الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ الِاتِّفَاقُ فِي بَعْضِ الْعَصْر إجْمَاعًا، حَرُمَتْ مُخَالَفَتُهُ، فَكَيْفَ خَالَفَهُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ، الَّذِينَ لَا تَجُوزُ نِسْبَتُهُمْ إلَى ارْتِكَابِ الْحَرَامِ؟ قُلْنَا: الْإِجْمَاعُ يَنْقَسِمُ إلَى مَقْطُوعٍ بِهِ وَمَظْنُونٍ، وَهَذَا مِنْ الْمَظْنُونِ، فَيُمْكِنُ وُقُوعُ الْمُخَالَفَةِ مِنْهُمْ لَهُ، مَعَ كَوْنِهِ حُجَّةً، كَمَا وَقَعَ مِنْهُمْ مُخَالَفَةُ النُّصُوصِ الظَّنِّيَّةِ، وَلَا تَخْرُجْ بِمُخَالَفَتِهِمْ عَنْ كَوْنِهَا حُجَّةً، كَذَا هَاهُنَا. فَأَمَّا قَوْلُ جَابِرٍ:«بِعْنَا أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم» وَأَبِي بَكْر فَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ كَانَ بِعِلْمِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَا عِلْمِ أَبِي بَكْر فَيَكُونُ ذَلِكَ وَاقِعًا مِنْ فِعْلِهِمْ عَلَى انْفِرَادِهِمْ، فَلَا يَكُونُ فِيهِ حُجَّةٌ، وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ الْأَمْرِ عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ هَذَا وَاقِعًا بِعِلْمِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبِي بَكْرٍ، وَأَقَرَّا عَلَيْهِ، لَمْ تَجُزْ مُخَالَفَتُهُ، وَلَمْ يُجْمِعْ الصَّحَابَةُ بَعْدَهُمَا عَلَى مُخَالَفَتِهِمَا، وَلَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ، لَمْ يَخْلُ مِنْ مُنْكِرٍ يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ، وَيَقُولُ: كَيْفَ يُخَالِفُونَ فِعْلَ رَسُولِ اللَّهِ، وَفِعْلَ صَاحِبِهِ؟ وَكَيْفَ يَتْرُكُونَ سُنَّتَهُمَا، وَيُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّا؟ مِنْ هَذَا وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ وَاقِعًا بِعِلْمِهِمَا، لَاحْتَجَّ بِهِ عَلِيٌّ حِينَ رَأَى بَيْعَهُنَّ، وَاحْتَجَّ بِهِ كُلُّ مَنْ وَافَقَهُ عَلَى بَيْعِهِنَّ، وَلَمْ يَجْرِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا، فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ الْأَمْرُ عَلَى مَا حَمَلْنَاهُ عَلَيْهِ، فَلَا يَكُونُ فِيهِ إذًا حُجَّةٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ بَاعُوا أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ فِي النِّكَاحِ، لَا فِي الْمِلْكِ.
[فَصْلٌ بَيْعَ أُمِّ الْوَلَدِ]
(8852)
فَصْلٌ: وَمَنْ أَجَازَ بَيْعَ أُمِّ الْوَلَدِ، فَعَلَى قَوْلِهِ، إنْ لَمْ يَبِعْهَا حَتَّى مَاتَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ إلَّا وَلَدُهَا، عَتَقَتْ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ لَهَا وَارِثٌ سِوَى وَلَدِهَا، حُسِبَتْ مِنْ نَصِيبِ وَلَدِهَا، فَعَتَقَتْ، وَكَانَ لَهُ مَا بَقِيَ مِنْ مِيرَاثِهِ. وَإِنْ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ فَلَا شَيْءَ لَهُ. وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ نَصِيبِهِ، عَتَقَ مِنْهَا قَدْرُ نَصِيبِهِ، وَبَاقِيهَا رَقِيقٌ لِسَائِرِ الْوَرَثَةِ، إلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّهُ إذَا وَرِثَ سَهْمًا مِمَّنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ، سَرَى الْعِتْقُ إلَى بَاقِيه. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ مِنْ سَيِّدِهَا، وَرِثَهَا وَوَرِثَتْهُ، كَسَائِرِ رَقِيقِهِ.
[مَسْأَلَةٌ أَصَابَ الْأَمَةَ وَهِيَ مِلْكُ غَيْرِهِ بِنِكَاحِ فَحَمَلَتْ مِنْهُ ثُمَّ مَلَكَهَا حَامِلًا]
(8853)
مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا أَصَابَ الْأَمَةَ، وَهِيَ مِلْكُ غَيْرِهِ، بِنِكَاحٍ فَحَمَلَتْ مِنْهُ، ثُمَّ مَلَكَهَا حَامِلًا، عَتَقَ الْجَنِينُ، وَكَانَ لَهُ بَيْعُهَا) . وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا تَزَوَّجَ أَمَةَ غَيْرِهِ، فَأَوْلَدَهَا، أَوْ أَحْبَلَهَا، ثُمَّ مَلَكَهَا بِشِرَاءٍ، أَوْ غَيْرِهِ، لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ بِذَلِكَ، سَوَاءٌ مَلَكَهَا حَامِلًا فَوَلَدَتْ فِي مِلْكِهِ، أَوْ مَلَكَهَا بَعْدَ وِلَادَتِهَا. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه لِأَنَّهَا عَلِقَتْ مِنْهُ بِمَمْلُوكٍ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهَا حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ، كَمَا لَوْ زَنَى بِهَا، ثُمَّ اشْتَرَاهَا، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الرِّقُّ، وَإِنَّمَا خُولِفَ هَذَا الْأَصْلُ فِيمَا إذَا حَمَلَتْ مِنْهُ فِي مِلْكِهِ، بِقَوْلِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ.
وَنَقَلَ الْقَاضِي ابْنُ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَحْمَدَ، رضي الله عنه أَنَّهَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ فِي الْحَالَيْنِ. وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدِهِ، وَهُوَ مَالِكٌ لَهَا، فَثَبَتَ لَهَا حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ، كَمَا لَوْ حَمَلَتْ فِي مِلْكِهِ. وَلَمْ أَجِدْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَنْ أَحْمَدَ، فِيمَا إذَا مَلَكَهَا بَعْدَ وِلَادَتِهَا، إنَّمَا نُقِلَ عَنْهُ التَّوَقُّفُ عَنْهَا، فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا، فَقَالَ: لَا أَقُولُ فِيهَا شَيْئًا. وَصَرَّحَ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ سِوَاهُ، بِجَوَازِ بَيْعِهَا، فَقَالَ: لَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يَبِيعَهَا، إنَّمَا الْحَسَنُ وَحْدَهُ قَالَ: إنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ. وَقَالَ: أَكْثَرُ مَا سَمِعْنَا فِيهِ مِنْ التَّابِعِينَ يَقُولُونَ: لَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ حَتَّى تَلِدَ عِنْدَهُ وَهُوَ يَمْلِكُهَا. فَإِنَّ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيَّ يَقُولُ: نَبِيعُهَا. وَشُرَيْحًا، وَإِبْرَاهِيمَ، وَعَامِرًا الشَّعْبِيَّ.
وَأَمَّا إذَا مَلَكَهَا حَامِلًا، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، رضي الله عنه أَنَّهَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ. وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ رضي الله عنه؛ لِأَنَّهَا وَلَدَتْ مِنْهُ فِي مِلْكِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَحْبَلَهَا فِي مِلْكِهِ، وَقَدْ صَرَّحَ أَحْمَدُ رضي الله عنه فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ، أَنَّهَا لَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ، حَتَّى تُحْدِثَ عِنْدَهُ حَمْلًا. وَرَوَى عَنْهُ ابْنُهُ صَالِحٌ، قَالَ: سَأَلْت أَبِي عَنْ الرَّجُلِ يَنْكِحُ الْأَمَةَ، فَتَلِدُ مِنْهُ، ثُمَّ يَبْتَاعُهَا. قَالَ: لَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ. قُلْت: فَإِنْ اسْتَبْرَأَهَا، وَهِيَ حَامِلٌ مِنْهُ. قَالَ: إذَا كَانَ الْوَطْءُ يَزِيدُ فِي الْوَلَدِ، وَكَانَ يَطَؤُهَا بَعْدَ مَا اشْتَرَاهَا، وَهِيَ حَامِلٌ مِنْهُ، كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ. قَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إنْ وَطِئَهَا فِي ابْتِدَاءِ حَمْلِهَا، أَوْ تَوَسُّطِهِ، كَانَتْ بِذَلِكَ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يَزِيدُ فِي سَمْعِ الْوَلَدِ وَبَصَرِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ مَلَكَهَا حَامِلًا، فَلَمْ يَطَأْهَا حَتَّى وَضَعَتْ، لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَإِنْ وَطِئَهَا حَالَ حَمْلِهَا، نَظَرْنَا؛ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ أَنْ كَمُلَ الْوَلَدُ، وَصَارَ لَهُ خَمْسَةُ أَشْهُرٍ، لَمْ تَصِرْ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ.
وَإِنْ كَانَ وَطِئَهَا قَبْلَ ذَلِكَ، صَارَتْ لَهُ بِذَلِكَ أُمَّ وَلَدٍ؛ لِأَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ: أَبَعْدَ مَا اخْتَلَطَتْ دِمَاؤُكُمْ وَدِمَاؤُهُنَّ، وَلُحُومُكُمْ وَلُحُومُهُنَّ، بِعْتُمُوهُنَّ، فَعَلَّلَ بِالْمُخَالَطَةِ، وَالْمُخَالَطَةُ هَاهُنَا حَاصِلَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يَزِيدُ فِي الْوَلَدِ، وَلِأَنَّ لِحُرِّيَّةِ الْبَعْضِ أَثَرًا فِي تَحْرِيرِ الْجَمِيعِ، بِدَلِيلِ مَا إذَا أَعْتَقَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَهُ مِنْ الْعَبْدِ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إنْ وَطِئَهَا بَعْدَ الشِّرَاءِ، فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ. وَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ يَقْتَضِي أَنَّهَا لَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ، إلَّا أَنْ تَحْبَلَ مِنْهُ فِي مِلْكِهِ. وَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ رضي الله عنه فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ، فَقَالَ: