الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل فِي الصيال
وَهُوَ الهجوم والقهر وَفِي حكم الختن
(يجوز) للمصول عَلَيْهِ (دفع صائل على مَعْصُوم بل يجب) عَلَيْهِ دَفعه (عَن بضع) وَلَو لبهيمة (وَنَفس قَصدهَا كَافِر) وَلَو مَعْصُوما إِذْ غير الْمَعْصُوم لَا حُرْمَة لَهُ والمعصوم بطلت حرمته بصياله وَلِأَن الاستسلام للْكَافِرِ ذل فِي الدّين وَكَذَا إِذا قَصدهَا بَهِيمَة لِأَنَّهَا تذبح لاستبقاء الْآدَمِيّ فَلَا وَجه للاستسلام لَهَا وَمثل الْكَافِر الزَّانِي الْمُحصن لقَوْله صلى الله عليه وسلم من قتل دون دينه أَي لأجل الدّفع عَن دينه فَهُوَ شَهِيد أَي بِأَن حمله الصَّائِل على الرِّدَّة أَو الزِّنَا وَمن قتل دون دَمه أَي فِي الْمَنْع عَن الْوُصُول إِلَى دَمه فَهُوَ شَهِيد وَمن قتل دون أَهله فَهُوَ شَهِيد وَمن قتل دون مَاله أَي قُدَّام مَاله فَهُوَ شَهِيد
وَالْحَاصِل أَنه إِذا صال شخص وَلَو غير عَاقل كمجنون وبهيمة أَو غير مُسلم أَو غير مَعْصُوم وَلَو آدمية حَامِلا على شَيْء مَعْصُوم لَهُ أَو لغيره نفسا أَو عضوا أَو مَنْفَعَة أَو بضعا أَو مَالا وَإِن قل أَو اختصاصا كَذَلِك فَلهُ دَفعه جَوَازًا فِي المَال والاختصاص ووجوبا فِي غَيرهمَا فَإِن وَقع صيال على الْجَمِيع فِي زمن وَاحِد وَلم يُمكن إِلَّا دفع وَاحِد فواحد قدم وجوبا النَّفس أَي وَمَا يسرى إِلَيْهَا كالجرح فالبضع فَالْمَال الخطير فالحقير إِلَّا أَن يكون لذِي الخطير غَيره أَو وَقع على صبي يلاط بِهِ وَامْرَأَة يَزْنِي بهَا قدم الدّفع عَنْهَا وجوبا لِأَن حد الزِّنَا مجمع عَلَيْهِ وَلما يخْشَى من إختلاط الْأَنْسَاب وَلذَلِك كَانَ الزِّنَا أَشد حُرْمَة من اللواط لَكِن قَالَ ابْن حجر إِن كَانَت الْمَرْأَة فِي مَظَنَّة الْحمل قدم الدّفع عَنْهَا لِأَن خشيَة إختلاط الْأَنْسَاب أغْلظ فِي نظر الشَّارِع من غَيرهَا وَإِلَّا قدم الدّفع عَن اللواط
وَشرط وجوب الدّفع عَن الْبضْع وَعَن نفس الْغَيْر أَن لَا يخَاف الدَّافِع على نَفسه أما الدَّافِع عَن بضع نَفسه فَيجب دَفعه وَإِن خَافَ الْقَتْل فَيحرم على الْمَرْأَة أَن تستسلم لمن صال عَلَيْهَا ليزني بهَا مثلا وَإِن خَافت على نَفسهَا إِذْ لَا سَبِيل لإباحة نَحْو الْبضْع وَلَا يجب الدّفع إِذا قصد نَفسه مُسلم مَعْصُوم الدَّم وَلَو مَجْنُونا بل يجوز الاستسلام لَهُ بل يسن لقَوْله صلى الله عليه وسلم كن خير ابْني آدم
أَي وَهُوَ هابيل الَّذِي قَتله قابيل وخيرهما الْمَقْتُول لكَونه استسلم للْقَاتِل وَلم يدْفع عَن نَفسه وَمحل جَوَاز الاستسلام مَا لم يقدر على الْهَرَب وَإِلَّا وَجب وَحرم الْوُقُوف وَمَا لم يكن ملكا عادلا متوحدا فِي ملكه أَو عَالما متوحدا فِي زَمَانه أَو شجاعا أَو كَرِيمًا وَكَانَ فِي بَقَائِهِ مصلحَة عَامَّة وَإِلَّا فَلَا يجوز لَهُ الاستسلام بل يجب حِينَئِذٍ الدّفع عَن نَفسه كَمَا يجب الدّفع عَن الْعُضْو وَالْمَنْفَعَة
(وليدفع) أَي الصَّائِل الْمَعْصُوم (بالأخف) فالأخف بِاعْتِبَار غَلَبَة ظن المصول عَلَيْهِ (إِن أمكن) فيدفعه بالهرب مِنْهُ فبالزجر كتوبيخ وتذكير بوعيد الله وأليم عَذَابه أَو استغاثة فَهُوَ مُخَيّر بَينهمَا إِن لم ينشأ من الاستغاثة إِلْحَاق ضَرَر أقوى من الزّجر كإمساك حَاكم جَائِر
للصائل وَإِلَّا وَجب التَّرْتِيب بَينهمَا فيزجر ثمَّ يستغيث فالضرب بِالْيَدِ فبالسوط فبالعصا فبالقطع فبالقتل لِأَن دفع الصَّائِل جوز للضَّرُورَة وَلَا ضَرُورَة فِي الأثقل مَعَ إِمْكَان تَحْصِيل الْمَقْصُود بالأخف وَفَائِدَة هَذَا التَّرْتِيب أَنه مَتى خَالف وَعدل إِلَى رُتْبَة مَعَ إِمْكَان الِاكْتِفَاء بِمَا دونهَا ضمن وَلَو بِالْقصاصِ إِذا وجدت شُرُوطه بِأَن دَفعه بِمَا يقتل غَالِبا وحصلت الْحُرْمَة فَقَط إِذا دَفعه بِغَيْرِهِ وَلَو لم يجد المصول عَلَيْهِ إِلَّا سَيْفا جَازَ لَهُ الدّفع بِهِ وَإِن كَانَ ينْدَفع بعصا إِذْ لَا تَقْصِير مِنْهُ فِي عدم استصحابها وَلذَلِك من أحسن الدّفع بِطرف السَّيْف بِدُونِ جرح يضمن بِهِ بِخِلَاف من لَا يحسن وَلَو التحم الْقِتَال بَينهمَا وَخرج الْأَمر عَن الضَّبْط سقط مُرَاعَاة التَّرْتِيب سِيمَا لَو كَانَ الصائلون جمَاعَة إِذْ رِعَايَة التَّرْتِيب حِينَئِذٍ تُؤدِّي إِلَى إهلاكه وَلَو اخْتلفَا فِي التَّرْتِيب أَو فِي عدم إِمْكَان التَّخَلُّص بِدُونِ مَا دفع بِهِ صدق الدَّافِع لعسر إِقَامَة الْبَيِّنَة على ذَلِك بِخِلَاف مَا لَو تنَازعا فِي أصل الصيال فَلَا يصدق إِلَّا بِقَرِينَة ظَاهِرَة كتجريد سيف أَو نَحوه أَو بِبَيِّنَة أما المهدر كزان مُحصن وتارك صَلَاة بِشَرْطِهِ وحربي ومرتد فَلَا تجب مُرَاعَاة هَذَا التَّرْتِيب فِيهِ بل لَهُ الْعُدُول إِلَى قَتله لعدم حرمته مَا لم يكن مثله
(وَوَجَب) قطع سرة الْمَوْلُود بعيد وِلَادَته بعد نَحْو ربطها لتوقف إمْسَاك الطَّعَام عَلَيْهِ وَوَجَب أَيْضا (ختان) لذكر وَأُنْثَى إِن لم يولدا مختونين (ببلوغ) وعقل لانْتِفَاء التَّكْلِيف قبلهمَا فَيجب ذَلِك فَوْرًا بعدهمَا مَا لم يخف من الْخِتَان فِي ذَلِك الزَّمن وَإِلَّا أخر إِلَى أَن يغلب الظَّن السَّلامَة مِنْهُ فَلَو غلب على ظَنّه احْتِمَاله للختان وَأَن السَّلامَة هِيَ الْغَالِبَة فختنه فَمَاتَ لم يضمنهُ وَينْدب تَعْجِيله فِي سَابِع يَوْم وِلَادَته وَيكرهُ قبل السَّابِع فَإِن أخر عَنهُ فَفِي الْأَرْبَعين وَإِلَّا فَفِي السّنة السَّابِعَة لِأَنَّهَا وَقت أمره بِالصَّلَاةِ وَبعدهَا يَنْبَغِي وُجُوبه على الْوَلِيّ إِن توقفت صِحَة الصَّلَاة عَلَيْهِ وَلَا يحْسب من السَّبْعَة يَوْم وِلَادَته لِأَنَّهُ كلما أخر قوى عَلَيْهِ فَكَانَ إيلامه أخف وَبِذَلِك التَّعْلِيل فَارق الْعَقِيقَة حَيْثُ يحْسب فِيهَا يَوْم الْولادَة من السَّبْعَة لِأَنَّهَا بر فندب الْإِسْرَاع إِلَيْهِ وَيسن إِظْهَار ختان الذُّكُور وإخفاء الْإِنَاث عَن الرِّجَال دون النِّسَاء وَلَا يلْزم من ندب وَلِيمَة الْخِتَان إِظْهَاره فِيهِنَّ
ثمَّ كَيْفيَّة الْخِتَان فِي الذّكر بِقطع جَمِيع مَا يغطى حشفته حَتَّى تنكشف كلهَا وَإِذا نَبتَت الغرلة بعد ذَلِك لَا تجب إِزَالَتهَا لحُصُول الْغَرَض بِمَا فعل أَولا وَعلم من ذَلِك أَن غرلته لَو تقلصت حَتَّى انْكَشَفَ جَمِيع الْحَشَفَة فَإِن أمكن قطع شَيْء مِمَّا يجب قطعه فِي الْخِتَان مِنْهَا دون غَيرهَا وَجب وَلَا نظر لذَلِك التقلص لِأَنَّهُ قد يَزُول فَيسْتر الْحَشَفَة وَإِلَّا سقط الْوُجُوب كَمَا لَو ولد مَجْنُونا وَفِي الْأُنْثَى بِقطع جُزْء يُطلق عَلَيْهِ اسْم الْخِتَان من اللحمة الْمَوْجُودَة بِأَعْلَى الْفرج فَوق ثقبة الْبَوْل تشبه عرف الديك وَتسَمى البظر فَإِذا قطعت بَقِي أَصْلهَا كالنواة وتقليل الْمَقْطُوع أفضل لقَوْله صلى الله عليه وسلم للخاتنة أشمي وَلَا تنهكي فَإِنَّهُ أحظى للْمَرْأَة وَأحب للبعل
أَي لزيادته فِي لَذَّة الْجِمَاع وَفِي رِوَايَة أسرى للْوَجْه أَي أَكثر لمائه وَدَمه
(وَحرم تثقيب أذن) قَالَ الزيَادي وَالْأَوْجه أَن ثقب أذن الصَّغِيرَة لتعليق الْحلق حرَام لِأَنَّهُ لم تدع إِلَيْهِ حَاجَة وغرض الزِّينَة لَا يجوز بِمثل هَذَا التعذيب هَذَا مَا قَالَه الْغَزالِيّ
فِي الْإِحْيَاء وَأفْتى بذلك الشَّيْخ الرَّمْلِيّ وَرجح فِي مَوضِع آخر الْجَوَاز وَهُوَ الْمُعْتَمد كَذَا فِي تحفة الحبيب أما خرم أذن الصَّبِي فَحرم قطعا كَمَا يحرم خرم الْأنف ليجعل فِيهِ حَلقَة من ذهب أَو نَحوه وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين الذّكر وَالْأُنْثَى وَلَا عِبْرَة باعتياد ذَلِك لبَعض النَّاس فِي نِسَائِهِم
صلى الله عليه وسلم َ - بَاب الْجِهَاد صلى الله عليه وسلم َ - أَي الْقِتَال فِي سَبِيل الله
