المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب وليمة العرس - الدرر السنية في الأجوبة النجدية - جـ ٧

[عبد الرحمن بن قاسم]

الفصل: ‌باب وليمة العرس

‌باب وليمة العرس

سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: عن وليمة العرس.

فأجاب: وليمة العرس سنة.

سئل الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن: عن الوليمة من الأب، هل تسن أو تباح أو تكره؟

فأجاب: الأولى أن تكون من الزوج، للحديث المعروف.

وسأل شيخه حسين بن محسن الأنصاري: هل لإباحتها من جهة الأب مستند؟

فأجابه: ومن جملته حديث رواه الحافظ الآجري، في إنكاح النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بعلي، أنه " أمر بلالاً بقصعة من أربعة أمداد أو خمسة، وبذبح جزور...." الحديث.

سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله: هل يجوز ستر الجدر في وسط المنزل ليلة العرس بالبسط ونحوها، التي تسمى الحجبة؟ وهل ينهى عن ذلك؟

فأجاب: الحمد لله. هذا مكروه وينهى عنه، لأن أبا أيوب أنكره على ابن عمر، ورجع عن دعوته.

[آداب الطعام والشراب]

سئل بعضهم، رحمه الله تعالى: عن قول ابن

ص: 221

عبد القوي، رحمه الله:

وكن رافعاً قبل القيام الطعام قد

نهي عن قيام قبل رفع المميد

هل سمعت: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن القيام قبل رفع الطعام؟

فأجاب: قد ورد في حديث عبد الله بن بسر رضي الله عنه قال: " كان للنبي صلى الله عليه وسلم قصعة يقال لها الغراء، يحملها أربعة، فلما أضحوا وسجدوا الضحى أتي بتلك القصعة وقد ثرد فيها، فالتقوا عليها. فلما كثروا جثا النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أعرابي: ما هذه الجلسة يا رسول الله؟ قال: إن الله جعلني عبداً، ولم يجعلني جباراً عنيداً. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلوا من حواليها، ودعوا ذروتها، يبارك فيها. فلما فرغ القوم أمر برفع الطعام قبلهم "، رواه أبو داود بإسناد جيد.

سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ: ما قولكم فيمن يقول لمن شرب: هنيئاً، ويدعي جواز ذلك؟ وقد يستدل بقوله:{كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً} [سورة الطور آية: 19]، وبقوله:{فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً} [سورة النساء آية: 4] .

فأجاب: ليس في الآيتين ما يدل على مشروعية ذلك في حق كل من شرب. أما الآية الأولى: فإن ذلك يقال لأهل الجنة إذا دخلوها، نسأل الله الجنة برحمته، وليس في الآية ما يدل على أنه يقال لهم كلما أكلوا منها أو شربوا. وأما آية

ص: 222

النساء: فإنها في أمر خاص، يبين تعالى للأزواج: أنه لا يحل لهم أن يأكلوا من مال المرأة إلا ما طابت نفسها به، وليس فيها أن هذا القول يقال عند كل أكل وشرب.

إذا عرفت هذا، فاعلم أنه لم يبلغنا عن أحد من الصحابة والتابعين، ولا الأئمة أنهم كانوا يستعملون ذلك فيما بينهم؛ فاتخاذ ذلك عادة يخالف ما كان عليه السلف والأئمة، ولو كان مشروعاً لسبق إليه من سلف من الأئمة، فلا ينبغي أن يتخذ ذلك شعاراً في حق من شرب.

وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين: وأما قول الإنسان لمن شرب: هنيئاً، وأن بعض الناس يستدل بقوله تعالى:{كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً} [سورة الطور آية: 19] ، فلو كان في الآية دليل لذلك، لفعله السلف الصالح.

وسئل: عما روي عن ابن عمر: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشرب على بطوننا، ونهانا أن نغرف باليد الواحدة، كما يشرب القوم الذين سخط الله عليهم، ولا يشرب في الليل من إناء حتى يحركه، إلا أن يكون مخمراً، ومن شرب بيده وهو يقدر على إناء يريد التواضع، كتب الله له بعدد أصابعه حسنات، وهو إناء عيسى بن مريم عليه السلام؟

فأجاب: ما ذكرت من النهي عن الشرب باليد الواحدة، وحديث الترغيب في الشرب باليد، فلا أظن لذلك أصلاً. وأما الشرب على البطن - يراد به الكرع في الماء -

ص: 223

فقد ورد حديث يدل على جواز الكرع، ففي البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل علي رجل من الأنصار، فقال له:"إن كان عندك ماء بات هذه الليلة في شنة، وإلا كرعنا " 1، والكرع: هو الشرب من النهر ونحوه بالفم، من غير إناء ولا يد. وورد حديث رواه ابن ماجة بالنهي عن الشرب كذلك، فيحمل هذا إن صح، على ما إذا انبطح الشارب على بطنه; وحديث البخاري، إذا لم ينبطح; ويحمل النهي على التنزيه، وحديث البخاري على الجواز.

[آداب الاستئذان]

سئل الشيخ عبد اللطيف رحمه الله: عن الإذن لزيد وعمرو، هل يكون إذناً لغيرهما

إلخ؟

فأجاب: نص الاستئذان عام، يدخل فيه هذه الصورة المسؤول عنها، وإدخال زيد وعمرو، ليس فيه دلالة على الإذن لبكر وخالد، فكل قادم يشرع له أن يستأذن إذا أراد دخول بيت غيره، إلا أن يأذن رب البيت، إذناً عاماً صريحاً لكل من دخل؛ والمعروف من كلام أهل العلم: أن فتح الباب ليس صريحاً في الإذن، كما في الحديث:" دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " 2

[آداب السلام والتحية]

وسئل: عن بداءة الكافر بالسلام؟

فأجاب: وأما البداءة بالسلام، فلا ينبغي أن يبدأ الكافر بالسلام، بل هو تحية أهل الإسلام؛ لكن إن خاف مفسدة راجحة، أو فوات مصلحة كذلك، فلا بأس بالبداءة، لا

1 البخاري: الأشربة (5613)، وأبو داود: الأشربة (3724)، وابن ماجة: الأشربة (3432) ، وأحمد (3/328، 3/343، 3/344، 3/355)، والدارمي: الأشربة (2123) .

2 الترمذي: صفة القيامة والرقائق والورع (2518)، والنسائي: الأشربة (5711) ، وأحمد (1/200)، والدارمي: البيوع (2532) .

