كَانَ
وَقد أجمع الْعلمَاء على أَن الشَّخْص لَو شكّ هَل طلق زَوجته أَو لَا فَإِن الأَصْل عدم الطَّلَاق فَيجوز لَهُ وَطْؤُهَا وَأَنه لَو شكّ فِي امْرَأَة هَل تزَوجهَا أم لَا فَإِن الأَصْل عدم التَّزَوُّج بهَا فَلَا يجوز لَهُ وَطْؤُهَا (و) من ذَلِك أَنه (لَا يرْتَفع يَقِين وضوء أَو حدث بِظَنّ ضِدّه) فَمن تَيَقّن الطُّهْر ثمَّ شكّ هَل أحدث أم لَا فَالْأَصْل عدم الْحَدث وَمن تَيَقّن الْحَدث ثمَّ شكّ هَل تطهر أم لَا فَالْأَصْل عدم الطُّهْر
خَاتِمَة وَمن كَانَ لابسا للخفين وَأَرَادَ الْمسْح عَلَيْهِمَا بَدَلا من غسل الرجلَيْن فِي الْوضُوء جَازَ لَهُ ذَلِك بِشُرُوط أَرْبَعَة الأول أَن يبتدىء لبسهما بعد كَمَال الطَّهَارَة
الثَّانِي أَن يَكُونَا ساترين لمحل الْفَرْض وَهُوَ الْقدَم بكعبيه من سَائِر الجوانب وَلَا يشْتَرط السّتْر من الْأَعْلَى وَالْمرَاد بالستر الْحَيْلُولَة وَإِن لم يمْنَع الرُّؤْيَة فَيَكْفِي الشفاف
الثَّالِث أَن يَكُونَا مِمَّا يُمكن تتَابع الْمَشْي فيهمَا لتردد مُسَافر لِحَاجَتِهِ عِنْد النُّزُول وَالسير وَغَيرهمَا مِمَّا جرت بِهِ الْعَادة وَلَو كَانَ لابسه مقْعدا وَهَذِه الشُّرُوط الثَّلَاثَة لَا بُد من وجودهَا عِنْد ابْتِدَاء اللّبْس
الرَّابِع أَن يَكُونَا طاهرين وَهَذَا الشَّرْط يَكْفِي وجوده قبل الْحَدث وَلَو بعد اللّبْس
وَمُدَّة الْمسْح ثَلَاثَة أَيَّام بلياليها للْمُسَافِر سفر قصر وَيَوْم وَلَيْلَة لغيره وابتداؤها من وَقت الْحَدث بعد لبس الْخُفَّيْنِ
ثمَّ إِن كَانَ الْحَدث بِاخْتِيَارِهِ كاللمس والمس وَالنَّوْم فابتداء الْمدَّة من ابْتِدَاء الْحَدث وَإِن كَانَ الْحَدث بِغَيْر اخْتِيَاره كالجنون وَالْإِغْمَاء وَالْبَوْل وَالْغَائِط وَالرِّيح كَانَ ابْتِدَاء الْمدَّة من آخِره
وَالْعبْرَة فِي ذَلِك بالشأن فَمَا شَأْنه أَن يكون بِالِاخْتِيَارِ فالمدة من ابْتِدَائه وَإِن حصل قهرا
وَمَا شَأْنه أَن يكون بِغَيْر اخْتِيَار فالمدة من انتهائه وَإِن حصل بِغَيْر قهر فَإِن مسح فِي سفر الْقصر ثمَّ زَالَ السّفر أَو مسح فِي غير سفر الْقصر ثمَّ سَافر سفر قصر لم يكمل مُدَّة سفر الْقصر فِي الْحَالين
وَيَكْفِي الْقَلِيل فِي الْمسْح فِي مَحل الْفَرْض بِظَاهِر أَعلَى الْخُف كمسح الرَّأْس حَتَّى لَو وضع أُصْبُعه المبتلة على ظَاهر أَعلَى الْخُف وَلم يمرها أَجزَأَهُ وَكَذَا لَو قطر عَلَيْهِ قَطْرَة مَاء
وَيسن مسح أَعْلَاهُ وأسفله خُطُوطًا بِأَن يضع يَده الْيُسْرَى تَحت الْعقب واليمنى على ظهر الْأَصَابِع ثمَّ يمر الْيُمْنَى إِلَى آخر سَاقه واليسرى إِلَى أَطْرَاف الْأَصَابِع من تَحت مفرجا بَين أَصَابِع يَدَيْهِ
فاستيعابه بِالْمَسْحِ خلاف الأولى وَيكرهُ تكراره وَغسل الْخُف
وَيبْطل حكم الْمسْح على الْخُف بِوَاحِد من ثَلَاثَة أَشْيَاء
الأول ظُهُور شَيْء مِمَّا ستر بِهِ من رجل أَو لفافة أَو غَيرهمَا
الثَّانِي انْقِضَاء الْمدَّة المحدودة الْمُتَقَدّم ذكرهَا
الثَّالِث عرُوض مَا يُوجب الْغسْل من جَنَابَة أَو حيض أَو نِفَاس أَو ولادَة
وَالثَّانيَِة أَي الطَّهَارَة لأجل حدث أكبر وَهُوَ الْمَقْصد الثَّانِي من مَقَاصِد الطَّهَارَة (الْغسْل) وَحَقِيقَته شرعا سيلان المَاء على جَمِيع الْبدن بنية وَلَو مَنْدُوبَة كَمَا فِي غسل الْمَيِّت وَهُوَ نَوْعَانِ فرض وَسنة فالفرض (مُوجبه) أَي أَسبَابه ثَلَاثَة أَحدهَا جَنَابَة وَهِي إِمَّا (خُرُوج منيه) من طَرِيقه الْمُعْتَاد وَإِن لم يكن مستحكما أَو من صلب الرجل وترائب الْمَرْأَة
والمعتاد منسد إِن كَانَ مستحكما أَي خَارِجا لَا لعِلَّة وَيعرف الْمَنِيّ بتدفقه أَو لَذَّة وَقت خُرُوجه
أَو ريح عجين أَو طلع نخل إِذا كَانَ رطبا أَو ريح بَيَاض بيض إِذا كَانَ الْمَنِيّ جافا فَإِن فقدت هَذِه الصِّفَات فَلَا غسل لِأَن الْخَارِج حِينَئِذٍ لَيْسَ بِمني فَإِن احْتمل كَون الْخَارِج منيا أَو غَيره كودي أَو مذي تخير بَينهمَا على الْمُعْتَمد فَإِن اخْتَار كَونه منيا اغْتسل وَإِن اخْتَار كَونه غير مني تَوَضَّأ وَغسل مَا أَصَابَهُ مِنْهُ وَلَو اخْتَار أَحدهمَا ثمَّ عَن لَهُ اخْتِيَار الآخر كَانَ لَهُ الرُّجُوع عَن اخْتِيَار الأول وَلَو بعد أَن فعل مُقْتَضَاهُ وَلَا يُعِيد مَا فعله بِالْأولِ وَلَو رأى فِي فرَاشه أَو ثَوْبه وَلَو بِظَاهِرِهِ منيا لَا يحْتَمل كَونه من غَيره لزمَه الْغسْل وإعادة كل صَلَاة لَا يحْتَمل خلوها عَنهُ وَيسن إِعَادَة كل صَلَاة احْتمل خلوها عَنهُ وَلَو أحس بنزول الْمَنِيّ فَأمْسك ذكره فَلم يخرج مِنْهُ شَيْء فَلَا غسل عَلَيْهِ
(و) إِمَّا (دُخُول حَشَفَة) من ذكر أُصَلِّي أَو قدرهَا مِنْهُ من فاقدها (فرجا) قبلا أَو دبرا وَلَو من ميت أَو بَهِيمَة مَعَ إِكْرَاه أَو نوم أَو نِسْيَان وَبلا إِنْزَال وَمن ذكر أشل وَغير منتشر وبحائل كلف خرقَة على الذّكر وَلَو غَلِيظَة فَلَو غيب بعض الْحَشَفَة لم يجب الْغسْل على المولج وَلَا على الآخر نعم ينْدب
(و) ثَانِيهَا (حيض) وَالْمُعْتَبر فِيهِ وَفِيمَا يَأْتِي انْقِطَاعه مَعَ الْقيام إِلَى الصَّلَاة وَنَحْوهَا
وَأَقل زمن الْحيض مِقْدَار يَوْم وَلَيْلَة وَهُوَ أَربع وَعِشْرُونَ سَاعَة فلكية مُتَّصِلَة اتِّصَالًا معهودا فِي الْحيض
والساعة خمس عشرَة دَرَجَة
والدرجة أَربع دقائق
والدقيقة مِقْدَار سُورَة الْإِخْلَاص مرّة وَقيل ثَلَاث مَرَّات
وَأَكْثَره خَمْسَة عشر يَوْمًا بلياليها وَإِن لم يتَّصل (و) ثَالِثهَا (نِفَاس) لكَونه دم حيض مجتمعا
وَأقله زمن يسير وَلَو قدر مَا يسع مجة بعد انْفِصَال الْوَلَد
وَأَكْثَره سِتُّونَ يَوْمًا
وغالبه أَرْبَعُونَ يَوْمًا اعْتِبَارا بالوجود فِي الْجَمِيع
وَمن مُوجب الْغسْل تحير الْمُسْتَحَاضَة
وولادة وَلَو لعلقة ومضغة لِأَن الْغسْل يجب بِخُرُوج المَاء الَّذِي يخلق مِنْهُ الْوَلَد فبخروج الْوَلَد أولى
والمسنون كثير مِنْهُ غسل الْجُمُعَة وَالِاسْتِسْقَاء والكسوف للشمس والخسوف للقمر لمن أَرَادَ حُضُور صلَاتهَا فِي الْأَرْبَعَة وَغسل الْعِيد وَغسل الْكَافِر إِذا أسلم وَالْغسْل من غسل الْمَيِّت وَالْغسْل من الْحجامَة وَالْغسْل عِنْد إِرَادَة الْخُرُوج من الْحمام وَالْأولَى أَن يكون بِمَاء معتدل بَين الْحَرَارَة والبرودة وَالْغسْل من نتف الْإِبِط وَمن إِزَالَة الْعَانَة وَمن حلق الرَّأْس وَمن الْإِغْمَاء وَمثله الْجُنُون وَمن الْبلُوغ بِالسِّنِّ وللإحرام بِالْحَجِّ أَو الْعمرَة ولدخول الْحرم ولدخول مَكَّة وللوقوف بِعَرَفَة وللمبيت بِمُزْدَلِفَة وللوقوف بالمشعر الْحَرَام غَدَاة النَّحْر إِن لم يكن اغْتسل للوقوف بِعَرَفَة
وَإِلَّا كفى عَنْهَا ولرمي الْجمار فِي كل يَوْم من أَيَّام التَّشْرِيق الثَّلَاثَة ولتغير الْبدن ولحضور كل مجمع من مجامع الْخَيْر وللاعتكاف ولدخول الْمَدِينَة المشرفة وَلكُل لَيْلَة من رَمَضَان وَعند سيلان الْوَادي وآكد هَذِه الأغسال غسل الْجُمُعَة ثمَّ غسل غاسل الْمَيِّت
وَمن أَرَادَ غسلا مسنونا نوى بِهِ السَّبَب كَأَن يَنْوِي الْغسْل الْمسنون للْجُمُعَة أَو للعيد مثلا إِلَّا غسل الْإِفَاقَة من الْجُنُون أَو الْإِغْمَاء فَإِنَّهُ يَنْوِي رفع الْجَنَابَة وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين الْبَالِغ وَغَيره على الْمُعْتَمد
(وفروضه) أَي الْغسْل شَيْئَانِ أَولهمَا (نِيَّة أَدَاء فرض الْغسْل) أَو أَدَاء الْغسْل أَو فرض الْغسْل أَو الْغسْل الْمَفْرُوض أَو الْوَاجِب أَو الطَّهَارَة للصَّلَاة أَو الْغسْل لَهَا أَو نِيَّة رفع جَنَابَة إِن كَانَ
جنبا أَو رفع حدث الْحيض إِن كَانَت الْمَرْأَة المغتسلة حَائِضًا
أما نِيَّة الْغسْل الْمسنون فقد تقدم (مقرونة بأوله) أَي الْغسْل وَأول فرض هُنَا هُوَ أول مغسول من بدنه سَوَاء أَكَانَ أَعلَى أم أَسْفَل لعدم التَّرْتِيب فِيهِ فَلَو نوى بعد غسل جُزْء وَجب إِعَادَة غسله وَإِذا اقترنت بِأول مَفْرُوض فَلَا يحصل لَهُ شَيْء من السّنَن السَّابِقَة
(و) ثَانِيهمَا (تَعْمِيم) ظَاهر (بدن حَتَّى مَا تَحت قلفة) من الأقلف وَحَتَّى بَاطِن الشّعْر وَلَو كثيفا وَيجب لَهُ نقض الضفائر والعقائص إِن لم يصل المَاء إِلَى الْبَاطِن إِلَّا بِالنَّقْضِ (بِمَاء وَيَكْفِي ظن عُمُومه) ثمَّ الِاغْتِسَال عَن الْحَدث الْأَكْبَر إِمَّا بالانغماس أَو بالصب أَو بالاغتراف من المَاء فَإِن كَانَ بالانغماس فَالْأَمْر ظَاهر وَإِن كَانَ بالصب فيبقي للمغتسل مُرَاعَاة مَحل الِاسْتِنْجَاء لِأَنَّهُ رُبمَا لَا يصل إِلَيْهِ مَاء الصب فَيَنْبَغِي عَلَيْهِ الْحَدث الْأَكْبَر فَيحْتَاج إِلَى غسله آخرا
فَإِن مَسّه بِبَطن كَفه من غير حَائِل انْتقض وضوؤه وَإِن لف على يَده خرقَة مثلا فَفِيهِ كلفة والمخلص من ذَلِك أَنه بعد فرَاغ الِاسْتِنْجَاء يَنْوِي رفع الْحَدث الْأَكْبَر مَعَ صب المَاء على الْمحل وَهَذِه الْمَسْأَلَة تسمى الدقيقة
لَكِن إِذا أطلق النِّيَّة فَإِن الْحَدث الْأَكْبَر يرْتَفع عَن مَحل الِاسْتِنْجَاء وَعَن بَاطِن كف المغتسل لملاقاة ذَلِك للْمَاء حَال النِّيَّة ويرتفع الْحَدث الْأَصْغَر عَن بَاطِن الْكَفّ فِي ضمن ارْتِفَاع الْحَدث الْأَكْبَر
ثمَّ يعود الْحَدث الْأَصْغَر على بَاطِن الْكَفّ بِمَسّ حَلقَة الدبر فَيحْتَاج المغتسل إِلَى إفَاضَة المَاء على بطن كَفه بنية رفع الْحَدث الْأَصْغَر عَنهُ بعد رفع حدث وَجهه وَإِنَّمَا قُلْنَا بعد رفع حدث وَجهه لوُجُوب التَّرْتِيب فِي الْحَدث الْأَصْغَر إِذا لم يكن ارتفاعه فِي ضمن الْأَكْبَر وَحدث الْكَفّ فِي هَذِه الْحَالة لَيْسَ فِي ضمن الْأَكْبَر فيراعى فِيهِ التَّرْتِيب وَالْمُسلم من هَذِه الورطة أَن يُقيد النِّيَّة بِأَن يَقُول نَوَيْت رفع الْحَدث الْأَكْبَر عَن مَحل الِاسْتِنْجَاء بِخُصُوصِهِ ثمَّ يَأْتِي بنية أُخْرَى لباقي بدنه وَهَذِه تسمى دقيقة الدقيقة فمجموع الْمَسْأَلَتَيْنِ يُسمى الدقيقة ودقيقة الدقيقة
وَإِن كَانَ يغْتَسل بالاغتراف من المَاء فَإِن كَانَ يغترف من مَاء كثير فَالْأَمْر ظَاهر وَإِن كَانَ يغترف من مَاء قَلِيل فَإِن وضع يَده فِي المَاء بنية رفع الْحَدث الْأَكْبَر ارْتَفع حدث يَده فِي المَاء وَصَارَ مُسْتَعْملا فالمخلص أَنه يَنْوِي الاغتراف من هَذَا المَاء ليغسل بِهِ خَارج الْإِنَاء
وَمحل نِيَّة الاغتراف بعد نِيَّة رفع الْحَدث وَقبل مماسة يَده للْمَاء لَكِن يكون مستحضرا للنيتين عِنْد مماسة يَده للْمَاء لتحصل الْمُقَارنَة وَلَو غرف من المَاء الْقَلِيل لَا بِقصد رفع الْحَدث ثمَّ لما أخرج يَده من الْإِنَاء غسلهَا بنية رفع الْحَدث بِالْمَاءِ الَّذِي أَخذه صَار الْحَدث مَرْفُوعا عَنْهَا فَلَا يضر غمسها فِي المَاء بعد ذَلِك وَلَو كَانَ فِي يَده إِنَاء فارغ يغترف بِهِ من المَاء الْقَلِيل وَيغسل بِمَا فِيهِ خَارج الْإِنَاء من غير مماسة يَده للْمَاء فَلَا يضر وَمَسْأَلَة الدقيقة ودقيقة الدقيقة تَأتي فِي الِاغْتِسَال بالاغتراف أَيْضا وَمَسْأَلَة نِيَّة الاغتراف تَأتي فِي الْوضُوء أَيْضا إِذا كَانَ يتَوَضَّأ بالاغتراف من مَاء قَلِيل لَكِن مَحلهمَا فِي الْوضُوء بعد غسل الْوَجْه الغسلة الأولى إِن أَرَادَ الِاقْتِصَار عَلَيْهَا أَو الغسلات الثَّلَاث إِن أَرَادَ استيفاءها أَو أطلق نظرا لطلبها شرعا وَقبل غسل الْيَدَيْنِ