(هُوَ فرض كِفَايَة كل عَام) إِذا كَانَ الْكفَّار ببلادهم وَأقله مرّة فِي كل سنة فَإِذا زَاد فَهُوَ أفضل مَا لم تدع حَاجَة إِلَى أَكثر من مرّة وَإِلَّا وَجب وَيسْقط طلب الْجِهَاد بِأحد أَمريْن إِمَّا بِدُخُول الإِمَام أَو نَائِبه دَارهم بالجيش لقتالهم وَإِمَّا بتشحين الثغور أَي أَطْرَاف بِلَادنَا بمكافئين لَهُم لَو قصدونا مَعَ إحكام الْحُصُون والخنادق وتقليد ذَلِك لِلْأُمَرَاءِ المؤتمنين الْمَشْهُورين بالشجاعة والنصح للْمُسلمين وَحكم فرض الْكِفَايَة أَنه إِذا فعله من فيهم كِفَايَة وَإِن لم يَكُونُوا من أهل فَرْضه كصبيان وإناث ومجانين سقط الْحَرج عَنهُ إِن كَانَ من أَهله وَعَن البَاقِينَ رخصَة وتخفيفا عَلَيْهِم نعم الْقَائِم بِفَرْض الْعين أفضل من الْقَائِم بِفَرْض الْكِفَايَة كَمَا قَالَه الرَّمْلِيّ وفروض الْكِفَايَة كَثِيرَة (كقيام بحجج دينية) أَي براهين علمية مثبتة لعقائد التَّوْحِيد تَفْصِيلًا كثبوت الصَّانِع وَمَا يجب لَهُ وَمَا يمْتَنع عَلَيْهِ وَغير ذَلِك كثبوت حُدُوث الْعَالم الْمُسْتَدلّ عَلَيْهِ بِقَوْلِك الْعَالم متغير وكل متغير حَادث أما على سَبِيل الْإِجْمَال فَفرض عين وَخرج بذلك الْحجَج العلمية كأقيموا الصَّلَاة دَلِيلا على وُجُوبهَا فالقيام بذلك سنة وَلَا يكون إِلَّا من الْمُجْتَهد الْمُطلق
(و) طلب (عُلُوم شَرْعِيَّة) كتفسير وَحَدِيث وفروع فقهية زَائِدا على مَا لَا بُد مِنْهُ فِي الْعِبَادَات والمعاملات إِلَى أَن يبلغ دَرَجَة الافتاء فَإِذا بلغَهَا كَانَ مَا بعد ذَلِك سنة إِلَى بُلُوغ دَرَجَة الِاجْتِهَاد الْمُطلق أما مَا لَا بُد مِنْهُ فِي الْعِبَادَات والمعاملات فَفرض عين على كل مُكَلّف وَمثل الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة مَا تتَعَلَّق بِهِ من عُلُوم الْعَرَبيَّة وأصول الْفِقْه وَعلم الْحساب الْمُضْطَر إِلَيْهِ فِي الْمَوَارِيث والإقرارات والوصايا وَغير
ذَلِك فَيجب الْإِحَاطَة بذلك كُله لشدَّة الْحَاجة إِلَى ذَلِك
(وَدفع ضَرَر) آدَمِيّ (مَعْصُوم) أَي مُحْتَرم بإطعام الْمُضْطَر مَا يَحْتَاجهُ الْمَالِك فِي ثَانِي الْحَال وَكِسْوَة العاري إِذا لم ينْدَفع ضررهما بِنَحْوِ وَصِيَّة وَنذر ووقف وَزَكَاة وَبَيت مَال من سهم الْمصَالح وَهَذَا على من ملك زَائِدا على كِفَايَة سنة لَهُ ولممونه وعَلى وَفَاء دُيُونه وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْفَقِيه من الْكتب والمحترف من الْآلَات قَالَ الشبراملسي وَيَنْبَغِي أَنه لَا يشْتَرط فِي الْغَنِيّ أَن يكون عِنْده مَال يَكْفِيهِ لنَفسِهِ ولممونه جَمِيع السّنة بل يَكْفِي فِي وجوب الْمُوَاسَاة أَن يكون لَهُ نَحْو وظائف يتَحَصَّل مِنْهَا مَا يَكْفِيهِ عَادَة جَمِيع السّنة ويتحصل عِنْده زِيَادَة على ذَلِك مَا يُمكن الْمُوَاسَاة بِهِ
(وَأمر بِمَعْرُوف) أَي وَاجِب وَنهي عَن محرم بِالْيَدِ فاللسان فالقلب سَوَاء الْفَاسِق وَغَيره وَفِي الحَدِيث إِن النَّاس إِذا رَأَوْا الظَّالِم فَلم يَأْخُذُوا على يَدَيْهِ أوشك أَن يعمهم الله بعذابه وَالْمرَاد بِالنَّهْي عَنهُ بِالْقَلْبِ هُوَ أَن يتَوَجَّه بهمته إِلَى الله تَعَالَى فِي إِزَالَته سَوَاء صدر ذَلِك التَّوَجُّه عَمَّن جرت عَادَة الله تَعَالَى بِأَن لَا يخيب توجهه أم من غَيره فَظَاهر أَنه يَكْتَفِي بتوجه الْبَعْض وَلَا يشْتَرط توجه الْجَمِيع بِخِلَاف الْكَرَاهَة بِالْقَلْبِ فَإِنَّهَا فرض عين لِأَن انتفاءها فِي فَرد يُنَافِي الْإِيمَان وَالْعِيَاذ بِاللَّه تَعَالَى وَمحل ذَلِك الْأَمر وَالنَّهْي فِي وَاجِب أَو حرَام مجمع عَلَيْهِ أَو فِي اعْتِقَاد الْفَاعِل بِالنِّسْبَةِ لغير الزَّوْج إِذْ لَهُ شافعيا منع زَوجته الْحَنَفِيَّة من شرب النَّبِيذ مُطلقًا أَي مُسكرا كَانَ أَو غَيره وبالنسبة لغير القَاضِي إِذْ الْعبْرَة باعتقاده ولغير مقلد من لَا يجوز تَقْلِيده لكَونه مِمَّا ينْقض فِيهِ قَضَاء القَاضِي فاعتقاده الْحل لَا يمْنَع من الْإِنْكَار عَلَيْهِ وَيجب الْإِنْكَار على مُعْتَقد التَّحْرِيم وَإِن اعْتقد الْمُنكر إِبَاحَته لِأَنَّهُ يعْتَقد حرمته بِالنِّسْبَةِ لفَاعِله بِاعْتِبَار عقيدته وَيمْتَنع على عَامي يجهل حكم مَا رَآهُ إِنْكَار حَتَّى يُخبرهُ عَالم بِأَنَّهُ مجمع عَلَيْهِ أَو محرم فِي اعْتِقَاد فَاعله وعَلى عَالم أَن يُنكر مُخْتَلفا فِيهِ حَتَّى يعلم من فَاعله اعْتِقَاد تَحْرِيمه لَهُ حَالَة ارتكابه لاحْتِمَال أَنه حِينَئِذٍ قلد الْقَائِل بحله أَو جهل حرمته لكنه يرشده بِأَن يبين لَهُ الحكم وَيطْلب اجتنابه مِنْهُ بلطف
أما من ارْتكب مَا يرى إِبَاحَته بتقليد صَحِيح فَلَا يحل الْإِنْكَار عَلَيْهِ لَكِن لَو طلب لِلْخُرُوجِ مِنْهُ الْخلاف بِرِفْق فَحسن هَذَا كُله فِي غير الْمُحْتَسب أَي من ولي الْحِسْبَة وَهِي الْإِنْكَار والاعتراض على فعل مَا يُخَالف الشَّرْع أما هُوَ فينكر وجوبا على من أخل بِشَيْء من الشعائر الظَّاهِرَة وَلَو سنة كَصَلَاة الْعِيد وَالْأَذَان وَيلْزمهُ أَمر النَّاس بهما دون بَقِيَّة السّنَن الَّتِي لَيست من الشعائر الظَّاهِرَة وَلَكِن لَو احْتِيجَ فِي إِنْكَار ذَلِك لقِتَال لم يَفْعَله إِلَّا على أَنه فرض كِفَايَة وَيجب عَلَيْهِ النَّهْي عَن الْمَكْرُوه بِخِلَاف غَيره فَينْدب وَلَيْسَ لأحد التَّجَسُّس واقتحام الدّور بالظنون للبحث عَمَّا فِيهَا
نعم إِن غلب على ظَنّه وُقُوع مَعْصِيّة وَلَو بِقَرِينَة ظَاهِرَة كإخبار ثِقَة جَازَ لَهُ بل وَجب عَلَيْهِ التَّجَسُّس إِن فَاتَ تداركها كَالْقَتْلِ وَالزِّنَا وَإِلَّا فَلَا وَلما لم ينزجر إِلَّا بِالرَّفْع للسُّلْطَان وَجب وَشرط وجوب الْأَمر وَالنَّهْي على مُكَلّف أَن يَأْمَن على نَفسه وعضوه وَمَاله وَإِن قل كدرهم وَعرضه وعَلى غَيره بِأَن لم يخف مفْسدَة عَلَيْهِ أَكثر من مفْسدَة الْمُنكر الْوَاقِع وَيحرم مَعَ الْخَوْف على الْغَيْر مَعَ خوف الْمفْسدَة الْمَذْكُورَة وَيسن مَعَ الْخَوْف على النَّفس
(وَتحمل شَهَادَة) على أهل لَهُ وَهُوَ الْعدْل وَحضر لَهُ الْمَشْهُود عَلَيْهِ أَو دَعَاهُ قَاض أَو
مَعْذُور جُمُعَة وَلم يعْذر الْمَطْلُوب
(وأدائها) على من تحملهَا إِن كَانَ أَكثر من نِصَاب وَهُوَ اثْنَان وَإِلَّا فَهُوَ فرض عين
(ورد سَلام) مسنون من مُمَيّز غير متحلل بِهِ من صَلَاة وَإِن كرهت صيغته كعليكم السَّلَام وَلَو مَعَ رَسُول أَو فِي كِتَابَة وَيجب الرَّد فَوْرًا (عَن جمع) بِأَن كَانَ الْمُسلم عَلَيْهِم جمَاعَة من مُسلمين بالغين عاقلين فَيَكْفِي رد وَاحِد مِنْهُم وَيسْقط الطّلب عَن الْبَاقِي وَيخْتَص الثَّوَاب بِمن رد فَلَو ردوا كلهم وَلَو مُرَتبا أثيبوا وَلَا يسْقط الطّلب برد الصَّبِي وَإِن كَانَ الَّذِي سلم صَبيا أَيْضا وَيشْتَرط فِي كِفَايَة الرَّد إسماع الْمُسلم واتصاله بِالسَّلَامِ كاتصال الْقبُول بِالْإِيجَابِ فِي نَحْو البيع وَالشِّرَاء وصيغته الَّتِي يجب فِيهَا الرَّد السَّلَام عَلَيْكُم أَو سَلام عَلَيْكُم بتنوين سَلام وَيكرهُ عَلَيْكُم السَّلَام وَعَلَيْكُم سَلام وَإِن وَجب الرَّد فيهمَا وَلَا يَكْفِي سَلام عَلَيْكُم بترك التَّنْوِين وأل وَكَذَا لَو قَالَ وَعَلَيْكُم السَّلَام بِالْوَاو أَو اقْترن بالصيغة مَا هُوَ من تَحِيَّة الْجَاهِلِيَّة كَأَن قَالَ السَّلَام عَلَيْكُم صبحكم بِالْخَيرِ أَو صبحكم بِالْخَيرِ السَّلَام عَلَيْكُم فَلَا يجب الرَّد فِي ذَلِك وَلَو قَالَ السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته وَجب الرَّد وَلَكِن الأولى التقليل عَن ذَلِك ليبقى للراد شَيْء يزِيد بِهِ على المبتدىء بِالسَّلَامِ كَمَا هُوَ الْأَكْمَل لَهُ والقارىء كَغَيْرِهِ فِي اسْتِحْبَاب ابْتِدَاء السَّلَام عَلَيْهِ وَوُجُوب الرَّد بِاللَّفْظِ على الْمُعْتَمد
وَيجب الْجمع بَين اللَّفْظ وَالْإِشَارَة فِي الرَّد على الْأَصَم وتجزىء الْإِشَارَة من الْأَخْرَس ابْتِدَاء وردا وَالْإِشَارَة من النَّاطِق بِلَا لفظ خلاف الأولى وَلَا يجب لَهَا رد وَالْجمع بَينهمَا وَبَين اللَّفْظ أفضل وَإِذا سلم كل مِنْهُمَا على الآخر مَعًا لزم كلا مِنْهُمَا الرَّد أَو مُرَتبا كفى الثَّانِي سَلَامه فِي الرَّد إِن قصد بِهِ