ص: 224

سيما من ينتسب إلى الإسلام، لكن يخفى عليه شيء من أصوله وحقوقه.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي المشركين من العرب في منازلهم أيام الموسم، ويدعوهم إلى توحيد الله، وترك عبادة ما سواه، وأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويتلو عليهم القرآن، ويبلغهم ما أمر بتبليغه، مع ما هم عليه من الشرك والكفر والرد القبيح، لما في ذلك من المصلحة الراجحة، على مصلحة الهجر والتباعد؛ والهجر إنما شرع لما فيه من المصلحة وردع المبطل، فإذا انتفى ذلك، وصار فيه مفسدة راجحة فلا يشرع، ومن تأمل السيرة النبوية، والآثار السلفية، يعرف ذلك ويتحققه.

وقد أمر الله بالدعوة إليه على بصيرة، قال تعالى:{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} الآية [سورة يوسف آية: 108]، وقال تعالى:{وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [سورة الحج آية: 78] ؛ والجهاد بالحجة والبيان، يقدم على الجهاد بالسيف والسنان، وقد مر صلى الله عليه وسلم على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمنافقين واليهود، وفيه عبد الله بن أُبَيّ رأسُ المنافقين، فسلم صلى الله عليه وسلم ونزل عن دابته، ودعاهم إلى الإسلام، وذلك حين ذهب إلى سعد بن عبادة يعوده في منْزله، والقصة مشهورة. وكثير من العلماء يبتلى بخلطة هذا الضرب من الناس،

ص: 225

لكنه يكون مباركاً أينما كان، داعياً إلى الله مذكراً به هادياً إليه، كما قال عن المسيح عليه السلام {وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ} [سورة مريم آية: 31] أي: داعياً إلى الله مذكراً به معلماً بحقوقه؛ فهذه هي البركة المشار إليها، ومن عُدِمَها محقت بركة عمره وساعاته، وخلطته ومجالسته، نسأل الله لنا ولكم علماً نافعاً، يكون لنا لديه يوم القيامة شافعاً.

وسئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن بداءة بعض الناس بالسلام؟

فأجاب: بداءة بعض الناس بالسلام، أرجو أنك ما تأثم بذلك إذا بدأتهم بالسلام; قال أبو الدرداء:"إنا لنكشر في وجوه أقوام، وقلوبنا تلعنهم"; وإنما يخاف من الانبساط مع مثل من ذكرت والملاطفة، وأما مجرد السلام فأرجو أن لا إثم في ذلك، نسأل الله لنا ولكم الهدى والسداد; وأما من بدأ بتحية قبل السلام، فلا يرد عليه إلا مثل تحيته، أو يترك، لحديث:" من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه ".

سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن الرجل هل يسلم على المرأة في الإحداد أو غيره؟

فأجاب: المرأة المحادة وغيرها في ذلك سواء، فأما المرأة مع الرجل، فإن كانت زوجته أو أمته، أو محرماً من محارمه كأمه وابنته وأخته ونحوها، فهي معه كالرجل، يستحب لكل واحد منهما ابتداء الآخر بالسلام، ويجب على

ص: 226

الآخر رد السلام عليه.

وإن كانت المرأة أجنبية، وكانت جميلة يخاف الافتتان بها، لم يسلم الرجل عليها، ولو سلم لم يجز لها رد الجواب، ولم تسلم هي عليه ابتداء، فإن سلمت لم تستحق جواباً، فإن أجابها كره له. وإن كانت عجوزاً لا يفتتن بها، جاز لها أن تسلم على الرجل، وعلى الرجل رد السلام عليها.

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: والذي أظن في قوله: بقيتم، وعشتم، أنه كلام لا تقصد حقيقته، لكن يجري لغواً بسبب العادة، كما ذكروا في قولهم: لعمرى، وأمثالها.

سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عما يستعمله بعض الناس، من قوله في التحية: الله بالخير؟

فقال: هكذا كلام فاسد، خلاف التحية التي شرعها الله ورضيها، وهو السلام، فلو قال: صبحك الله بالخير، أو قال: الله يصبحك بالخير، بعد السلام، فلا ينكر.

وسئل الشيخ سليمان بن سحمان، عن قولهم: صبحك الله بالخير، وكيف أصبحت؟ وكيف أمسيت؟ هل بين هذه الألفاظ فرق؟ وهل فيها مسنون وغير مسنون؟ وما الفرق بين الدعاء والاستفصال؟

فأجاب: قد كان من المعلوم عند ذوي المعارف

ص: 227

والفهوم، أن قول الرجل لأخيه المسلم: صبحك الله بالخير، مساك الله بالخير، دعاء له بالخير، وأما قوله: كيف أصبحت؟ وكيف أمسيت؟ فهو سؤال عن حاله، وعن حقيقة ما هو عليه؛ وقد أمر الله بدعاء المؤمنين لإخوانهم المؤمنين، خصوصاً وعموماً، في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، كما هو معلوم مشهور لا ينكره إلا جاهل.

وكان من المعلوم أيضاً: أن دعاء المسلم لأخيه المسلم، أفضل وأحب إلى الله من السؤال عن حاله، هذا لا يشك فيه من كان له أدنى ممارسة وإلمام بالعلوم الشرعية، والفرق بينهما ظاهر، ليس به - ولله الحمد - خفاء على من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، لأن دعاء المسلم لأخيه المسلم مما أمر الله به؛ فذنب الناهي عن ذلك خطره عظيم، نعوذ بالله من القول على الله بلا علم.

وأما قوله: هل فيهما مسنون وغير مسنون؟ فنقول: كل من اللفظين جائز مسنون، ونحن نذكر ما ذكره العلماء في ذلك، وما ورد فيه من الأحاديث: قال في غذاء الألباب: فوائد: الأولى: لا بأس أن يقول لصاحبه: كيف أمسيت؟ وكيف أصبحت؟ قال الإمام أحمد، رحمه الله، لصدقة - وهم في جنازة -: يا أبا محمد، كيف أمسيت؟ فقال: مساك الله بالخير; وقال أيضاً للمروذي: كيف أصبحت يا أبا بكر؟ فقال: صبحك الله بالخير يا أبا عبد الله.

ص: 228

وروى أيضاً عبد الله بن الإمام أحمد، رحمه الله، عن الحسن مرسلاً: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحاب الصفة: " كيف أصبحتم؟ "، وروى ابن ماجة بإسناد لين من حديث أبي سعيد الساعدي، أنه عليه السلام دخل على العباس، فقال:" السلام عليكم، فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، قال: كيف أصبحتم؟ قالوا: بخير، نحمد الله، كيف أصبحت بأبينا وأمنا أنت يا رسول الله؟ قال: أصبحت بخير، أحمد الله "1. وروى أيضاً عن جابر قلت: " كيف أصبحت يا رسول الله؟ قال: بخير من رجل لم يصبح صائماً، ولم يعد سقيماً " 2، وفيه عبد الله بن مسلم بن هرمز ضعيف.