(وَسن)
للْغسْل مُطلقًا (تَسْمِيَة) أَوله لَكِن من بِهِ حدث أكبر يَقُولهَا بِقصد الذّكر أَو يُطلق فَإِن قصد الْقِرَاءَة وَحدهَا أَو مَعَ الذّكر أَو قصد وَاحِدًا لَا بِعَيْنِه حرم
(و) مضمضة واستنشاق أَوله كَالْوضُوءِ وبعدهما (إِزَالَة قذر) طَاهِرا أَو نجسا (ف) بعد إِزَالَته (وضوء) كَامِلا قبل الْغسْل (فتعهد معاطف) كالأذنين وطبقات الْبَطن والموق وَتَحْت الْمقبل من الْأنف وَتَحْت الْأَظْفَار إِذا وصل المَاء إِلَى ذَلِك بِدُونِهِ وَإِلَّا وَجب
وتخليل الشّعْر والأصابع قبل إفَاضَة المَاء لِأَنَّهُ أبعد عَن الْإِسْرَاف
(ودلك) لجَمِيع بدنه خُرُوجًا من خلاف من أوجبه وتحصيلا للنظافة
(وتثليث) فِي واجبه وسننه
(واستقبال) للْقبْلَة وَأَن يكون فِي مَحل لَا يَنَالهُ فِيهِ رشاش المَاء
(وَجَاز تكشف لَهُ) أَي الْغسْل (فِي خلْوَة) قَالَ ابْن حجر فِي فتح الْجواد وَيسن ستر عَوْرَته إِن لم يكن ثمَّ من يحرم نظره إِلَيْهَا وَإِلَّا وَجب انْتهى
وَذكر بَعضهم أَنه يحرم كشف الْعَوْرَة بِحَضْرَة من يحرم عَلَيْهِ النّظر وَلَو غض بَصَره وَلَا يَكْفِي قَوْله لَهُم غضوا أبصاركم
نعم إِن ضَاقَ الْوَقْت وَكَانَت الصَّلَاة لَا بدل لَهَا واضطر إِلَى كشف عَوْرَته لقَضَاء الْحَاجة مثلا جَازَ وَلزِمَ الْحَاضِرين غض الْبَصَر
والأكمل فِي كَيْفيَّة الْغسْل أَن يُسَمِّي الله أَولا ثمَّ يتمضمض ويستنشق ثمَّ يزِيل مَا على جسده من قذر كمني ثمَّ الْوضُوء ثمَّ يتعهد معاطفه ثمَّ يفِيض المَاء على رَأسه ثَلَاثًا مَعَ التَّخْلِيل والدلك فِي كل مرّة ثمَّ شقَّه الْأَيْمن مقدما ومؤخرا كَذَلِك ثمَّ الْأَيْسَر مقدما ومؤخرا كَذَلِك وَلَو أَفَاضَ المَاء على بدنه جَمِيعه مرّة مَعَ التَّخْلِيل والدلك ثمَّ ثَانِيَة ثمَّ ثَالِثَة كَذَلِك حصل لَهُ أصل الْكَمَال وَلَو غسل رَأسه مرّة مَعَ التَّخْلِيل والدلك ثمَّ شقَّه الْأَيْمن مقدما ومؤخرا كَذَلِك ثمَّ شقَّه الْأَيْسَر مقدما ومؤخرا كَذَلِك ثمَّ ثَانِيَة ثمَّ ثَالِثَة حصل لَهُ أصل الْكَمَال أَيْضا وَلَو انغمس فِي المَاء ثَلَاثًا مَعَ التَّخْلِيل والدلك فِي كل مرّة حصل لَهُ أصل الْكَمَال أَيْضا
لَكِن لَا بُد من رفع الْقَدَمَيْنِ فِي كل مرّة عَن مقرهما ليحصل التَّثْلِيث إِلَى باطنهما والكيفية الأولى أفضل من هَذَا جَمِيعه
وَلَو اجْتمع على الشَّخْص أغسال من نوع وَاحِد بِأَن كَانَت كلهَا وَاجِبَة أوكلها مسنونة كَفاهُ نِيَّة وَاحِدَة مِنْهَا فَيحصل الْبَاقِي وَإِن لم يُنَوّه إِلَّا إِذا كَانَا واجبين جعليين كالمنذورين أَو جعليا وشرعيا فَلَا بُد من نِيَّة كل وَاحِد مِنْهُمَا وَإِن اخْتلف النَّوْع كفرض وَنفل فَإِن نوى الْجَمِيع حصل وَإِن نوى أحد النَّوْعَيْنِ حصل فَقَط دون غَيره وَمن كَانَ عَلَيْهِ الْحَدث الْأَكْبَر وَالْحَدَث الْأَصْغَر كَفاهُ نِيَّة رفع الْحَدث الْأَكْبَر ويرتفع الْأَصْغَر فِي ضمنه وَمن لزمَه غسل يسن لَهُ أَلا يزِيل شَيْئا من بدنه وَلَو دَمًا أَو شعرًا أَو ظفرا حَتَّى يغْتَسل لِأَن كل جُزْء يعود لَهُ فِي الْآخِرَة فَلَو أزاله قبل الْغسْل عَاد عَلَيْهِ الْحَدث الْأَكْبَر تبكيتا للشَّخْص
ثمَّ الْحَدث إِمَّا أَصْغَر وَهُوَ كل مَا أوجب الْوضُوء وَإِمَّا متوسط وَهُوَ الْجَنَابَة والولادة وَإِمَّا أكبر وَهُوَ الْحيض وَالنّفاس وَيحرم بِكُل مِنْهَا أَشْيَاء
فَالَّذِي يحرم بِالْحَدَثِ الْأَصْغَر خَمْسَة أَشْيَاء أَولهَا الصَّلَاة بأنواعها وَكَذَا سَجْدَة التِّلَاوَة وَالشُّكْر
نعم يجوز صَلَاة الْفَرْض لفاقد الطهُورَيْنِ لحُرْمَة الْوَقْت وَيُعِيد إِذا وجد أَحدهمَا لَكِن إِذا وجد التُّرَاب بعد الْوَقْت لَا يُعِيد بِهِ إِلَّا بِمحل يسْقط فِيهِ الْفَرْض بِالتَّيَمُّمِ وَأما إِذا وجده فِي الْوَقْت فَيُعِيد بِهِ مُطلقًا لَكِن إِذا كَانَ فِي مَحل يغلب فِيهِ وجود المَاء تلْزمهُ الْإِعَادَة ثَالِثا إِذا وجد المَاء أَو التُّرَاب بِمحل يغلب فِيهِ فقد المَاء أَو يَسْتَوِي الْأَمْرَانِ وَحِينَئِذٍ يتَصَوَّر لَهُ فعل الْفَرْض أَربع مَرَّات بِأَن يُصَلِّي أَولا لحُرْمَة الْوَقْت ثمَّ بِالتُّرَابِ فِي الْوَقْت بِمحل يغلب فِيهِ وجود المَاء ثمَّ بِالْمَاءِ أَو التُّرَاب فِي مَحل يغلب فِيهِ الْفَقْد أَو يَسْتَوِي الْأَمْرَانِ ثمَّ يُعِيد تِلْكَ الصَّلَاة جمَاعَة وَظَاهر هَذَا أَن فَاقِد الطهُورَيْنِ لَهُ أَن يُصَلِّي أول الْوَقْت وَهُوَ كَذَلِك إِن أيس من وجود أَحدهمَا فِيهِ
وَثَانِيها الطّواف بأنواعه وَإِن لم يكن فِي ضمنه نسك
وَثَالِثهَا خطْبَة الْجُمُعَة أَي أَرْكَانهَا
وَرَابِعهَا مس الْمُصحف وَلَو بِحَائِل ثخين حَيْثُ عد ماسا لَهُ عرفا وَالْمرَاد بالمصحف كل مَا كتب فِيهِ شَيْء من الْقُرْآن بِقصد الدراسة كلوح أَو عَمُود أَو جِدَار كتب عَلَيْهِ شَيْء من الْقُرْآن للدراسة فَيحرم مَسّه مَعَ الْحَدث حِينَئِذٍ سَوَاء فِي ذَلِك الْقدر المشغول بالنقوش وَغَيره كالهامش وَمَا بَين السطور وَيحرم أَيْضا مس جلده الْمُتَّصِل بِهِ وَكَذَا الْمُنْفَصِل عَنهُ مَا لم تَنْقَطِع نسبته عَنهُ كَأَن جعل جلد كتاب وَإِلَّا فَلَا وَلَو كَانَ فِيهِ مَا يدل على أَنه كَانَ جلد مصحف كَأَن كَانَ مَكْتُوبًا عَلَيْهِ {لَا يمسهُ إِلَّا الْمُطهرُونَ} 56 الْوَاقِعَة الْآيَة 79 وَمَا دَامَ لم تَنْقَطِع نسبته عَن الْمُصحف لَا يحل مَسّه مَعَ الْحَدث وَإِن مرت عَلَيْهِ سنُون
وَيحرم مس علاقَة اللَّوْح إِلَّا الْقدر الَّذِي جَاوز الْعَادة فِي الطول وَيحرم مس كيس الْمُصحف إِذا كَانَ فِيهِ الْمُصحف وَأعد لَهُ وَحده وَلَو زَائِدا على حجمه فَإِن لم يكن فِيهِ فَلَا أوكان غير معد لَهُ وَكَانَ كَبِيرا عرفا فَلَا يحرم إِلَّا مس المحاذي لَهُ فَقَط وَكَذَا لَو كَانَ معدا لَهُ وَلغيره وَمن ذَلِك مَا لَو جعل الْمُصحف مَعَ كتاب فِي جلد وَاحِد فَلَا يحرم إِلَّا مس المحاذي للمصحف دون غَيره وَمثل الْكيس فِي هَذَا التَّفْصِيل الصندوق وَمِنْه بَيت الربعة الْمَعْرُوف فَيحرم مَسّه إِن كَانَ فِيهِ الْأَجْزَاء أَو بَعْضهَا وَأما الْكُرْسِيّ فَإِن كَانَ صَغِيرا كَالَّذي يكون فِي الْمكَاتب وَكَانَ عَلَيْهِ الْمُصحف حرم مس أَي جُزْء مِنْهُ فَإِن لم يكن عَلَيْهِ الْمُصحف فَلَا وَإِن كَانَ كَبِيرا كالكرسي الَّذِي يجلس عَلَيْهِ فَلَا يحرم وَيسْتَثْنى من ذَلِك الصَّبِي الْمُسلم الْمُمَيز الْمُحدث فَإِنَّهُ لَا يمْنَع من مس مصحفه أَو لوحه وَلَا من حمله مَعَ الْحَدث وَلَو أكبر وَلَو كَانَ حَافِظًا عَن ظهر قلب وفرغت مُدَّة حفظه وَأفْتى الْحَافِظ ابْن حجر بِأَن معلم الْأَطْفَال الَّذين لَا يَسْتَطِيع أَن يُقيم بِالْوضُوءِ أَكثر من فَرِيضَة يسامح لَهُ فِي مس أَلْوَاح الصّبيان مَعَ الْحَدث لما فِي تَكْلِيفه الْوضُوء حِينَئِذٍ من الْمَشَقَّة عَلَيْهِ لَكِن يتَيَمَّم
وَلَو كَانَ الْمُصحف فِي خزانَة لم يحرم مس شَيْء مِنْهَا وَلَو أعدت لَهُ لِأَنَّهَا لَا تعد ظرفا لَهُ عرفا وَخرج بالمصحف غَيره وَخرج بِمَا كتب للدراسة مَا كَانَ لغير ذَلِك كالثياب وَالدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير إِذا كتب عَلَيْهَا شَيْء من الْقُرْآن فَيحل مس ذَلِك وَحمله مَعَ الْحَدث وَكَذَا التميمة كورقة يكْتب فِيهَا شَيْء من الْقُرْآن وَتعلق على الرَّأْس مثلا للتبرك فَيجوز مَسهَا وَحملهَا مَعَ الْحَدث وَلَو أكبر
وَالْعبْرَة بِقصد الْكَاتِب لنَفسِهِ أَو لغيره بِغَيْر أَمر وَلَا إِجَارَة فَإِن كَانَ يكْتب للْغَيْر بِأَمْر أَو إِجَارَة فَالْعِبْرَة بِقصد
الْآمِر أَو الْمُسْتَأْجر
وخامسها حمل الْمُصحف لِأَنَّهُ أبلغ من الْمس نعم يجب حمله مَعَ الْحَدث لضَرُورَة كخوف عَلَيْهِ من غرق أَو حرق أَو نَجَاسَة أَو وُقُوعه فِي يَد كَافِر وَلم يتَمَكَّن من الطَّهَارَة فَإِن قدر على التَّيَمُّم وَجب وَلَو تعَارض إلقاؤه فِي قاذورة ووقوعه فِي يَد كَافِر قدم الثَّانِي لِأَن أَخذه غير مُحَقّق الإهانة بِخِلَاف الْإِلْقَاء الْمَذْكُور
وَلَو خَافَ عَلَيْهِ الضّيَاع وَلم يتَمَكَّن من الطُّهْر جَازَ حمله مَعَ الْحَدث وَلَو حَال تغوطه وَلَا يجب لعدم تحقق تلفه
وَيحل حمله فِي مَتَاع وَلَو كَانَ ذَلِك الْمَتَاع قَلِيلا لَا يصلح للاستتباع بِشَرْط أَن لَا يعد ماسا لَهُ إِن قصد الْمَتَاع وَحده أَو أطلق أَو قصدهما مَعًا بِخِلَاف مَا لَو قصد الْمُصحف وَحده أَو قصد وَاحِدًا لَا بِعَيْنِه وَيحل حمله فِي تَفْسِير سَوَاء تميزت حُرُوف الْقُرْآن بلون أم لَا إِذا كَانَ التَّفْسِير أَكثر يَقِينا بِخِلَاف مَا لَو كَانَ الْقُرْآن أَكثر أَو تَسَاويا أَو شكّ فِي ذَلِك فَيحرم
وَلَو وضع يَده على قُرْآن وَتَفْسِير فَهُوَ كالحمل فِي التَّفْصِيل بَين كَون التَّفْسِير الَّذِي تَحت يَده أَكثر أَولا فَالْعِبْرَة بالموضع الَّذِي وضع يَده فِيهِ لَا بجملة التَّفْسِير
وَأما الْحمل فَالْعِبْرَة فِيهِ بجملة التَّفْسِير وَالْعبْرَة أَيْضا بِعَدَد حُرُوف الرَّسْم العثماني فِي الْقُرْآن ورسم الْخط فِي التَّفْسِير لَا بِعَدَد الْكَلِمَات وَلَو كَانَ بِهَامِش الْمُصحف تَفْسِير فَفِيهِ التَّفْصِيل الْمُتَقَدّم فِي الْحمل أما تَرْجَمَة الْمُصحف الْمَكْتُوبَة تَحت سطوره فَلَا تُعْطِي حكم التَّفْسِير بل تبقى للمصحف حُرْمَة مَسّه وَحمله كَمَا أفتى بِهِ السَّيِّد أَحْمد دحلان حَتَّى قَالَ بَعضهم إِن كِتَابَة تَرْجَمَة الْمُصحف حرَام مُطلقًا سَوَاء كَانَت تَحْتَهُ أم لَا فَحِينَئِذٍ يَنْبَغِي أَن يكْتب بعد الْمُصحف تَفْسِيره بِالْعَرَبِيَّةِ ثمَّ يكْتب تَرْجَمَة ذَلِك التَّفْسِير
وَالَّذِي يحرم بِالْحَدَثِ الْمُتَوَسّط ثَمَانِيَة أَشْيَاء الْخَمْسَة الْمُتَقَدّمَة على الْوَجْه الْمُتَقَدّم فِيهَا نعم قد يجوز فعل صُورَة الصَّلَاة مَعَ هَذَا الْحَدث كَمَا قد يَقع للشَّخْص فِي بعض الأحيان أَنه ينَام فِي مَكَان فِيهِ نسَاء أَو أَوْلَاد مرد ويحتلم ويخشى على نَفسه من الْوُقُوع فِي عرضه إِذا اغْتسل فَهَذَا عذر مُبِيح للتيمم لِأَنَّهُ أشق من الْخَوْف على أَخذ المَال لَكِن قبل التَّيَمُّم يغسل مَا يُمكنهُ غسله من بدنه وَيُصلي وَيُعِيد لِأَن هَذَا مثل التَّيَمُّم للبرد هَذَا إِذا سهل لَهُ فعل ذَلِك وَإِلَّا أَتَى بِأَفْعَال الصَّلَاة بِغَيْر نِيَّة وَلَا حُرْمَة عَلَيْهِ
وَالسَّادِس قِرَاءَة شَيْء من الْقُرْآن وَلَو حرفا حَيْثُ قصد أَنه من الْقُرْآن كَأَن قصد أَن يتَلَفَّظ بالبسملة فَأتى بِالْبَاء مِنْهَا وَسكت فَيحرم من حَيْثُ إِنَّه نوى الْمعْصِيَة وَشرع فِيهَا لَا من حَيْثُ أَن الْحَرْف الْوَاحِد يُسمى قُرْآنًا
وللحرمة شُرُوط سِتَّة أَن يكون بِقصد الْقُرْآن وَحده أَو مَعَ الذّكر أَو بِقصد وَاحِد لَا بِعَيْنِه بِخِلَاف مَا إِذا قصد الذّكر وَحده أَو أطلق فَلَا حُرْمَة وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين مَا يُوجد نظمه فِي غير الْقُرْآن وَمَا لَا يُوجد نظمه إِلَّا فِيهِ