وَينْدب أَن يسلم الرَّاكِب على الْمَاشِي والماشي على الْوَاقِف والقاعد والمضطجع والعظيم على الحقير وَالْكثير على الْقَلِيل فَلَو عكس لم يكره وَيسلم الْوَارِد مُطلقًا على من ورد عَلَيْهِ وَمن دخل دَاره سلم ندبا على أَهله أَو موضعا خَالِيا فَلْيقل ندبا السَّلَام علينا وعَلى عباد الله الصَّالِحين ويسمي الله قبل دُخُوله وَيَدْعُو وَلَو تكَرر ذَلِك مِنْهُ وَلَو سلم جمَاعَة متفرقون على وَاحِد فَقَالَ وَعَلَيْكُم السَّلَام وَقصد الرَّد على جَمِيعهم أَجزَأَهُ وَسقط عَنهُ فرض الْجَمِيع وَكَذَا لَو أطلق على الصَّحِيح وَلَو سلم عَلَيْهِ من وَرَاء حَائِط أَو ستر وَجب الرَّد وَكَذَا لَو سلم عَلَيْهِ مَعَ رَسُول وبلغه الرَّد إِن حصل صِيغَة شَرْعِيَّة من الْمُرْسل أَو الرَّسُول أَو مِنْهُمَا كَأَن قَالَ الْمُرْسل السَّلَام على فلَان فَقَالَ لَهُ الرَّسُول فلَان يسلم عَلَيْك أَو قَالَ الْمُرْسل سلم لي على فلَان فَقَالَ الرَّسُول السَّلَام عَلَيْك من فلَان أَو قَالَ الْمُرْسل السَّلَام على فلَان فَقَالَ الرَّسُول السَّلَام عَلَيْك من فلَان وَجب الرَّد فِي الْجَمِيع فَإِن لم تحصل صِيغَة شَرْعِيَّة لَا من هَذَا وَلَا من هَذَا كَأَن قَالَ سلم لي على فلَان فَقَالَ الرَّسُول فلَان يسلم عَلَيْك لَا يجب الرَّد وَيجب على الرَّسُول فِي جَمِيع ذَلِك تَبْلِيغ السَّلَام وَلَو بعد مُدَّة طَوِيلَة كَأَن نسي ثمَّ تذكر وَهَذَا مِمَّا يَقع التهاون فِيهِ
نعم يَصح عزل نَفسه بِحَضْرَة الْمُرْسل لَا فِي غيبته فَيَقُول عزلت نَفسِي وَلَو كَانَ الْمُسلم عَلَيْهِ وَاحِدًا كَانَ الرَّد فرض عين عَلَيْهِ وَيحرم السَّلَام من الشَّابَّة الْأَجْنَبِيَّة ابْتِدَاء وردا وَكَذَا الْخُنْثَى مَعَ مثله ويكرهان من الرِّجَال عَلَيْهِمَا بِخِلَاف جمع النِّسَاء
وَلَو شواب والعجوز فَلَا يكرهان عَلَيْهِمَا وَلَا يحرمان مِنْهُمَا وَبِخِلَاف مَا إِذا كَانَ هُنَاكَ محرمية أَو زوجية أَو سيدية فَلَا يكره وَلَو سلم الذِّمِّيّ وَجب الرَّد عَلَيْهِ بِنَحْوِ وَعَلَيْكُم فَقَط وَيحرم أَن يبتدىء السَّلَام عَلَيْهِ كالفاسق وَكَذَا تحتيه بِغَيْر السَّلَام كصبحك الله بِالْخَيرِ وَكَذَا خطابه بِكُل مَا يُفِيد تَعْظِيمه وَلَو كلمة إِلَّا لعذر فَلَو سلم على شخص وَهُوَ يجهل حَاله فَتبين أَنه ذمِّي اسْترْجع سَلَامه قيل وجوبا وَقيل ندبا فَيَقُول اسْترْجع سلامي مثلا وَلَا يجب رد سَلام على الْآكِل إِن كَانَ الطَّعَام فِي فِيهِ أما قبل وَضعه فِيهِ فَيجب عَلَيْهِ الرَّد
(وابتداؤه) أَي السَّلَام على مُسلم لَيْسَ بفاسق وَلَا مُبْتَدع وَلَا نَحْو قَاضِي حَاجَة وَلَا آكل فِي فَمه اللُّقْمَة عِنْد إقباله أَو انْصِرَافه (سنة) عينا للْوَاحِد وكفاية للْجَمَاعَة كالتسمية للْأَكْل و (كتشميت عاطس) مُسلم (حمد الله) وَلم يكن الْعَاطِس بِفِعْلِهِ بِأَن يَقُول للبالغ يَرْحَمك الله أَو يَرْحَمك رَبك وللصغير أصلحك الله أَو بَارك الله فِيك أَو أنشأك الله إنْشَاء صَالحا وَيكرهُ قبل الْحَمد فَلَا يعْتد بِهِ وَيَأْتِي بِهِ ثَانِيًا بعد الْحَمد فَإِن شكّ هَل حمد الْعَاطِس أَو لَا قَالَ يرحم الله من حَمده أَو يَرْحَمك الله إِن حمدته وَتحصل بهَا سنة التشميت وَيسن تذكيره الْحَمد للْحَدِيث الْمَشْهُور من سبق الْعَاطِس بِالْحَمْد أَمن من الشوص واللوص والعلوص فالشوص وجع الضرس واللوص وجع الْأذن والعلوص وجع الْبَطن ونظمها بعضم فَقَالَ من يبتدي عاطسا بِالْحَمْد يَأْمَن من شوص ولوص وعلوص كَذَا وردا ويكرر التشميت إِلَى ثَلَاث ثمَّ يَدْعُو لَهُ بعْدهَا بالشفاء كَأَن يَقُول عافاك الله أَو شفاك الله وَيسن للعاطس وضع شَيْء على وَجهه وخفض صَوته مَا أمكنه وَإجَابَة مشمته كَأَن يَقُول غفر الله لكم أَو يهديكم الله وَلَو زَاد على ذَلِك وَيصْلح بالكم كَانَ حسنا وَلم يجب لِأَنَّهُ لَا إخافة بِتَرْكِهِ وَيسن للعاطس إِن لم يشمت أَن يَقُول يرحمني الله وَالْمُصَلي يحمد سرا وَنَحْو قَاضِي الْحَاجة يحمد فِي نَفسه بِلَا لفظ
وَبَقِي من فروض الْكِفَايَة إحْيَاء الْكَعْبَة كل سنة بالزيارة بِحَجّ وَعمرَة وَلَا يُغني أَحدهمَا عَن الآخر وَلَا الصَّلَاة وَالِاعْتِكَاف وَالطّواف عَن أَحدهمَا لِأَنَّهُمَا الْقَصْد الْأَعْظَم من بِنَاء الْبَيْت وَفِيهِمَا إحْيَاء تِلْكَ المشاعر وَلَا بُد فِي القائمين بذلك من عدد يحصل بهم الشعار عرفا وَإِن كَانُوا من أهل مَكَّة كَمَا قالهالرملي وَابْن حجر ثمَّ قَالَ الزيَادي وَلَا يشْتَرط فِي الْقيام بإحياء الْكَعْبَة عدد مَخْصُوص من الْمُكَلّفين اه
والحرف والصنائع مِمَّا يتم بِهِ المعاش كالتجارة والحجامة لتوقف قيام الدّين على قيام الدُّنْيَا وقيامها على تينك وَفِي الحَدِيث اخْتِلَاف أمتِي رَحْمَة فسره الْحَلِيمِيّ باخْتلَاف هَمهمْ فِي الْحَرْف والصنائع اه
وَحفظ الْقُرْآن عَن ظهر قلب فَيجب أَن يكون فِي كل مَسَافَة عدوى جمَاعَة يَحْفَظُونَهُ كَذَلِك كَمَا يجب فِيهَا قَاض وَفِي كل مَسَافَة قصر مفت فَإِن اخْتلفت الْمذَاهب فِي تِلْكَ الْمسَافَة وَجب
تعدده بعددها وَإِلَّا فَلَا وَمثل ذَلِك تَعْلِيمه والاشتغال بحفظه أفضل من الِاشْتِغَال بِالْعلمِ الزَّائِد على فرض الْعين ونسيانه أَو شَيْء مِنْهُ كَبِيرَة وَلَو بِعُذْر كَمَرَض واشتغال بعيني
وضابطه أَن يحْتَاج فِي استرجاعه إِلَى الْحَالة الَّتِي كَانَ يَقْرَؤُهُ عَلَيْهَا إِلَى عمل جَدِيد على الْمُعْتَمد وَقيل ضابطه أَن ينقص عَن الْحَالة الَّتِي كَانَ يَقْرَؤُهُ عَلَيْهَا
وَإِنَّمَا يجب الْجِهَاد (على مُكَلّف ذكر حر مستطيع لَهُ سلَاح) فَلَا جِهَاد على صبي وَمَجْنُون لعدم تكليفهما وَلَا على امْرَأَة لقَوْله صلى الله عليه وسلم جهادكن الْحَج وَالْعمْرَة وَلِأَنَّهَا مجبولة على الضعْف وَمثلهَا الْخُنْثَى وَلَا على عبد وَلَو مبعضا أَو كَاتبا لنقصه وَإِن أمره سَيّده وَلَا على غير مستطيع كأعمى وفاقد أَكثر الأنامل وَمن بِهِ عرج بَين وَإِن قدر على الرّكُوب أَو رمد أَو مرض يمنعهُ الركون أَو الْقِتَال بِأَن يحصل لَهُ مشقة لَا تحْتَمل عَادَة وَإِن لم تبح التَّيَمُّم وكمعذور بِمَا يمْنَع وجوب الْحَج إِلَّا خوف طَرِيق من كفار أَو لصوص مُسلمين فَلَا يمْنَع وجوب الْجِهَاد لِأَن مبناه على ركُوب المخاوف وَلَا على عادم أهبة قتال كسلاح وَمؤنَة ذَهَابًا وإيابا وَإِقَامَة ومركوب فِي سفر قصر فَاضل ذَلِك عَن مُؤنَة من تلْزمهُ نَفَقَته
(وَحرم) على مَدين مُوسر عَلَيْهِ دين حَال وَإِن قل كفلس وَلَو لذِمِّيّ وَإِن كَانَ بِهِ رهن وثيق أَو ضَامِن (سفر) للْجِهَاد وَغَيره وَإِن قصر كميل وَنَحْوه تَقْدِيمًا لفرض الْعين وَهُوَ رِعَايَة حق الْغَيْر على غَيره وَلَو كَانَ رب الدّين مُسَافِرًا مَعَه أَو فِي الْبَلَد الَّذِي قَصدهَا من عَلَيْهِ الدّين لِأَنَّهُ قد يرجع قبل وُصُوله إِلَيْهَا أَو يَمُوت أَحدهمَا (بِلَا إِذن غَرِيم) وَبلا ظن رِضَاهُ وَبلا استنابة بِمن يَقْضِيه من مَال حَاضر وَإِلَّا فَلَا تَحْرِيم لوصول الدَّائِن إِلَى حَقه فِي الْحَال بِخِلَاف مَال غَائِب لِأَنَّهُ قد لَا يصل وَلَا بُد من علم الدَّائِن بالوكيل وَمن ثُبُوت الْوكَالَة وَمثل المَال الْحَاضِر دين ثَابت لمريد السّفر على ملىء لَكِن لَا يَكْفِي الْإِذْن لمن عَلَيْهِ الدّين فِي الدّفع للدائن لِأَن الشَّخْص لَا يكون وَكيلا عَن غَيره فِي إِزَالَة ملكه وَطَرِيقه فِي ذَلِك أَن يحِيل رب الدّين بِمَالِه على الْمَدِين
(و) بِلَا إِذن (أصل) مُسلم وَإِن علا من سَائِر الْجِهَات وَلَو مَعَ وجود الْأَقْرَب وَإِن كَانَ رَقِيقا لِأَن بر الأَصْل فرض عين وَيحرم بِلَا إِذْنه مَعَ الْخَوْف وَإِن قصر مُطلقًا وسفر طَوِيل وَلَو مَعَ الْأَمْن إِلَّا لعذر كالسفر لبيع أَو شِرَاء لما لَا يَتَيَسَّر بَيْعه أَو شِرَاؤُهُ فِي بَلَده أَو يَتَيَسَّر لَكِن يتَوَقَّع زِيَادَة فِي ثمنه من الْبَلَد الَّذِي يُسَافر اليه (لَا) سفر (لتعلم فرض) وَلَو كِفَايَة كصنعة وَطلب دَرَجَة الْفَتْوَى فَلَا يحرم عَلَيْهِ وَإِن لم يَأْذَن أَصله
وَالْحَاصِل أَنه لَا يعْتَبر إِذن الأَصْل فِي السّفر لطلب علم شَرْعِي أَو آلَة لَهُ وَلَو كَانَ فرض كِفَايَة أَو أمكن فِي الْبَلَد وَرَجا بِخُرُوجِهِ زِيَادَة فرَاغ أَو إرشاد شيخ أَو نَحْو ذَلِك وَله طلب الْعلم غير الْمُتَعَيّن بعد شُرُوعه فِيهِ وَإِن ظهر انتفاعه بِخِلَاف صَلَاة الْمَيِّت فَإِذا شرع فِيهَا لَا يجوز قطعهَا وَلَا يعْتَبر الْإِذْن فِي السّفر لتِجَارَة وَغَيرهَا حَيْثُ لَا خطر فِيهِ بِخِلَاف مَا فِيهِ خطر عَظِيم كركوب بَحر أَو بادية مخطرة وَإِن غلب الْأَمْن فَيحْتَاج إِلَى إِذن الأَصْل وَاسْتشْكل ذَلِك بِأَن الْجِهَاد فرض