وفي حواشي تعليق القاضي الكبير، عند كتاب النذور، روى أبو بكر البرقاني بإسناده عن ابن عباس، رضي الله عنهما، أنه قال:"لو لقيت رجلاً، فقال: بارك الله فيك، لقلت: وفيك"، قال في الآداب الكبرى: فقد ظهر من ذلك: الاكتفاء بنحو كيف أصبحت؟ وكيف أمسيت؟ بدلاً من السلام، وأنه يرد على المبتدئ بذاك، وإن كان السلام وجوابه أفضل وأكمل. انتهى.

قلت: ما ذكره في الآداب الكبرى، من الاكتفاء بكيف أصبحت؟ وكيف أمسيت؟ خطأ، لمعارضته لما ثبت في الأحاديث الصحيحة من لفظ السلام؛ وكل يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وقد قال تعالى: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ

1 ابن ماجة: الأدب (3711) .

2 ابن ماجة: الأدب (3710) .

ص: 229

بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} [سورة النور آية: 61] .

سئل أبناء الشيخ وحمد بن ناصر: عن المصافحة بالأيدي، والمعانقة، وتقبيل اليد؟

فأجابوا: المصافحة سنة مرغب فيها، والمعانقة لا بأس بها، وأما تقبيل اليد فورد فيه أحاديث تدل على ذلك، واعتياده في حق البعض، وبعض الأحيان دون بعض، وأما المداومة على ذلك واعتقاده سنة، فليس في الأحاديث ما يدل على ذلك.

ونحن لم ننه الناس عن تقبيل اليد، على الوجه الوارد في الأحاديث، بل الواقع خلاف ذلك؛ فيقبلون أيدي السادة الذين يعتقدون فيهم "السر" ويرجون منهم البركة، ويجعلون التقبيل من باب الذل والانحناء المنهي عنه، وصار ذريعة إلى الشرك بالله، والشرع قد ورد بسد الذرائع.

وأجاب أيضاً: الشيخ عبد الله وحسين: لا يجوز تقبيل أيدي الأمراء والعلماء والسادة، والانحناء في التحية، ويتخذ ذلك عادة وسنة، بل ذلك من البدع المحدثة، فينبغي للمسلمين إزالتها، والنهي عنها. وأما تقبيل اليد في بعض الأحيان، كتقبيل يد العالم لعلمه، أو من كان من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لشرف نسبه، فلا بأس بذلك إذا لم يجعل عادة مستمرة، كما صح في الحديث:"أن أبا عبيدة قبل يد عمر"؛

ص: 230

والفرق بين ما يفعل بعض الأحيان فيجوز، وما يجعل عادة وسنة فلا يجوز، وهذا ظاهر عند أهل العلم.

وأجاب الشيخ عبد الرحمن بن حسن: تقبيل يد السادة المنسوبين لأهل البيت، لم يكن الصحابة، رضي الله عنهم، يعتادونه، لا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا مع أهل بيته؛ ولا شك أنهم أعظم الناس محبة له وتوقيراً، وإنما كانوا يعتادون السلام والمصافحة، اتباعاً لما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمره وفعله، فقال:" أفشوا السلام بينكم " 1، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قيل له:"الرجل يلقى أخاه، أينحني له؟ قال: لا، قيل: أيلتزمه ويقبله؟ قال: لا، قيل: أيصافحه؟ قال: نعم "2.

وأما ما ورد: أنه " لما قدم عليه أصحابه من غزوة مؤتة قبلوا يده، قالوا: نحن الفرارون، قال: بل أنتم العكارون " 3، وأما ما ورد في معنى هذا، فإنما وقع نادراً، وقد جوزه بعض الأئمة، كالإمام أحمد، رحمه الله، إذا وقع كذلك لا على وجه التعظيم للدنيا. واشترط الأئمة في ذلك: أن لا يمد إليه يده يقبلها، ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله; وذهب بعضهم: إلى كراهة تقبيل اليد مطلقاً، كالإمام مالك، رحمه الله.

وقال سليمان بن حرب: هي السجدة الصغرى، هذا إذا لم يفض إلى التعظيم والخضوع وتغيير السنة، أما إذا اقترن

1 مسلم: الإيمان (54)، والترمذي: الاستئذان والآداب (2688)، وأبو داود: الأدب (5193)، وابن ماجة: المقدمة (68) والأدب (3692) ، وأحمد (2/391، 2/442، 2/477، 2/495، 2/512) .

2 الترمذي: الاستئذان والآداب (2728)، وابن ماجة: الأدب (3702) .

3 الترمذي: الجهاد (1716)، وأبو داود: الجهاد (2647) .

ص: 231

بمثل هذه الأمور التي تدخل في نوع من الشرك والبدع، فلا يجوز أن ينسب إلى أحد من الأئمة تجويزه. قال في زاد المعاد: وأشرف العبودية عبودية الصلاة، وقد تقاسمها الشيوخ، يعني: من المتصوفة، والمتشبهين بالعلماء، والجبابرة; فأخذ الشيوخ أشرف ما فيها، وهو السجود، وأخذ المتشبهون بالعلماء منها الركوع، فإذا لقي بعضهم بعضاً ركع له كما يركع المصلي لربه سواء، وأخذ الجبابرة منها القيام، فيقوم الأحرار والعبيد على رؤوسهم - عبودية لهم - وهم جلوس. وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الأمور الثلاثة على التفصيل، فتعاطيها مخالفة صريحة له.

فنهى عن السجود لغير الله تعالى، فقال:"لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد "، وأنكر على معاذ لما سجد له، وقال:"مه! "؛ فتحريم هذا معلوم من دينه بالضرورة، وتجويز من جوزه لغير الله، مراغمة لله ولرسوله، وهو من أبلغ أنواع العبودية، فإذا جوز هذا المشرك هذا النوع للبشر، فقد جوز عبودية غير الله; وأيضاً، فإن الانحناء عند التحية سجود، ومنه قوله تعالى:{وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً} [سورة البقرة آية: 58] أي: منحنين، وإلا فلا يمكن الدخول على الجباه.

وسئل ابنه الشيخ عبد اللطيف: عن قبلة اليد والرجل وهل هي جائزة؟

فأجاب: بعض أهل العلم منعها مطلقاً، وبعضهم

ص: 232

أجازها لمثل الوالد، والإمام العادل على سبيل التكرمة، ولا يتخذ ذلك دائما، بل في بعض الأحوال على ما ورد.