وَأَن يكون مَا أَتَى بِهِ يُسمى قُرْآنًا إِلَّا إِذا نوى الْقِرَاءَة وَشرع فِيهَا فَإِنَّهُ يَأْثَم بالحرف الْوَاحِد كَمَا تقدم وَأَن تكون الْقِرَاءَة نفلا لتخرج قِرَاءَة الْفَاتِحَة فِي الصَّلَاة لفاقد الطهُورَيْنِ وَآيَة خطْبَة الْجُمُعَة لَهُ وَمَا لَو نذر قِرَاءَة فِي وَقت معِين وَأَن يتَلَفَّظ بهَا فَخرج مَا إِذا أجْرى الْقُرْآن على قلبه
وَإِشَارَة الْأَخْرَس المفهمة مثل التَّلَفُّظ وَأَن يسمع نَفسه حَيْثُ كَانَ صَحِيح السّمع وَلَا مَانع من لغط وَنَحْوه وَإِلَّا فالمدار على كَونه بِحَيْثُ لَو لم يكن مَانع لسمع وَأَن يكون مُكَلّفا
فَائِدَة عدد آيَات الْقُرْآن الْعَظِيم سِتَّة آلَاف وسِتمِائَة وست وَسِتُّونَ آيَة ألف مِنْهَا أَمر وَألف نهي وَألف وعد وَألف وَعِيد وَألف قصَص وأخبار وَألف عبر وأمثال وَخَمْسمِائة لتبيين الْحَلَال وَالْحرَام وَمِائَة لتبيين النَّاسِخ والمنسوخ وَسِتَّة وَسِتُّونَ دُعَاء واستغفار وأذكار
وَالسَّابِع الْمكْث فِي الْمَسْجِد
وَالثَّامِن التَّرَدُّد فِيهِ وَلَو فِي هوائه وسرداب تَحت أرضه أَو فِي رحبته أَو روشن مُتَّصِل بِهِ وَالْمرَاد بِالْمَسْجِدِ مَا تحققت مسجديته أَو ظنت بالاستفاضة وَلَو مشَاعا وَتَصِح التَّحِيَّة فِي الْمشَاع لَا الِاعْتِكَاف على الْمُعْتَمد وَمحل الِاكْتِفَاء بالاستفاضة فِي الْمَسْجِد إِن لم يعلم أَصله فَإِن علم أَصله كالمساجد المحدثة بحريم الْبَحْر أَو بمنى أَو بالقبور المسبلة للدفن فِيهَا لم يحرم الْمكْث فِيهِ
نعم يجوز الْمكْث فِي الْمَسْجِد لضَرُورَة كَأَن نَام فِيهِ فَاحْتَلَمَ وَتعذر الْخُرُوج مِنْهُ لخوف عسس وَنَحْوه لَكِن يلْزمه التَّيَمُّم إِن وجد غير تُرَاب الْمَسْجِد أما إِذا لم يجد إِلَّا ترابه فَيحرم وَيصِح وَالْمرَاد بترابه الدَّاخِل فِي وقفتيه أما لَو كَانَت أرضه مبلطة وجلب الرّيح فِيهَا تُرَابا أَو فَوق حصره فَلَا يحرم التَّيَمُّم بِهِ وَيَنْبَغِي وجوب غسل مَا يُمكنهُ غسله من بدنه لِأَن الميسور لَا يسْقط بالمعسور وَلَو شكّ فِي التُّرَاب هَل هُوَ من الْمَسْجِد أَو جلبه الرّيح فالأشبه الْحل وَمذهب الإِمَام أَحْمد جَوَاز الْمكْث فِي الْمَسْجِد للْجنب بِالْوضُوءِ لغير ضَرُورَة فَيجوز تَقْلِيده وَيشْتَرط فِي الماكث والمتردد أَن يكون مُكَلّفا غير النَّبِي صلى الله عليه وسلم أما غير الْمُكَلف فَيجوز لوَلِيِّه تَمْكِينه من ذَلِك وَأما النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَيجوز لَهُ ذَلِك لَكِن لم يَقع مِنْهُ وَخرج بالمكث والتردد العبور وَهُوَ الدُّخُول من بَاب وَالْخُرُوج من آخر من غير مكث وَلَا تردد فَلَا يحرم على الْجنب فَإِن كَانَ لحَاجَة كَأَن كَانَ الْمَسْجِد أقرب طريقيه فَلَا كَرَاهَة فِيهِ وَلَا خلاف الأولى وَإِن لم يكن لحَاجَة فَهُوَ خلاف الأولى وَأما الْحَائِض فَإِن خَافت التلويث حرم عَلَيْهَا العبور وَإِن أمنته كَانَ مَكْرُوها لغلظ حدثها مَا لم يكن لحَاجَة وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَة وَخرج بِالْمَسْجِدِ الْمدَارِس والربط ومصلى الْعِيد وَالْمَوْقُوف غير مَسْجِد فَلَا يحرم فِيهِ ذَلِك نعم ان لوثته الْحَائِض حرم من حَيْثُ تنجس حق الْغَيْر
وَالَّذِي يحرم بِالْحَدَثِ الْأَكْبَر ثَلَاثَة عشر شَيْئا هَذِه الثَّمَانِية على الْوَجْه الْمُتَقَدّم فِيهَا
وَالتَّاسِع الْوَطْء وَلَو بِحَائِل ثخين وَلَو بعد انْقِطَاع الدَّم وَقبل الْغسْل وَهُوَ كَبِيرَة من الْعَامِد الْعَالم بِالتَّحْرِيمِ الْمُخْتَار يكفر مستحله إِذا كَانَ قبل الِانْقِطَاع وَقبل بُلُوغ عشرَة أَيَّام وَإِلَّا فَلَا يكفر للْخلاف فِيهِ حِينَئِذٍ وَمحل الْكفْر بالاستحلال أَيْضا إِن كَانَ فِي بلد مَعْلُوم عِنْدهم حُرْمَة ذَلِك بِالضَّرُورَةِ وَإِلَّا فَلَا كفر كبعض الْبِلَاد الَّذين يجهلون حُرْمَة ذَلِك وَمحل حرمته إِذا لم يخف الزِّنَا فَإِن خافه وَتعين الْوَطْء فِي الْحيض طَرِيقا لدفعه جَازَ لِأَنَّهُ إِذا تعَارض على الشَّخْص مفسدتان قدم أخفهما وَلَو تعَارض عَلَيْهِ الْوَطْء فِي الْحيض والاستنماء بِيَدِهِ فَالَّذِي يظْهر أَنه يقدم الاستنماء فَإِن الْوَطْء
فِي الْحيض مُتَّفق على أَنه كَبِيرَة بِخِلَاف الاستنماء فَإِن بعض الْمذَاهب يَقُول بِجَوَازِهِ عِنْد هيجان الشَّهْوَة وَهُوَ عِنْد الشَّافِعِي صَغِيرَة وَيُؤْخَذ من ذَلِك أَنه لَو تعَارض عَلَيْهِ الزِّنَا والاستنماء بِيَدِهِ قدم الاستنماء لما ذكر وكما يحرم الْوَطْء فِي الْحيض يحرم وَطْء حليلته فِي دبرهَا فِي الْحيض وَغَيره وَلَو تعَارض عَلَيْهِ الزِّنَا وَوَطْء الحليلة فِي دبرهَا قدم الْوَطْء فِي الدبر وَلَو تعَارض عَلَيْهِ الْوَطْء فِي الدبر والاستنماء بِيَدِهِ قدم الاستنماء
والعاشر الْمُبَاشرَة فِيمَا بَين سرة الْحَائِض وركبتها وَلَو بِلَا شَهْوَة لِأَن ذَلِك قد يَدعُوهُ إِلَى الْجِمَاع وَخرج بِمَا بَين السُّرَّة وَالركبَة بَاقِي جَسدهَا فَلَا تحرم مُبَاشَرَته وكل مَا منعناه من مُبَاشَرَته نمنعها من أَن تمسه بِهِ فِي شَيْء من بدنه فَيجوز لَهُ أَن يلمس جَمِيع بدنهَا إِلَّا مَا بَين سرتها وركبتها وَيجوز لَهَا أَن تلمس جَمِيع بدنه بِجَمِيعِ بدنهَا إِلَّا مَا بَين سرتها وركبتها وَيحرم عَلَيْهِ تمكينها من اللَّمْس بذلك
وَالْحَادِي عشر الصَّوْم بأنواعه وَيجب قَضَاء مَا فاتها من رَمَضَان زمن الْحيض بِخِلَاف الصَّلَاة الْفَائِتَة زَمَنه لَا يجب قَضَاؤُهَا بل إِذا قضتها لَا تَنْعَقِد وَالْفرق بَين الصَّوْم وَالصَّلَاة أَن الصَّلَاة متكررة كل يَوْم فَيشق قَضَاؤُهَا بِخِلَاف الصَّوْم
وَالثَّانِي عشر طَلَاق الْحَائِض بِشَرْط أَن تكون مَوْطُوءَة لَهُ تَعْتَد بِالْأَقْرَاءِ بِغَيْر عوض مِنْهَا لتضررها حِينَئِذٍ بطول الْمدَّة فَإِن زمن الْحيض وَالنّفاس لَو طلقت فِيهِ لَا يحْسب الْعدة فَلَا تشرع فِي الْعدة من حِين الطَّلَاق بل بعد انْقِضَاء الْحيض أَو النّفاس وَالْوَاجِب كَون الطَّلَاق فِي زمن تشرع فِيهِ فِي الْعدة بِمُجَرَّد الطَّلَاق
وَالثَّالِث عشر الْغسْل أَو التَّيَمُّم إِلَّا فِي أغسال الْحَج أَو التَّيَمُّم عَنْهَا وَإِذا انْقَطع الْحيض وَالنّفاس حل لَهَا الْغسْل وَحل طَلاقهَا وصومها وَلَو قبل الْغسْل وارتفع عَنْهَا سُقُوط الصَّلَاة وَأما بَاقِي مُحرمَات الْحيض فَلَا يحل إِلَّا بِالْغسْلِ أَو التَّيَمُّم
الْمَقْصد الثَّالِث من مَقَاصِد الطَّهَارَة التَّيَمُّم وَحَقِيقَته شرعا إِيصَال التُّرَاب إِلَى الْوَجْه وَالْيَدَيْنِ على وَجه مَخْصُوص بنية وَسَببه الْعَجز عَن اسْتِعْمَال المَاء بِسَبَب مرض أَو فقد ثمَّ اعْلَم أَن الْعَجز عَن اسْتِعْمَال المَاء إِمَّا حسي كفقد المَاء وضابطه تعذر اسْتِعْمَاله وَإِمَّا شَرْعِي وَهَذَا لَا يتَعَذَّر اسْتِعْمَال المَاء لَكِن وجد للشَّخْص عذر جوز لَهُ الشَّارِع بِسَبَبِهِ الْعُدُول عَن المَاء إِلَى التَّيَمُّم رَحْمَة من الله تَعَالَى فَإِذا علمت ذَلِك فَمَتَى كَانَ الْعَجز حسيا تيَمّم وَصلى فَإِن كَانَت الصَّلَاة بِمحل يغلب فِيهِ وجود المَاء وَجَبت الْإِعَادَة وَإِن كَانَت بِمحل ينْدر فِيهِ وجود المَاء أَو يَسْتَوِي الْأَمْرَانِ فَلَا إِعَادَة فَالْعِبْرَة بمَكَان الصَّلَاة لَا بمَكَان التَّيَمُّم كَمَا أَن الْعبْرَة بِوَقْت فعل الصَّلَاة لَا بِجَمِيعِ السّنة وَمَتى كَانَ الْعَجز شَرْعِيًّا كالمرض وَنَحْوه تيَمّم وَصلى وَلَا إِعَادَة مُطلقًا فَشرط عدم الْإِعَادَة إِخْبَار الطَّبِيب الْعدْل وَلَو عدل رِوَايَة بِأَن اسْتِعْمَال المَاء يضرّهُ بِسَبَب خوف حُدُوث مرض أَو بطء برْء أَو زِيَادَة ألم أَو شين فَاحش فِي عُضْو ظَاهر
كنحول واستحشاف أَو لحْمَة تزيد أَو ثغرة تبقى والعضو الظَّاهِر الْوَجْه وَالْيَدَانِ وَيَكْفِي معرفَة نَفسه إِذا كَانَ عَالما بالطب فَإِن لم يسْتَند إِلَى شَيْء من ذَلِك بل اعْتمد على التجربة لَزِمته الْإِعَادَة وَإِذا تَيَقّن الضَّرَر لَو اسْتعْمل المَاء أَو غلب على ظَنّه ذَلِك حرم عَلَيْهِ اسْتِعْمَال المَاء وَوَجَب عَلَيْهِ التَّيَمُّم وَإِن توهمه أَو شكّ فِيهِ جَازَ التَّيَمُّم وَلَا يحرم اسْتِعْمَال المَاء وَقد يجْتَمع الْعذر الْحسي والشرعي كَمَا إِذا حَال بَينه وَبَين المَاء سبع أَو عَدو فَإِن ذَلِك فِيهِ عجز حسي نظرا للْحَيْلُولَة بَينه وَبَين المَاء وَعجز شَرْعِي حَيْثُ إِن الشَّارِع نَهَاهُ عَن الْإِقْدَام على مَا فِيهِ ضَرَره وَهَذَا لَا إِعَادَة فِيهِ مُطلقًا أَيْضا على الْمُعْتَمد نظرا لجَانب الشَّرْع
وَمن أَفْرَاد الْعَجز الشَّرْعِيّ فَقَط مَا إِذا لم يجد إِلَّا مَاء مسبلا لغير الطُّهْر بِهِ لِأَنَّهُ مَمْنُوع من اسْتِعْمَاله شرعا فَإِذا علم أَن مسبله عمم الِانْتِفَاع بِهِ مُطلقًا اسْتَعْملهُ فِي الطَّهَارَة وَلَا يجوز التَّيَمُّم فَإِن شكّ فِي ذَلِك حكم الْعرف والقرائن وَلَا يجوز نقل المَاء المسبل للشُّرْب من مَحَله إِلَى مَحل آخر كَأَن يَأْخُذهُ للشُّرْب فِي بَيته مثلا إِلَّا إِذا علم أَو قَامَت قرينَة على أَن مسبله يسمح بذلك وَمثل ذَلِك مَا إِذا أَبَاحَ لَهُ غَيره طَعَاما ليأكله لَا يجوز أَن يحمل مِنْهُ شَيْئا وَلَا أَن يطعم غَيره إِلَّا إِذا علم أَن مُبِيح الطَّعَام يسمح بذلك فَإِن شكّ حكم الْعرف والقرينة وَإِذا وجد المَاء يُبَاع بِثمن مثله وَهُوَ عَاجز عَنهُ أَو يَحْتَاجهُ للمؤنة أَو وجده لَا يُبَاع إِلَّا بِأَكْثَرَ من ثمن مثله أَو لم يجد مَا يَسْتَقِي بِهِ من دلو أَو حَبل تيَمّم لأجل ذَلِك كُله وَلَا إِعَادَة وَلَو علم ذُو النّوبَة من مزدحمين على بِئْر أَو نَحوه أَن النّوبَة لَا تَنْتَهِي إِلَيْهِ إِلَّا بعد خُرُوج الْوَقْت وَلم يجد مَاء آخر صلى بِالتَّيَمُّمِ فِي الْوَقْت وَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ وَمثل المَاء فِي هَذَا ستْرَة الصَّلَاة وَلَو كَانَ مَعَه مَاء لَكِن يحْتَاج إِلَيْهِ لعطش حَيَوَان مُحْتَرم وَلَو لغيره أَو يحْتَاج ثمنه لنفقة ذَلِك الْحَيَوَان أَو كَانَ الْخبز الْمَوْجُود لَا يُمكن أكله إِلَّا إِذا بل بِالْمَاءِ وَالْمَاء الْمَوْجُود مَعَه لَا يَكْفِي لذَلِك وللطهارة وَلم يقدر على غير هَذَا المَاء وَجب عَلَيْهِ التَّيَمُّم صونا للروح أَو غَيرهَا عَن التّلف وَيحرم عَلَيْهِ الْوضُوء بِهِ حِينَئِذٍ وَمن ذَلِك مَا إِذا كَانَ فِي قافلة الْحَاج وَكَانُوا بِموضع لَا مَاء فِيهِ فَمن كَانَ مَعَه مَاء يحرم عَلَيْهِ الْوضُوء بِهِ بل يتَيَمَّم لِأَن قافلة الْحَاج لَا تَخْلُو عَن عطشان وَإِن لم يعلم بِهِ وموضوع هَذِه الْمسَائِل أَنه يخَاف من اسْتِعْمَال المَاء ضَرَرا وَلَا بُد أَن يعْتَمد فِي خوف ذَلِك قَول الطَّبِيب الْعدْل كَمَا تقدم هَذَا إِن وجد الطَّبِيب حَاضرا وَإِلَّا فَلَيْسَ من محَاسِن الشَّرِيعَة مَنعه من الشّرْب حَتَّى يُوجد الطَّبِيب
وَمن أَفْرَاد اجْتِمَاع الْأَمريْنِ مَا إِذا خَافَ رَاكب السَّفِينَة الْغَرق لَو تَوَضَّأ من الْبَحْر فيتيمم وَيُصلي وَلَا إِعَادَة مُطلقًا وَلَو كَانَ مَعَه مَاء لَا يحْتَاج إِلَيْهِ للعطش لَكِن لَا يَكْفِيهِ لطهارته وَجب عَلَيْهِ اسْتِعْمَاله فِي الطَّهَارَة ثمَّ تمم طَهَارَته بِالتَّيَمُّمِ
وفروض التَّيَمُّم سَبْعَة الأول النِّيَّة المقرونة بِنَقْل التُّرَاب وبأول مسح جُزْء من الْوَجْه
كَأَن يَنْوِي اسْتِبَاحَة الصَّلَاة أَو نَحْوهَا مِمَّا يفْتَقر إِلَى طَهَارَة عَن الْحَدث كطواف وَحمل مصحف وَسُجُود تِلَاوَة
ثمَّ إِن الْمَرَاتِب ثَلَاثَة الْمرتبَة الأولى فرض الصَّلَاة وَفرض الطّواف وخطبة الْجُمُعَة والمنذور من الصَّلَاة أَو الطّواف
الْمرتبَة الثَّانِيَة نفل الصَّلَاة وَصَلَاة الْجِنَازَة
الْمرتبَة الثَّالِثَة مس الْمُصحف وَحمله وَسُجُود التِّلَاوَة وَالشُّكْر والمكث فِي الْمَسْجِد والتردد فِيهِ وَالِاعْتِكَاف وَقِرَاءَة شَيْء من الْقُرْآن بِالنِّسْبَةِ لمن بِهِ حدث أكبر فِي الْأَرْبَعَة الْأَخِيرَة وتمكين الحليل بِالنِّسْبَةِ للْحيض وَالنّفاس فَإِن نوى اسْتِبَاحَة وَاحِد من الْمرتبَة الأولى كَأَن قَالَ نَوَيْت اسْتِبَاحَة فرض الصَّلَاة أُبِيح لَهُ مَا نَوَاه أَو غَيره مِمَّا فِي مرتبته بَدَلا عَنهُ فَلهُ أَن يفعل بِهَذَا التَّيَمُّم إِمَّا فرض الصَّلَاة وَإِمَّا فرض الطّواف وَإِمَّا الْمَنْذُور مِنْهُمَا وَإِمَّا خطْبَة الْجُمُعَة وَيُبَاح لَهُ بِهَذَا التَّيَمُّم جَمِيع مَا فِي الْمرتبَة الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة وَلَيْسَ لَهُ أَن يجمع بَين اثْنَيْنِ من الْمرتبَة الأولى بِتَيَمُّم وَاحِد لِأَن التَّيَمُّم الْوَاحِد لَا يجمع بَين فرضين فَإِذا صلى بِهِ فرضا ثمَّ أَرَادَ أَن يُصَلِّي فرضا آخر وَجب عَلَيْهِ أَن يُعِيد التَّيَمُّم لأَجله
نعم لَو نذر الْوتر أَو الضُّحَى كَفاهُ تيَمّم وَاحِد وَإِن كَانَ يُصَلِّي أكمل الْوتر وَهُوَ إِحْدَى عشرَة رَكْعَة أَو أكمل الضُّحَى وَهُوَ ثَمَان وَإِن كَانَ يسلم من كل رَكْعَتَيْنِ لِأَن الْجَمِيع صَلَاة وَاحِدَة مَا لم ينذر السَّلَام من كل رَكْعَتَيْنِ مثلا وَإِلَّا وَجب التَّيَمُّم بعدده وَلَو نذر التَّرَاوِيح وَجب عشر تيممات لوُجُوب السَّلَام من كل رَكْعَتَيْنِ فَلم تكن كَصَلَاة وَاحِدَة من هَذِه الْحَيْثِيَّة وَله أَن يفعل بِالتَّيَمُّمِ الْوَاحِد من الْمرتبَة الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة مَا شَاءَ وَلَو نوى اسْتِبَاحَة شَيْء مِمَّا فِي الْمرتبَة الثَّانِيَة أُبِيح لَهُ جَمِيع مَا فِيهَا وَجَمِيع مَا فِي الْمرتبَة الثَّالِثَة وَلَا يُبَاح لَهُ بِهَذَا التَّيَمُّم شَيْء مِمَّا فِي الْمرتبَة الأولى وَلَو نوى اسْتِبَاحَة شَيْء مِمَّا فِي الْمرتبَة الثَّالِثَة أُبِيح لَهُ جَمِيع مَا فِيهَا بِهَذَا التَّيَمُّم وَلَا يُبَاح لَهُ بِهِ شَيْء مِمَّا فِي الْمرتبَة الأولى أَو الثَّانِيَة
الرُّكْن الثَّانِي مسح الْوَجْه حَتَّى ظَاهر مَا استرسل من لحية وَلَو خَفِيفَة والمقبل من أَنفه على شَفَتَيْه وَلَا يجب إِيصَال التُّرَاب إِلَى بَاطِن اللِّحْيَة الحفيفة لعسر ذَلِك
الرُّكْن الثَّالِث مسح الْيَدَيْنِ مَعَ الْمرْفقين وَيجب إِيصَال التُّرَاب إِلَى مَا تَحت الْأَظْفَار
والأكمل فِي مسح الْيَدَيْنِ أَن يضع بطُون أَصَابِع الْيُسْرَى سوى الْإِبْهَام تَحت أَطْرَاف أنامل الْيُمْنَى بِحَيْثُ لَا تخرج أنامل الْيُمْنَى عَن مسبحة الْيُسْرَى وَلَا أنامل الْيُسْرَى عَن مسبحة الْيُمْنَى ويمرها على ظهر كَفه الْيُمْنَى فَإِذا بلغ الْكُوع وَهُوَ رَأس الزند مِمَّا يَلِي الْإِبْهَام ضم أَطْرَاف أَصَابِعه إِلَى حرف الذِّرَاع فيمرها عَلَيْهِ ثمَّ يمسح بطن الذِّرَاع بِبَطن الْكَفّ رَافعا إبهامه فَإِذا بلغ الْكُوع أَمر بطن إِبْهَام الْيُسْرَى على ظهر إِبْهَام الْيُمْنَى ثمَّ يفعل باليسرى كَذَلِك ثمَّ يمسح إِحْدَى الراحتين بِالْأُخْرَى وَإِذا كَانَ فِي أُصْبُعه خَاتم سنّ نَزعه فِي الأولى ليَكُون مسح الْوَجْه بِجَمِيعِ الْيَدَيْنِ وَيجب نَزعه فِي الثَّانِيَة ليصل التُّرَاب إِلَى مَحَله وَلَا يَكْفِي تحريكه بِخِلَافِهِ فِي الطُّهْر بِالْمَاءِ لِأَن التُّرَاب لَا يدْخل تَحْتَهُ بِخِلَاف المَاء
الرُّكْن الرَّابِع التَّرْتِيب بَين الْوَجْه وَالْيَدَيْنِ بِأَن يبْدَأ بِالْوَجْهِ ثمَّ الْيَدَيْنِ وَلَو كَانَ التَّيَمُّم بَدَلا عَن الْغسْل
الرُّكْن الْخَامِس نقل التُّرَاب وَلَو من الْهَوَاء أَو من فَوق ظهر كلب إِذا كَانَ الْغُبَار طهُورا وَلَا رُطُوبَة بِأحد الْجَانِبَيْنِ وَلَا يشْتَرط التَّرْتِيب فِي النَّقْل فَلَو نقل تُرَابا أَولا بِقصد الْيَدَيْنِ كَأَن نَقله بِخرقَة وَلم يمسح بِهِ ثمَّ نقل ثَانِيًا بِقصد الْوَجْه وَمسح بِهِ وَجهه
ثمَّ مسح يَده بِتُرَاب النقلَة الأولى كفى
الرُّكْن السَّادِس التُّرَاب الطّهُور الَّذِي لَهُ غُبَار فَلَا يَصح التَّيَمُّم بِالتُّرَابِ الْمُتَنَجس وَلَا بِالْمُسْتَعْملِ وَلَا بِمَا لَا غُبَار لَهُ وَكَذَا إِذا خالطه شَيْء يمْنَع من وُصُوله إِلَى الْعُضْو كرمل أَو دَقِيق أَو نَحْو ذَلِك وَدخل فِي التُّرَاب الأعفر والأصفر والأحمر والأبيض وَخرج بِالتُّرَابِ النورة والزرنيخ وسحاقة الخزف وَنَحْو ذَلِك فَلَا يَكْفِي
الرُّكْن السَّابِع قصد التُّرَاب للنَّقْل مِنْهُ
وشروط التَّيَمُّم تعدد النَّقْل وَكَون التُّرَاب طهُورا وَكَونه غير مخلوط بِمَا يمْنَع وُصُول الْغُبَار إِلَى الْعُضْو الْمَمْسُوح والبحث على المَاء وَلَو بمأذونه فِي الْوَقْت إِلَّا الْمَرِيض ومتيقن الْفَقْد وَالْإِسْلَام إِلَّا فِي كِتَابِيَّة تيممت من نَحْو حيض لتحل لحليلها والتمييز وَعدم نَحْو حيض كنفاس إِلَّا فِي التَّيَمُّم بَدَلا عَن أغسال الْحَج وَعدم الْحَائِل بَين التُّرَاب والعضو الْمَمْسُوح وَتقدم إِزَالَة النَّجَاسَة عَن بدنه فَلَا يَصح التَّيَمُّم مَعَ وجودهَا كَمَا قَالَه الرَّمْلِيّ
وَقَالَ ابْن حجر بِصِحَّتِهِ وَمن ثَمَرَات الْخلاف أَن الأقلف إِذا مَاتَ وَتعذر غسل مَا تَحت القلفة وَكَانَ مَا تحتهَا متنجسا
قَالَ الرَّمْلِيّ يدْفن بِلَا صَلَاة عَلَيْهِ وَلَا ييمم عَمَّا تَحت القلفة لنجاسته
وَقَالَ ابْن حجر ييمم عَمَّا تَحت القلفة وَيصلى عَلَيْهِ
وَالْعلم بِدُخُول الْوَقْت وَلَو بِالِاجْتِهَادِ وَكَون نقل التُّرَاب فِي الْوَقْت وَإِذا دخل وَقت الصَّلَاة وَلم يجد أحد الطهُورَيْنِ المَاء وَالتُّرَاب صلى الْفَرْض فَاقِد الطهُورَيْنِ لحُرْمَة الْوَقْت ثمَّ أَعَادَهَا عِنْد وجود أَحدهمَا لَكِن إِذا كَانَ يَرْجُو وجود أَحدهمَا فِي الْوَقْت لَا يُصَلِّي حَتَّى ييأس أَو يضيق الْوَقْت وَإِن كَانَ لَا يَرْجُو أَحدهمَا فِي الْوَقْت صلى وَلَو فِي أول الْوَقْت وَإِذا شقّ اسْتِعْمَال المَاء فِي عُضْو وَلم يكن على مَوضِع الْعلَّة جبيرَة وَجب أَمْرَانِ غسل الصَّحِيح وَالتَّيَمُّم عَن الجريح وَلَا إِعَادَة إِن كَانَ مُسْتَندا فِي ذَلِك لقَوْل الطَّبِيب الْعدْل فَإِذا كَانَ على مَوضِع الْعلَّة جبيرَة فَإِن أمكنه نَزعهَا بِلَا مشقة وتطهير مَا تحتهَا وَجب ذَلِك فَإِن لم يَنْزِعهَا لم تصح طَهَارَته وَلَا صلَاته
نعم إِن لم تَأْخُذ من الصَّحِيح شَيْئا أصلا فَلَا يجب نَزعهَا إِلَّا إِذا كَانَت فِي أَعْضَاء التَّيَمُّم فَإِن شقّ عَلَيْهِ نَزعهَا وَكَانَت أخذت من الصَّحِيح شَيْئا وَجب ثَلَاثَة أُمُور غسل الصَّحِيح وَالتَّيَمُّم عَن الجريح وَالْمسح على الْجَبِيرَة بِالْمَاءِ بَدَلا عَمَّا أَخَذته من الصَّحِيح فَإِن لم تَأْخُذ من الصَّحِيح شَيْئا فَلَا يجب إِلَّا أَمْرَانِ غسل الصَّحِيح وَالتَّيَمُّم عَن الجريح
وَلَا يجب الْمسْح عَلَيْهَا بِالْمَاءِ لِأَن مسحها بِالْمَاءِ يكون عوضا عَمَّا أَخَذته من الصَّحِيح وَهِي لم تَأْخُذ من الصَّحِيح شَيْئا ثمَّ إِن كَانَت الْجَبِيرَة فِي أَعْضَاء التَّيَمُّم وَجَبت الْإِعَادَة مُطلقًا وَإِن كَانَت فِي غَيرهَا فَإِن أخذت من الصَّحِيح زِيَادَة على قدر الاستمساك فَكَذَلِك وَإِن أخذت من الصَّحِيح بِقدر الاستمساك فَقَط فَإِن كَانَ وَضعهَا على حدث فَكَذَلِك وَإِن كَانَ وَضعهَا
على طهر كَامِل من الحدثين فَلَا تجب الْإِعَادَة وَكَذَا لَا تجب الْإِعَادَة إِذا لم تَأْخُذ من الصَّحِيح شَيْئا أصلا سَوَاء كَانَ وَضعهَا على حدث أَو على طهر
وَثَانِيها أَي ثَانِي شُرُوط الصَّلَاة (طَهَارَة بدن) وَلَو دَاخل فَمه أَو أَنفه أَو عينه أَو أُذُنه
(وملبوس) ومقبوض لَهُ وَإِن لم يَتَحَرَّك بحركته
(وَمَكَان) يصلى فِيهِ (عَن نجس) لَا يُعْفَى عَنهُ فَلَا تصح صلَاته مَعَ شَيْء من ذَلِك وَإِن كَانَ جَاهِلا بِوُجُودِهِ أَو ببطلانها بِهِ وَلَو رَأينَا فِي ثوب من يُرِيد الصَّلَاة نَجَاسَة لَا يعلم بهَا وَجب علينا إِعْلَامه بهَا لِأَن الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ لَا يتَوَقَّف على الْعِصْيَان
وَمحل ذَلِك حَيْثُ كَانَت تمنع صِحَة الصَّلَاة عِنْده وَعلمنَا بذلك وَإِلَّا فَلَا لجَوَاز كَونه صلى مَعَ علمه بذلك لعدم اعْتِقَاده الْبطلَان مَعَه فِي مذْهبه
وَحَقِيقَة النَّجَاسَة شرعا مستقذر يمْنَع من صِحَة الصَّلَاة حَيْثُ لَا مرخص وَمن أَفْرَاد ذَلِك كل مَائِع خرج من أحد السَّبِيلَيْنِ إِلَّا الْمَنِيّ (كروث وَبَوْل وَلَو من) جن حَيْثُ تحققنا مِنْهَا رَوْثًا وبولا وَمن طير (مَأْكُول) أَو مِمَّا لَا نفس لَهُ سائله أَو سمك وجراد
نعم إِن كَانَ الْخَارِج حبا متصلبا بِحَيْثُ لَو زرع لنبت فَهُوَ مُتَنَجّس يطهر بِالْغسْلِ وَلَو بَال شخص فِي المَاء الْكثير فتطاير من المَاء شَيْء فَأصَاب قَاضِي الْحَاجة أَو غَيره أَو ظَهرت رغوة على وَجه المَاء فَإِن تحقق أَن ذَلِك من الْبَوْل فنجس وَإِلَّا فطاهر هَذَا حَاصِل الْمُعْتَمد ويعفى عَمَّا فِي جَوف السّمك الصَّغِير الَّذِي يبتلع برمتِهِ وَيجوز بلعه بِمَا فِي جَوْفه وَلَو قلي بِمَا فِي جَوْفه فَلَا ينجس الزَّيْت وَلَو صنع للنحل كوارة من رَوْث الْبَقر عفى عَنْهَا فَيجوز الْأكل من عسلها وَلَو حلبت الْبَهِيمَة المأكولة فَأصَاب لَبنهَا وَقت الْحَلب شَيْء من بعرها أَو بولها عفى عَنهُ وَكَذَا لَو كَانَ ضرْعهَا متنجسا بِنَجَاسَة تمرغت فِيهَا أَو وضعت على ثديها لمنع وَلَدهَا من شربهَا عفى عَنهُ وَلَو وضع الْإِنَاء وَفِيه اللَّبن لتسخينه بِنَار نَجِسَة فتطاير شَيْء مِنْهَا فِي اللَّبن عفى عَنهُ وَلَو سقى الْبِطِّيخ أَو نَحوه بِالنَّجسِ حَتَّى نما جَازَ أكله وَلَو بنى الْمَسْجِد بالآجر المعجون بالزبل أَو فرشت أَرض الْمَسْجِد بِهِ عفى عَنهُ فَتجوز الصَّلَاة عَلَيْهِ وَالْمَشْي عَلَيْهِ وَلَو مَعَ رُطُوبَة الرجل
فَائِدَة إِذا فسد الْبيض بِحَيْثُ لَا يصلح للتخلق فَهُوَ نجس وَكَذَا بيض الْميتَة وَمَا عدا ذَلِك طَاهِر مَأْكُول وَلَو من حَيَوَان غير مَأْكُول كالحدأة والغراب وَالْعِقَاب والبومة والتمساح والسلحفاة وَنَحْوهَا إِلَّا بيض الْحَيَّات
وَلَيْسَ لنا شَيْء من الْحَيَوَانَات يُؤْكَل فَرعه وَلَا يُؤْكَل أَصله إِلَّا لبن الْآدَمِيّ وبيض مَا لَا يُؤْكَل لَحْمه وَعسل النَّحْل والزباد يُؤْخَذ من سنور بري غير مَأْكُول وَمَعَ ذَلِك لَا يمْنَع أكل الزباد وَيجوز أكل قشر الْبيض وَلَو من حَيَوَان غير مَأْكُول وَإِذا
لم تفْسد الْبَيْضَة لَكِن اخْتَلَط بياضها بصفارها وأنتنت فَهِيَ طَاهِرَة يحل أكلهَا سَوَاء كَانَ ذَلِك بِلَا سَبَب أَو بِسَبَب حضن دجَاجَة لَهَا أَو وَضعهَا فِي مَكَان وإرسال الدُّخان عَلَيْهَا ليخرج الفرخ عَنْهَا كقطعة لحم أنتنت ودادت فَإِنَّهُ يحل أكلهَا على الصَّحِيح وَلَو مَعَ الدُّود الَّذِي تولد مِنْهَا مَا لم تضر وَلَو كسرت بَيْضَة حَيَوَان مَأْكُول وَوجد فِي جوفها فرخ لم يكمل خلقه أَو كمل خلقه لَكِن قبل نفخ الرّوح فِيهِ جَازَ أكله بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ بعد نفخ الرّوح وزالت حَيَاته بِغَيْر ذَكَاة شَرْعِيَّة فَإِنَّهُ يكون ميتَة وَأما إِذا كَانَت الْبَيْضَة من حَيَوَان غير مَأْكُول وَوجد فِي جوفها حَيَوَان كَامِل أَو غير كَامِل فَإِنَّهُ غير مَأْكُول
وَلَو صلقت الْبَيْضَة بِالْمَاءِ الْمُتَنَجس تنجس ظَاهرهَا فَقَط دون بياضها وصفارها
(ومذي) وَهُوَ مَاء أَبيض رَقِيق يخرج بِلَا شَهْوَة قَوِيَّة عِنْد ثوران الشَّهْوَة وَلَو ابتلى بالمذي وَكَانَ غسل الذّكر مِنْهُ قبل الْجِمَاع يفتر شَهْوَته عفى عَنهُ بِالنِّسْبَةِ للجماع فَقَط (وودي) وَهُوَ مَاء أَبيض كدر ثخين يخرج عقب الْبَوْل عِنْد يبس الطبيعة أَو عِنْد حمل شَيْء ثقيل فَلَا يخْتَص بالبالغين بِخِلَاف الْمَذْي فَيخْتَص بهم لِأَن خُرُوجه ناشىء عَن الشَّهْوَة
ورطوبة الْفرج وَهِي مَاء أَبيض مُتَرَدّد بَين الْمَذْي والعرق على ثَلَاثَة أَقسَام طَاهِرَة قطعا وَهِي الناشئة مِمَّا يظْهر من الْمَرْأَة عِنْد قعودها لقَضَاء حَاجَتهَا لَكِن لَو طرأت عَلَيْهَا نَجَاسَة تنجست
وطاهرة على الْأَصَح وَهِي مَا يصل إِلَيْهَا ذكر المجامع
ونجسة وَهِي مَا وَرَاء ذَلِك (وَدم) بتَخْفِيف الْمِيم وتشديدها أَي سَائل فَخرج الكبد وَالطحَال وَإِن سحقا وصارا كَالدَّمِ وَلَو سَالَ من سمك وكبد وطحال
وَأما الدَّم الْبَاقِي على اللَّحْم وعظامه وعروقه من المذكاة فنجس مَعْفُو عَنهُ وَذَلِكَ إِذا لم يخْتَلط بِشَيْء كَمَا لَو ذبحت شَاة وَقطع لَحمهَا فَبَقيَ عَلَيْهِ أثر من الدَّم وَإِن تلون المرق بلونه بِخِلَاف مَا لَو اخْتَلَط بِغَيْرِهِ كَالْمَاءِ كَمَا يفعل فِي الْبَقر الَّذِي تذبح فِي الْمحل الْمعد لذبحها من صب المَاء عَلَيْهَا لإِزَالَة الدَّم عَنْهَا فَإِن الْبَاقِي من الدَّم على اللَّحْم بعد صب المَاء عَلَيْهِ لَا يُعْفَى عَنهُ وَإِن قل لاختلاطه بأجنبي وَلَو شكّ فِي الِاخْتِلَاط وَعَدَمه لم يضر لِأَن الأَصْل الطَّهَارَة
(وقيح) لكَونه دَمًا يَسْتَحِيل إِلَى نَتن وَفَسَاد وَمثله مَاء قرح ونفط وحدري متغير لَونه أَو رِيحه
(وقيء معدة) وَلَو بِلَا تغير وَالْمرَاد بذلك الرَّاجِع بعد الْوُصُول إِلَى مَا جَاوز مخرج الْحَرْف الْبَاطِن وَهُوَ الْحَاء الْمُهْملَة نعم لَو رَجَعَ مِنْهُ حب صَحِيح صلابته بَاقِيَة بِحَيْثُ لَو زرع نبت كَانَ متنجسا لَا نجسا وَكَذَا لَو ابتلع بيضًا بقشره فتقيأه كَمَا هُوَ فَإِن كَانَ بِحَيْثُ لَو حضن لفرخ فَهُوَ مُتَنَجّس يطهر بِالْغسْلِ وَإِلَّا فنجس
أما الْخَارِج من الصَّدْر أَو الْحلق كالنخامة والنازل من الدِّمَاغ وَهُوَ البلغم فطاهران بِخِلَاف البلغم الصاعد من الْمعدة فَإِنَّهُ نجس وَلَو ابتلى شخص بالقيء عفى عَنهُ مِنْهُ فِي الثَّوْب وَغَيره وَإِن كثر وَالْمَاء السَّائِل من النَّائِم نجس إِن كَانَ من الْمعدة كَأَن خرج منتنا بصفرة لَا إِن كَانَ من غَيرهَا أَو شكّ فِي أَنه مِنْهَا أَولا فَإِنَّهُ طَاهِر
نعم لَو ابتلى بِهِ شخص عفى عَنهُ وَالْمرَاد بالابتلاء بِهِ أَن يكثر وجوده بِحَيْثُ يقل خلْوَة مِنْهُ وَمن النَّجَاسَات سم الْحَيَّة وَالْعَقْرَب وَسَائِر الْهَوَام
وَتبطل الصَّلَاة بلسعة الْحَيَّة لِأَن سمها يظْهر على مَحل اللسعة لَا بلسعة الْعَقْرَب على الْأَوْجه لِأَن إبرتها تغوص فِي بَاطِن اللَّحْم وتمج فِيهِ السم
وَالْبَاطِن لَا يجب غسله
(وميتة غير بشر وسمك وجراد) وَلَو نَحْو ذُبَاب كدود خل مَعَ شعرهَا وصوفها ووبرها وريشها وعظمها وظلفها وظفرها وحافرها وَسَائِر أَجْزَائِهَا وَمن ذَلِك ثوب الثعبان بِخِلَاف نسج العنكبوت فَإِنَّهُ من اللعاب
وَالْمرَاد بالميتة شرعا مَا زَالَت حَيَاته لَا بِذَكَاة شَرْعِيَّة فَدخل فِيهَا مذكى غير الْمَأْكُول ومذكى الْمَأْكُول تذكية غير شَرْعِيَّة كذبيحة الْمَجُوس وَمَا ذبح بالعظم وَنَحْوه وذبيحة الْمحرم إِذا كَانَ مَا ذكاه صيدا وحشيا
أما المذكاة شرعا فطاهرة وَلَو جَنِينا فِي بَطنهَا وصيدا لم تدْرك ذَكَاته وبعيرا ند فذكاة الْجَنِين بِذَكَاة أمه وَالصَّيْد الْمَيِّت بالضغطة وَالْبَعِير الناد بعقره لِأَن الشَّارِع جعل ذَلِك ذكاتها
أما الْآدَمِيّ وَلَو كَافِرًا فطاهر وَمثله الْملك والجنى فَإِن ميتتهما طَاهِرَة وَأما ميتَة السّمك وَالْجَرَاد فللإجماع على طهارتهما وَلَو كَانَ السّمك طافيا بِأَن ظهر بعد الْمَوْت على ظهر المَاء وَهُوَ مَا يُؤْكَل من حَيَوَان الْبَحْر وَإِن لم يسم سمكًا ويعفى عَن الدُّود الْمَيِّت فِي الْجُبْن والخل والفاكهة وَيجوز أكله مَعَه لعسر تَمْيِيزه مَا لم يلقه فِيهِ بعد خُرُوجه مِنْهُ ويعفى عَن السكر الْأَبْيَض الْمَعْمُول بِعظم الْميتَة لَكِن قَالَ بَعضهم يجب غسل الْفَم بعد أكله وَلَو انْكَسَرَ عظمه فجبره بِعظم نجس وَلَو من مغلظ وَلم يجد عظما طَاهِرا صَالحا للجبر غَيره أَو خَافَ من نَزعه ضَرَرا يُبِيح التَّيَمُّم أَو أكره على الْجَبْر بِهَذَا الْعظم عفى عَنهُ فَإِن لم تُوجد هَذِه الشُّرُوط وَجب نَزعه مَا لم يكن قد مَاتَ وَإِلَّا فَلَا ينْزع لِئَلَّا تنتهك حرمته وَلَو تعَارض عَلَيْهِ المغلظ وَغَيره قدم غير المغلظ
نعم إِذا قَالَ أهل الْخِبْرَة
إِن المغلظ أسْرع فِي الْجَبْر جَازَ تَقْدِيمه
(ومسكر) أَي شَأْنه الْإِسْكَار وَإِن كَانَ قَلِيلا (مَائِع) خمرًا كَانَ وَهِي الَّتِي قوى تغيرها حَتَّى صَارَت مسكرة أَو مُثَلّثَة وَهِي الَّتِي أغليت على النَّار حَتَّى ذهب ثلثاها
والخمرة هِيَ المتخذة من مَاء الْعِنَب وَمثلهَا فِي ذَلِك النَّبِيذ على الْمُعْتَمد وَهُوَ الْمُتَّخذ من مَاء التَّمْر أَو الزَّبِيب وَخرج بالمائع غَيره كالحشيشة والبنج والأفيون فَإِنَّهُ وَإِن أسكر طَاهِر وَإِذا انقلبت الْخمر خلا طهرت بِشَرْط أَن يكون تخللها بِلَا مصاحبة عين
وَحَاصِل ذَلِك أَنه إِذا وَقعت عين قبل التخلل وَكَانَت تِلْكَ الْعين نَجِسَة لم تطهر الْخمر بالتحلل سَوَاء نزعت تِلْكَ الْعين مِنْهَا قبل التخلل أَو صاحبتها إِلَى التخلل وَسَوَاء تخَلّل من تِلْكَ الْعين شَيْء فِي الْخمر أم لَا لِأَن الْعين النَّجِسَة بِمُجَرَّد ملاقاتها للخمر تنجسها نَجَاسَة غير نجاستها الْأَصْلِيَّة لِأَن النَّجس يقبل التَّنْجِيس فَإِن تخللت زَالَت النَّجَاسَة الْأَصْلِيَّة وَبقيت النَّجَاسَة الطارئة وَكَذَلِكَ إِذا وَقعت فِيهَا عين طَاهِرَة لَكِن تحلل مِنْهَا فِي الْخمر شَيْء كَمَاء البصل أَو صاحبت الْخمر حَتَّى تخللت فَإِنَّهَا لَا تطهر بِخِلَاف مَا إِذا وَقعت فِيهَا عين طَاهِرَة وَلم يَتَخَلَّل مِنْهَا شَيْء ونزعت قبل التخلل وَلم
تهبط الْخمر بنزعها عَمَّا كَانَت عَلَيْهِ حَال حُصُول الْعين فِيهَا فَإِن الْخمر تطهر بالتخلل حِينَئِذٍ وَلَا يضر نقلهَا من شمس إِلَى ظلّ وَعَكسه مَا لم يحصل فِيهَا ارْتِفَاع وهبوط وَإِلَّا تنجس مَا فَوْقهَا من الدن ثمَّ يعود عَلَيْهَا بالتنجيس بعد التخلل لاتصاله بهَا نعم لَو غمر ذَلِك الْمُرْتَفع بِخَمْر قبل جفافه ثمَّ تخَلّل مَا فِي الدن طهر وَلَو حصل الِارْتفَاع والهبوط بغليانها بِنَفسِهَا فَلَا يضر وَلَو كَانَ فِي الْخمر دود أَو شَيْء من بذر الْعِنَب الَّذِي تساقط فِيهَا وَقت الْعصير عفى عَنهُ وَحَيْثُ طهرت الْخمْرَة طهر دنها تبعا لَهَا وَلَا يضر مصاحبة المَاء للعنب لِأَنَّهُ من ضرورياته
تَنْبِيه الحلاوي الَّتِي تشبه الْفُلُوس وَهِي الَّتِي فِي طعمها شَيْء يلْدغ اللِّسَان نَجِسَة لَا يُعْفَى عَنْهَا لِأَنَّهَا معمولة من الْخمر (وكلب) وَلَو معلما (وخنزير) وَفرع كل مِنْهُمَا ومنيهما (ويعفى) فِي الثَّوْب وَالْبدن (عَن دم نَحْو برغوث) كقمل وبق وبعوض (ودمل) وفصد وحجم وقروح وبواسير وَنَحْو ذَلِك (وَإِن كثر) الدَّم فِي ذَلِك وَلَو تفاحش فِي الصُّورَة الأولى على الْمُعْتَمد مالم يخْتَلط بأجنبي مُطلقًا هَذَا إِذا كَانَ الْكثير (بِغَيْر فعله) فَلَا يُعْفَى عَن ذَلِك إِذا كَانَ بِفِعْلِهِ كَأَن قتل برغوثا فِي ثَوْبه أَو عصر الدمل وَلَا يضر فعل الْفَاعِل فِي الفصد والحجم لِأَنَّهُ لحَاجَة وَمحل الْعَفو عَمَّا فِيهِ دم البراغيث إِن كَانَ ملبوسا وَلَو للتجمل فَإِن كَانَ مفروشا أَو مَحْمُولا فَلَا عَفْو إِلَّا عَن الْقَلِيل بِالنِّسْبَةِ للصَّلَاة وَمَا ألحق بهَا كالطواف وَسجْدَة التِّلَاوَة وَالشُّكْر وَدخُول الْمَسْجِد
وَإِن كَانَ يحرم إِدْخَال النَّجَاسَة فِيهِ
وَمِمَّا عَمت الْبلوى حُصُول دم البراغيث فِي خرقَة يَضَعهَا بعض النَّاس تَحت عمَامَته صِيَانة لَهَا عَن الْوَسخ فيعفى عَنهُ وَإِن كثر
وَمثل ذَلِك مَا لَو تخَلّل الصئبان فِي خياطَة الثَّوْب وَإِن فرضت حَيَاته ثمَّ مَوته لعُمُوم الْبلوى بِهِ مَعَ مشقة فتق الْخياطَة لإخراجه وَلَو اخْتَلَط دم البرغوث أَو القملة بجلدة نَفسه وَقت قَتله عفى عَنهُ بِخِلَاف مَا إِذا اخْتَلَط بجلدة أُخْرَى فَلَا يُعْفَى عَنهُ وَقَالَ بَعضهم بِالْعَفو عَن الْقَلِيل من ذَلِك
وَأما نفس قشرة البرغوث أَو القملة أَو البقة أَو نَحْوهَا فنجسة غير مَعْفُو عَنْهَا فَلَو صلى بِشَيْء من ذَلِك وَإِن لم يعلم بِهِ فَصلَاته بَاطِلَة وَبَعْضهمْ قَالَ بِالْعَفو إِن لم يعلم بِهِ وَكَانَ مِمَّن ابتلى بذلك
وَنقل عَن الْعَلامَة الجفني والعلامة العزيزي أَن الشَّخْص لَو وجد بعد فرَاغ صلَاته قشر قمل فِي طي عمَامَته أَو فِي غرز خياطَة ثَوْبه لَا إِعَادَة وَإِن علم أَنه كَانَ مَوْجُودا حَال الصَّلَاة لِأَنَّهُ لَيْسَ مُكَلّفا بالتفتيش فِي كل صَلَاة وَقَالا إِن ذَلِك هُوَ الْمُعْتَمد وَلَا يضر فِي الْعَفو عَن هَذِه الدِّمَاء انتشارها بِسَبَب مَاء الْوضُوء أَو الْغسْل الْمَطْلُوب أَو الْعرق أَو مَا تساقط من المَاء حَال شربه
أَو من الطَّعَام حَال أكله أَو بصاق فِي ثَوْبه أَو مَا على آلَة نَحْو الفصد من ريق ودهن وَنَحْوهمَا وَكَذَا كل مَا يشق الِاحْتِرَاز عَنهُ كَالْمَاءِ الَّذِي يبل بِهِ الشّعْر لأجل سهولة حلقه بِخِلَاف المَاء الَّذِي تغسل بِهِ الرَّأْس بعد الْحلق فَلَا يُعْفَى عَنهُ
(وَقَلِيل دم غَيره) من غير نَحْو كلب وَلَو من نَفسه بِأَن عَاد إِلَيْهِ بعد انْفِصَاله عَنهُ
(وحيض ورعاف) لوُقُوع الْقَلِيل فِي مَحل الْمُسَامحَة إِذْ جنس الدَّم مِمَّا يتَطَرَّق لَهُ الْعَفو والقليل مَا تعافاه النَّاس أَي عدوه عفوا