كِفَايَة مَعَ حُرْمَة السّفر لَهُ إِلَّا بِإِذن
وَأجِيب بِأَن فِيهِ من الأخطار مَا لَيْسَ فِي غَيره إِذْ هُوَ مَبْنِيّ على المخاوف
(وَإِن دخلُوا) أَي الْكفَّار (بَلْدَة لنا) أَو صَار بَينهم وَبَينهَا دون مَسَافَة الْقصر كَانَ خطبا عَظِيما فَيلْزم أَهلهَا الدّفع لَهُم بالممكن من أَي شَيْء أطاقوه وَيكون الْجِهَاد حِينَئِذٍ قد (تعين على أَهلهَا) ثمَّ فِي ذَلِك تَفْصِيل فَإِن أمكن تأهب لِلْقِتَالِ بِأَن لم يهجموا بَغْتَة وَجب الْمُمكن فِي دفعهم على كل مِنْهُم حَتَّى على من لَا يلْزمه الْجِهَاد من فَقير وَولد ومدين وَعبد وَامْرَأَة فِيهَا قُوَّة بِلَا إِذن مِمَّن مر وَيغْتَفر ذَلِك لمثل هَذَا الْخطر الْعَظِيم الَّذِي لَا سَبِيل لإهماله وَإِن لم يُمكن تأهب لهجومهم بَغْتَة فَمن قَصده عَدو دفع عَن نَفسه بالممكن وجوبا إِن علم أَنه إِن أَخذ قتل وَإِن كَانَ مُمكن لاجهاد عَلَيْهِ لِامْتِنَاع الاستسلام لكَافِر وَإِن جوز الْأسر وَالْقَتْل فَلهُ أَن يدْفع وَأَن يستسلم إِن ظن أَنه إِن امْتنع مِنْهُ قتل لِأَن ترك الاستسلام حِينَئِذٍ تَعْجِيل للْقَتْل وَيلْزم الْمَرْأَة الدّفع إِن علمت وُقُوع فَاحِشَة بهَا حَالا بِمَا أمكنها وَإِن أفْضى إِلَى قَتلهَا إِذْ لَا يُبَاح بخوف الْقَتْل أما لَو لم تعلمه حَالا فَيجوز لَهَا الاستسلام ثمَّ إِن أُرِيد مِنْهَا الْفَاحِشَة وَجب عَلَيْهَا الِامْتِنَاع وَالدَّفْع وَإِن أدّى إِلَى قَتلهَا
(و) كأهلها (من) هُوَ (دون مَسَافَة قصر مِنْهَا) وَإِن لم يكن من أهل الْجِهَاد فَيجب عَلَيْهِ الْمَجِيء إِلَيْهِم وَإِن كَانَ فيهم كِفَايَة على الْأَصَح مساعدة لَهُم لِأَنَّهُ فِي حكمهم وَكَذَا يلْزم على من فَوق تِلْكَ الْمسَافَة الْمُوَافقَة لأهل ذَلِك الْمحل فِي الدّفع بِقدر الْكِفَايَة إِن لم يكف أَهله وَمن يليهم دفعا عَنْهُم وانقاذا لَهُم وَذَلِكَ حَيْثُ وجدوا زادا وسلاحا ومركوبا وَإِن أطاقوا الْمَشْي
(وَحرم) على من كَانَ من أهل فرض الْجِهَاد (انصراف عَن صف) بعد ملاقاة الْعَدو وَإِن غلب على ظَنّه قَتله لَو ثَبت أما إِن قطع بِهِ فَلَا يحرم الِانْصِرَاف (إِذا لم يزِيدُوا) أَي الْكفَّار (على مثلينا) إِلَّا متنقلا عَن مَحَله ليكمن فِي مَوضِع ويهجم أَو لأرفع مِنْهُ أَو أصون مِنْهُ عَن نَحْو ريح أَو شمس أَو عَطش أَو ذَاهِبًا إِلَى فِئَة وَإِن قلت وبعدت من الْمُسلمين ليستنصر بهَا على الْعَدو وَحِكْمَة مصابرة الضعْف أَن الْمُسلم يُقَاتل على إِحْدَى الحسنيين الشَّهَادَة أَو الْفَوْز بِالْغَنِيمَةِ مَعَ الْأجر وَالْكَافِر يُقَاتل على الْفَوْز بالدنيا فَقَط فَإِن زادوا على المثلين جَازَ الِانْصِرَاف مُطلقًا أَي سَوَاء كَانَ الْمُسلم فِي صف الْقِتَال أم لَا
نعم يحرم الِانْصِرَاف إِن قاومناهم وَإِن زداوا على مثلينا بِوَاحِد أَو اثْنَيْنِ أَو ثَلَاثَة لَا بِأَكْثَرَ مِنْهَا على الْمُعْتَمد وَيجوز انصراف مائَة ضعفاء منا عَن مائَة وَتِسْعَة وَتِسْعين أبطالا من الْكفَّار
(ويرق ذَرَارِي كفار) وعبيدهم وَلَو مُسلمين بِأَن أَسْلمُوا وهم فِي أَيدي الْكفَّار (بأسر) أَي يصيرون بِمُجَرَّد الْأسر أرقاء لنا وَيَكُونُونَ كَسَائِر أَمْوَال الْغَنِيمَة الْخمس لأَهله وَالْبَاقِي للغانمين وَالْمرَاد برق العبيد استمراره لَا تجدده وَدخل فِي الذَّرَارِي زَوْجَة الْمُسلم الَّتِي فِي دَار الْحَرْبِيّ وَزَوْجَة الذِّمِّيّ الحربية وَهِي الَّتِي لم تدخل تَحت قدرتنا حِين عقد الذِّمَّة لَهُ والعتيق الصَّغِير أَو الْمَجْنُون الذِّمِّيّ فيرقبون بالأسر كَمَا فِي زَوْجَة من أسلم
(ولإمام) أَو أَمِير الْجَيْش بِأَن لم يكن الإِمَام غازيا بِأَن أرسل جَيْشًا
وَأمر عَلَيْهِم أَمِيرا (خِيَار فِي) أَسِير (كَامِل) ببلوغ وعقل وذكورة وحرية بِفعل الأحظ وجوبا لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمين بِاجْتِهَادِهِ لَا بتشهيه (بَين) أَربع خِصَال من (قتل) بِضَرْب الْعُنُق لَا بتحريق وتغريق وتمثيل (وَمن) بتخلية سَبيله بِلَا مُقَابلَة (وَفِدَاء) بأسرى منا رجال أَو نسَاء أَو خناثى أَو من الذميين وَلَو وَاحِدًا فِي مُقَابلَة جمع أَو بِمَال من أَمْوَالهم أَو من أَمْوَالنَا الَّتِي فِي أَيْديهم
(واسترقاق) فتخمس رقابهم أَيْضا فَفِي الاسترقاق وَالْفِدَاء حَظّ الْمُسلمين وَفِي الْمَنّ وَالْقَتْل حَظّ الْإِسْلَام فَإِن خَفِي عَلَيْهِ الأحظ حَالا حَبسهم وجوبا حَتَّى يظْهر لَهُ الصَّوَاب بأمارات تعين لَهُ مَا فِيهِ الْمصلحَة وَلَو بالسؤال من الْغَيْر فيفعله
(وَإِسْلَام كَافِر) كَامِل أَو بذل الْجِزْيَة (بعد أسر) وَقبل اخْتِيَار الإِمَام فِيهِ منا وَلَا رقا وَلَا فدَاء (يعْصم دَمه) من الْقَتْل لَا مَاله وَزَوجته وَبَقِي الْخِيَار فِي بَاقِي الْخِصَال السَّابِقَة أَو بعد اخْتِيَار الإِمَام خصْلَة غير الْقَتْل تعيّنت وَمحل جَوَاز الْفِدَاء والمن مَعَ إِرَادَته الْإِقَامَة فِي دَار الْكفْر إِذا كَانَ لَهُ ثمَّ عشيرة يَأْمَن مَعهَا على نَفسه وَدينه وَإِلَّا فَلَا يجوز للْإِمَام فداؤه لحُرْمَة الْإِقَامَة بدار الْحَرْب على من لَيْسَ لَهُ مَا ذكر
(و) إِسْلَام مُكَلّف أَو بذل الْجِزْيَة (قبله) أَي قبل أسر وَوضع أَيْدِينَا عَلَيْهِ (يعْصم دَمًا) من الْقَتْل وَضرب الرّقّ (ومالا) بِدَارِنَا ودراهم من الْغنم وفرعا حرا صَغِيرا ومجنونا من السَّبي وَيحكم بِإِسْلَامِهِ تبعا لَهُ وَخرج ضِدّه فَلَا يعصمه إِسْلَام أَبِيه من السَّبي لَا زَوْجَة وَلَو حَامِلا مِنْهُ فَلَا يَعْصِمهَا إِسْلَام الرجل عَن الاسترقاق لاستقلالها فَإِن سبيت انْقَطع نِكَاحه حَالا وَلَو بعد الْوَطْء لزوَال ملكهَا عَن نَفسهَا فَملك الزَّوْج عَنْهَا أولى ولحرمة نِكَاح الْأمة الْكَافِرَة على الْمُسلم ابتداءا ودواما
(وَإِذا أرق) أَي كَافِر (وَعَلِيهِ دين) لغير حَرْبِيّ (لم يسْقط) إِذْ لم يُوجد مَا يَقْتَضِي إِسْقَاطه من أَدَاء أَو إِبْرَاء فَيَقْضِي من مَاله إِن غنم بعد إرقاقه وَقد زَالَ ملكه عَنهُ بِالرّقِّ كالموت تَقْدِيمًا للدّين على الْغَنِيمَة كَالْوَصِيَّةِ كَمَا يقْضِي دين الْمُرْتَد وَإِن حكم بِزَوَال ملكه بِالرّدَّةِ أما إِذا لم يكن لَهُ مَال فَيبقى فِي ذمَّته إِلَى عتقه فَيُطَالب بِهِ وَأما إِذا غنم قبل إرقاقه أَو مَعَه فَلَا يقْضِي مِنْهُ لِأَن الْغَانِمين ملكوه إِن قُلْنَا بِملك الْغَنِيمَة بالحيازة أَو تعلق حَقهم بِعَيْنِه فَكَانَ أقوى بِنَاء على القَوْل أَن الْغَنِيمَة إِنَّمَا تملك بِالْقِسْمَةِ وَهُوَ الرَّاجِح
وَاعْلَم أَنه كثر اخْتِلَاف النَّاس فِي السراري والأرقاء المجلوبين
وَحَاصِل الْأَصَح عندنَا أَن من لم يعلم كَونه من غنيمَة لم تخمس يحل شِرَاؤُهُ وَسَائِر التَّصَرُّفَات فِيهِ لاحْتِمَال أَن من أسره أَولا وَبَاعه حَرْبِيّ أَو ذمِّي فَإِنَّهُ لَا تخميس عَلَيْهِ وَهَذَا كثير لَا نَادِر فَإِن تحقق أَن آخذه مُسلم بِنَحْوِ سَرقَة أَو اختلاس لم يجز شِرَاؤُهُ إِلَّا على القَوْل الْمَرْجُوح إِنَّه لَا تخميس فالورع لمريد التَّسَرِّي أَن يَشْتَرِي جَارِيَة شِرَاء ثَانِيًا بِثمن ثَان غير الَّذِي اشْترى بِهِ أَولا بِثمن مثلهَا من وَكيل بَيت المَال لِأَن الْغَالِب عدم التخميس واليأس من معرفَة مَالِكهَا فَيكون ملكا لبيت المَال
- صلى الله عليه وسلم َ - بَاب الْقَضَاء صلى الله عليه وسلم َ - وَهُوَ فصل الْخُصُومَة بَين خصمين فَأكْثر بِحكم الله تَعَالَى وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى {وَأَن احكم بَينهم بِمَا أنزل الله} 5 الْمَائِدَة الْآيَة 49 وَقَوله صلى الله عليه وسلم إِذا اجْتهد الْحَاكِم فَأَخْطَأَ فَلهُ أجر وَإِن أصَاب فَلهُ أَجْرَانِ وَهَذَا فِي حَاكم عَالم مُجْتَهد أهل للْحكم إِن أصَاب فَلهُ أَجْرَانِ بِاجْتِهَادِهِ وإصابته وَإِن أَخطَأ فَلهُ أجر بِاجْتِهَادِهِ فِي طلب الْحق