سئل الشيخ سليمان بن سحمان: عن معانقة الناس بعضهم بعضاً يوم العيد، بعد الصلاة بالمصلى، وسلام بعضهم على بعض، وتخصيص الوقت والمكان بذلك، هل ذلك سنة يثاب على فعله، أم بدعة؟

فأجاب: لا أعلم أن ذلك سنة مشروعة مطلوبة، ولو كان ذلك سنة مأثورة مشروعة، لكان أسبق الناس إليها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون لهم بإحسان، ولنقل ذلك أهل العلم ورغبوا فيه، كما نقلوا سائر السنن والمستحبات؛ فإذا لم يكن ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فعله الصحابة، رضوان الله عليهم، كان هذا محرماً مبتدعاً إن كان على وجه القربة، لكن الظاهر أن ما يفعله الناس اليوم، لا يفعلونه على وجه القربة والعبادة، فيكون ذلك من البدع في الدين، وإنما يفعلونه فيما يظهر لي على سبيل العادة، والعادات لا مدخل لها في العبادات.

فهذه العادة التي يفعلها الناس، من السلام في العيدين في المصلى، وفي البيوت، كانوا يفعلونها عند أئمة أهل هذه الدعوة، وفي وقتهم، ولا ينكرونها عليهم؛ فلو كان هذا الصنيع من البدع المنكرة المحدثة في الدين، لأنكر ذلك بعضهم أو كلهم، فدلنا على أن هذا من العادات، لا من

ص: 233

البدع المحدثة في العبادات. فما تقرب به العبد إلى الله وكان مشروعاً، فهو من العبادة المطلوبة المحبوبة لله، وما لم يكن كذلك، وكان الناس يعتادونه، فإن جر إلى مفسدة كان ذلك محرماً، والوسيلة إلى المحرم حرام، كما أن الوسيلة إلى الطاعة طاعة وقربة; والظاهر: أن هذه العادة التي يعتادها الناس تجر إلى مصلحة، فربما يلتقي المتهاجران فيسلم بعضهم على بعض، وربما انقطعت المهاجرة بينهما، أو زال بعض الشر وخف؛ وتقليل الشر محبوب مطلوب مندوب إليه، كما قيل: بعض الشر أهون من بعض.

وأما المعانقة فهي: أن يلتزم الرجل الرجل، ويضمه إليه; وقد كنت أظن أن المعانقة كما يفعله الناس، من وضع عنق الرجل على عنق صاحبه، لكني لم أجد ذلك في شيء من كتب اللغة، ولا من كلام الشراح، فالله أعلم؛ وإن وجدتم ذلك، فأفيدونا به.

وأما سعي الناس يوم العيد إلى أهل البيوت، للسلام والدخول عليهم وتخصيصهم يوم العيد بذلك، مع أنه يحصل بدخول بعض الجهال إثم، ومخالفة للسنة، من النظر إلى زينة صاحبة الدار، والتطلع على العورات، فالجواب عن هذه المسألة، هو الجواب عن التي قبلها، إلا ما كان من النظر إلى زينة صاحبة الدار، والتطلع على العورات، فهذا لا يجوز، لأن دخول الجهال على النساء غير ذوات المحارم لا

ص: 234

يجوز. فلو كان سلام العيد مسنوناً مشروعاً، كان في حق الجهال محظوراً ممنوعاً; وقد علمتم كلام أهل العلم، في المنع من سلام الرجال الأجانب على النساء غير ذوات المحارم، والعجوز التي لا تشتهى ولا يرغب فيها؛ فتبرج النساء بالزينة، والجلوس للسلام عليهن، لا يجوز والحالة هذه، وقد قال صلى الله عليه وسلم:" ما تركت على أمتي فتنة، أضر على الرجال من النساء "1.

سئل الشيخ حسين، وعبد الله: ابنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمهم الله: عن القيام في وجوه الأمراء والعلماء، وأهل الفضل

إلخ؟

فأجابا: لا يجوز القيام للعلماء، ولا الأمراء، بحيث يتخذ ذلك عادة وسنة، بل ذلك من فعل أهل الجاهلية والجبابرة، كملوك فارس والروم وغيرهم، فإنهم كانوا يفعلون ذلك مع عظمائهم؛ وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً، فليتبوأ مقعده من النار " 2، وفي حديث آخر، عن أنس بن مالك قال:"لم يكن أحد أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني الصحابة - وكانوا لا يقومون له، لما يعلمون من كراهيته لذلك "، وثبت في صحيح مسلم وسنن أبي داود، عن جابر قال:?"اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلينا وراءه قياماً وهو قاعد، وأبو بكر يُسْمِعنا تكبيره، فالتفت إلينا، فإذا نحن قيام، فأشار إلينا فقعدنا، فصلينا بصلاته

1 البخاري: النكاح (5096)، ومسلم: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (2740، 2741)، والترمذي: الأدب (2780)، وابن ماجة: الفتن (3998) ، وأحمد (5/200، 5/210) .

2 الترمذي: الأدب (2755)، وأبو داود: الأدب (5229) .

ص: 235

قعود، فلما سلم قال: إن كدتم لتفعلون فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم وهم قعود، فلا تفعلوا. ائتموا بأئمتكم، وإن صلوا قياماً فصلوا قياماً، وإن صلوا قعوداً فصلوا قعوداً " 1.

وأجاب بعضهم، رحمه الله: قال شيخ الإسلام في الجواب عن هذه المسألة: لم يكن من عادة السلف على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين، أنهم يعتادون القيام للداخل المسلم، كما يردون السلام عليه، كما يعتاد كثير من الناس، بل قد قال أنس بن مالك رضي الله عنه لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له، لما يعلمون من كراهته لذلك؛ ولكن ربما قاموا للقادم من مغيبه تلقياً له، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قام لعكرمة; وقال للأنصار لما قدم سعد:"قوموا إلى سيدكم " 2، وكان سعد متمرضاً بالمدينة، وكان قد قدم إلى بني قريظة شرقي المدينة.

والذي ينبغي للناس أن يعتادوا ما كان عليه السلف على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنهم خير القرون، وخير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم؛ فلا يعدل أحد عن هدى خير الخلق، وهدى خير القرون إلى ما دونه. وينبغي للمطاع أن يقر ذلك مع أصحابه، بحيث إذا رأوا لم يقوموا له، ولا يقوم لهم في اللقاء المعتاد; فأما القيام لمن

1 مسلم: الصلاة (413)، والنسائي: السهو (1200)، وأبو داود: الصلاة (602)، وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (1240) ، وأحمد (3/334) .

2 البخاري: الجهاد والسير (3043)، ومسلم: الجهاد والسير (1768)، وأبو داود: الأدب (5215) ، وأحمد (3/22، 3/71) .

ص: 236

قدم من سفر ونحو ذلك تلقياً له فحسن. وإذا كان من عادة الناس إكرام القادم بالقيام، ولو ترك ذلك لاعتقد أن ذلك بخس من حقه، أو قصد لخفضه، ولم تعلم العادة الموافقة للسنة، فالأصلح أن يقام له لأن في ذلك إصلاح ذات البين، وإزالة التباغض والشحناء.

وأما من عرف أن عادة القوم الموافقة للسنة، فليس في ترك ذلك إيذاء له، وليس هذا القيام هو القيام المذكور في قول النبي صلى الله عليه وسلم:" من سره أن يتمثل له الرجال قياماً، فليتبوأ مقعده من النار " 1، فإن ذلك أن يقوموا له وهو قاعد، ليس هو أن يقوموا لمجيئه إذا جاء؛ ولهذا فرقوا بين أن يقال: قمت إليه، وقمت له; فالقيام للقادم قد سواه في القيام، بخلاف القيام للقاعد، وقد ثبت في صحيح مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى بهم في مرضه قاعداً وصلوا قياماً، أمرهم بالقعود، وقال:" لا تعظموني كما تعظم الأعاجم بعضها بعضاً" 2، فقد نهاهم من القيام في الصلاة وهو قاعد، لئلا يشبه الأعاجم الذين يقومون لعظمائهم وهم قعود.

وجماع ذلك: أن الذي يصلح، اتباع عادة السلف وأخلاقهم، والاجتهاد في ذلك بحسب الإمكان؛ فمن لم يعتقد ذلك، أو لم يعرف العادة، وكان في ترك مقابلته بما اعتاده الناس مفسدة راجحة، فإنه تدفع إحدى المفسدتين بالتزام أدناهما، كما تحصل على المصلحتين بتفويت

1 الترمذي: الأدب (2755)، وأبو داود: الأدب (5229) .

2 أبو داود: الأدب (5230) ، وأحمد (5/253 ،5/256) .

ص: 237

أدناهما. انتهى كلامه، رحمه الله.

وقال ابن مفلح في الآداب الكبرى - لما تكلم على هذه المسألة، وذكر الفرق بين القيام له والقيام إليه – قال: وأما القيام عنه لإيثاره بمجلسه، فقد ورد من فعل النبي صلى الله عليه وسلم حيث قام صلى الله عليه وسلم عن فاطمة فأجلسها مكانه، ذكره ابن عبد البر في المجالس. انتهى.

فتبين بهذا الكلام الذي حكيناه عن هذين الإمامين الجليلين، رحمة الله عليهما: أن من القيام ما هو محرم، كقيام بعض الناس لمن يعظمونه من الملوك ونحوهم، يقومون لهم تعظيماً وهم قعود، وهو مثل ما يفعله الأعاجم من قيام بعضهم لبعض; ومن القيام ما هو جائز، كالقيام على رأس بعض الأمراء خوفاً عليه، فهذا جائز لذلك السبب; وقد ورد مثل ذلك من بعض الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك في صلح الحديبية، وهو مذكور في كتاب الهدي النبوي، في موضعه من الكتاب، فليرجع إليه.

ومن ذلك: ما هو مستحب، كالقيام إلى القادم من سفر، والقيام عن الداخل لإيثاره بمجلسه، وكالقيام للذي لا يعرف عادة السلف في كراهة القيام، ويعتقد أن ترك القيام إليه بخس في حقه، أو قصد لخفضه، لأن القيام إليه في هذه الحال مصلحة راجحة، وهي إصلاح ذات البين، وإزالة الشحناء والتباغض؛ فهذا تفصيل الكلام في هذه

ص: 238

المسألة.

وقال الشيخ سليمان بن سحمان، رحمه الله: قال في الفتح: وقال ابن القيم في حاشية السنن: والقيام ينقسم إلى ثلاث مراتب: قيام على رأس الرجل وهو فعل الجبابرة، وقيام إليه عند قدومه ولا بأس به، وقيام له عند رؤيته وهو المتنازع فيه. وفي الفتح أيضاً: عن أبي الوليد بن رشد، أن القيام يقع على أربعة أوجه:

الأول: محظور، وهو أن يقع لمن يريد أن يقام إليه تكبراً وتعاظماً على القائمين إليه.

والثاني: مكروه، وهو أن يقع لمن لا يتكبر ولا يتعاظم على القائمين، ولكن يخشى أن يدخل نفسه بسبب ذلك ما يحذر، ولما فيه من التشبه بالجبابرة.

والثالث: جائز وهو أن يقع على سبيل البر والإكرام، لمن لا يريد ذلك، ويؤمن معه التشبه بالجبابرة.

والرابع. مندوب، وهو أن يقوم لمن قدم من سفر، فرحاً بقدومه يسلم عليه، أو إلى من تجددت له نعمة فيهنيه بحصولها، أو مصيبة فيعزيه بسببها. انتهى. وقال الخطابي: في حديث الباب: جواز إطلاق السيد على الخير الفاضل، وفيه: أن قيام المرؤوس للرئيس الفاضل، والإمام العادل، والمتعلم للعالم مستحب، وإنما يكره لمن كان بغير هذه الصفات.

ص: 239

وقال أيضاً: ذكر ابن القيم، رحمه الله، في الإغاثة، على قوله تعالى:{وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً} [سورة البقرة آية: 58] ما نصه: قال السدي: هو باب من أبواب بيت المقدس، وكذلك قال ابن عباس، قال: والسجود بمعنى الركوع، وأصل السجود الانحناء لمن تعظمه؛ فكل منحن لشيء تعظيماً له فهو ساجد له، قاله ابن جرير وغيره؛ قلت: وعلى هذا، فانحناء المتلاقيين عند سلام أحدهما لصاحبه، من السجود المحرم، وفيه نهى صريح عن النبي صلى الله عليه وسلم. انتهى ما ذكره ابن القيم، رحمه الله تعالى.

وقد أشكل هذا على كثير من الناس، ممن لم يكن له معرفة بمدارك الأحكام، ومعاني الألفاظ، فزعموا: أن ما يفعله المسلمون الآن من المعانقة، من هذا القبيل، وأنه هو هذا الانحناء المحرم الذي ذكره ابن القيم؛ وليس الأمر كما زعموا، ولا على ما فهموا، لوجوه:

أحدها: أن المسلمين لا يقصدون بهذه المعانقة، الانحناء لمن يسلمون عليه تعظيماً له بذلك، وإنما يقصدون المعانقة المشروعة; وحملهم على ما هو الحق، وما يقصدونه ويتعارفونه، أحسن وأوفق من حملهم على الأمر المحرم، الذي لا يقصدونه ولا يعرفونه، إذ حملهم على هذا من العنت والتحكم.

الوجه الثاني: أن هذا من باب التحية والملاطفة والمحبة والشفقة، بعد الالتقاء من البعد والسفر وغير

ص: 240

ذلك، لا من باب التعظيم.

الوجه الثالث: أن الانحناء المحرم الذي عناه ابن القيم، وتكلم فيه أهل العلم، هو: الانحناء للمعظَّم من الناس تعظيماً له بذلك، من غير مصافحة ولا معانقة، كما يفعله أهل الأمصار اليوم للمعظم عندهم، فيقومون له وينحنون له ويعظمونه بذلك، وهذا لا يفعلونه غالبا إلا للرؤساء. وأعظم من ذلك وأبلغ في التحريم: ما قد يفعله بعضهم غالباً مع الانحناء أو بدونه، من رفع يده والإشارة بها إلى محل السجود منه من أنفه وجبهته، وهذا فيه إشارة إلى السجود له، كما يفعله أهل الأمصار اليوم، من الانحناء والإشارة إلى الأنف والجبهة، وهو الانحناء المذموم المحرم، الذي عناه ابن القيم، رحمه الله، لا ما يفعله المسلمون الآن من المصافحة والمعانقة; ولا يقول هذا إلا جاهل متنطع متشدد، سمع لفظ الانحناء وأنه محرم، وأنه من السجود والتعظيم للمخلوق، فقاس عليه سلام أهل الإسلام، أو ظن أنه هو الذي عناه ابن القيم، وجعل إكبابه عليه للمعانقة انحناء له وتعظيماً، وهذا باطل كما تقدم بيانه، والله أعلم.

ألفاظ منهي عنها

سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عن قول بعض الناس: نتبرك بالله ثم بك، نتبرك بدخولكم،

ص: 241

نتبرك بحضرتكم؟

فأجاب: ما علمت فيه شيئاً، ولا أحبه، خاصة إذا قيل ذلك لمن لا يظن به خير. وقولهم: الله يسأل عن حالك، هذا كلام قبيح، ينصح من تلفظ به. ومتعنا الله بحياة فلان، مرادهم: أن الله يبقيه ما دمت حياً، ولا يبين لي فيه بأس. وقولهم: الله يخلي عنا، ما علمت فيها بأساً، لأن معناها: الله يتسامح عنا.

وسئل أيضاً: عن قول بعض العوام: مالك صفاتي، ماذا يترتب عليه؟

فأجاب: هذا اللفظ قبيح، ولو قصد به نفي الوصف، مع أنه مراده فيما يظهر، ولو اعتقد معناه في نفي الصفات كان كفراً. وقول بعضهم: فلان ما يلقى في قبره إلا الدواب ونحو ذلك، لا يجوز ذلك، لأنه اعتراض على الله. وقول بعض الناس: يا عضدي، الظاهر: أن المراد بمثل هذه: المعاونة على ما ينوبه من أموره، مثل الانتصار به على عدوه ونحوه، لا بأس به. ومثل قولهم: فلان المرحوم، بل يقول: الله يرحمه، لأنه لا يدرى.

وسئل عن قول بعض الناس: يحق من الله كذا، إذا كان أمر نعمة؟

ص: 242

فأجاب: إن قول بعض الناس الجهال: يحق من الله أن يكون كذا، فهذه كلمة قبيحة يخاف أن يكون كفراً؛ فينهى من قال ذلك وينصح.

سئل الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري، هل ينكر على من قال: الحمد لله حمد الشاكرين؟

فأجاب: لو قال: رب العالمين، لكان أولى.

وسئل: إذا حمد الله على جشائه، هل هو سنة؟ وإذا لم يكن سنة فهل ينكر عليه؟

فأجاب: ليس بسنة.

سئل الشيخ سعد بن حمد بن عتيق، رحمهما الله: عما يستعمله الناس من قولهم: أنا صبي التوحيد، هل هو من دعوى الجاهلية؟

فأجاب: الجاهلية ما كان قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا نسب الأمر في السنة إلى الجاهلية، فالمراد ذمه والنهي عنه؛ وقد ذكر العلماء عبارات كثيرة في بيان دعوى الجاهلية، فقال بعضهم: هو قولهم: يا آل فلان، كأن يدعو بعضهم بعضاً عند الأمر الحادث الشديد. وقال بعضهم: دعوى الجاهلية أن ينادي من غلب عليه خصمه: يا آل فلان، فيبتدرون إلى نصره ظالماً أو مظلوماً، جهلاً منهم وعصبية.

وقال شيخ الإسلام، رحمه الله تعالى، على قوله صلى الله عليه وسلم:

ص: 243

" ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية " 1: هو ندب الميت; وقال غيره: هو الدعاء بالويل والثبور. وقال ابن القيم، رحمه الله تعالى: الدعوى بدعوى الجاهلية، كالدعاء إلى القبائل والعصبية، ومثله التعصب إلى المذاهب والطوائف والمشايخ، وتفضيل بعض على بعض، يدعو إلى ذلك، ويوالي عليه ويعادي عليه؛ فكل هذا من دعوى الجاهلية. انتهى. وبما ذكرناه من كلام العلماء، يعلم أن كل ما خالف ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فهو من دعوى الجاهلية، كما ذكر ذلك الشيخ عبد الرحمن بن حسن، رحمه الله، في شرح كتاب التوحيد.

وأما ما استعمله الناس من قولهم: أنا صبي التوحيد، فالجواب: أن هذا إن كان المتكلم به ينصر حقاً، أو يدعو إلى حق، أو يدفع باطلاً فلا بأس به، وإن كان المتكلم به يدعو إلى باطل، أو ينصر باطلاً، أو كان مراده تزكية النفس أو الترفع بذلك والتعاظم، فذلك لا يجوز. ومثل ذلك قول: أنا ابن فلان، أو أبو فلان، إذا كان المتكلم به قصده إظهار الحق، أو الدعوة إلى الحق ونصرته، لا سيما إذا كان ذلك حال مناهضة العدو، ومكابدة أعداء الدين، فهذا لا بأس به؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين:" أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب " 2، ومن ذلك قول سلمة بن الأكوع: خذها وأنا ابن الأكوع، واليوم يوم

1 البخاري: الجنائز (1297)، ومسلم: الإيمان (103)، والترمذي: الجنائز (999)، والنسائي: الجنائز (1860، 1862، 1864)، وابن ماجة: ما جاء في الجنائز (1584) ، وأحمد (1/386، 1/432، 1/442، 1/456، 1/465) .

2 البخاري: الجهاد والسير (2864)، ومسلم: الجهاد والسير (1776)، والترمذي: الجهاد (1688) ، وأحمد (4/280، 4/281، 4/289، 4/304) .

ص: 244

الرضع، ومثل ذلك قول الصحابة:

نحن الذين بايعوا محمدَا

على الجهاد ما بقينا أبدَا

حكم النرد

سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عن النرد

إلخ؟

فأجاب: وأما النرد المنهي عنه، فهو لعبة ما أعرف صفتها، ولفظ الحديث الذي ذكرتم:" من لعب بالنردشير "، والنردشير هو: النرد، وأضيف في الحديث إلى: أشي،" يقال: إنه اسم ملك من ملوك فارس صنع له هذا اللعب، فنسب إليه.