وَحَاصِل مَسْأَلَة الدَّم تَفْصِيل فَإِن كَانَ من نَفسه وَكَانَ قَلِيلا عرفا عفى عَنهُ بِشَرْط أَن لَا يخْتَلط بأجنبي لم تمس الْحَاجة إِلَيْهِ فَإِن كَانَ كثيرا عرفا عفى عَنهُ بِشَرْط أَن لَا يكون بِفعل فَاعل وَأَن لَا يخْتَلط بأجنبي وَأَن لَا يُجَاوز مَحَله وَهُوَ مَا يغلب إِلَيْهِ السيلان من الْبدن وَمَا يُقَابله من الثَّوْب وَأَن لَا ينْتَقل من الْمحل الَّذِي اسْتَقر فِيهِ عِنْد خُرُوجه
وَإِن كَانَ من غَيره عفى عَنهُ بِشُرُوط أَن يكون قَلِيلا وَأَن لَا يعْصى بالتضمخ بِهِ كَأَن تضمخ بِهِ لغير غَرَض وَأَن لَا يكون من مغلظ وَأَن لَا يخْتَلط بأجنبي وَهَذَا التَّفْصِيل إِذا كَانَ الدَّم يُدْرِكهُ الطّرف فَإِن كَانَ لَا يُدْرِكهُ الطّرف المعتدل عفى عَنهُ مُطلقًا وَلَو من مغلظ وَلَو اخْتَلَط بأجنبي والصديد وَهُوَ مَاء رَقِيق مختلط بِالدَّمِ قبل أَن يغلظ
والقيح كَالدَّمِ فِيمَا ذكر لكَونه دَمًا مستحيلا إِلَى نَتن وَفَسَاد
وَاعْلَم أَن الفسيخ وَهُوَ مَا ملح من سمك وطبق بعضه على بعض نجس نَجَاسَة الْعين لَا يطهر بِالْغسْلِ لاختلاط أَجْزَائِهِ بصديد أَجْنَبِي وَذَلِكَ فِي غير الطَّبَقَة الْعليا أما هِيَ فطاهرة وَهَذَا إِذا طبق فِي إِنَاء بِخِلَاف مَا إِذا جعل فِي أَرض محفورة فَإِنَّهُ طَاهِر لِأَن الصديد يغور فِي الأَرْض وَكَذَا إِذا ذبح السّمك حَال حَيَاته وَجعل فسيخا فَإِنَّهُ طَاهِر لِأَن التذكية تزيل الدَّم أما إِذا أفرد السّمك عَن غَيره فطاهر هَذَا حكم الصديد
وَأما حكم الروث فيعفى عَنهُ فِي السّمك الصَّغِير دون الْكَبِير فَلَا يجوز أكله إِذا لم ينْزع مَا فِي جَوْفه لامتزاج لَحْمه بفضلاته الَّتِي فِي بَاطِنه بِوَاسِطَة الْملح وَيسْتَثْنى البطروخ فطاهر لِأَن بَينه وَبَين الفضلات حَائِلا فَإِن ظرف الروث إِذا انْكَسَرَ لَا يصل ذَلِك الروث إِلَى البطروخ وَوصل إِلَى اللَّحْم وامتزج بِهِ وَالله أعلم
(وَعَن رَوْث خفاش) وخطاف وفراش وَكَذَا كل حَيَوَان تكْثر مخالطته للنَّاس كالزنبور وَبَوْل كل من ذَلِك كروثه فيعفى عَن الْقَلِيل وَالْكثير فِي الثَّوْب وَالْبدن وَالْمَكَان فِي الْمَسَاجِد والبيوت وَأما بَقِيَّة
الطُّيُور غير مَا ذكر فيعفى عَن روثها بِشُرُوط ثَلَاثَة أَن يشق الِاحْتِرَاز عَنهُ وَأَن لَا يتَعَمَّد الْمَشْي عَلَيْهِ وَأَن لَا يكون بِأحد الْجَانِبَيْنِ رُطُوبَة
نعم يُعْفَى عَمَّا يحصل فِي مطهرة الْجَامِع من ذَلِك إِذا لم يجد عَنهُ معدلا للْمَشَقَّة وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين الْمَسْجِد وَغَيره وَلَو قصد محلا من الْجَامِع مثلا ليُصَلِّي فِيهِ فَوجدَ فِيهِ زرق الطُّيُور كثيرا فَلَا يُكَلف الِانْتِقَال مِنْهُ إِلَى غَيره بل يُعْفَى عَنهُ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدّمَة وَمن أحرم بِفَرْض أَو نفل فطرأ عَلَيْهِ أَمر كخطف نعل أَو شَردت دَابَّته أَو قصدته اللُّصُوص أَو خَافَ حرقا أَو غرقا أَو خَافَ فَوت الْوُقُوف بِعَرَفَة فَلهُ الْمَشْي بعد إِحْرَامه لهَذَا الْعذر ويومىء بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُود إِذا لم يُمكنهُ إِتْمَامهمَا وتغتفر لَهُ الْأَفْعَال الْكَثِيرَة وَوَطْء النَّجَاسَة بِشَرْط أَن تكون جافة وَأَن لَا يجد عَنْهَا معدلا وَأَن لَا يكون عَاصِيا بِالسَّفرِ وَمَعَ ذَلِك تلْزمهُ الْإِعَادَة وَإِن تمّ غَرَضه أتم صلَاته فِي مَكَان تَمام الْغَرَض وَلَا تغتفر لَهُ الْأَفْعَال الْكَثِيرَة حِينَئِذٍ فَلَا يعود إِلَى مَكَانَهُ الأول ويعفى عَن طين شَارِع نجس يَقِينا بِشَرْط أَن تكون عين النَّجَاسَة مستهلكة فِيهِ فَإِن كَانَت متميزة فَلَا يُعْفَى عَنْهَا وبشرط أَن يكون مَا أَصَابَهُ مِنْهَا يَسِيرا عرفا بِحَيْثُ لَا ينْسب لسقطة وَلَا لقلَّة التحفظ وَيخْتَلف الْعَفو باخْتلَاف الزَّمَان وَالْمَكَان وَالصّفة فيعفى فِي الشتَاء عَمَّا لَا يُعْفَى عَنهُ فِي الصَّيف ويعفى عَمَّا فِي الذيل أَكثر مِمَّا فِي أَعلَى الثَّوْب ويعفى فِي الْأَعْمَى مَا لَا يُعْفَى فِي حق الْبَصِير وَهَذَا الحكم عَام فِي مَاء الْمَطَر وَفِي المَاء الَّذِي ترش بِهِ الأَرْض أَيَّام الصَّيف وَنَحْو ذَلِك وَمحل ذَلِك إِذا وصل إِلَيْهِ ذَلِك بِنَفسِهِ بِخِلَاف مَا لَو تلطخ كلب بطين الشَّارِع وانتفض على إِنْسَان وَمَا لَو رش السقاء على الأَرْض النَّجِسَة أَو على ظهر كلب فطار مِنْهُ شَيْء على شخص فَإِنَّهُ لَا يُعْفَى عَنهُ وَالْمرَاد بالشارع مَحل الْمُرُور وَإِن لم يكن شَارِعا كالمحلات الَّتِي عَمت الْبلوى باختلاطها بِالنَّجَاسَةِ كَمَا حول الفساقى مِمَّا لَا يعْتَاد تَطْهِيره أما مَا جرت الْعَادة بحفظه وتطهيره إِذا أَصَابَته نَجَاسَة فَلَا يُعْفَى عَنهُ بل مَتى تيقنت نَجَاسَته وَجب الِاحْتِرَاز عَنهُ وَلَا يُعْفَى عَن شَيْء من ذَلِك فَتنبه لذَلِك وَلَو كَانَ مارا بِالطَّرِيقِ فَنزل عَلَيْهِ مَاء من ميزاب جَهله فَالْأولى عدم الْبَحْث عَن هَذَا المَاء هَل هُوَ طَاهِر أَو نجس لِأَنَّهُ مَحْكُوم بِطَهَارَتِهِ مَا لم يعلم بِخِلَافِهَا وَلَو حصل فِي نَعله شَيْء من طين الشوارع أَو قَلِيل من تُرَاب الْمقْبرَة المنبوشة أَو الرماد النَّجس عفى عَنهُ ويعفى عَن جرة الْحَيَوَان وَهِي مَا يُخرجهُ من جَوْفه للمضغ ثَانِيًا ثمَّ يبتلعه فَلَو أصَاب رِيقه أحدا أَو وضع فَمه فِي مَاء قَلِيل عفى عَنهُ ويفعى عَن غُبَار السرجين بِشَرْط أَن يكون قَلِيلا
ثمَّ المعفوات ثَلَاثَة أَقسَام قسم يُعْفَى عَنهُ فِي الثَّوْب وَالْمَاء وَهُوَ مَا لَا يُدْرِكهُ الطّرف
وَقسم يُعْفَى عَنهُ فِي الثَّوْب دون المَاء وَهُوَ قَلِيل الدَّم لسُهُولَة صون المَاء عَنهُ بِخِلَاف الثَّوْب وَمن هَذَا الْقسم أثر الِاسْتِنْجَاء بِالْحجرِ فيعفى عَنهُ فِي الثَّوْب وَالْبدن حَتَّى لَو سَالَ مِنْهُ عرق وَأصَاب الثَّوْب فِي الْمحل المحاذي لِلْفَرجِ عفى عَنهُ دون المَاء
وَقسم يُعْفَى عَنهُ فِي المَاء دون الثَّوْب مثل الْميتَة الَّتِي لَا دم لَهَا سَائل حَتَّى لَو حملهَا فِي الصَّلَاة بطلت وَمن هَذَا الْقسم منفذ الْحَيَوَان غير الْآدَمِيّ فَإِنَّهُ إِذا كَانَ عَلَيْهِ نَجَاسَة وَوَقع فِي المَاء أَو الْمَائِع لَا يُنجسهُ وَلَو حمل فِي الصَّلَاة بطلت وَمثل المنفذ رجل الطَّائِر وفمه إِذا غلب النَّجس فِي مثل ذَلِك
والمقصد الرَّابِع من مَقَاصِد الطَّهَارَة إِزَالَة النَّجَاسَة وإزالتها وَاجِبَة إِلَّا فِي النَّجَاسَة المعفو عَنْهَا وَهِي على الْفَوْر إِن عصى بهَا كَأَن تضمخ بهَا لغير حَاجَة وَمن ذَلِك التضمخ بِدَم الْأُضْحِية وَمَا يَفْعَله الْعَوام من تزويق الْأَبْوَاب بِهِ حرَام وَتجب إِزَالَته فَوْرًا فَإِن لم يعْص بهَا فَهِيَ على التَّرَاخِي إِلَّا عِنْد إِرَادَة الْقيام إِلَى الصَّلَاة أَو نَحْوهَا مِمَّا تشْتَرط لَهُ إِزَالَة النَّجَاسَة أَو عِنْد خوف الانتشار وَينْدب أَن يعجل بإزالتها فِيمَا عدا ذَلِك سَوَاء فِيمَا ذكر الْمُغَلَّظَة وَغَيرهَا على الْمُعْتَمد وَخرج بِغَيْر حَاجَة مَا إِذا كَانَ التضمخ بهَا لحَاجَة كَأَن بَال وَلم يجد شَيْئا ينشف بِهِ فَلهُ تنشيف ذكره بِيَدِهِ حَتَّى يجد المَاء وَكَذَا نزح بيُوت الأخلية وَنَحْوهَا مِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ
وَاعْلَم أَن الفضلات قِسْمَانِ مِنْهَا مَا يَسْتَحِيل إِلَى صَلَاح كالمني وَاللَّبن من الْحَيَوَان الْمَأْكُول وَمن الْآدَمِيّ فطاهر وَلَو على لون الدَّم
وَمِنْهَا مَا يَسْتَحِيل إِلَى فَسَاد كالبول وَالْغَائِط وَالدَّم فنجس وَيسْتَثْنى من ذَلِك فضلات نَبينَا مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم وَكَذَا فضلات سَائِر الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام
ثمَّ النَّجَاسَة على ثَلَاثَة أَقسَام مُخَفّفَة
ومتوسطة
ومغلظة فالمخففة بَوْل الصَّبِي الَّذِي لم يبلغ الْحَوْلَيْنِ وَلم يَأْكُل غير اللَّبن على جِهَة التغذي بِأَن لم يَأْكُل غير اللَّبن أصلا أَو أكل غير اللَّبن على وَجه التَّدَاوِي مثلا فَهَذَا الْقسم يطهر مصابه برش المَاء عَلَيْهِ بِأَن يغمر بِالْمَاءِ بِغَيْر سيلان بِشَرْطَيْنِ زَوَال عين النَّجَاسَة قبل رشه بِحَيْثُ لَا يبْقى فِيهِ رُطُوبَة تنفصل وَأَن لَا يخْتَلط الْبَوْل بِغَيْرِهِ وَإِلَّا تعين الْغسْل والمغلظة وَهِي نَجَاسَة الْكَلْب وَالْخِنْزِير وَفرع أَحدهمَا مَعَ الآخر أَو مَعَ حَيَوَان طَاهِر يغسل مصابها سبع مَرَّات إِحْدَاهُنَّ مصحوبة بِالتُّرَابِ الطّهُور الَّذِي يُعَكر المَاء ويعم مَحل النَّجَاسَة وَالْأَفْضَل أَن يكون التُّرَاب مصاحبا للغسلة الأولى وَتقدم أَن التُّرَاب يَشْمَل الأعفر والأصفر كالطفل والأحمر والأبيض وَنَحْو ذَلِك وَلَو كَانَ مختلطا بدقيق أَو نَحوه بِخِلَاف مَا تقدم فِي التَّيَمُّم وَلَو لم تزل عين النَّجَاسَة إِلَّا بست غسلات مثلا حسبت وَاحِدَة وَلَو أصَاب بعض مَا غسله من الغسلات شَيْئا وَجب غسله بِعَدَد مَا بَقِي من الغسلات بعد هَذِه الغسلة الَّتِي أَصَابَهُ مَاؤُهَا فَإِن كَانَت الأولى غسل سِتا وَإِن كَانَت الثَّانِيَة غسل خمْسا وَهَكَذَا فَإِن كَانَ ترب فِيهَا أَو فِيمَا قبلهَا فَلَا يحْتَاج إِلَى تتريب الْمُصَاب وَإِلَّا تربه وَلَو اجْتمع مَاء الغسلات فِي إِنَاء مثلا ثمَّ أصَاب شَيْئا غسل سِتا مَعَ التتريب إِن لم يكن ترب فِي الأول فَإِن كَانَ ترب فِي الأول لم يحْتَج إِلَى تتريب الْمُصَاب وَلَو دخل نَحْو كلب حَماما وانتشرت النَّجَاسَة فِي أرضه وحصره وفوطه واستمرت النَّاس على دُخُوله والاغتسال فِيهِ مُدَّة طَوِيلَة فَمَا تَيَقّن إِصَابَته بِالنَّجَاسَةِ من ذَلِك فنجس وَإِلَّا فطاهر لأَنا لَا ننجس بِالشَّكِّ وَحَيْثُ مَضَت عَلَيْهِ هَذِه الْمدَّة وَاحْتمل مُرُور المَاء عَلَيْهِ سبع مَرَّات إِحْدَاهُنَّ بِتُرَاب وَلَو طفْلا صَار لَا ينجس دَاخله لأَنا لَا ننجس بِالشَّكِّ كَمَا تقدم
وَأما هُوَ فِي ذَاته فَهُوَ مُتَنَجّس حَتَّى يتَيَقَّن طهره فَهُوَ كفم الْهِرَّة إِذا رأيناها وَضعته فِي نَجَاسَة ثمَّ غَابَتْ غيبَة يحْتَمل فِيهَا وُرُودهَا مَاء
كثيرا فَلَا يحكم بِكَوْن فمها ينجس مَا أَصَابَهُ حِينَئِذٍ لما تقدم
وَأما فمها فِي ذَاته فمتنجس حَتَّى يتَيَقَّن طهره
وَأما النَّجَاسَة المتوسطة فَهِيَ مَا عدا ذَلِك فَإِن كَانَت حكمِيَّة وَهِي الَّتِي لَيْسَ لَهَا جرم وَلَا طعم وَلَا لون وَلَا ريح كقطرة بَوْل جَفتْ كفى جرى المَاء على محلهَا مرّة وَاحِدَة وَلَو بِغَيْر فعل أحد كَأَن جرى عَلَيْهَا الْمَطَر وَيسن تثليثها
وَإِن كَانَت عَيْنِيَّة وَهِي الَّتِي لَهَا جرم أَو طعم أَو لون أَو ريح وَجَبت إِزَالَة ذَلِك وَلَو توقف زَوَاله على الِاسْتِعَانَة بِغَيْر المَاء كصابون وَجَبت وَالْعبْرَة بظنه بِحَيْثُ يغلب على ظَنّه زَوَال ذَلِك وَلَا يجب عَلَيْهِ اختبارها بالشم وَالْبَصَر وَلَا يجب على الْأَعْمَى وَلَا على من بِهِ رمد أَن يسْأَل بَصيرًا هَل زَالَت الْأَوْصَاف أَو لَا إِلَّا مَا عسر زَوَاله من لون كلون الدَّم أَو ريح كريح الْخمر فَإِنَّهُ يحكم بِطَهَارَتِهِ وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين النَّجَاسَة الْمُغَلَّظَة وَنَحْوهَا وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين الأَرْض وَالثَّوْب والإناء فيطهر الْمحل طهرا حَقِيقِيًّا بِحَيْثُ لَو قدر على إِزَالَته بعد ذَلِك لَا تجب
