الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[فَصْل شَهِدَ شَاهِدَا فَرْعٍ عَلَى شَاهِدَيْ أَصْلٍ فَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِشَهَادَتِهِمَا ثُمَّ رَجَعَ]
(8467)
فَصْلٌ: وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَا فَرْعٍ عَلَى شَاهِدَيْ. أَصْلٍ، فَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِشَهَادَتِهِمَا ثُمَّ رَجَعَ شَاهِدَا الْفَرْعِ، فَعَلَيْهِمَا الضَّمَانُ. لَا أَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ خِلَافًا. وَإِنْ رَجَعَ شَاهِدَا الْأَصْلِ وَحْدَهُمَا، لَزِمَهُمَا الضَّمَانُ أَيْضًا. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ. وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ، عَنْ الْقَاضِي، أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ تَعَلَّقَ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْ الْفَرْعِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُمَا جَعَلَا شَهَادَةَ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ شَهَادَةً، لَمْ يَلْزَمْ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ ضَمَانٌ، لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمَا. وَلَنَا، أَنَّ الْحَقَّ ثَبَتَ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ؛ بِدَلِيلِ اعْتِبَارِ عَدَالَتِهِمَا، فَإِذَا رَجَعَا، ضَمِنَا، كَشَاهِدَيْ الْفَرْعِ.
[فَصْل حُكْمَ الْحَاكِمُ بِشَاهِدِ وَيَمِينٍ فَرَجَعَ الشَّاهِدُ]
(8468)
فَصْلٌ: وَإِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، فَرَجَعَ الشَّاهِدُ، غَرِمَ جَمِيعَ الْمَالِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ. وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: يَلْزَمُهُ النِّصْفُ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ حُجَّتَيْ الدَّعْوَى، فَكَانَ عَلَيْهِ النِّصْفُ كَمَا لَوْ كَانَا شَاهِدَيْنِ. وَلَنَا، أَنَّ الشَّاهِدَ حُجَّةُ الدَّعْوَى، فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ كَالشَّاهِدَيْنِ. يُحَقِّقهُ أَنَّ الْيَمِينَ قَوْلُ الْخَصْمِ، وَقَوْلُ الْخَصْمِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى خَصْمِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ شَرْطُ الْحُكْمِ، فَجَرَى مَجْرَى مُطَالَبَتِهِ الْحَاكِمَ بِالْحُكْمِ، وَبِهَذَا يَنْفَصِلُ عَمَّا ذَكَرُوهُ.
وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهَا حُجَّةٌ، لَكِنْ إنَّمَا جَعَلَهَا حُجَّةً شَهَادَةُ الشَّاهِدِ، وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُهَا عَلَى شَهَادَتِهِ، بِخِلَافِ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ الْآخَرِ. قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ إلَّا النِّصْفُ الْمَحْكُومُ بِهِ، إذَا قُلْنَا: تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي.
[فَصْل رَجَعُوا عَنْ الشَّهَادَةِ بَعْدَ الْحُكْمِ]
(8469)
فَصْل: وَإِذَا رَجَعُوا عَنْ الشَّهَادَةِ بَعْدَ الْحُكْمِ، وَقَالُوا: عَمَدْنَا. وَوَجَبَ عَلَيْهِمْ الْقِصَاصُ، لَمْ يُعَزَّرُوا؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ يُغْنِي عَنْ تَعْزِيرِهِمْ. وَإِنْ كَانَ فِي مَالٍ، عُزِّرُوا، وَغَرِمُوا؛ لِأَنَّهُمْ جَنَوْا جِنَايَةً كَبِيرَةً، وَارْتَكَبُوا جَرِيمَةً عَظِيمَةً، وَهِيَ شَهَادَةُ الزُّورِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُعَزَّرُوا؛ لِأَنَّ رُجُوعَهُمْ تَوْبَةٌ مِنْهُمْ، فَيَسْقُطُ عَنْهُمْ التَّعْزِيرُ، وَلِأَنَّ شَرْعِيَّةَ تَعْزِيرِهِمْ تَمْنَعُهُمْ الرُّجُوعَ خَوْفًا مِنْهُ، فَلَا يُشْرَعُ.
وَإِنْ قَالُوا: أَخْطَأْنَا. لَمْ يُعَزَّرُوا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب: 5] . هَذَا إنْ كَانَ قَوْلُهُمْ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ فِي الْخَطَإِ، وَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلْهُ، عُزِّرُوا، وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمْ.