[الدف والغناء في العرس]

سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله: عن الدف والغناء في العرس؟

فأجاب: يستحب الدف والغناء في العرس للنساء، فإن حضرهن رجال أو سفهاء أدبوا.

وأجاب أيضاً: الشيخ عبد الله: ويباح كل لعب مباح، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر الحبشة على اللعب في يوم العيد، في مسجده صلى الله عليه وسلم.

وأجاب الشيخ عبد الرحمن بن حسن، رحمه الله: وأما الدف فيحصل الإعلان بضربه في النهار قبل الدخول في وقت من النهار، وأما ضربه في الليل ففيه من المفاسد ما لا يخفى، ومن أقرهم على ذلك ممن له قدرة على منعهم فقد

ص: 245

ظلم نفسه.

سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: هل يجوز الغناء على رؤوس النخل، وبين السواني

إلخ؟

فأجاب: رفع الصوت بالغناء من الباطل، ولا يجوز؛ وأما الأدب عليه فلا يؤدب عليه إلا إن كان معه منكر، كاجتماع النساء والرجال والرقص ونحوهما، لترتب المفاسد، فأدبوا عليه بما يردع صاحبه.

وأجاب ابنه: الشيخ عبد الله: الغناء خلف السواني، وفي رؤوس النخل مباح، إذا لم يشتمل على لفظ محرم.

وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف: ما يجري في بعض البلدان من التوسع في الغناء والملاهي، وما يترتب على ذلك من المفاسد الدينية، لا يخفى أنه محرم ولا يجوز، خصوصاً إذا جر إلى ما هو أعظم ضرراً منه.

ولبعضهم ما نصه:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، ونسأل الله أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويوفقنا لاجتنابه.

أما بعد، فالنصيحة واجبة لأهل الإسلام، لأنها الدين

ص: 246

في الحقيقة، لقوله صلى الله عليه وسلم:" الدين النصيحة " 1، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: " لله ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم " 2؛ فهذه نصيحة لمن ولاه الله أمر الأمة، لما رأينا بعض الأمور المنكرة المحرمة في الشرع، فاشية في أهل الزمان، ولم يصر لها مُنكِر من أهل الإيمان، وجب علينا النصح للعباد والإرشاد إلى سبيل الرشاد.

فنقول، وبالله التوفيق، ونسأله الهداية إلى سواء الطريق: قد كان الناس فيما مضى يستتر أحدهم بالمعصية إذا واقعها، ثم يستغفر الله ويتوب إليه منها، ثم كثر الجهل وقل العلم وتفاقم الأمر، حتى صار أحدهم يأتي المعصية جهاراً، ثم ازداد الأمر إدباراً، حتى إن طائفة من المسلمين، وفقنا الله وإياهم، استزلهم الشيطان واستغوى عقولهم، في حب الأغاني واللهو، والسماع والنقير والطقطقة، واعتقدته من الدين الذي يقربهم من الله، وجاهرت به جماعة من المسلمين، وخالفت العلماء والفقهاء وأهل الدين؛ {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً} [سورة النساء آية: 115] ، قال الإمام ابن القيم، رحمه الله، في كتابه: إغاثة اللهفان في مكائد الشيطان:

1 مسلم: الإيمان (55)، والنسائي: البيعة (4197، 4198)، وأبو داود: الأدب (4944) ، وأحمد (4/102) .

2 مسلم: الإيمان (55)، والنسائي: البيعة (4197، 4198)، وأبو داود: الأدب (4944) ، وأحمد (4/102) .

ص: 247

فصل

ومن مكائد عدو الله ومصائده، التي كاد بها من قل نصيبه من العلم والعقل والدين، وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين: سماع المكاء والتصدية والغناء، والآلات المحرمة من ضرب الدف وغيره، التي تصد القلوب عن القرآن، وتجعلها عاكفة على الفسق والعصيان؛ فهو قرآن الشيطان، والحجاب الكثيف عن الرحمن، وهو رقية اللواط والزنى، وبه ينال العاشق الفاسق من معشوقه غاية المنى.

فلو رأيتهم عند ذياك السماع، وقد خشعت منهم الأصوات، وهدأت منهم الحركات، وعكفت قلوبهم بكليتها عليه، وانصبت انصبابة واحدة إليه، فتمايلوا له كتمايل النشوان، وتكسروا في حركاتهم ورقصهم، لرأيت تكسر المخانيث والنسوان. فلغير الله، بل للشيطان قلوب هناك تمزق، وأثواب تشقق، وأموال في غير طاعة الله تنفق. حتى إذا عمل فيهم السكر عمله، وبلغ الشيطان منهم أمنيته وأمله، واستفزهم بصوته وحيله، وأجلب عليهم بخيله ورجله، وَخَزَ في صدورهم وخزاً، وأَزَّهم إلى ضرب الأرض بالأقدام أَزّاً، فَطَوْراً يجعلهم كالحمير حول المدار، وتارة كالذباب ترقص وسط الديار.

فيا رحمتاه للسقوف والأرض من تلك الأقدام! ويا

ص: 248

سوأتاه من أشباه الحمير والأنعام! ويا شماتة أعداء الإسلام، بالذين يزعمون أنهم خواص الإسلام! قضوا حياتهم لذة وطرباً، واتخذوا دينهم لهواً ولعباً، مزامير الشيطان أحب إليهم من استماع سور القرآن، لو سمع أحدهم القرآن من أوله إلى آخره لما حرك له ساكناً، ولا أزعح له قاطناً، ولا أثار فيه وجداً، ولا قدح فيه من لواعج الشوق إلى الله زنداً; حتى إذا تلا عليهم قرآن الشيطان، وولج مزموره سمعه، تفجرت ينابيع الوجد من قلبه على عينيه، فَجَرَت، وعلى أقدامه فرقصت، وعلى يديه فصفقت، وعلى سائر أعضائه فاهتزت وطربت، وعلى أنفاسه فتصاعدت، وعلى زفراته فتزايدت، وعلى نيران أشواقه فاشتعلت.

فيا أيها الفاتن المفتون، والبائع حظه من الله بنصيبه من الشيطان صفقة خاسر مغبون، هلا كانت هذه الأشجان عند سماع القرآن؟ وهذه الأذواق والمواجيد، عند قراءة القرآن المجيد؟ ولكن كل امرئ يصبو إلى ما يناسبه، ويميل إلى ما يشاكله; ولقد أحسن القائل:

تلا الكتاب فأطرقوا لا خيفةً

لكنه إطراق ساهٍ لاهِ

وأتى الغناء فكالحمير تناهقوا

والله ما رقصوا لأجل الله

دف ومزمار ونغمة شادن

فمتى رأيت عبادة بملاهِ

ثقل الكتاب عليهم لما رأوا

تقييده بأوامر ونواهِ

وهذا السماع الشيطاني، له في الشرع بضعة عشر

ص: 249

اسماً: اللهو، واللغو، والباطل، والزور، والمكاء، والتصدية، ورقية الزنى، وقرآن الشيطان، ومنبت النفاق في القلب، والصوت الأحمق، والصوت الفاجر، وصوت الشيطان، ومزمور الشيطان، والسمود.