وَضَابِط الْعسر قرصه ثَلَاث مَرَّات مَعَ الِاسْتِعَانَة الْمُتَقَدّمَة فَلَو صبغ شَيْء بصبغ مُتَنَجّس ثمَّ غسل الْمَصْبُوغ حَتَّى صفت الغسالة وَلم يبْق إِلَّا مُجَرّد اللَّوْن حكم بِطَهَارَتِهِ
أما الطّعْم وَحده أَو اللَّوْن وَالرِّيح مَعًا فِي مَحل وَاحِد من نَجَاسَة وَاحِدَة فَلَا بُد من تعذر زَوَاله بِحَيْثُ لَا يَزُول إِلَّا بِالْقطعِ فَإِذا تعذر ذَلِك حكم على الْمحل بِالْعَفو بِحَيْثُ لَو قدر على إِزَالَته بعد ذَلِك وَجَبت وَلَو كَانَ المَاء قَلِيلا اشْترط وُرُوده لِئَلَّا يَتَنَجَّس الثَّوْب لَو عكس وَلَو كَانَ الثَّوْب فِيهِ دم براغيث وَوَضعه فِي الْإِنَاء الَّذِي فِيهِ مَاء قَلِيل ليغسله فَإِن كَانَ غسله بِقصد تنظيفه من الأوساخ الطاهرة لَا ينجس المَاء وَلَا يضر بَقَاء دم البراغيث فِي الثَّوْب وَإِن كَانَ بِقصد إِزَالَة دم البراغيث أَو الأوساخ النَّجِسَة تنجس المَاء الْقَلِيل بورود النَّجَاسَة عَلَيْهِ وَعَاد على بَاقِي الثَّوْب بالتنجيس وَصَارَ دم البراغيث غير مَعْفُو عَنهُ
(وَثَالِثهَا ستر رجل) أَي ذكر وَلَو صَبيا (وَأمة) وَلَو مبعضة (مَا بَين سرة وركبة وحرة غير وَجه وكفين) ظهرا وبطنا إِلَى الكوعين عَن الْعُيُون من إنس وجن وَلَو كَانَ الْمصلى خَالِيا فِي ظلمَة (بِمَا لَا يصف لونا) للبشرة وَلَو طينا أَو حشيشا أَو مَاء كدرا أَو نَحْو ذَلِك فَشرط السَّاتِر أَن يكون جرما يمْنَع إِدْرَاك لون الْبشرَة لَا حجمها فَلَا يَكْفِي فِي السّتْر لون نَحْو الْحِنَّاء لِأَنَّهُ لَيْسَ جرما وَلَا يَكْفِي فِيهِ الشفاف الَّذِي لَا يمْنَع إِدْرَاك لون الْبشرَة كالزجاج (إِن قدر) أَي الْمُصَلِّي (عَلَيْهِ) أَي السّتْر فَإِن عجز عَن جَمِيع مَا ذكر صلى عَارِيا وَيتم رُكُوعه وَسُجُوده وَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ وَلَو كَانَت الستْرَة متنجسة وَعجز عَمَّا يطهرها بِهِ وَكَانَ قطع مَوضِع النَّجَاسَة ينقص قيمَة الستْرَة أَكثر من أُجْرَة ثوب يُصَلِّي فِيهِ لَو اكتراه وَلم يجد ستْرَة طَاهِرَة غَيرهَا صلى عَارِيا وَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ لعَجزه عَن الستْرَة شرعا
وَكَذَا لَو حبس فِي مَكَان نجس وَلم يجد شَيْئا يفرشه فِيهِ للصَّلَاة إِلَّا سترته فرشها وَصلى عَارِيا وَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ لما ذكر وَالْوَاجِب ستر الْعَوْرَة من أَعلَى وجوانب لَا من أَسْفَل فَلَو كَانَت عَوْرَته بِحَيْثُ ترى من طوق قَمِيصه أَو من كمه مثلا لَا تصح فالمدار على رؤيتها بِالْقُوَّةِ وَإِن لم تَرَ بِالْفِعْلِ وَكَذَا لَو كَانَ ثَوْبه قَصِيرا بِحَيْثُ لم يستر جَمِيع الْعَوْرَة وَلَو كَانَ ثَوْبه
ينْكَشف عَن بعض الْعَوْرَة عِنْد الرُّكُوع أَو السُّجُود فَلَا تبطل صلَاته الْآن بل حَتَّى ينْكَشف حَتَّى لَو ستر عِنْد الرُّكُوع أَو السُّجُود وَلم يظْهر شَيْء من الْعَوْرَة استمرت صلَاته على الصِّحَّة وَلَا تضر رُؤْيَة الْعَوْرَة من أَسْفَل كَأَن صلى فِي علو وَتَحْته من يرى عَوْرَته من ذيله وَلَو لم يجد الرجل إِلَّا ثوب حَرِير لزمَه السّتْر بِهِ
وَيسن للرجل أَن يلبس للصَّلَاة أحسن ثِيَابه وَأَن يُصَلِّي فِي ثَوْبَيْنِ لحَدِيث إِذا صلى أحدكُم فليلبس ثوبيه فَإِن الله أَحَق أَن يزين لَهُ
وَيكرهُ أَن يُصَلِّي فِي ثوب فِيهِ صُورَة وَأَن يُصَلِّي الرجل متلثما وَالْمَرْأَة متنقبة إِلَّا أَن تكون فِي مَكَان وَهُنَاكَ أجانب لَا يحترزون من النّظر إِلَيْهَا فَلَا يجوز لَهَا رفع النقاب إِلَّا إِذا سترت وَجههَا بِشَيْء آخر
وَحَاصِل القَوْل فِيمَا يتَعَلَّق بالعورة أَن الرجل لَهُ ثَلَاث عورات إِحْدَاهَا مَا بَين سرته وركبته وَهِي عَوْرَته فِي الصَّلَاة وَلَو فِي الْخلْوَة وَعند الذُّكُور وَعند النِّسَاء الْمَحَارِم
ثانيتها السوءتان أَي الْقبل والدبر وَهِي عَوْرَته فِي الْخلْوَة
ثالثتها جَمِيع بدنه وشعره حَتَّى قلامة ظفره وَهِي عَوْرَته عِنْد النِّسَاء الْأَجَانِب فَيحرم على الْمَرْأَة الْأَجْنَبِيَّة النّظر إِلَى شَيْء من ذَلِك وَلَو علم الشَّخْص أَن الْأَجْنَبِيَّة تنظر إِلَى شَيْء من ذَلِك وَجب حجبه عَنْهَا
ولسنا نقُول إِن وَجه الرجل فِي حَقّهَا عَورَة كوجه الْمَرْأَة فِي حَقه بل هُوَ كوجه الصَّبِي الْأَمْرَد فِي حق الرجل فَيحرم النّظر عِنْد خوف الْفِتْنَة فَقَط فَإِن لم تكن فتْنَة فَلَا إِذْ لم يزل الرِّجَال على ممر الزَّمَان مكشوفي الْوُجُوه وَالنِّسَاء يخْرجن متنقبات وَلَو كَانَ وُجُوه الرِّجَال عَورَة فِي حق النِّسَاء لأمروا بالتنقيب أَو منعُوا من الْخُرُوج إِلَّا لضَرُورَة
وَمن فِيهَا رق لَهَا ثَلَاث عورات أَيْضا إِحْدَاهَا مَا بَين سرتها وركبتها وَهِي عورتها فِي الْخلْوَة وَعند الرِّجَال الْمَحَارِم وَعند النِّسَاء الْمُؤْمِنَات
ثانيتها جَمِيع بدنهَا إِلَّا مَا يظْهر عِنْد المهنة أَي خدمَة بَيتهَا وَهِي عِنْد النِّسَاء الكافرات
ثالثتها جَمِيع بدنهَا حَتَّى قلامة ظفرها وَهِي عِنْد الرِّجَال الْأَجَانِب
نعم يجوز لمن أَرَادَ شراءها النّظر إِلَى الْمَوَاضِع الَّتِي يحْتَاج إِلَى تقليبها وَيجوز للطبيب النّظر إِلَى الْمَوَاضِع الَّتِي يحْتَاج إِلَى مداواتها
والحرة لَهَا أَربع عورات إِحْدَاهَا جَمِيع بدنهَا إِلَّا وَجههَا وكفيها ظهرا وبطنا وَهُوَ عورتها فِي الصَّلَاة فَيجب عَلَيْهَا ستر ذَلِك فِي الصَّلَاة حَتَّى الذراعين وَالشعر وباطن الْقَدَمَيْنِ ثانيتها مَا بَين سرتها وركبتها وَهِي عورتها فِي الْخلْوَة وَعند الرِّجَال الْمَحَارِم وَعند النِّسَاء الْمُؤْمِنَات
ثالثتها جَمِيع الْبدن إِلَّا مَا يظْهر عِنْد المهنة وَهِي عورتها عِنْد النِّسَاء الكافرات
رابعتها جَمِيع بدنهَا حَتَّى قلامة ظفرها وَهِي عورتها عِنْد الرِّجَال الْأَجَانِب فَيحرم على الرجل الْأَجْنَبِيّ النّظر إِلَى شَيْء من ذَلِك وَيجب على الْمَرْأَة ستر ذَلِك عَنهُ والمراهق فِي ذَلِك كَالرّجلِ فَيلْزم وليه مَنعه من النّظر إِلَى الْأَجْنَبِيَّة ويلزمها الاحتجاب مِنْهُ وَمثل الْمَرْأَة فِي ذَلِك الْأَمْرَد الْجَمِيل الْوَجْه وَالْخُنْثَى كالأنثى فِي جَمِيع مَا ذكر
(وَرَابِعهَا معرفَة دُخُول وَقت) وَلَو ظنا بِالِاجْتِهَادِ أَو تقليدا لمجتهد فَلَو هجم وَصلى من غير اجْتِهَاد فِي دُخُول الْوَقْت لَا تَنْعَقِد صلَاته وَإِن صادفت الْوَقْت لِأَن الِاعْتِبَار فِي الْعِبَادَات بِمَا فِي ظن الْمُكَلف وَبِمَا فِي نفس الْأَمر مَعًا وَفِي الْعُقُود بِمَا فِي نفس الْأَمر فَقَط
وَلَا يخفى أَن الْوَقْت أهم شُرُوط الصَّلَاة لِأَن بِدُخُولِهِ تجب الصَّلَاة وبخروجه
تفوت فَكَانَ الْأَنْسَب تَقْدِيمه على جَمِيع الشُّرُوط لَكِن الِاتِّبَاع خير من الابتداع
وَلكُل وَاحِد من الْفُرُوض الْخَمْسَة وَقت مَحْدُود شرعا بِحَيْثُ لَو خرجت عَنهُ كَانَت قَضَاء إِلَّا إِذا نوى التَّأْخِير فِي سفر الْقصر (وَقت ظهر من زَوَال) أَي من ميل الشَّمْس عَن وسط السَّمَاء إِلَى جِهَة الْمغرب (إِلَى مصير ظلّ كل شَيْء مثله غير ظلّ اسْتِوَاء) أَي سوى ظلّ الشَّيْء حَالَة الاسْتوَاء إِن كَانَ كَمَا فِي أَكثر الْبِلَاد والأزمنة وَأول وَقت الظّهْر أَيْضا حُدُوث الظل بعد الاسْتوَاء إِن لم يكن للشَّيْء ظلّ عِنْده كَمَا فِي بعض الْأَزْمِنَة فِي بعض الْبِلَاد كمكة والبتاوي وَذَلِكَ فِي مَكَّة فِي ثامن برج الجوزاء وَفِي الثَّانِي وَالْعِشْرين من برج السرطان وَفِي البتاوي فِي السَّادِس عشر من برج الْمِيزَان فِي ميل سِتّ درج وَفِي الرَّابِع عشر من برج الْحُوت
ثمَّ البروج اثْنَا عشر نظمها بَعضهم من بَحر الْكَامِل بقوله حمل وثور وجوزة سرطان أَسد وسنبلة كَذَا ميزَان قل عقرب قَوس وجدي يَا أخي دلو وحوت خذفذا إِحْسَان وَمَعْرِفَة الزَّوَال أَمر يصعب لكنك إِذا اسْتقْبلت الْقبْلَة فَكَانَت الشَّمْس على حاجبك الْأَيْمن فِي الصَّيف فقد زَالَت بِلَا شكّ فصل الظّهْر
فَإِذا صَار ظلّ كل شَيْء مثله فَهُوَ وَقت الْعَصْر
فَإِذا كَانَت الشَّمْس على حاجبك الْأَيْسَر فِي الصَّيف أَيْضا وَأَنت مُسْتَقْبل الْقبْلَة فَاعْلَم أَنَّهَا لم تزل بعد
فَإِذا كَانَت بَين عَيْنَيْك فَهُوَ قِيَامهَا فِي كبد السَّمَاء وَقد يجوز أَنَّهَا قد زَالَت إِذا كَانَت فِي أول الشتَاء وَقصر النَّهَار
وَأما إِذا كَانَت على حاجبك الْأَيْمن فَتكون قد زَالَت فِي جَمِيع الْأَزْمِنَة لِأَنَّهُ إِذا كَانَ ذَلِك فِي الصَّيف فَهُوَ أول وَقت الظّهْر وَإِن كَانَ فِي الشتَاء فَهُوَ آخر وَقت الظّهْر
وَإِذا كَانَت على حاجبك الْأَيْسَر فقد يجوز أَنَّهَا قد زَالَت لقصر النَّهَار فِي أول الشتَاء وَلَا يجوز فِي أول الصَّيف لطول النَّهَار وَإِذا كَانَت بَين عَيْنَيْك فِي الشتَاء فقد زَالَت بِلَا شكّ
فَإِذا صَارَت إِلَى حاجبك الْأَيْمن فَهُوَ آخر وَقت الظّهْر وَهَذَا لأهل إقليم الْعرَاق وخراسان الَّذين يصلونَ إِلَى الرُّكْن الْأسود وَبَاب الْبَيْت
وَأما أهل الْيمن وَالْمغْرب وَمن يليهم فعلى ضد ذَلِك لأَنهم يصلونَ إِلَى الرُّكْن الْيَمَانِيّ ومؤخر الْكَعْبَة فَإِذا عرفت الزَّوَال وَأَرَدْت أَن تعرف الْقبْلَة فَاجْعَلْ ظلك على يسارك فَإنَّك تكون حِينَئِذٍ مُسْتَقْبل الْقبْلَة فَاعْلَم ذَلِك مُخْتَصرا بِلَا تَعب
كَذَا قَالَ سَيِّدي عبد الْقَادِر الجيلاني
وللظهر سَبْعَة أَوْقَات وَقت فَضِيلَة أَي وَقت لوُقُوع الصَّلَاة فِيهِ فضل يزِيد على مَا بعده وَهُوَ أول الْوَقْت بِمِقْدَار أكل لقيمات يقمن صلبه وَستر الْعَوْرَة والتطهر وَالْأَذَان وَالْإِقَامَة وَصَلَاة الْفَرْض برواتبه الْقبلية وَذَلِكَ اثْنَتَا عشرَة رَكْعَة فِي الظّهْر لِأَن لَهَا أَرْبعا قبلية وأربعا بعدية
وثمان رَكْعَات فِي الْعَصْر لِأَن لَهَا أَرْبعا قبلية وَلَا بعدية لَهَا
وَسبع رَكْعَات فِي الْمغرب لِأَن رواتبها أَربع اثْنَتَانِ قبلهَا وَاثْنَتَانِ بعْدهَا
وثمان رَكْعَات فِي الْعشَاء لِأَن رواتبها أَربع اثْنَتَانِ قبلهَا وَاثْنَتَانِ بعْدهَا كَمَا فِي الْمغرب
وَأَرْبع رَكْعَات فِي الصُّبْح لِأَن راتبها اثْنَتَانِ قبلهَا وَلَا بعدية لَهَا وَالْعبْرَة فِي هَذِه الْأَعْمَال بالوسط المعتدل من غَالب النَّاس
وَوقت اخْتِيَار أَي وَقت يخْتَار فِيهِ فعل الصَّلَاة بِالنِّسْبَةِ لما بعده
وَوقت جَوَاز كَرَاهَة يدْخل بِأول الْوَقْت كوقت الْفَضِيلَة
ويمتد إِلَى أَن لَا يبْقى من الْوَقْت مَا يسع الْفَرْض فَقَط
وَوقت حُرْمَة أَي يحرم تَأْخِير الصَّلَاة إِلَيْهِ وَهُوَ أَن لَا يبْقى من الْوَقْت مَا يسع فروض الصَّلَاة
وَوقت عذر وَهُوَ وَقت الْعَصْر لمن يجمع تَأْخِيرا فِي السّفر
وَوقت ضَرُورَة وَهُوَ وَقت زَوَال الْمَوَانِع وَهُوَ آخر الْوَقْت وَلَو بِمِقْدَار مَا يسع تَكْبِيرَة الْإِحْرَام كَأَن زَالَ الصِّبَا أَو الْجُنُون أَو الْحيض أَو النّفاس أَو الْكفْر وَقد بَقِي من وَقت الصَّلَاة مَا يسع تَكْبِيرَة الْإِحْرَام فَقَط