[مَسْأَلَة حَكَمَ بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ فِي قَطْعٍ أَوْ قَتْلٍ وَأَنْفَذِ ذَلِكَ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُمَا كَافِرَانِ]
(8470)
مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا قَطَعَ الْحَاكِمُ يَدَ السَّارِقِ، بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُمَا كَافِرَانِ، أَوْ فَاسِقَانِ، كَانَتْ دِيَةُ الْيَدِ فِي بَيْتِ الْمَالِ)
وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا حَكَمَ بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ، فِي قَطْعٍ أَوْ قَتْلٍ، وَأَنْفَذَ ذَلِكَ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُمَا كَافِرَانِ، أَوْ فَاسِقَانِ، أَوْ عَبْدَانِ، أَوْ أَحَدُهُمَا، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا مُقِيمَانِ عَلَى أَنَّهُمَا صَادِقَانِ فِيمَا شَهِدَا بِهِ، وَإِنَّمَا الشَّرْعُ مَنَعَ قَبُولَ شَهَادَتِهِمَا، بِخِلَافِ الرَّاجِعَيْنِ عَنْ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهُمَا اعْتَرَفَا بِكَذِبِهِمَا، وَيَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الْحَاكِمِ، أَوْ الْإِمَامِ الَّذِي تَوَلَّى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حَكَمَ بِشَهَادَةِ مَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِ، وَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُخْطِئٌ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ، وَفِي مَحَلِّهَا رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، فِي بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَوَكِيلُهُمْ، وَخَطَأُ الْوَكِيلِ فِي حَقِّ مُوَكِّلِهِ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ خَطَأَ الْحَاكِمِ يَكْثُرُ، لِكَثْرَةِ تَصَرُّفَاتِهِ وَحُكُومَاتِهِ، فَإِيجَابُ ضَمَانِ مَا يُخْطِئُ فِيهِ عَلَى عَاقِلَتِهِ إجْحَافٌ بِهِ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ التَّخْفِيفَ عَنْهُ، بِجَعْلِهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى حَمَلَتْ الْعَاقِلَةُ دِيَةَ الْخَطَأِ عَنْ الْقَاتِلِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، هِيَ عَلَى عَاقِلَتِهِ مُخَفَّفَةً مُؤَجَّلَةً؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً ذُكِرَتْ عِنْدَ عُمَرَ بِسُوءٍ، فَأَرْسَلَ إلَيْهَا، فَأَجْهَضَتْ ذَا بَطْنِهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ، فَشَاوَرَ الصَّحَابَةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا شَيْءَ عَلَيْك، إنَّمَا أَنْتَ مُؤَدِّبٌ. وَقَالَ عَلِيٌّ: عَلَيْك الدِّيَةُ. فَقَالَ عُمَرُ: عَزَمْت عَلَيْك لَا تَبْرَحْ حَتَّى تُقَسِّمَهَا عَلَى قَوْمِكَ. يَعْنِي قُرَيْشًا؛ لِأَنَّهُمْ عَاقِلَةُ عُمَرَ، وَلَوْ كَانَتْ فِي بَيْتِ الْمَالِ، لَمْ يُقَسِّمْهَا عَلَى قَوْمِهِ، وَلِأَنَّهُ مِنْ خَطَئِهِ، فَتَحْمِلُهُ عَاقِلَتُهُ. كَخَطَئِهِ فِي غَيْرِ الْحُكُومَةِ. وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، كَالرِّوَايَتَيْنِ.
فَإِذَا قُلْنَا: إنَّ الدِّيَةَ عَلَى عَاقِلَتِهِ. لَمْ تَحْمِلْ إلَّا الثُّلُثَ فَصَاعِدًا، وَلَا تَحْمِلُ الْكَفَّارَةَ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ الْكَفَّارَةَ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ، كَذَا هَاهُنَا، وَتَكُونُ الْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ. وَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ؛ لِأَنَّ جَعْلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِعِلَّةِ أَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُمْ، وَخَطَأُ النَّائِبِ عَلَى مُسْتَنِيبِهِ، وَهَذَا يَدْخُلُ فِيمَا يَكْثُرُ خَطَؤُهُ، فَجَعْلُ الضَّمَانِ فِي مَالِهِ يُجْحِفُ بِهِ وَإِنْ قَلَّ، لِكَثْرَةِ تَكَرُّرِهِ، وَسَوَاءٌ تَوَلَّى الْحَاكِمُ الِاسْتِيفَاءَ بِنَفْسِهِ، أَوْ أَمَرَ مَنْ تَوَلَّاهُ. قَالَ أَصْحَابُنَا: