الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب الهبة والعطية
سئل الشيخ سعيد بن حجي: إذا بلغ الغلام خمس عشرة سنة، هل تصح عطيته؟
فأجاب: قال في المغني: فأما الهبة من الصبي لغيره فلا تصح، سواء أذن الولي فيها أو لم يأذن، لأنه محجور عليه لحظ نفسه، فلا يصح تبرعه كالسفيه. انتهى. فقد صرح بأن السفيه لا تصح هبته. وقال في الإنصاف: سئل أحمد: متى تجوز هبة الغلام؟ قال ليس فيه اختلاف، إذا احتلم أو صار ابن خمس عشرة سنة. وقال في التوضيح: ويعتبر أن تكون الهبة من جائز التصرف. انتهى. وقال في المبدع: ويعتبر أن تكون - يعني الهبة - من جائز التصرف. انتهى. فقد علمت: أنه لا بد فيمن بلغ خمس عشرة سنة أن يكون رشيداً، والرشد: الصلاح في المال، في قول أكثر العلماء، قاله في الشرح والمبدع، وكلام أحمد يحتمل أنه رشيد.
سئل الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف: عمن وهب مجهولاً؟
فأجاب: الهبة تصح مع الجهالة، لأن الشيخ
تقي الدين وجمعاً من أهل العلم صححوا هبة المجهول المشاع، واستدلوا على ذلك بأدلة ظاهرة، وجهالة العين أخف من جهالة العدد؛ فالظاهر صحة الهبة في الصورة المذكورة، والوارث يقوم مقام الواهب في التعيين. وقول بعض أهل العلم: لا تملك إلا بالقبض، معناه: أن الواهب له الرجوع في الهبة قبل القبض، ولا رجوع في مسألتنا.
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: عن امرأة دفعت حليها إلى ابنتها، تجمل به لزوجها وهم في بيت واحد، فكانت تستعمله في حياة أمها، فلما ماتت ادعت البنت استحقاقه بذلك؟
فأجاب: الذي يظهر لنا أن البنت لما لم تدع الهبة، لا تملك بمجرد الإذن في الاستعمال، والظاهر أن ذلك إعارة لا تمليك؛ ومفهوم كلام الأصحاب الذي أشرتم إليه، دليل على هذا، لأن الأم لم تجهزها به إلى بيت زوجها، فلم يوجد ما هو تمليك. وأما الصورة التي سئل عنها الشيخ سليمان بن علي، فالفرق بينها وبين مسألتنا ظاهر، وذلك أن الأم ادعت أن ذلك الحلي الذي اشترته وألبسته البنت أنه ليس للبنت، والظاهر أن ما كان عليها، فهو لها بحكم اليد، وليس هنا أصل يعارض هذا الظاهر. وأما مسألتنا فالأصل فيها قوي، ولم يوجد ما ينقل عن ذلك الأصل القوي، فيبقى
حكم الأصل. هذا ما ظهر لي في حكم المسألة، والله أعلم.
سئل الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ: إذا جهزها أبوها بجهاز إلى بيت زوجها، هل تملكه بنقله
…
الخ؟
فأجاب: تملكه بذلك، قال في المغني: فرع: ما جهزت به المرأة إلى بيت زوجها من مالها، أو مال أمها، أو مال أبيها، ليس لواحد منهما ولا غيرهما أخذه، ولا شيء منه; وقال في الإقناع: وتنعقد بإيجاب وقبول، وبمعاطاة بفعل يقترن بما يدل عليها؛ فتجهيز ابنته بجهاز إلى بيت زوجها تمليك لها. انتهى. فعلى هذا، إذا أرادت أمها أن تأخذ منه شيئاً، لم يكن لها ذلك.
وإن أراد الأب الرجوع لأجل التسوية بين أولاده - كما ذكرت في السؤال - فلا مانع له بشرطه، وهو: أن لا يتعلق به حق غير، أو رغبة، نحو أن يتزوج الولد أو يفلس، أو يفعل ما يمنع التصرف مؤبداً أو مؤقتاً، فإن تعلق به شيء مما ذكر فإنه لا يرجع؛ اختاره المصنف وابن عقيل والشيخ تقي الدين، وهو مذهب مالك، لأن في رجوعه إبطال حقه، يؤيده قوله صلى الله عليه وسلم:" لا ضرر ولا ضرار " 1، كذا عللوه، هذا الذي يظهر لنا.
وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين: أما إذا ألبست الأم ابنتها حلياً
…
إلخ، فقد رأيت في ذلك جواباً لأحمد بن
1 ابن ماجة: الأحكام (2340) ، وأحمد (5/326) .
يحيى بن عطوة، فإنه سئل: عما إذا وجد على البنت الصغيرة حلي، وثياب فاخرة، فما حكم ذلك؟ وهل تسمع دعوى الأم أن ذلك لها وإنما ألبسته إياها تجميلاً؟ أو دعوى الورثة أنه لمورثهم، وإنما جملها به؟ وهل بين الصغيرة والكبيرة فرق في ذلك؟ وهل ذلك عامٌّ الأب والأم.
فأجاب: الظاهر من شواهد الأحوال والعرف والعادة المستمرة، أن تجميل الأبوين بنتهما بكل ما يعد تجميلاً، أنه تخصيص لها بذلك، دون سائر من يرثهما، إذا لم تجر عادتهما بأنه عارية تجري عليها أحكامها. إذا عرف ذلك، فلا كلام لسائر الورثة في ذلك، بعد موت المخصِّص المعطي للزوم ذلك بموته، كما صرح به الأصحاب؛ والتخصيص سائغ أيضاً في مسائل، كفقر وعلم ونحوهما. وأما الأم، فإن أقامت بينة شرعية أن ذلك لها، وأنه عارية، ساغت دعواها بذلك، وإلا فلا. ولا فرق بين الصغيرة المميزة والكبيرة في ذلك; وأما غير المميزة فمحل نظر وتأمل.
والذي يظهر لي: أن ذلك عام الأب والأم، وإنما يعد الأب لأنه الغالب، والشيء إذا خرج مخرج الغالب، لا مفهوم له - إلى أن قال - فحيث ثبت إمكان ملك البنت، في المسألة المذكورة بما ذكر، فلا يجوز انتزاع ما صار إليها إلا بدليل راجح، يسوغ المصير إليه شرعاً. انتهى.
ومن جواب للشيخ سليمان بن علي - وقد سئل عن هذه المسألة -: إذا كان الحلي على البنت، ولو لم تذهب به إلى بيت زوج، وادعته الأم، لم تقبل إلا بينة أنه للأم، وأنه على البنت عارية؛ ولو أقامت الأم بينة أنها التي اشترته لم تقبل، حتى تقول: وهو عارية على البنت. انتهى.
سئل بعضهم: هل يجوز لإمام المسلمين قبول هدية المشركين أم لا؟ والمستدل على منعها بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ} [سورة الأنفال آية: 36] مصيب أم لا؟ فبينوا لنا، رحمكم الله بالدليل.
فأجاب: قبول هدية المشركين للأئمة جائز عند جميع علماء الإسلام، والإمام مخير بين قبولها وردها، وبين قبولها والمكافأة عليها؛ ولا ينكر هذا إلا رجل جاهل بهديه صلى الله عليه وسلم. وقد "أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ملك أيلة من ملوك الروم بغلة، فكساه برداً. وقد أهدى له المقوقس هدايا كثيرة منها جبة سندس، فعجب الناس منها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذا. وأهدى له صلى الله عليه وسلم أكيدر دومة هدايا، منها سلاح، ومنها بغال، ومنها حماره "يعفور" وأهدت له صلى الله عليه وسلم اليهودية شاة مشوية وقبلها وأكل منها، وأهدى له صلى الله عليه وسلم بالطائف عتبة وشيبة، طبق رطب مع عداس غلام عتبة،
وقبله وأكل منه، ومعه زيد بن حارثة".
وقال البخاري في صحيحه: باب قبول هدية المشركين، وذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"هاجر إبراهيم عليه السلام بسارة، فدخل قرية فيها ملك أو جبار، فقال: أعطوها آجر"، ثم ذكر البخاري أحاديث لا نطول بذكرها، فمن أراد يراجعها فليراجعها في مكانها.
وقد "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه إلى بني النضير، يكلمهم أن يعينوه في دية الرجلين العامريين اللذيْن قتلهما عمرو بن أمية الضمري، فقالوا: نفعل يا أبا القاسم، اجلس هاهنا حتى نقضي حاجتك"، ذكره البخاري.
