الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكرامة أكرمه الله-عز وجل -بها، فأعظم الله أجر أمير المؤمنين فيما سوى من توسعة المسجد الحرام، وأحسن ثوابه عليه، وجمع له به خير الدنيا والآخرة، وأعزّ الله نصره، وأيّده
(1)
.
ذكر
عمارة المهدي أمير المؤمنين المسجد الحرام
وزيادته الأولى
وقال بعض أهل مكة
(2)
:إن المهدي أمير المؤمنين حجّ في سنة إحدى وستين ومائة، فأمر بعمارة المسجد الحرام، وأمر أن يزاد في أعلاه، ويشترى ما كان في ذلك الموضع من الدور، وخلّف الأموال عند محمد بن عبد الرحمن ابن هشام الأوقص المخزومي، وهو يومئذ قاضي أهل مكة، فاشترى الأوقص تلك الدور، [وما]
(3)
كان منها صدقة، عزل ثمنه فاشترى لأهل الصدقة بثمن دورهم مساكن في فجاج مكة عوضا من صدقاتهم تكون لأهل الصدقة على ما كانوا عليه من شروط صدقاتهم، ويزعمون أنه اشترى كل ذراع مكسّرا مما دخل في المسجد الحرام بخمسة وعشرين دينارا، وما دخل في الوادي بخمسة عشر دينارا، فيزعم بعض الناس
(4)
أنّ مما دخل في ذلك الهدم دار
(1)
أنظر تفاصيل ما مضى عند الأزرقي 72/ 2 - 74.وإتحاف الورى 173/ 2 - 176.
(2)
ما سيورده الفاكهي في هذا المبحث، ذكره الأزرقي في كتابه 74/ 2 - 78 عن جدّه، قال: سمعت عبد الرحمن بن الحسن بن القاسم بن عقبة، يقول: حج المهدي
…
الخ. وأنظر إتحاف الورى 206/ 2 - 211.
(3)
في الأصل (وربما).
(4)
الزاعم، هو: عبد الرحمن بن الحسن بن القاسم بن عقبة الأزرقي. على ما في كتاب الأزرقي.
لرجل
(1)
من غسان، كانت لاصقة بالمسجد الحرام، وذلك أنّ أكثر تلك الدار دخل في المسجد زمن ابن الزبير-رضي الله عنهما-حين زاد فيه مما يلي شرقي المسجد ودخلت فيه أيضا دار خيرة
(2)
بنت سباع، بلغ ثمنها ثلاثة وأربعين ألف دينار، دفعت إليها، وكانت شارعة على المسعى يومئذ قبل أن يؤخر المسعى، ودخلت فيه أيضا دار لآل جبير بن مطعم وبعض دار/شيبة بن عثمان، فاشترى جميع ما كان من المسجد والمسعى من الدور، فهدمها ووضع المسجد على ما هو عليه اليوم، شارعا على المسعى، وجعل موضع دار القوارير رحبة، فكانت كذلك حتى استقطعها جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك فيما يزعمون في خلافة أمير المؤمنين هارون، فبنى بها ثم قبضها حماد البربري بعد ذلك فبنى بطنها بالقوارير، فسميت دار القوارير، وبنى ظهرها بالرخام والفسيفساء. قال: فكان الذي زاد المهدي في المسجد الحرام في هذه الزيادة الأولى أن مضى بجدره الذي يلي الوادي إذ كان لاصقا ببيت الشراب حتى انتهى به إلى جدر باب بني هاشم الذي يقال له: باب بني هاشم الذي عليه العلم الأخضر الذي يسعى منه من أقبل من المروة يريد الصفا، وموضعه ذلك بين لمن تأمّله، فكان هذا الموضع في زاوية المسجد، وكانت فيه منارة شارعة على الوادي والمسعى، وكان الوادي لاصقا بها يمر في بطن المسجد اليوم قبل أن يؤخر المهدي المسجد إلى [منتهاه]
(3)
اليوم من شق الصفا والوادي، ثم رده على مطماره حتى انتهى به إلى زاوية المسجد التي تلي الحذّائين وباب بني شيبة الكبير، إلى موضع المنارة اليوم، ثم ردّ جدر المسجد منحدرا حتى لقي به جدر المسجد القديم الذي من بناء أبي جعفر أمير المؤمنين قريبا من دار شيبة، من
(1)
هي دار الأزرق الغساني، أحد جدود الأزرقي صاحب تاريخ مكة، على ما ذكره في كتابه.
(2)
هي: الخزاعيّة.
(3)
في الأصل (منارة) والتصويب من الأزرقي.
وراء الباب منحدرا عن الباب باسطوانتين من الطاق اللاصق بجدار المسجد منتهى عمل الفسيفساء من ذلك الطاق الداخل، وذلك الفسيفساء وحده، وجدر المسجد منحدرا إلى أسفل المسجد عمل أبي جعفر أمير المؤمنين، فكان هذا ما زاد المهدي في المسجد الحرام في الزيادة الأولى.
وكان أبو جعفر إنما عمل في المسجد من الظلال طاقا واحدا، وهو الطاق الأول اللاصق بجدر المسجد الحرام، فأمر المهدي بأساطين الرخام فنقلت في السفن من الشام حتى أنزلت بجدّة، ثم جرّت على العجل من جدّة إلى مكة، ثم هندم المهدي في أعلى المسجد ثلاثة صفوف، جعل بين يدي الطاق الذي كان بناه أبو جعفر مما يلي دار الندوة ودار العجلة وأسفل المسجد إلى موضع بيت الزيت عند باب بني جمح صفين حتى صارت ثلاثة صفوف، وهي الطيقان التي في المسجد اليوم لم تغيّر.
قال: ولما وضع الأساطين حفر لها أرباضا
(1)
[على]
(2)
كل صف من الأساطين جدرا مستقيما، ثم رد بين الأساطين جدرات أيضا بالعرض حتى صارت كالمصلبة على ما أصف في كتابي هذا
(3)
حتى إذا استوى البناء على وجه الأرض وضع
(4)
فوقها الأساطين على ما هي عليه اليوم.
قال: ولم يكن المهدي حرّك في الهدم الأول من شق الوادي والصفا شيئا، أقره على حاله طاقا واحدا، وذلك لضيق المسجد في تلك الناحية، وانما كان بين جدر الكعبة/اليماني وبين جدر المسجد الذي يلي الوادي والصفا تسعة وأربعون ذراعا ونصف ذراع.
قال: فكانت هذه زيادة المهدي الأولى في عمارته إياه. والذي في
(1)
الأرباض: واحدها (ربض) أو (ربض) وهو: أساس البناء. النهاية 185/ 2.
(2)
سقطت من الأصل، وألحقناها من الأزرقي.
(3)
أنظر ص (167).
(4)
كانت هنا لفظة (والصخر) فحذفناها تبعا للأزرقي.
المسجد من الأبواب من عمل أبي جعفر أمير المؤمنين من أسفل المسجد: باب بني جمح، وهو طاقان، ومن تحته يخرج سيل المسجد الحرام كله، وبين يديه بلاط من حجارة يمر عليه سيل المسجد، وفي دار زبيدة بابان كانا يخرجان إلى زقاق كان بين المسجد والدار التي صارت لزبيدة، وكان ذلك الزقاق طريقا مسلوكا ما سدّ إلا حديثا، والبابان مبوّبان ومن عمل أبي جعفر إلى باب بني سهم، وهو طاق واحد، وباب دار عمرو بن العاص، وبابان في دار العجلة طاق طاق، كانا يخرجان إلى زقاق كان بين دار العجلة وبين جدار المسجد، كان طريقا مسلوكا فيما ذكر المكيّون يمر فيه سيل السويقة، وسيل ما أقبل من جبل شيبة بن عثمان، فلم تزل تلك الطريق على ذلك حتى سدها يقطين بن موسى حين بنى دار العجلة للمهدي، قدّم الدار إلى جدر المسجد، وأبطل الطريق، وجعل تحت الدار سربا مسقّفا يمر تحته السيل، وذلك السرب على حاله قائم إلى اليوم، وعلى باب هذا السرب سقاء يكون فيه، يسقي الماء، وسد أحد بابي المسجد الذي كان في ذلك الزقاق وهو الباب الاسفل منهما موضعه في جدر المسجد، وجعل الباب الآخر بابا لدار العجلة، فضيّقه وبوبه، فهو باب دار العجلة إلى يومنا هذا.
ومما جعل أبو جعفر أيضا الباب الذي يسلك منه إلى دار حجير بن أبي أهاب، بين دار العجلة وبين دار الندوة، وباب دار الندوة، فهذه الأبواب السبعة من جعل أبي جعفر أمير المؤمنين، وأما الأبواب التي من زيادة المهدي فمنها الباب الذي في دار شيبة بن عثمان، وهو طاق واحد، ومنها الباب الذي يدخل منه الخلفاء كان يقال له باب بني عبد شمس، ويعرف اليوم: ببني شيبة الكبير، وهو ثلاثة طيقان، وفيها اسطوانتان، وبين يديه بلاط مفروش من حجارة، وفي عتبة الباب حجارة طوال مفروشة بها العتبة يزعم بعض الناس انها كانت من أوثان الجاهلية. وقال آخرون: انما هي حجارة كانت فضلت مما قلع
خالد بن عبد الله القسري لبركته التي يقال لها: (البردى)
(1)
بفم الثقبة وأصل ثبير غيناء، كانت حول [البركة]
(2)
مطروحة حتى نقلت حين بنى المهدي المسجد الحرام، فوضعت حيث هي الساعة. واحتج في ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدخل مكة حتى أمر بجميع الأصنام فكسرت ومحى كل صورة، ولم يبق أثرا من آثار المشركين إلا محي وطلس
(3)
.ومنها الباب الذي في دار القوارير، كان شارعا على رحبة في موضع الدار، وهو طاق واحد. ومنها باب النبي صلى الله عليه وسلم وهو الباب الذي يقابل زقاق العطّارين، وهو الزقاق الذي يسلك منه إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو البيت الذي كان تسكنه خديجة بنت خويلد-رضي الله عنها /وهو بيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو طاق واحد. ومنها باب العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه-وهو الباب الذي عنده العلم الأخضر الذي يسعى منه من أقبل من المروة يريد الصفا، وهو ثلاثة طيقان، وفيه اسطوانتان.
فهذه الخمسة الأبواب التي عملها المهدي في زيادته الأولى، فلما أن بنى المهدي المسجد الحرام زاد فيه زيادته هذه الأولى اتسع من أعلى المسجد وأسفله [و] شقه الذي يلي باب الندوة الشامي، وضاق شقه اليماني الذي يلي الصفا والوادي، فكانت الكعبة في شق المسجد، وذلك أنّ الوادي كان داخلا لاصقا بالمسجد في بطن المسجد اليوم، وكانت الدور وبيوت الناس من ورائه في موضع الوادي اليوم، إنما كان موضعه دورا للناس ورباعا، وإنما كان يسلك من المسجد إلى الصفا في بطن الوادي، ثم يسلك في زقاق ضيّق حتى يخرج إلى الصفا من إلتفاف البيوت فيما بين المسجد والصفا، وكان المسعى في موضع المسجد الحرام
(4)
.
(1)
في إتحاف الورى (البردية).
(2)
في الأصل (الكعبة) والتصويب من الأزرقي.
(3)
(طلس)،أي: طمس، ومحى. النهاية 132/ 3.
(4)
أنظر الأزرقي 78/ 2 - 79.