أسماؤه دلت على أوصافه

تَبًّا لذي الأسماء والأوصافِ

فبينما ترى الرجل وعليه سمة الوقار، وبهاء العقل وبهجة الإيمان، ووقار الإسلام وحلاوة القرآن، فإذا سمع الغناء وضرب الدفوف، نقص عقله وقل حياؤه، وذهبت مروءته وفارقه بهاؤه، وتخلى عنه وقاره، وخرج به شيطانه، وشكا إلى الله إيمانه، وثقل عليه قرآنه، وقال: يا رب لا تجمع بيني وبين قرآن عدوك؛ فاستحسن ما كان قبل السماع مُستقبِحه، وأبدى من شره ما كان يكتمه، وانتقل من الوقار والسكينة إلى كثرة الكلام والكذب، والهزهزة والفرقعة بالأصابع؛ فيميل برأسه ويهز منكبيه، ويضرب الأرض برجليه، ويدق على أم رأسه بيديه، ويثب وَثَبات الذباب، ويدور دوران الحمار حول الدولاب، ويصفق بيديه تصفيق النسوان، ويخور من الوجد كخوران الثيران; وتارة يتأوه تأوه الحزين، وتارة يزعق زعاق المجانين.

وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة لهو ولعب، ومزامير الشيطان، وصوت عند مصيبة خمش وجوه، وشق جيوب ورنة؛ قال ابن عباس، رضي الله

ص: 250

عنه، على قوله:{وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} [سورة الإسراء آية: 64] : قال:? "كل داع إلى معصية"، وقال مجاهد: صوته الغناء والباطل; وقال الحسن البصري: ?"هو الدف، فكل متكلم بغير طاعة الله، أو مصوت بِيَراع أو مزمار، أو دف أو طبل، فذلك صوت الشيطان، وكل ساع في معصية الله على قدميه فهو من رَجِله، وكل راكب في معصية الله فهو من خيله".

وقد أخبر صلى الله عليه وسلم: " أنه يمسخ قوم من هذه الأمة في آخر الزمان قردة وخنازير، قيل: يا رسول الله، أليس يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله؟ قال: ويصومون ويصلون ويحجون. قيل: فما بالهم؟ قال: اتخذوا المعازف والدفوف، فباتوا على شربهم ولهوهم، فأصبحوا وقد مسخوا قردة وخنازير "، وقال صلى الله عليه وسلم:" تبيت طائفة من أمتي على أكل وشرب ولهو ولعب، ثم يصبحون قردة وخنازير. ويبعث على حي من أحيائهم ريح، فتنسفهم كما تنسف من كان قبلكم، باستحلالهم الخمر وضربهم بالدفوف "1.

وعنه صلى الله عليه وسلم قال: " يبيت قوم من هذه الأمة، على طعم وشرب ولهو ولعب، فيصبحون وقد مسخوا قردة وخنازير؛ وليصيبنهم قذف وخسف، حتى يصبح الناس فيقولون: خسف الليلة بدار فلان، وخسف الليلة ببني فلان، وليرسلن عليهم حجارة من السماء، كما أرسلت على قوم لوط على

1 أحمد (5/259) .

ص: 251

قبائل فيها، ولترسلن عليهم الريح العقيم التي أهلكت عاداً لشربهم الخمر، وأكلهم الربا وضربهم بالدفوف، واتخاذهم القينات، وقطيعتهم الرحم "، وعنه صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله بعثني رحمة وهدى للعالمين، وأمرني أن أمحق المزامير والكبارات - يعني الطبول والمعازف - والأوثان التي كانت تعبد في الجاهلية " 1.

وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم قال: " إذا عملت أمتي خمس عشرة خصلة، حل بها البلاء. قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: إذا كان الفيء دُوَلا، والأمانة مغنماً، والزكاة مغرماً، وأطاع الرجل زوجته وعق أمه، وبر صديقه وجفا أباه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأُكرم الرجل مخافة شره، وشربت الخمور، ولبس الحرير، واتخذت القينات والمعازف، ولعن آخر هذه الأمة أولها، فليرتقبوا عند ذلك رجماً وخسفاً ومسخاً "2.

وسئلت عائشة، رضي الله عنها، عن الزلزلة، فقالت:? "إذا استباحوا الربا، وشربوا الخمور، وضربوا بالمعازف - وهي الدفوف وغيرها، مما يضرب به من آلات اللعب واللهو -، غار الله في سمائه، فيقول: تزلزلي بهم، فإن تابوا وفزعوا، وإلا هدمتها عليهم".

فاتق الله وأزل ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإزالته، واعلم بأنك

1 أحمد (5/257) .

2 الترمذي: الفتن (2210) .

ص: 252

مسؤول عن ذلك، فاستعد وأعد للسؤال جواباً، وللبلاء والمحنة جلباباً، ولا تكن كمن قال الله في حقه:{وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْأِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} [سورة البقرة آية: 206] . ولولا الشفقة عليك مع عدم من ينصحك، لم أبين لك هذا، ولكن تعين علينا ذلك؛ فإياك أن يكون حجة عليك، والسلام.

من نظر في كتاب غيره بغير إذنه

سئل الشيح محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: عن قوله: من نظر في كتاب غيره بغير إذنه

إلخ؟

فأجاب: أظن الذي أورده إنما عنى الرسالة، لأن هذا يكون من جنس استماع سر قوم وهم له كارهون، هذا بأذنه وذاك بعينه؛ ومما يدل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن في زمنه كتاب مكتوب مستقل، بل ولا زمن الخلفاء، حتى المصحف لم يكتب إلا بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم في خلافة أبي بكر. وأما الحديث، فأول من أمر بكتابته عمر بن عبد العزيز، لما خشي اندراس العلم بموت العلماء واشتغال الناس بالدنيا.

سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عما يقول بعض الناس: ضرني فلان، أو قتل دابتي فلان، يريد العائن، واعتقاد أنه يضر، ويتلفظون بذلك ويصرحون به؟

فأجاب: وأما قول الإنسان: ضرني فلان، أو قتل دابتي، يعني إنساناً حياً مباشراً للفعل، فلا بأس بذلك، وليس في هذا إشكال.

ص: 253