فتأمل أيها المسترشد، رحمك الله تعالى، هديه وسيرته، يغنك عن هدي غيره، وعن تحكمات من لا يعلم؛ فهو صلى الله عليه وسلم أعلم بالقرآن ومعانيه ومضمونه وأوامره ونواهيه، ولو كان معنى الآية الكريمة ما ذكره هذا المعترض، لفهمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل به، وبينه لأمته، كما بين أنواع المنهيات؛ بل إنه صلى الله عليه وسلم نهى أمراء السرايا والمغازي عن قبول الهدايا، وأخبر أنها غلول، وهذا منه سد للذريعة، وإبعاد لهم عن التهمة؛ والكلام على هذا يطول جداً.
وأما معنى الآية الكريمة، فقال البغوي، رحمه الله، في معالم التنْزيل، في تفسير قوله تعالى: {لِيَصُدُّوا عَنْ
سَبِيلِ اللَّهِ} [سورة الأنفال آية: 36] : أي: ليصرفوا عن دين الله؛ قال الكلبي ومقاتل: نزلت في المطعمين يوم بدر، وكانوا اثنا عشر رجلاً: أبو جهل بن هشام، وعتبة، وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وأبو البختري بن هشام، والنضر بن الحارث، وحكيم بن حزام، وأبيّ بن خلف، وزمعة بن الأسود، والحارث ابن عامر بن نوفل، والعباس بن عبد المطلب، وكلهم من قريش، وكان يطعم كل واحد منهم عشر جزر.
وقال الحكم بن عيينة: نزلت في أبي سفيان، أنفق على المشركين يوم أحد أربعين أوقية
…
إلى آخر ما ذكر، رحمه الله.
فحكمها باق إلى يوم القيامة فيمن عمل عملهم؛ ولا ينبغي لمن يخشى الله والدار الآخرة أن يستدل بالقرآن على مراده وهواه، فإنه يجني على الشريعة أعظم جناية، ويكون من المفترين.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: عمن وهب للثواب هل يرجع؟
فأجاب: الواهب إذا كان مراده الثواب، فإنه يرجع فيها إذا لم يُثَب، وأما الصدقة فليس حكمها حكم الهبة، لأن الصدقة أن يتصدق على إنسان لفقره، والهبة أن يهب لآخر شيئاً ولو مع غناه، تارة يريد بها المكافأة، وتارة على
وجه الكرم والتفضل.
وأجاب الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف: الهبة للثواب أو إرادته، الحكم فيها ظاهر، سواء اشترط ثواباً مجهولاً أو لا؛ وقد ذكر الموفق فيها روايتين: إحداهما: لا تصح. وعنه: يرضيه بشيء فتصح; وذكرها الشيخ تقي الدين ظاهر المذهب، قال الحارثي: هذا المذهب. فعلى هذا، عليه أن يعطيه حتى يرضيه، فإن لم يفعل فللواهب الرجوع؛ وقد قال عمر رضي الله عنه:"من وهب هبة أراد بها الثواب فهو على هبته، يرجع فيها ما لم يُرض منها"، وروى معناه عن علي وفضالة بن عبيد، رضي الله عنهم. وأما الفرق بين بذل الثواب قبل النّزاع، أو بعده فلم يتبين لي فيه شيء.
وأجاب الشيخ حسن بن حسين بن علي: للواهب الرجوع في هبته، إذا لم يحصل له مقصوده الذي وهب لأجله.
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: إذا كان لرجل أرض ووهبها لابنه الصغير؟
فأجاب: إن قبضها له وأشهد، أو جعلها في يد رجل آخر، وجعله وكيلاً في قبضها منه لابنه، لزمه ذلك وقبضه من شرطه؛ وإن لم تقبض فلا لزوم. وعلى كل حال، فللوالد أن يرجع في هبته للولد، وأما إذا مات وصح القبض فلا رجوع، على ما ذهب إليه الأكثرون من العلماء.
سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله: عن الهبة، هل تلزم بمجرد العقد؟
فأجاب: الهبة تلزم بمجرد العقد.
سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: عمن أبرأ غرماءه مما عليهم من الدين، فلما برئ من المرض أراد الرجوع فيما زاد على الثلث
…
إلخ؟
فأجاب: هذا لا رجوع فيه، بل سقط الدين بمجرد إسقاطه؛ وإنما التفصيل فيما إذا أبرأ من الدين، ومات في ذلك المرض. وأما الذي أبرأ غريمه على شرط مجهول، بأن شرط عليه ذلولاً في الجهاد دائماً، ومتى ماتت اشترى أخرى، أو شرط عليه أضحية كل سنة على الدوام، فهذا لا يصح، والبراءة والحالة هذه لا تصح.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: عن الولد يبرئ من دين أبيه
…
إلخ؟
فأجاب: الولد لا يجوز له أن يبرئ من دين أبيه من غير رضاه.
وسئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عمن أبرأت أباها من شيء في ذمته لها، ولم يذكر الكاتب أنه سمعها تقر بذلك، ولا شهد على لفظها، هل يثبت الإبراء شرعاً والحال أنها منكرة صدور ذلك؟
فأجاب: أرى أنه لا يثبت بذلك براءة والحالة هذه،
لأن الكاتب لم يذكر سماعه لكلامها، ولا ذكر شهادة منه بذلك.
فصل
سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب: هل يجوز للوالد أن يفضل أحداً من أولاده في العطية؟
فأجاب: لا يجوز أن يفضل أحداً من أولاده على أحد منهم في العطية.
وأجاب أيضاً: الوالد إذا أعطى بعض بنيه عطية وحازها، لم يرجعوا عليه.
وأجاب ابناه: الشيخ حسين، والشيخ عبد الله: لا يجوز للوالد التفضيل بين أولاده في العطية، بل يحرم عليه ذلك، ويجب عليه ردها أو التسوية بينهم، كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة النعمان بن بشير، لما نحله أبوه نحلة، فقالت أمه: لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاه فأخبره فقال:" كل أولادك أعطيت مثل هذا؟ فقال: لا، فقال: اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم " 1، وفي لفظ آخر:" لا تشهدني على جور " قال النعمان: فرد أبي تلك العطية 2؛ وهذا مذهب الإمام أحمد وغيره، وهو الصواب.
وسئل أيضاً الشيخ عبد الله: عمن أعطى بعض بنيه، فلما مرض أراد الرجوع، هل يجوز له؟
1 البخاري: الهبة وفضلها والتحريض عليها (2586، 2587) والشهادات (2650)، ومسلم: الهبات (1623)، والترمذي: الأحكام (1367)، والنسائي: النحل (3672، 3673، 3674، 3675، 3676، 3677، 3678، 3679، 3680، 3681، 3682، 3683، 3684، 3685، 3686)، وأبو داود: البيوع (3542، 3543، وابن ماجة: الأحكام (2375، 2376) ، وأحمد (4/268، 4/269، 4/270، 4/273، 4/276)، ومالك: الأقضية (1473) .
2 البخاري: الشهادات (2650)، ومسلم: الهبات (1623) .
فأجاب: يجوز له، بل هو الواجب عليه، الذي إن تركه أثم بارتكاب معصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله:" اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم " 1؛ بل عند الشيخ تقي الدين وغيره من أهل العلم: أنه لو مات ولم يعدل، ولم يرجع في الهبة، صار للباقين مشاركته في تلك الهبة.
سئل الشيخ محمد بن إبراهيم: عن الجمع بين حديث النعمان بن بشير: " اتقوا الله واعدلوا
…
" 2، وحديث عائشة: " إن أباها نحلها جذاذ عشرين وسقاً
…
" 3
…
إلخ؟
فأجاب: لا يعارض قول رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول أبي بكر ولا قول غيره، ويحتمل أن أبا بكر رضي الله عنه خصها لحاجتها، وعجزها عن الكسب والتسبب مع اختصاصها بفضلها، وكونها أم المؤمنين، وغير ذلك من فضائلها; ويحتمل: أن يكون نحلها، ونحل غيرها من ولده، أو نحلها وهو يريد أن ينحل غيرها، فأدركه الموت قبل ذلك؛ ويتعين حمل حديثه على أحد هذه الوجوه، لأن حمله على مثل محل النّزاع منهي عنه، وأقل أحواله: الكراهة.
والظاهر من حال أبي بكر رضي الله عنه اجتناب المكروهات؛ هذا معنى ما في الشرح الكبير، والله أعلم.
سئل الشيخ عبد الله: عمن أعطت أولادها الذكور،
1 البخاري: الهبة وفضلها والتحريض عليها (2587)، ومسلم: الهبات (1623) ، وأحمد (4/270) .