فَتجب هَذِه الصَّلَاة إِن خلا من الْمَانِع زَمنا يَسعهَا بعد صَاحِبَة الْوَقْت الَّذِي دخل فَلَو زَالَ حَيْضهَا وَقد بَقِي من وَقت الظّهْر مَا يسع تَكْبِيرَة الْإِحْرَام فَقَط وَجَبت الظّهْر إِن خلت من الْمَانِع زَمنا يسع فعلهَا وطهرها بعد اعْتِبَار مَا يسع فعل الْعَصْر الَّتِي هِيَ صَاحِبَة الْوَقْت وطهرها فَلَو طَرَأَ مَانع كجنون قبل مُضِيّ ذَلِك الزَّمن لَا تجب الظّهْر ثمَّ إِن كَانَ زمن الْخُلُو من الْمَوَانِع يسع الْعَصْر الَّتِي هِيَ صَاحِبَة الْوَقْت وطهرها وَجَبت وَإِلَّا فَلَا
وَوقت إِدْرَاك وَهُوَ وَقت طروء الْمَوَانِع فَإِذا طَرَأَ مَانع من جُنُون أَو إِغْمَاء أَو حيض أَو نِفَاس فِي الْوَقْت واستغرق بَاقِيه وَكَانَ أدْرك من الْوَقْت قبل طروء الْمَانِع زَمنا يَسعهَا ويسع طهرهَا الَّذِي لَا يَصح تَقْدِيمه على الْوَقْت كالتيمم ووضوء صَاحب الضَّرُورَة وَجَبت وَإِلَّا فَلَا
(فعصر) من الزِّيَادَة على ظلّ الْمثل وَإِن قلت (إِلَى غرُوب) للشمس بِجَمِيعِ قرضها
وَلها ثَمَانِيَة أَوْقَات وَقت فَضِيلَة بالضبط الْمُتَقَدّم
وَوقت اخْتِيَار من أول الْوَقْت إِلَى أَن يصير ظلّ الشَّيْء مثلَيْهِ غير ظلّ الزَّوَال
وَوقت جَوَاز بِلَا كَرَاهَة من أول الْوَقْت إِلَى الاصفرار فهذان الوقتان يَشْتَرِكَانِ مَعَ وَقت الْفَضِيلَة فِي الدُّخُول ثمَّ إِذا مضى مَا يسع الْأَعْمَال الْمُتَقَدّمَة خرج وَقت الْفَضِيلَة وَإِذا صَار ظلّ الشَّيْء مثلَيْهِ غير ظلّ الزَّوَال خرج وَقت الِاخْتِيَار
فإدا حصل الاصفرار خرج وَقت الْجَوَاز بِلَا كَرَاهَة وَيدخل وَقت الْجَوَاز بِكَرَاهَة إِلَى أَن يبْقى من الْوَقْت مَا يسع فَرضهَا فَقَط فَإِذا كَانَ الْبَاقِي من الْوَقْت لَا يسع فروض الصَّلَاة دخل وَقت الْحُرْمَة أَي الْوَقْت الَّذِي يحرم تَأْخِير الصَّلَاة إِلَيْهِ لَا أَن فعلهَا حِينَئِذٍ حرَام كَمَا يَعْتَقِدهُ بعض الْعَوام إِذْ يجب على الشَّخْص حِينَئِذٍ فعلهَا قبل أَن يخرج الْوَقْت كُله
وَوقت عذر وَهُوَ وَقت الظّهْر لمن يجمع تَقْدِيمًا فِي السّفر مثلا
وَوقت ضَرُورَة كَمَا تقدم لَكِن فِي هَذِه تجب الظّهْر مَعَ الْعَصْر لِأَن وَقت الْعَصْر وَقت لِلظهْرِ فِي الْعذر فَفِي الضَّرُورَة أولى وَيشْتَرط الْخُلُو من الْمَوَانِع زَمنا يَسعهَا كَمَا تقدم
وَوقت إِدْرَاك كَالَّذي تقدم أَيْضا
(فمغرب) من تَمام غرُوب الشَّمْس (إِلَى مغيب شفق) أَي أَحْمَر
وَلها ثَمَانِيَة أَوْقَات وَقت فَضِيلَة وَوقت اخْتِيَار وَوقت جَوَاز بِلَا كَرَاهَة هَذِه الثَّلَاثَة متحدة فِي الْمغرب دُخُولا وخروجا تدخل بِأول الْوَقْت وَتخرج بِمُضِيِّ زمن الْأَعْمَال الْمُتَقَدّمَة فَيدْخل وَقت الْجَوَاز بِكَرَاهَة إِلَى أَن يبْقى من الْوَقْت مَا لَا يسع إِلَّا فروضها فَإِذا بَقِي مَا لَا يسع الْفُرُوض دخل وَقت الْحُرْمَة
وَوقت الْعذر وَقت الْعشَاء لمن يجمعها مَعًا تَأْخِيرا فِي السّفر
وَوقت الضَّرُورَة وَوقت الْإِدْرَاك كَمَا تقدم
(فعشاء) من مغيب الشَّفق الْأَحْمَر (إِلَى فجر صَادِق) وَلها اسمان أَحدهمَا عتمة
وَثَانِيهمَا الْعشَاء الْآخِرَة
وَلها ثَمَانِيَة أَوْقَات
وَقت فَضِيلَة أول الْوَقْت
وَوقت اخْتِيَار إِلَى ثلث اللَّيْل
وَوقت جَوَاز بِلَا كَرَاهَة إِلَى الْفجْر الأول ويدخلان بِأول الْوَقْت كوقت الْفَضِيلَة كَمَا تقدم
وَوقت جَوَاز بِكَرَاهَة وَهُوَ مَا بَين الفجرين إِلَى أَن يبْقى من الْوَقْت مَا يسع فروضها فَقَط فَإِذا بَقِي من الْوَقْت مَا لَا يسع فروضها فَهُوَ وَقت الْحُرْمَة
وَوقت الْعذر وَقت الْمغرب لمن يجمعها مَعهَا تَقْدِيمًا فِي السّفر أَو الْمَطَر
وَوقت الضَّرُورَة وَوقت الْإِدْرَاك كَمَا تقدم
(فَصبح) من طُلُوع الْفجْر الثَّانِي (إِلَى) ابْتِدَاء (طُلُوع شمس) وَلها سَبْعَة أَوْقَات وَقت فَضِيلَة أول الْوَقْت
وَوقت اخْتِيَار إِلَى الإضاءة
وَوقت جَوَاز بِلَا كَرَاهَة إِلَى الاحمرار
وَوقت جَوَاز بِكَرَاهَة إِلَى أَن يبْقى من الْوَقْت مَا يسع فروضها فَقَط فَإِذا بَقِي من الْوَقْت مَا لَا يسع فروضها دخل وَقت الْحُرْمَة
وَوقت الضَّرُورَة وَوقت الْإِدْرَاك كَمَا تقدم فَتبين أَن الصُّبْح لَيْسَ لَهَا وَقت عذر لِأَنَّهَا لَا تجمع لَا تَقْدِيمًا وَلَا تَأْخِيرا وَأَن الظّهْر لَيْسَ لَهَا وَقت جَوَاز بِكَرَاهَة
تَنْبِيهَانِ الأول قد ظهر مِمَّا تقدم أَن وَقت الْفَضِيلَة وَوقت الِاخْتِيَار وَوقت الْجَوَاز بِلَا كَرَاهَة تدخل سَوَاء من أول الْوَقْت فِي جَمِيع الْأَوْقَات وَتخرج مترتبة فوقت الْفَضِيلَة يخرج أَولا لِأَن زَمَنه قصير ثمَّ وَقت الِاخْتِيَار ثمَّ وَقت الْجَوَاز بِلَا كَرَاهَة إِلَّا فِي الْمغرب فَإِنَّهَا متحدة فِيهِ دُخُولا وخروجا وَإِلَّا فِي الظّهْر فَإِن وَقت الِاخْتِيَار وَوقت الْجَوَاز بِلَا كَرَاهَة فِيهِ متحدان دُخُولا وخروجا على الرَّاجِح
وَقيل يخرج وَقت الِاخْتِيَار إِذا صَار ظلّ الشَّيْء مثل ربعه
وَيسْتَمر وَقت الْجَوَاز بِلَا كَرَاهَة إِلَى أَن يبْقى من الْوَقْت مَا يسع الصَّلَاة فَقَط
الثَّانِي حَاصِل القَوْل فِي وَقت الضَّرُورَة وَوقت الْإِدْرَاك أَن مَوَانِع وجوب الصَّلَاة تِسْعَة الصِّبَا وَالْجُنُون وَالْإِغْمَاء وَالسكر بِلَا تعد وَالْكفْر الْأَصْلِيّ وَالْحيض وَالنّفاس وَعدم بُلُوغ الدعْوَة وَعدم سَلامَة الْحَواس
وَالَّذِي يُمكن طروه مِنْهَا خَمْسَة الْجُنُون وَالْحيض وَالنّفاس وَالْإِغْمَاء وَالسكر بِلَا تعد
فَلَو كَانَ بالشخص مَانع من هَذِه الْمَوَانِع التِّسْعَة وَزَالَ وَقد بَقِي من وَقت الصَّلَاة مَا يسع تَكْبِيرَة الْإِحْرَام وَجَبت هَذِه الصَّلَاة وَالَّتِي قبلهَا إِن كَانَت تجمع مَعهَا وخلا من الْمَوَانِع زَمنا يسعهما ويسع صَاحِبَة الْوَقْت الَّذِي دخل ويسع طهر الثَّلَاثَة مِثَال ذَلِك زَالَ الْحيض وَقد بَقِي من وَقت الْعَصْر مَا يسع تَكْبِيرَة الْإِحْرَام وَجَبت الْعَصْر وَالظّهْر لِأَنَّهَا تجمع مَعهَا تَأْخِيرا فِي السّفر وَالْمغْرب لِأَنَّهَا صَاحِبَة الْوَقْت الَّذِي دخل إِن استمرت خَالِيَة من الْمَوَانِع زَمنا يسع الْفُرُوض الثَّلَاثَة وطهرها فَلَو طَرَأَ على الْمَرْأَة مَانع آخر كالجنون وَلم تدْرك إِلَّا زَمنا يسع الْمغرب فَقَط وطهرها وَجَبت الْمغرب وَحدهَا
وَإِن كَانَ زمن الْخُلُو يسع الْمغرب وَالْعصر فَقَط وطهرهما وجبتا دون الظّهْر هَذَا مَا يتَعَلَّق بِوَقْت الضَّرُورَة
وَأما وَقت الْإِدْرَاك فَهُوَ وَقت طرُو الْمَانِع فَلَو طَرَأَ عَلَيْهِ مَانع من الْمَوَانِع الَّتِي يُمكن طروها وَقد أدْرك من الْوَقْت زَمنا يسع الصَّلَاة وَجَبت هَذِه الصَّلَاة وَالَّتِي قبلهَا إِن كَانَت تجمع مَعهَا وخلا زَمنا يسعهما
وَأما طهرهما فَإِن كَانَ لَا يُمكن تَقْدِيمه على الْوَقْت كالتيمم ووضوء صَاحب الضَّرُورَة فَإِن شَرط صحتهما دُخُول الْوَقْت فَلَا بُد أَن
يدْرك زَمنا يَسعهُ قبل طرُو الْمَانِع
وَإِن كَانَ يَصح تَقْدِيمه على الْوَقْت كوضوء السَّلِيم الَّذِي لم يمْنَع من تَقْدِيمه مَانع فَلَا يشْتَرط أَن يدْرك من الْوَقْت زَمنا يَسعهُ إِذا كَانَ يُمكن تَقْدِيمه على الْوَقْت
مِثَال ذَلِك زَالَ حَيْضهَا فِي أول وَقت الْعَصْر مثلا وَأدْركت من وَقت الْعَصْر جُزْءا ثمَّ طَرَأَ عَلَيْهَا الْجُنُون فَإِن كَانَ زمن الْخُلُو من الْمَانِع يسع الْعَصْر وَالظّهْر وطهرهما وجبتا
وَإِن كَانَ لَا يسع إِلَّا الْعَصْر فَقَط وطهرها وَجَبت الْعَصْر وَحدهَا دون الظّهْر
وَالطُّهْر فِي هَذَا الْمِثَال لَا يُمكن تَقْدِيمه على الْحيض لِأَن الْوَقْت مَانع مِنْهُ
وَمن أدْرك من الصَّلَاة رَكْعَة فِي الْوَقْت فقد أدْركهَا أَدَاء وَإِن كَانَ يحرم تَأْخِيرهَا إِلَى وَقت لَا يسع فروضها كَمَا تقدم وَمَتى كَانَ الْبَاقِي من الْوَقْت لَا يسع الْفُرُوض وَجب الِاقْتِصَار على الْوَاجِبَات وَلَا يجوز الْإِتْيَان بالسنن وَيَنْوِي الْأَدَاء إِن كَانَ الْبَاقِي من الْوَقْت يسع رَكْعَة وَإِذا كَانَ الْبَاقِي من الْوَقْت يسع جَمِيع الْفُرُوض وَلَا يسع السّنَن فَالْأَفْضَل الْإِتْيَان بالسنن وَلَو لزم على ذَلِك إِخْرَاج الصَّلَاة أَو بَعْضهَا عَن وَقتهَا فَإِذا كَانَ الْبَاقِي من الْوَقْت يسع الْفُرُوض وَالسّنَن لَكِن طول فِي الْقِرَاءَة أَو السُّكُوت حَتَّى خرج بعض الصَّلَاة أَو كلهَا عَن الْوَقْت فَلَا حُرْمَة عَلَيْهِ لكنه خلاف الأولى
وَحِينَئِذٍ إِذا لم يدْرك من الصَّلَاة رَكْعَة فِي الْوَقْت تصير قَضَاء لَا إِثْم فِيهِ وَيَنْوِي الْأَدَاء وَهَذَا هُوَ الْمَدّ الْجَائِز فَتبين أَن الْأَحْوَال ثَلَاثَة حَالَة يجب فِيهَا الِاقْتِصَار على الْوَاجِبَات وَيحرم الْإِتْيَان بالسنن وَهِي مَا إِذا كَانَ الْبَاقِي من الْوَقْت لَا يسع الْفُرُوض
وَحَالَة الْأَفْضَل فِيهَا الْإِتْيَان بالسنن
وَلَو خرج بعض الصَّلَاة عَن وَقتهَا وَهِي مَا إِذا كَانَ الْبَاقِي من الْوَقْت يسع جَمِيع الْفُرُوض دون السّنَن وَحَالَة يجوز فِيهَا الْمَدّ مَعَ كَونه خلاف الأولى وَإِن خرجت الصَّلَاة كلهَا عَن الْوَقْت وَهِي مَا إِذا كَانَ الْبَاقِي من الْوَقْت يسع الْفُرُوض وَالسّنَن جَمِيعًا
وبدخول الْوَقْت تجب الصَّلَاة وجوبا موسعا إِلَى أَن يبْقى من الْوَقْت مَا يَسعهَا لَكِن إِذا أَرَادَ تَأْخِير فعلهَا عَن أول الْوَقْت لزم الْعَزْم على فعلهَا فِي الْوَقْت على الْأَصَح فَإِن أَخّرهَا عَن أول وَقتهَا مَعَ الْعَزْم على ذَلِك وَمَات فِي أثْنَاء الْوَقْت قبل فعلهَا لم يكن عَاصِيا بِخِلَاف مَا إِذا لم يعزم الْعَزْم الْمَذْكُور فَإِنَّهُ إِذا مَاتَ فِي أثْنَاء الْوَقْت قبل فعلهَا كَانَ عَاصِيا
وَالْأَفْضَل أَن يُصليهَا فِي أول الْوَقْت لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ أَي الْأَعْمَال أفضل فَقَالَ الصَّلَاة فِي أول وَقتهَا
نعم قد يكون تَأْخِير الصَّلَاة عَن أول وَقتهَا أفضل فِي صور مِنْهَا الْإِبْرَاد بِالظّهْرِ وَهُوَ تَأْخِيرهَا عَن أول وَقتهَا حَتَّى يصير للحيطان ظلّ يمشي فِيهِ طَالب الْجَمَاعَة بِشَرْط أَن يكون فِي زمن الْحر بقطر حَار كالحجاز لمصل جمَاعَة أَو فِي مَسْجِد وَلَو فُرَادَى بمصلى يأتونه بِمَشَقَّة تذْهب الْخُشُوع أَو كَمَاله وكل كَمَال اقْترن بِهِ التَّأْخِير عَن أول الْوَقْت وخلا عَنهُ التَّقْدِيم فِي أول الْوَقْت كالسترة وَالْجَمَاعَة وَالْوُضُوء وَنَحْو ذَلِك فالتأخير لَهُ أفضل وَقد يجب إِخْرَاج الصَّلَاة عَن وَقتهَا كَمَا إِذا خيف انفجار الْمَيِّت أَو فَوت الْحَج أَو فَوت إنقاذ الْأَسير أَو الغريق لَو شرع فِيهَا
وَتقدم أَن الْوَاجِب فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة خمس صلوَات فَقَط لَكِن مَحَله فِي أيامنا هَذِه أما فِي أَيَّام الدَّجَّال فيزيد على ذَلِك فَإِن أول يَوْم من أَيَّامه كَسنة وَثَانِي يَوْم كشهر وثالث يَوْم كأسبوع وَبَاقِي الْأَيَّام كأيامنا فاليوم الَّذِي كَسنة يقدر لَهُ قدره فَتجب الصَّلَاة فِي أَوْقَاتهَا حَتَّى الْعشَاء وَالْمغْرب وَلَو فِي النَّهَار لِأَنَّهُ