أما من لَيْسَ بِأَهْل للْحكم فَلَا يحل لَهُ أَن يحكم وَإِن حكم فَلَا أجر لَهُ بل هُوَ آثم فَلَا ينفذ حكمه سَوَاء أوافق الْحق أم لَا هَذَا إِذا كَانَ عدم أَهْلِيَّته بِسَبَب عدم معرفَة الْأَحْكَام فَصَارَت أَحْكَامه كلهَا مَرْدُودَة لِأَن إِصَابَته اتفاقية لَيست صادرة عَن دَلِيل شَرْعِي أما إِذا كَانَ عدم الْأَهْلِيَّة بِسَبَب آخر وَكَانَ فِيهِ طرف من معرفَة الْأَحْكَام فَينفذ حكمه إِذا وَافق الْحق وَقَالَ صلى الله عليه وسلم الْقُضَاة ثَلَاثَة قاضيان فِي النَّار وقاض فِي الْجنَّة فَأَما الَّذِي فِي الْجنَّة فَرجل عرف الْحق وَقضى بِهِ واللذان فِي النَّار رجل عرف الْحق فجار فِي الحكم وَرجل قضى للنَّاس على جهل فَأطلق الحَدِيث بِأَن من قضى على جهل فَهُوَ فِي النَّار وَلم يفصل بَين مصادفته للحق وَعدمهَا وَالَّذِي يستفيده القَاضِي بِالْولَايَةِ إِظْهَار حكم الشَّرْع وإمضاؤه فِيمَا يرفع إِلَيْهِ بِخِلَاف الْمُفْتِي فَإِنَّهُ مظهر لَا ممض وَمن ثمَّ كَانَ الْقيام بِحقِّهِ أفضل من الافتاء لِأَن فِيهِ الْفتيا وَزِيَادَة تَنْفِيذ الحكم وَهُوَ أَيْضا أفضل من الْجِهَاد
(هُوَ) أَي تولي الْقَضَاء (فرض كِفَايَة) بل هُوَ أَعلَى فروض الكفايات
وَالْحَاصِل أَن تولي الْقَضَاء تطرأ عَلَيْهِ الْأَحْكَام غير الْإِبَاحَة فَيجب إِذا تعين عَلَيْهِ فِي وَطنه وَمَا حواليه إِلَى مَسَافَة الْعَدْوى دون مَا زَاد وَيجب قبُوله وَطَلَبه وَلَو ببذل مَال زَائِد على مَا يَكْفِيهِ يَوْمه وَلَيْلَته وَإِن حرم أَخذه مِنْهُ فالإعطاء جَائِز وَالْأَخْذ حرَام وَينْدب إِن لم يتَعَيَّن وَكَانَ أفضل من غَيره فَيسنّ لَهُ حِينَئِذٍ طلبه وقبوله وَيكرهُ إِن كَانَ مفضولا وَلم يمْتَنع الْأَفْضَل وَيحرم بعزل صَالح للْقَضَاء وَلَو مفضولا وَتبطل عَدَالَة الطَّالِب ببذل مَال لعزل ذَلِك القَاضِي فَلَا تصح تَوليته والمعزول بِهِ على قَضَائِهِ حَيْثُ لَا ضَرُورَة لِأَن الْعَزْل بالرشوة حرَام وتولية المرتشى للراشي حرَام
قَالَ صلى الله عليه وسلم من اسْتعْمل عَاملا على الْمُسلمين وَهُوَ يعلم أَن غَيره أفضل مِنْهُ فقد خَان الله وَرَسُوله وَالْمُؤمنِينَ
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَالْحَاكِم وَدخل فِي ذَلِك كل من تولى أمرا من أُمُور الْمُسلمين وَإِن لم يكن ذَلِك شَرْعِيًّا كنصب مَشَايِخ الْأَسْوَاق والبلدان وَنَحْوهمَا أما تَوْلِيَة الإِمَام الْأَعْظَم لأحد الصَّالِحين للْقَضَاء فَفرض عين عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مشتغل بِمَا هُوَ أهم من الْقَضَاء فَوَجَبَ من يقوم بِهِ فَإِن امْتنع الصالحون لَهُ أثموا وأجبر الإِمَام أحدهم وَكَذَا يجب تَوْلِيَة صَالح على قَاضِي الإقليم فِيمَا عجز
عَنهُ وَلَا يجوز إخلاء مَسَافَة الْعَدْوى عَن قَاض أَو خَليفَة لَهُ لِأَن الْإِحْضَار من فَوْقهَا مشق وإيقاع الْقَضَاء بَين المتخاصمين فرض عين على الإِمَام أَو نَائِبه وَلَا يحل لَهُ الدّفع إِذا أفْضى لتعطيل أَو طول نزاع
(وَشرط قَاض كَونه أَهلا للشهادات) بِأَن يكون مُسلما مُكَلّفا حرا ذكرا عدلا سميعا بَصيرًا ناطقا (كَافِيا) أَي ناهضا للْقِيَام بِأَمْر الْقَضَاء بِأَن يكون ذَا يقظة تَامَّة وَقُوَّة على تَنْفِيذ الْحق فَلَا يُولى مُغفل ومختل نظر بكبر أَو مرض وجبان ضَعِيف النَّفس (مُجْتَهدا) وَهُوَ الْعَارِف بِأَحْكَام الْكتاب وَالسّنة وبالقياس وبأنواعها كالعام وَالْخَاص والمجمل والمبين وَالنَّص وَالظَّاهِر والناسخ والمنسوخ وكالمتواتر والآحاد والمتصل وَغَيره وكالأولى والمساوي والأدون وبحال الروَاة ضعفا وَقُوَّة وبلسان الْعَرَب لُغَة ونحوا وصرفا وبلاغة وبأقوال الْعلمَاء اجتماعا واختلافا فَلَا يخالفهم فِي اجْتِهَاده
(فَإِن) لم يُوجد رجل متصف بذلك الشَّرْط ف (ولى) سُلْطَان أَو (ذُو شَوْكَة) بِأَن يكون فِي نَاحيَة انْقَطع غوث السُّلْطَان عَنْهَا وَلم يرجِعوا إِلَّا إِلَيْهِ مُسلما (غير أهل) للْقَضَاء كفاسق أَو جَائِر بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّة (نفذ) أَي تِلْكَ التَّوْلِيَة وَنفذ قَضَاؤُهُ الْمُوَافق لمذهبه المعتد بِهِ وَإِن زَاد فسقه للضَّرُورَة لِئَلَّا تتعطل مصَالح النَّاس وَلَو ابتلى النَّاس بِولَايَة امْرَأَة أَو عبد أَو أعمى فِيمَا يضبطه نفذ قَضَاؤُهُ للضَّرُورَة لَا كَافِر وَألْحق ابْن عبد السَّلَام الصَّبِي بِالْمَرْأَةِ وَنَحْوهَا
(وَيجوز تحكيم اثْنَيْنِ) فَأكْثر (أَهلا لقَضَاء) وَاحِدًا أَو أَكثر فِي غير عُقُوبَة الله تَعَالَى وَلَو مَعَ وجود قَاض أهل إِذا كَانَ الْمُحكم مُجْتَهدا بِخِلَاف مَا إِذا لم يكن كَذَلِك أَو فِي قَود أَو فِي نِكَاح أما غير الْأَهْل فَلَا يجوز تحكيمه مَعَ وجود القَاضِي وَلَو قَاضِي ضَرُورَة إِلَّا إِذا كَانَ القَاضِي يَأْخُذ مَالا لَهُ وَقع فَيجوز التَّحْكِيم حِينَئِذٍ حَتَّى فِي عقد نِكَاح امْرَأَة لَا ولي لَهَا خَاص وَيجوز التَّحْكِيم فِي ثُبُوت هِلَال رَمَضَان وَينفذ على من رَضِي بِحكمِهِ فَيجب عَلَيْهِ الصَّوْم دون غَيره أما عُقُوبَة الله من حد أَو تَعْزِير فَلَا يجوز التَّحْكِيم فِيهَا إِذْ لَا طَالب لَهَا معِين وَكَذَا لَا يجوز التَّحْكِيم فِي حق الله المالي الَّذِي لَا طَالب لَهُ معِين وَذَلِكَ كَالزَّكَاةِ إِذا كَانَ المستحقون غير مَحْصُورين وَيشْتَرط علم الْمُحكم بِتِلْكَ الْمَسْأَلَة فَقَط وَلَا ينفذ حكمه إِلَّا بِرِضا الْخَصْمَيْنِ قبل الحكم إِن لم يكن أَحدهمَا قَاضِيا وَإِلَّا فَلَا يشْتَرط رضاهما وَلَا بُد من الرِّضَا لفظا فَلَا يَكْفِي السُّكُوت فَلَو حكما اثْنَيْنِ لم ينفذ حكم أَحدهمَا حَتَّى يجتمعا لِأَن التَّوْلِيَة للمحكم إِنَّمَا هِيَ من الْخَصْمَيْنِ ورضاهما مُعْتَبر فَالْحكم من أَحدهمَا دون الآخر حكم بِغَيْر رضَا الْخصم
(وينعزل القَاضِي) الَّذِي لم يتَعَيَّن بعدلي شَهَادَة فِي عَزله أَو استفاضة لَا بِإِخْبَار وَاحِد وَلَا بِمُجَرَّد كتاب وَإِن حفت قَرَائِن تبعد تزويره
(و) الْأَصَح أَنه يَنْعَزِل (نَائِبه) أَي القَاضِي بانعزاله بِمَوْت أَو غَيره لِأَنَّهُ فَرعه وَالرَّاجِح أَن نَائِبه لَا يَنْعَزِل إِلَّا إِذا بلغه الْعَزْل وَإِن لم يبلغ الأَصْل فينعزل حِينَئِذٍ النَّائِب لَا الأَصْل وَكَذَا لَو بلغ الْعَزْل الأَصْل دون النَّائِب فَإِنَّهُ يَنْعَزِل الأَصْل دون النَّائِب
(لَا) من اسْتَخْلَفَهُ القَاضِي بقول الإِمَام الْأَعْظَم اسْتخْلف عني فَلَا يَنْعَزِل بذلك لِأَنَّهُ لَيْسَ
نَائِبه بل خَليفَة (عَن إِمَام) وَالْقَاضِي وَكيل فِي التَّوْلِيَة بِخِلَاف مَا لَو قَالَ لَهُ اسْتخْلف عَن نَفسك أَو أطلق لَهُ الِاسْتِخْلَاف فينعزل بذلك لِأَن الْغَرَض من الِاسْتِخْلَاف المعاونة لَهُ وَقد زَالَت ولَايَته فبطلت المعاونة وَالْمذهب لَا يَنْعَزِل القَاضِي إِلَّا (بِخَبَرِهِ) أَي ببلوغ خبر الْعَزْل إِلَيْهِ لعظم الضَّرَر بِنَقْض الْأَحْكَام وَفَسَاد التَّصَرُّفَات لَو انْعَزل فَلهُ الحكم قبل بُلُوغه ونائبه مثله وَلَو تصرف بعد الْعَزْل وَقبل بُلُوغ الْخَبَر بتزويج من لَا ولي لَهَا مثلا لم يلْزم الزَّوْج بَاطِنا وَلَا ظَاهرا انعزالها وَيجوز للْإِمَام عزل قَاض لم يتَعَيَّن بخلل ظهر مِنْهُ لَا يَقْتَضِي انعزاله ككثرة الشكاوى مِنْهُ أَو ظن أَنه ضَعِيف أَو زَالَت هيبته فِي الْقُلُوب وبأفضل مِنْهُ وَإِن لم يظْهر مِنْهُ خلل رِعَايَة للأصلح للْمُسلمين وبمصلحة كتسكين فتْنَة سَوَاء كَانَ هُنَاكَ مثله أَو دونه وَإِن لم يكن شَيْء من ذَلِك حرم عَزله وَلكنه ينفذ مَعَ إِثْم السُّلْطَان وَالْقَاضِي الثَّانِي بذلا لطاعة السُّلْطَان بِخِلَاف القَاضِي فَإِن لَهُ عزل نوابه بِلَا سَبَب بِنَاء على انعزالهم بِمَوْتِهِ أما إِذا تعين بِأَن لم يكن ثمَّ من يصلح للْقَضَاء غَيره فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ عَزله وَلَو عَزله لم يَنْعَزِل هَذَا فِي الْأَمر الْعَام أما الْوَظَائِف الْخَاصَّة كإمامة وأذان وتصوف وتدريس وَطلب وَنظر وَنَحْوهَا فَلَا تنعزل أَرْبَابهَا بِالْعَزْلِ من غير سَبَب ثمَّ الْعبْرَة فِي السَّبَب الَّذِي يَقْتَضِي الْعَزْل بعقيدة الْحَاكِم وَمحل ذَلِك حَيْثُ لم يكن فِي شَرط الْوَاقِف مَا يَقْتَضِي خلاف ذَلِك بِأَن كَانَ فِيهِ أَن للنَّاظِر الْعَزْل بِلَا جنحة وَلَو كَانَ للْقَاضِي نظر وقف بِشَرْط الْوَاقِف فَأَقَامَ شخصا عَلَيْهِ انْعَزل بانعزاله لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَة نَائِبه
(و) يَنْعَزِل القَاضِي وَمثله نَائِبه بِأحد أُمُور (عزل نَفسه) فَلهُ ذَلِك كَالْوَكِيلِ وَإِن لم يعلم موليه إِلَّا إِذا تعين للْقَضَاء بِأَن لم يكن ثمَّ من يصلح غَيره فَلَا ينفذ عَزله حِينَئِذٍ وللمستخلف عزل خَلِيفَته وَلَو بِلَا مُوجب وَلَو لوَلِيّ آخر وَلم يتَعَرَّض للْأولِ وَلَا ظن نَحْو مَوته لم يَنْعَزِل على الْمُعْتَمد نعم إِن اطردت الْعَادة بِأَن مثل ذَلِك الْمحل لَيْسَ فِيهِ إِلَّا قَاض وَاحِد تعين الانعزال (وجنون) وإغماء وَلَو لَحْظَة وغفلة ونسيان يحل بالضبط وعمى وصمم وَمرض لَا يُرْجَى زَوَاله وَقد عجز مَعَه عَن الحكم
(وَفسق) وَزِيَادَة فسق من لم يعلم موليه بِفِسْقِهِ الْأَصْلِيّ أَو الزَّائِد حَال تَوليته وَلَو زَالَت هَذِه الْأَحْوَال لم تعد ولَايَته إِلَّا بتولية جَدِيدَة
وَالْقَاعِدَة أَن كل من لَهُ الْولَايَة إِذا انْعَزل لم تعد ولَايَته إِلَّا بتوليته ثَانِيًا إِلَّا أَرْبَعَة الْأَب وَالْجد والناظر بِشَرْط الْوَاقِف وَمن لَهُ الْحَضَانَة وَنقل عَن بَعضهم أَن الْأَعْمَى إِذا عَاد بَصيرًا عَادَتْ ولَايَته
(لَا) يَنْعَزِل (قَاض) غير قَاضِي ضَرُورَة وَلَا قَاضِي ضَرُورَة إِذا لم يُوجد مُجْتَهد صَالح وَلَا من ولَايَته عَامَّة كناظر بَيت المَال والجيش والحسبة والأوقاف (بِمَوْت إِمَام) أعظم وَلَا بانعزاله لعظم الضَّرَر بتعطيل الْحَوَادِث وَمن ثمَّ لَو ولاه للْحكم بَينه وَبَين خَصمه انْعَزل بفراغه مِنْهُ وَلِأَن الإِمَام إِنَّمَا يُولى الْقَضَاء نِيَابَة عَن الْمُسلمين بِخِلَاف تَوْلِيَة القَاضِي لنوابه فَإِنَّهُ عَن نَفسه وَدخل فِي قَاضِي ضَرُورَة الصَّبِي وَالْمَرْأَة وَالْعَبْد وَالْأَعْمَى فَلَا يَنْعَزِل وَاحِد مِنْهُم بِمَوْت السُّلْطَان إِن لم يُوجد ثمَّ مُجْتَهد صَالح أما مَعَ وجوده فَإِن رجى تَوليته انْعَزل وَإِلَّا فَلَا إِذْ لَا فَائِدَة فِي انعزاله
(وَلَا يقبل قَول متول) للْقَضَاء (فِي غير مَحل ولَايَته) وَلَو على
أهل مَحل ولَايَته (حكمت بِكَذَا) إِلَّا بِبَيِّنَة لِأَنَّهُ لَا يملك الحكم حِينَئِذٍ فَلَا يقبل إِقْرَاره بِهِ سَوَاء قَالَهَا على وَجه الْإِقْرَار أَو الْإِنْشَاء فَقَوله فِي غير مُتَعَلق بقول وَقَوله حكمت مقول القَوْل وَالْمرَاد بِمحل ولَايَته نفس بلد قَضَائِهِ المحوط بالسور وَالْبناء الْمُتَّصِل بهَا (ك) مَا لَا يقبل ذَلِك القَوْل من (مَعْزُول) وَإِن كَانَ انعزاله بالعمى وَمن مُحكم بعد مُفَارقَة مجْلِس حكمه لِأَنَّهُمَا حِينَئِذٍ لم يقدرا على إنْشَاء الحكم أما لَو أضَاف الْمَعْزُول القَوْل لما قبل الْعَزْل كَقَوْلِه كنت حكمت بِكَذَا فَإِنَّهُ يقبل
(وليسو) أَي القَاضِي وجوبا (بَين الْخَصْمَيْنِ) وَإِن وكلاء فِي سَبْعَة أَشْيَاء
الأول فِي الْمجْلس بِأَن يجلسهما بَين يَدَيْهِ أَو أَحدهمَا عَن يَمِينه وَالْآخر عَن يسَاره وَالْجُلُوس بَين يَدَيْهِ أولى وَكَون الْجُلُوس على الركب أولى وَلَا يرْتَفع الْمُوكل على الْوَكِيل والخصم لَكِن يجب رفع مُسلم على كَافِر فِي مجْلِس
وَالثَّانِي فِي اسْتِمَاع كَلَامهمَا لِئَلَّا ينكسر قلب أَحدهمَا
وَالثَّالِث فِي نظر لَهما
وَالرَّابِع فِي دخولهما عَلَيْهِ فَلَا يَأْذَن لأَحَدهمَا دون الآخر
وَالْخَامِس فِي الْقيام لَهما فَلَا يخص أَحدهمَا بِقِيَام إِن علم أَنه فِي خُصُومَة فَإِن لم يعلم إِلَّا بعد قِيَامه لَهُ فإمَّا أَن يعْتَذر لخصمه من ترك الْقيام لَهُ كَأَن يَقُول إِنِّي مَا علمت أَنه جَاءَ فِي خُصُومَة أَو يَقُول قصدت الْقيام لَكمَا وَإِمَّا أَن يقوم لَهُ كقيامه للْأولِ وَهُوَ أولى فَلَو كَانَ أَحدهمَا يسْتَحق الْقيام دون الآخر ترك الْقيام مُحَافظَة على التَّسْوِيَة
وَالسَّادِس فِي جَوَاب سَلام مِنْهُمَا إِن سلما مَعًا فَإِن سلم عَلَيْهِ أَحدهمَا انْتظر الآخر حَتَّى يسلم فيجيبهما مَعًا وَإِذا علم عدم السَّلَام من الآخر بالمرة وَجب على القَاضِي أَن يَقُول لَهُ سلم لأجيبكما
وَالسَّابِع فِي طلاقة وَجه وَسَائِر أَنْوَاع الْإِكْرَام فَلَا يخص أَحدهمَا بِشَيْء مِنْهَا وَإِن اخْتلف بفضيلة أَو قرَابَة
(وَحرم قبُوله) أَي القَاضِي (هَدِيَّة من لَا عَادَة لَهُ) بِتِلْكَ الْهَدِيَّة (قبل ولَايَة) للْقَضَاء أَو لَهُ عَادَة بهَا وَزَاد عَلَيْهَا قدرا أَو صفة (إِن كَانَ) أَي قبُول الْهَدِيَّة (فِي مَحَله) أَي مَحل ولَايَته
(و) حرم قبُوله أَيْضا وَلَو فِي غير محلهَا هَدِيَّة (من لَهُ خُصُومَة) عِنْده وَإِن اعتادها قبل ولَايَته لِأَنَّهَا فِي الْأَخِيرَة توجب الْميل إِلَيْهِ وَفِي غَيرهَا سَببهَا الْولَايَة وَحَيْثُ حرمت الْهَدِيَّة لم يملكهَا (وَإِلَّا) بِأَن كَانَ الْقبُول فِي غير مَحل ولَايَته أَو لم يزدْ الْمهْدي على عَادَته وَلَا خُصُومَة فيهمَا (جَازَ) أَي قبُول هديته
وَالْحَاصِل أَنه إِن كَانَ للمهدي خُصُومَة فِي الْحَال أَو غلب على الظَّن وُقُوعهَا عَن قرب امْتنع قبُول الْهَدِيَّة مُطلقًا سَوَاء كَانَ الْمهْدي من أهل عمله أم لَا وَسَوَاء أَكَانَ لَهُ عَادَة بالهدية أم لَا وَسَوَاء أهْدى لَهُ فِي مَحل ولَايَته أم لَا وَإِن لم يكن لَهُ خُصُومَة وَلَا عَادَة بالهدية امْتنع قبُولهَا أَيْضا سَوَاء أَكَانَ من أهل عمله أم لَا وَإِن كَانَ لَهُ عَادَة بهَا وَزَاد عَلَيْهَا قدرا أَو جِنْسا أَو صفة بعد المنصب أَي وَكَانَ ذَلِك فِي مَحل ولَايَته فِي هَاتين الصُّورَتَيْنِ فَالْمُعْتَمَد إِن تميزت الزِّيَادَة جِنْسا أَو قدرا حرمت الزِّيَادَة وَحدهَا وَإِلَّا حرم الْجَمِيع وَإِن كَانَ لَهُ بهَا عَادَة وَلم يزدْ إِلَّا جِنْسا وَلَا قدرا وَلَا صفة جَازَ
قبُولهَا وَلَا فرق فِي هَذَا التَّفْصِيل بَين الْأَجَانِب وأبعاض القَاضِي على الْمُعْتَمد وَالْأولَى لمن جَازَ لَهُ قبُول الْهَدِيَّة أَن يثيب عَلَيْهَا إِذا قبلهَا أَو يردهَا لمَالِكهَا أَو يَضَعهَا فِي بَيت المَال وَأولى من ذَلِك سد بَاب الْقبُول مُطلقًا حسما للباب والضيافة وَالصَّدَََقَة فرضا أَو نفلا كالهدية وَيجوز لمن حضر ضِيَافَة القَاضِي الْأكل مِنْهَا إِذا قَامَت قرينَة على رضَا الْمَالِك بِأَكْل الْحَاضِرين من ضيافته وَإِلَّا فَلَا يجوز لِأَنَّهُ إِنَّمَا أحضرها للْقَاضِي وَيَأْتِي مثل هَذَا التَّفْصِيل فِي سَائِر الْعمَّال وَمن ذَلِك مَا جرت الْعَادة بِهِ من إِحْضَار طَعَام لشاد الْبَلَد أَو نَحوه من الْمُلْتَزم أَو الْكَاتِب وَالْعَارِية إِن كَانَت مِمَّا يُقَابل بِأُجْرَة كسكنى دَار وركوب دَابَّة فَحكمهَا كالهدية وَإِلَّا فَلَا وَقبُول الرِّشْوَة حرَام وَهِي مَا يبْذل للْقَاضِي ليحكم بِغَيْر الْحق أَو ليمتنع من الحكم بِالْحَقِّ وإعطاؤها كَذَلِك لِأَنَّهُ إِعَانَة على مَعْصِيّة أما لَو رشي ليحكم بِالْحَقِّ جَازَ الدّفع وَإِن كَانَ يحرم على القَاضِي الْأَخْذ على الحكم مُطلقًا أَي سَوَاء أعطي من بَيت المَال أم لَا وَيجوز للْقَاضِي أَخذ الْأُجْرَة على الحكم لِأَنَّهُ شغله عَن الْقيام بِحقِّهِ
تَتِمَّة ينْدب قبُول الْهَدِيَّة لغير الْحَاكِم حَيْثُ لَا شُبْهَة قَوِيَّة فِيهَا وَحَيْثُ يظنّ المهدى إِلَيْهِ أَن الْمهْدي أهداه حَيَاء أَو فِي مُقَابل وَإِلَّا لم يجز الْقبُول مُطلقًا فِي الأول وَكَذَا فِي الثَّانِي إِن لم يثبه بِقدر مَا فِي ظَنّه بالقرائن وَيَنْبَغِي للمهدى إِلَيْهِ التَّصَرُّف فِي الْهَدِيَّة عقب وصولها بِمَا أهديت لأَجله إِظْهَارًا لكَون الْهَدِيَّة فِي مَحل الْقبُول وَأَنَّهَا وَقعت الْموقع ووصلت وَقت الْحَاجة إِلَيْهَا وَإِشَارَة إِلَى تواصل الْمحبَّة بَينه وَبَين المهدى إِلَيْهِ حَتَّى أَن مَا أهداه إِلَيْهِ لَهُ مزية على غَيره مِمَّا هُوَ عِنْده وَإِن كَانَ أَعلَى وأغلى وَلَا يشْتَرط فِي ذَلِك صِيغَة بل يَكْفِي الْبَعْث وَالْأَخْذ
(و) إِذا حكم قَاض بِاجْتِهَاد أَو تَقْلِيد ثمَّ بَان حكمه بِمن لَا تقبل شَهَادَته كعبدين بَان أَن لَا حكم فَحِينَئِذٍ (نقض) أَي القَاضِي وَغَيره من الْحُكَّام وجوبا (حكما) تَيَقّن الْخَطَأ فِيهِ أَي أظهر بُطْلَانه بِنَحْوِ قَوْله نقضته أَو أبطلته أَو فسخته كَمَا إِذا بَان الحكم (بِخِلَاف نَص) من كتاب أَو سنة أَو نَص مقلده (أَو إِجْمَاع) وَمثل مُخَالفَة الْإِجْمَاع مَا خَالف شَرط الْوَاقِف أَو خَالف الْمذَاهب الْأَرْبَعَة أَو خَالف الْقَوَاعِد الْكُلية أَو خَالف الْقيَاس الْجَلِيّ وَهُوَ مَا يعم الأولى والمساوي (أَو) بَان الحكم (بمرجوح) لما نقل الْقَرَافِيّ وَابْن الصّلاح الْإِجْمَاع على أَنه لَا يجوز الحكم بِخِلَاف الرَّاجِح فِي الْمذَاهب وَالْمرَاد بِعَدَمِ الْجَوَاز عدم الِاعْتِدَاد بذلك الحكم فَيجب نقضه لَكِن قَالَ ابْن الصّلاح وَمن تبعه وَينفذ حكم من لَهُ أَهْلِيَّة التَّرْجِيح إِذا رجح قولا وَلَو مرجوحا فِي مذْهبه بِدَلِيل جيد وَلَيْسَ لَهُ أَن يحكم بشاذ أَو غَرِيب فِي مذْهبه إِلَّا أَن ترجح عِنْده وَمِمَّا ينْقض فِيهِ الحكم لمُخَالفَته مَا مر مَا لَو حكم قَاض بِصِحَّة نِكَاح زَوْجَة الْمَفْقُود بعد أَربع سِنِين وَمُدَّة الْعدة أَو بِنَفْي خِيَار الْمجْلس وَنفي بيع الْعَرَايَا وَمنع الْقصاص فِي المثقل وَصِحَّة بيع أم الْوَلَد وَصِحَّة نِكَاح الشّغَار وَنِكَاح الْمُتْعَة وَحُرْمَة الرَّضَاع بعد حَوْلَيْنِ وَقتل مُسلم بذمي وتوريث بَين مُسلم وَكَافِر أَو باستحسان فَاسد استنادا لعادة النَّاس من غير دَلِيل أَو على خلاف الدَّلِيل
(وَلَا يقْضِي) أَي لَا يجوز للْقَاضِي الْقَضَاء (بِخِلَاف علمه) أَي ظَنّه الْمُؤَكّد وَإِن قَامَت بِهِ بَيِّنَة وَإِلَّا لَكَانَ قَاطعا بِبُطْلَان حكمه
وَالْحكم بِالْبَاطِلِ محرم وَذَلِكَ كَمَا إِذا شهد رجلَانِ عِنْده برق من يعلم حُرِّيَّته أَو بِنِكَاح من يعلم بينونتها أَو بِملك من يعلم عدم ملكه وَلَا يجوز لَهُ الْقَضَاء فِي هَذِه الصُّورَة بِعِلْمِهِ لمعارضة الْبَيِّنَة لَهُ مَعَ عدالتها ظَاهرا بل يتَوَقَّف عَن الحكم حَتَّى يظْهر فسق الْبَيِّنَة فَيحكم بِعِلْمِهِ أَو نَحْو ذَلِك كرفع الدَّعْوَى إِلَى حَاكم آخر غَيره وَكَأن علم أَن الْمُدَّعِي أَبْرَأ الْمُدعى عَلَيْهِ مِمَّا ادَّعَاهُ وَأقَام بِهِ بَيِّنَة أَو أَن الْمُدعى عَلَيْهِ قَتله وَقَامَت بَيِّنَة بِأَنَّهُ حَيّ فَلَا يقْضى بِالْبَيِّنَةِ فِيمَا ذكر كَمَا قَالَه الْمحلي
(وَيَقْضِي) أَي القَاضِي وَلَو قَاضِي ضَرُورَة (بِعِلْمِهِ) إِن شَاءَ كَأَن رأى الْمُدعى عَلَيْهِ اقْترض من الْمُدَّعِي مَا ادّعى بِهِ أَو سَمعه بِقُرْبِهِ وَأنكر هُوَ ذَلِك فَيَقْضِي بِهِ عَلَيْهِ مُصَرحًا بِأَنَّهُ يعلم ذَلِك كَأَن يَقُول علمت أَن لَهُ عَلَيْك مَا ادَّعَاهُ وقضيت أَو حكمت عَلَيْك بعلمي فَإِن ترك أحد اللَّفْظَيْنِ لم ينفذ حكمه وَيَقْضِي بِعِلْمِهِ فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل والتقويم قطعا وَكَذَا على من أقرّ بمجلسه أَي وَاسْتمرّ على إِقْرَاره لكنه قَضَاء بِالْإِقْرَارِ دون الْعلم فَإِن أنكر كَانَ قَضَاء بِالْعلمِ وَيَقْضِي بِعِلْمِهِ فِي الْقصاص وحد الْقَذْف كَالْمَالِ لِأَنَّهَا حُدُود الْآدَمِيّين بِخِلَاف حُدُود الله تَعَالَى كَحَد زنا ومحاربة أَو سَرقَة أَو شرب وَكَذَا تعازيره فَلَا يقْضِي بِعِلْمِهِ لندب السّتْر فِي أَسبَابهَا ولسقوطها بِالشُّبْهَةِ نعم من ظهر لَهُ مِنْهُ فِي مجْلِس حكمه مَا يُوجب تعزيرا عزره وَإِن كَانَ قَضَاء بِالْعلمِ وَقد يحكم بِعِلْمِهِ فِي حُدُود الله تَعَالَى كَمَا إِذا علم من مُكَلّف أَنه أسلم ثمَّ أظهر الرِّدَّة فَيقْضى عَلَيْهِ بِمُوجب ذَلِك وكما إِذا اعْترف فِي مجْلِس الحكم بِمُوجب حد وَلم يرجع عَنهُ فَيقْضى فِيهِ بِعِلْمِهِ وَإِن كَانَ إِقْرَاره سرا وكما إِذا ظهر بِمُوجب الْحَد مِنْهُ فِي مجْلِس الحكم على رُؤُوس الأشهاد كردة وَشرب خمر
(وَلَا) يقْضِي القَاضِي مُطلقًا لنَفسِهِ و (لبَعض) من أَصله وفرعه ورقيق كل مِنْهُم وَلَو مكَاتبا وَشريك كل فِي الْمُشْتَرك للتُّهمَةِ فِي ذَلِك وَيَقْضِي لكل مِنْهُم إِذا وَقع لَهُ خُصُومَة إِمَام أَو قَاض آخر مُسْتَقل أَو نَائِب عَن القَاضِي دفعا للتُّهمَةِ
(وَلَو رأى) أَي القَاضِي أَو الشَّاهِد (ورقة فِيهَا حكمه) أَو شَهَادَته على شخص بِشَيْء أَو شهد على القَاضِي شَاهِدَانِ أَنَّك حكمت بِكَذَا أَو أخبرا الشَّاهِد أَنَّك شهِدت بِهَذَا (لم يعْمل بِهِ) أَي القَاضِي بذلك الحكم وَلم يشْهد بِتِلْكَ الشَّهَادَة الشَّاهِد أَي لَا يجوز لكل مِنْهُمَا الْعَمَل بذلك فِي إِمْضَاء حكم وَلَا أَدَاء شَهَادَة (حَتَّى يتَذَكَّر) أَي الْمَذْكُور الْوَاقِعَة بتفصيلها وَلَا يَكْفِي تذكره أَن هَذَا خطه فَقَط لِإِمْكَان التزوير ومشابهة الْخط وَالْمَطْلُوب علم الْحَاكِم وَالشَّاهِد وَلم يُوجد
(وَله) أَي الشَّخْص (حلف على اسْتِحْقَاق) للحق لَهُ على غَيره أَو أَدَائِهِ لغيره (اعْتِمَادًا على خطّ) نَفسه وَإِن لم يتَذَكَّر وعَلى إِخْبَار عدل وعَلى خطّ مكَاتبه الَّذِي مَاتَ مكَاتبا أَن لَهُ على فلَان كَذَا أَو أَنه أدّى مَا عَلَيْهِ وعَلى خطّ مأذونه ووكيله وشريكه و (مُوَرِثه إِن وثق) بِخَط كل مِنْهُم بِحَيْثُ انْتَفَى عَنهُ احْتِمَال تزويره و (بأمانته) بِأَن علم مِنْهُ عدم التساهل فِي شَيْء من حُقُوق النَّاس اعتضادا بِالْقَرِينَةِ وَضَابِط ذَلِك أَنه لَو وجد مثله بِأَن لزيد عَليّ كَذَا سمحت نَفسه بِدَفْعِهِ
وَلم يحلف على نَفْيه وَفَارَقت هَذِه الْيَمين الْقَضَاء وَالشَّهَادَة بِأَن خطرهما عَام بخلافهما لتعلقهما بِنَفسِهِ
(وَالْقَضَاء على غَائِب) عَن الْبَلَد أَو الْمجْلس لتوار أَو تعزز (جَائِز) فِي كل شَيْء غير عُقُوبَة لله تَعَالَى (إِن كَانَ لمدع حجَّة وَلم يقل هُوَ) أَي الْغَائِب (مقرّ) بِالْحَقِّ بِأَن قَالَ هُوَ جَاحد لَهُ أَو أطلق لِأَنَّهُ قد يعلم جحوده فِي غيبته وَيحْتَاج إِلَى إِثْبَات الْحق فتجعل غيبته كسكوته ثمَّ تِلْكَ الْحجَّة إِمَّا علم القَاضِي وَإِمَّا بَيِّنَة وَلَو شَاهدا ويمينا فِيمَا يقْضى فِيهِ بهما وَلَا بُد من يَمِين ثَانِيَة للاستظهار وَنفي المسقطات بعد الْيَمين المكملة للحجة هَذَا فِي الْغَائِب وَكَذَا فِي الصَّبِي وَالْمَجْنُون وَالْمَيِّت أما لَو قَالَ هُوَ مقرّ وَإِنَّمَا أقيم الْبَيِّنَة استظهارا مَخَافَة أَن يُنكر لم تسمع بَينته ولغت دَعْوَاهُ وَكَذَا لَو قَالَ هُوَ مقرّ لكنه مُمْتَنع فَلَا تسمع عِنْد الرَّمْلِيّ خلافًا لِابْنِ حجر إِذْ لَا فَائِدَة فِي الْبَيِّنَة مَعَ الْإِقْرَار وَيسْتَثْنى مَا إِذا كَانَ للْغَائِب عين حَاضِرَة فِي عمل الْحَاكِم الَّذِي وَقعت عِنْده الدَّعْوَى وَإِن لم تكن بِبَلَدِهِ وَأَرَادَ إِقَامَة الْبَيِّنَة على دينه ليوفيه فَتسمع الْبَيِّنَة وَإِن قَالَ هُوَ مقرّ وَيسْتَحب للْقَاضِي نصب مسخر يُنكر عَن الْغَائِب وَمن ألحق بِهِ لتَكون الْحجَّة على إِنْكَار مُنكر وَيَنْبَغِي لَهُ أَن يوري فِي إِنْكَاره على الْغَائِب وَمن فِي مَعْنَاهُ
(وَوَجَب تَحْلِيفه) أَي الْمُدَّعِي يَمِين الِاسْتِظْهَار فِيمَا إِذا لم يكن للْغَائِب وَكيل حَاضر سَوَاء أَكَانَت الدَّعْوَى بدين أم عين أم بِصِحَّة عقد أم إِبْرَاء كَأَن أحَال الْغَائِب على مَدين لَهُ حَاضر فَادّعى إبراءه لاحْتِمَال دَعْوَى أَنه مكره عَلَيْهِ (بعد) إِقَامَة (بَيِّنَة) وتعديلها (أَن الْحق) فِي الصُّورَة الأولى ثَبت (فِي ذمَّته) إِلَى الْآن احْتِيَاطًا للْغَائِب لِأَنَّهُ لَو كَانَ حَاضرا لربما ادّعى أَدَاء أَو إِبْرَاء وَلَا بُد أَن يَقُول مَعَ ذَلِك وَأَنه يلْزمه تَسْلِيمه إِلَيّ لِأَن الْحق قد يكون عَلَيْهِ وَلَا يلْزمه أَدَاؤُهُ لتأجيل أَو نَحوه وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى فِي الدَّعْوَى بِعَين بل يحلف فِيهَا على مَا يَلِيق بهَا كَأَن يَقُول وَالْعين بَاقِيَة تَحت يَده يلْزمه تَسْلِيمهَا إِلَيّ وَكَذَا نَحْو الْإِبْرَاء وَلَا بُد أَن يتَعَرَّض مَعَ الثُّبُوت وَلُزُوم التَّسْلِيم إِلَى أَنه لَا يعلم أَن فِي شُهُوده قادحا فِي الشَّهَادَة مُطلقًا أَو بِالنِّسْبَةِ للْغَائِب كفسق وعداوة وتهمة لِأَن الْمُدعى عَلَيْهِ لَو كَانَ حَاضرا وَطلب تَحْلِيف الْمُدَّعِي على ذَلِك أُجِيب وَلَا يبطل الْحق بِتَأْخِير هَذَا الْيَمين عَن الْيَوْم الَّذِي وَقعت فِيهِ الدَّعْوَى وَلَا ترتد بِالرَّدِّ بِأَن يردهَا على الْغَائِب وَيُوقف الْأَمر إِلَى حُضُوره أَو يطْلب الإنهاء إِلَى حَاكم بَلَده ليحلفه وَذَلِكَ لِأَن هَذِه الْيَمين لَيست مكملة للحجة وَإِنَّمَا هِيَ شَرط للْحكم وَلَو ثَبت الْحق وَحلف ثمَّ نقل إِلَى حَاكم آخر ليحكم بِهِ لم تجب إِعَادَتهَا أما إِذا كَانَ للْغَائِب وَكيل حَاضر فَإِنَّهُ يتَوَقَّف التَّحْلِيف على طلبه حَيْثُ وَقعت الدَّعْوَى على الْوَكِيل فَإِن وَقعت على الْمُوكل لم يتَوَقَّف على ذَلِك
(كَمَا لَو ادّعى) أَي شخص (على صبي) أَو مَجْنُون لَا ولي لَهُ أَو لَهُ ولي وَلم يطْلب فَإِنَّهُ يحلف احيتاطا لمن ذكر وَلَا تتَوَقَّف الْيَمين على طلبه
(وميت) لَيْسَ لَهُ وَارِث خَاص حَاضر فَإِن الْمُدَّعِي يحلف لما مر أما من لَهُ وَارِث كَذَلِك كَامِل فَلَا بُد فِي تَحْلِيف خَصمه بعد إِقَامَة الْبَيِّنَة من طلبه
لِأَن الْحق فِي هَذِه يتَعَلَّق بِالتَّرِكَةِ الَّتِي هِيَ للْوَارِث فَتَركه لطلب الْيَمين إِسْقَاط لحقه بِخِلَاف الْوَلِيّ فَإِنَّهُ إِنَّمَا يتَصَرَّف عَن الصَّبِي بِالْمَصْلَحَةِ وَلَو ادّعى قيم لموليه شَيْئا وَأقَام بِهِ بَيِّنَة على قيم شخص آخر وَجب انْتِظَار كَمَال الْمُدعى لَهُ ليحلف ثمَّ يحكم لَهُ
(وَإِذا) حكم الْحَاكِم على الْغَائِب أَو الْمَيِّت بِمَال وَقد (ثَبت مَال) عَلَيْهِمَا بالحكم (وَله مَال) حَاضر فِي مَحل عمله أَو دين ثَابت على حَاضر فِي ذَلِك (قَضَاهُ مِنْهُ) بعد طلب الْمُدَّعِي لِأَن الْحَاكِم يقوم مقامهما وَلَا يُطَالِبهُ بكفيل لِأَن الأَصْل بَقَاء المَال وَلَا يُعْطِيهِ بِمُجَرَّد الثُّبُوت لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحكم وَلَو بَاعَ قَاض مَال غَائِب فِي دينه فَقدم وأبطل الدّين بِإِثْبَات نَحْو فسق الشَّاهِد بِهِ بَطل البيع
(وَإِلَّا) بِأَن لم يكن لَهُ مَال فِي مَحل ولَايَته أَو لم يحكم (فَإِن سَأَلَ الْمُدَّعِي إنهاء الْحَال) فِي ذَلِك (إِلَى قَاضِي بلد الْغَائِب) أَو إِلَى كل من يصل إِلَيْهِ الْكتاب من الْقُضَاة (أَجَابَهُ) وجوبا وَإِن كَانَ الْمَكْتُوب إِلَيْهِ قَاضِي ضَرُورَة مسارعة لبراءة ذمَّة غَرِيمه ولوصوله إِلَى حَقه (فينهي إِلَيْهِ) أَي ذَلِك القَاضِي (سَماع بَيِّنَة) ثَبت بهَا الْحق ثمَّ إِن عدلها لم يحْتَج الْمَكْتُوب إِلَيْهِ إِلَى تعديلها وَإِلَّا احْتَاجَ إِلَيْهِ (ليحكم بهَا) أَي الْبَيِّنَة (ثمَّ يَسْتَوْفِي الْحق أَو) يُنْهِي إِلَيْهِ (حكما) إِن حكم (ليستوفي) المَال لدعاء الْحَاجة إِلَى ذَلِك وَيكْتب فِي إنهاء الحكم قَامَت عِنْدِي حجَّة على فلَان لفُلَان بِكَذَا وحكمت لَهُ بِهِ فاستوف حَقه وَقد يُنْهِي علم نَفسه
(والإنهاء أَن يشْهد) أَي القَاضِي الْكَاتِب (عَدْلَيْنِ بذلك) أَي بِمَا جرى عِنْده من ثُبُوت أَو حكم يؤديانه عِنْد القَاضِي الآخر وَيعْتَبر فِيهِ رجلَانِ فَلَا يَكْفِي غَيرهمَا وَلَو فِي مَال أَو هِلَال رَمَضَان وَالْمرَاد بهَا شَاهِدَانِ غير شَاهِدي الْحق أما هما فَلَا يذهبان إِلَى القَاضِي الْمَكْتُوب إِلَيْهِ وَإِنَّمَا اللَّذَان يذهبان شَاهدا الحكم وَيسن مَعَ الْإِشْهَاد أَن يذكر فِي الْكتاب مَا يُمَيّز الْخَصْمَيْنِ الْغَائِب وَذَا الْحق وَيسن خَتمه بعد قِرَاءَته على الشَّاهِدين بِحَضْرَتِهِ وَختم الْكتاب من حَيْثُ هُوَ سنة متبعة وَالْمرَاد بختمه جعل نَحْو شمع عَلَيْهِ بعد طيه ليصونه وَيخْتم عَلَيْهِ بِخَاتمِهِ وَيَقُول أشهدكما أَنِّي كتبت إِلَى فلَان بِمَا سمعتماه ويضعان خطهما فِيهِ وَلَا يَكْفِي أَن يَقُول أشهدكما أَن هَذَا خطي وَأَن مَا فِيهِ حكمي وَيدْفَع للشاهدين نُسْخَة أُخْرَى بِلَا ختم ليطالعاها ويتذكرا عِنْد الْحَاجة ويشهدان عِنْد القَاضِي الآخر على القَاضِي الْكَاتِب بِمَا جرى عِنْده من ثُبُوت أَو حكم إِن أنكر الْخصم الْمحْضر أَن المَال الْمَذْكُور فِيهِ عَلَيْهِ وَلَو خالفاه أَو انمحى أَو ضَاعَ فَالْعِبْرَة بقولهمَا
تَنْبِيه صُورَة الْكتاب حضر فلَان وَادّعى على فلَان الْغَائِب الْمُقِيم بِبَلَد كَذَا بدين وحكمت لَهُ بِحجَّة أوجبت الحكم وسألني أَن أكتب إِلَيْك بذلك فأجبته وأشهدت بالحكم شَاهِدين أَو شهد عِنْدِي بِالْحَقِّ شَاهِدَانِ وَيُسمى فِي إنهاء سَماع الْحجَّة من غير حكم شَاهِدي الْحق إِن لم يعدلهما وَإِلَّا فَلهُ ترك تسميتهما أما إنهاء الحكم فَلَا حَاجَة لذكر الْبَيِّنَة الَّتِي أوجبت الحكم لِأَنَّهُ لَا مساغ لشهادة بَيِّنَة الحكم بِهِ قبل تعديلها كَمَا لَا مساغ للْحكم قبل تَعْدِيل بَيِّنَة الْحق
وَالْحَاصِل أَن إنهاء الحكم أَو ثُبُوت الْحق من غير حكم لَا بُد فِيهِ من التَّعْدِيل بِخِلَاف إنهاء سَماع الْبَيِّنَة من غير حكم فَتَارَة يكون مَعَه تَعْدِيل وَتارَة لَا فَاحْتَاجَ الْأَمر حِينَئِذٍ إِلَى ذكر الشَّاهِدين
- صلى الله عليه وسلم َ - بَاب الدَّعْوَى والبينات صلى الله عليه وسلم َ - الدَّعْوَى جمعهَا دعاوى وألفها للتأنيث لِأَنَّهَا بِوَزْن فعلى وَهِي لُغَة الطّلب وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {وَلَهُم مَا يدعونَ} 36 يس الْآيَة 57 أَي يطْلبُونَ وَشرعا إِخْبَار عَن ثُبُوت حق للمخبر على غَيره عِنْد حَاكم أَو مُحكم أَو سيد أَو ذِي شَوْكَة وَالْبَيِّنَة الشُّهُود سموا بهَا لِأَن بهم يتَبَيَّن الْحق
(الْمُدَّعِي من خَالف قَوْله الظَّاهِر) وَهُوَ بَرَاءَة الذِّمَّة فِي دَعْوَى المَال
(وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ من وَافقه) وَلذَلِك جعلت الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي لِأَنَّهَا أقوى من الْيَمين الَّتِي جعلت على الْمُنكر لينجبر ضعف جَانب الْمُدَّعِي بِقُوَّة حجَّته وَضعف حجَّة الْمُنكر بِقُوَّة جَانِبه وَقيل الْمُدَّعِي من لَو سكت خلى وَلم يُطَالب بِشَيْء وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ من لَا يخلى وَلَا يَكْفِيهِ السُّكُوت فَإِذا طَالب زيد عمرا بِحَق فَأنْكر فزيد يُخَالف قَوْله الظَّاهِر من بَرَاءَة عَمْرو وَلَو سكت ترك وَعَمْرو يُوَافق قَوْله الظَّاهِر وَلَو سكت لم يتْرك فَهُوَ مدعى عَلَيْهِ وَزيد مُدع على الْقَوْلَيْنِ وَلَا يخْتَلف موجبهما غَالِبا
وَالَّذِي يتَعَلَّق بِالْخُصُومَةِ خَمْسَة أَشْيَاء اثْنَان مِنْهَا فِي جَانب الْمُدَّعِي وهما الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَة وَالثَّلَاثَة الْبَاقِيَة فِي جَانب الْمُدعى عَلَيْهِ وَهِي الْيَمين والنكول وَجَوَاب الدَّعْوَى وَهُوَ الْإِقْرَار أَو الْإِنْكَار وَشرط كل مِنْهُمَا كَونه معينا مَعْصُوما مُكَلّفا أَو سَكرَان وَلَو مَحْجُورا عَلَيْهِ بِسَفَه فَيَقُول وَولي يسْتَحق تسلمه وتشترط الدَّعْوَى عِنْد حَاكم أَو من فِي مَعْنَاهُ فِي غير مَال سَوَاء كَانَ فِي عُقُوبَة لآدَمِيّ كقصاص وحد قذف أَو فِي غير عُقُوبَة كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاق وَالرَّجْعَة وَالْبيع وَغَيرهَا من سَائِر الْعُقُود والفسوخ
وَلَا يجوز للْمُسْتَحقّ الِاسْتِقْلَال بذلك لعظم خطره
أما المَال فَفِيهِ تَفْصِيل وَهُوَ إِن اسْتحق شخص عينا عِنْد آخر بِملك أَو إِجَارَة أَو وقف أَو وَصِيَّة بِمَنْفَعَة أَو وصاية اشْترط الدَّعْوَى بهَا عِنْد حَاكم إِن خَافَ بأخذها فتْنَة أَي مفْسدَة تُفْضِي إِلَى محرم كأخذ مَاله لَو اطلع عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلهُ أَخذهَا مُسْتقِلّا بِهِ أَي بِدُونِ رفع إِلَى القَاضِي لمَشَقَّة الرّفْع للْقَاضِي والمؤنة أَو اسْتحق دينا حَالا على غير مُمْتَنع من الْأَدَاء طَالبه بِهِ فَلَا يَأْخُذ شَيْئا لَهُ بِغَيْر مُطَالبَة وَلَو أَخذه لم يملكهُ مَا لم يُوجد شَرط التَّقَاصّ وَلَزِمَه رده وَيضمنهُ إِن تلف عِنْده ضَمَان الْمَغْصُوب أَو اسْتحق دينا حَالا على مُنكر أَو على من لَا يقبل إِقْرَاره أَو على مُمْتَنع مقرا كَانَ أَو مُنْكرا وَعجز عَن أَخذه بِحَيْثُ لَا بَيِّنَة لَهُ عَلَيْهِ أَو لَهُ بَيِّنَة وامتنعوا أَو طلبُوا مِنْهُ مَا لَا يلْزمه أَو كَانَ حَاكم محلته جائرا لَا يحكم إِلَّا برشوة وَإِن قلت وَقدر على أَخذ مَاله مِمَّن ذكر جَازَ لَهُ أَخذ جنس حَقه من ذَلِك المَال ظفرا أَي اسْتِيفَاء لحقه بِهِ لعَجزه عَن حَقه إِلَّا بذلك فَإِن كَانَ مثلِيا أَو مُتَقَوّما أَخذ مماثله