2 البخاري: الهبة وفضلها والتحريض عليها (2587)، ومسلم: الهبات (1623) ، وأحمد (4/270) .
3 مالك: الأقضية (1474) .
وهل الأم كالأب؟
فأجاب: كلام الشارع صلى الله عليه وسلم في وجوب التسوية شامل للأم، فإن كانت المرأة تزعم أنها أعطت البنات مثل ما أعطت الأولاد، وأمكن صدقها فحسن. فإن ثبت عندكم بأمارة أنها بارة الأولاد وقاطعة البنات، لزمكم أن تلزموها أن تعطي البنات مثل ما أعطت الأولاد على قدر ميراثهم، للذكر مثل حظ الأنثيين، على ظاهر كلام أحمد وغيره من أهل العلم. فإن ادعت غير ذلك، وزعمت أنها ما أعطتهم هذا العطاء الجزيل، إلا لأجل أن عندها لهم شيئاً أو غير ذلك من الأعذار التي يمكن معها صدقها، تركت.
وسئل: عن رجل جهز بناته الكبار، وله أولاد صغار، وأشهد في صحته بأن ثلاثين نخلة لأولاده الصغار، في مقابلة ما أعطى البنات
…
الخ؟
فأجاب: هذا عندي صحيح لازم، لأنه فعل ما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم من التسوية بين الأولاد، والعدل بينهم; والراجح في عطية الوالد ولده عند الموت لأجل العدل بينهم أنها صحيحة لازمة، حتى إن الشيخ، رحمه الله، يختار أن الولد يرجع به على إخوانه، ولو ما أوصى به.
وسئل: إذا فضل الوالد بعض أولاده بإذن
…
إلخ؟
فأجاب: إذا فضل الوالد بعض الأولاد، بإذن الذين
لم يفضلوا، فالذي يظهر لي صحة ذلك، إذا أذنوا بطيب نفس ورضى، لأن الحق لهم في ذلك، كما أنه لا يجوز الوصية بزيادة على الثلث، إلا بإذن الورثة.
وأجاب الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: وأما مسألة العطية، فلا خلاف بين أهل العلم في استحباب التسوية بين الأولاد، وكراهة التفضيل، لكن اختلفوا في صفة التسوية: فالمشهور عن أحمد: إن المستحب أن يقسم بينهم على حسب قسمة الله في الميراث، فيجعل للذكر مثل حظ الأنثيين. وعند أبي حنيفة ومالك والشافعي: أنه يعطي الأنثى مثل ما يعطي الذكر.
وسئل أيضاً: إذا فضل الوالد بعض أولاده لمعنى فيه، كفقر أو عمى أو زمانة، فهذه المسألة فيها خلاف، واختار الموفق الجواز، وقواه في الإنصاف. واستدل الموفق لذلك بقصة عائشة، حيث نحلها أبو بكر جذاذ عشرين وسقاً، الحديث بطوله.
وأجاب الشيخ عبد الرحمن بن حسن: الذي أعطى أحد أولاده لضعفه، فالولد الضعيف يلزم أباه الغني أن ينفق عليه، فيكون من باب الواجب الذي سبب وجوبه حاجة الابن؛ فإن كان من الأولاد من هو مثله، وجب له مثل ما يجب لأخيه الماضي لفقره.
سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب: عمن أعطى
بعض أولاده وحازها، ومات ولم يعط الآخرين؟
فأجاب: الوالد إذا أعطى بعض بنيه عطية وحازها، ولم يعط الآخرين لم يرجعوا عليه.
وأجاب ابناه: الشيخ حسين، والشيخ عبد الله: إذا أعطى بعض أولاده في حال الصحة، وفضلهم على الآخرين، وقبض المعطى العطية، ومات الوالد ولم يرجع في عطيته، فإن هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء: فالأكثرون قالوا: تمضي العطية لمن أعطيها، والإثم على الوالد المفضل بينهم، ولا تحسب من الميراث. ومن العلماء من قال: إما أن ترد، وإما أن تحسب عليه من الميراث، ولا يأخذ زيادة على إخوته؛ وهذا القول أقرب إلى الدليل وأحوط.
وأجاب الشيخ عبد الله أيضاً: الذي عليه أكثر أهل العلم، وهو الراجح عند كثير من الحنابلة وغيرهم، أنها تثبت للمعطى، ولا يرجع عليه الذين لم يعطَوْا شيئاً، ويكون الإثم على الوالد؛ وهذا هو الذي يفتي به شيخنا. والقول الثاني: أنهم يرجعون على المعطى ويكونون فيها سواء؛ وهذا اختيار الشيخ تقي الدين، وهو أقرب إلى ظواهر الأدلة.
وسئل أيضاً: عن الذي يحيف في عطيته لأولاده، هل يجب الإنكار عليه؟
فأجاب: هذا من المنكر الذي يجب على المسلمين إنكاره ورده.
وأجاب الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ محمد: إذا أعطى بعض أولاده عطية في حال الصحة، وفضلهم على الآخرين، أو خصهم وقبض المعطى العطية، ومات الوالد ولم يرجع في عطيته، فإن هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء: فذهب الإمام أحمد في المشهور عنه، ومالك والشافعي وأصحاب الرأي، وأكثر العلماء إلى أنه ليس لهم الرجوع، لأنها صارت لازمة في حق المعطَى بانتقالها إليه في حياة المعطي، واتصل بها القبول والقبض، قالوا: والإثم على الوالد المفضل بينهم.
وعن أحمد رواية ثانية: أنها لا تثبت، وللباقين الرجوع; اختارها ابن بطة وأبو الوفاء ابن عقيل، والشيخ تقي الدين، ذكره عنهم صاحب الإنصاف، وروى عن عروة بن الزبير وإسحاق بن راهويه. فعلى هذه الرواية الأخيرة: إما أن ترد، وإما أن تحسب عليه من ميراثه. قال الوالد والعم عبد الله في جوابهما: هذا القول أقرب إلى الدليل وأحوط. انتهى. لكن الذي أفتى به شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، واستمرت عليه الفتوى: مذهب الجمهور. انتهى.
وأجاب الشيخ سعيد بن حجي: ليس لهم الرجوع،
قال في المغني والشرح: إذا مات - يعني الأب - قبل أن يسترده، ثبت ذلك للموهوب له ولزم، وليس لبقية الورثة الرجوع؛ هذا المنصوص عن أحمد، وبه قال مالك وأصحاب الرأي، وأكثر أهل العلم، لكن بشرط صحة العطية، وأن لا تكون في مرض الموت. وأجاب بعضهم: إذا فضل بعض أولاده بعطية مال، فمات قبل المساواة، فالكلام في هذه المسألة في مقامين: المقام الأول: في جواز التفضيل وعدمه; فمذهب الإمام أحمد، رحمه الله: أن ذلك لا يجوز إذا كان على سبيل الأثرة. فإن خص بعضهم بعطية أو فاضل بينهم أثم، إذا لم يختص بمعنى يبيح التفضيل، ووجب عليه المساواة، إما برد الفاضل أو إعطاء الآخر حتى يتم نصيبه؛ وبهذا قال ابن مبارك، وروى معناه عن مجاهد وعروة، واختار هذا القول الشيخ تقي الدين.
وذهب الإمام مالك والثوري والليث، والشافعي وأصحاب الرأي إلى جواز التفضيل، وروى معنى ذلك عن شريح وجابر بن زيد والحسن بن صالح، لأن أبا بكر نحل عائشة جذاذ عشرين وسقاً دون سائر أولاده، واحتج الشافعي بقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث النعمان:" أشهد على هذا غيري " 1، فأمره بتأكيدها دون الرجوع.
واحتج من ذهب إلى تحريم التفضيل، بما في
1 مسلم: الهبات (1623)، وأبو داود: البيوع (3542)، وابن ماجة: الأحكام (2375) ، وأحمد (4/270) .
الصحيحين عن النعمان بن بشير قال: " تصدق علي أبي ببعض ماله، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجاء أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشهده على صدقتي، فقال: أكُلَّ ولدك أعطيته مثله؟ قال: لا، قال: فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم. قال: فرجع أبي، فردّ تلك الصدقة " 1، وفي لفظ:"قال: فاردده"، وفي لفظ:"فارجعه"، وفي لفظ:" فلا تشهدني على جور " 2، وفي لفظ:" فأشهد على هذا غيري " 3، وفي لفظ:"سوِّ بينهم"، متفق عليه، وهو دليل على التحريم، لأنه سماه جوراً وأمره برده، وامتنع من الشهادة عليه؛ والجور حرام، والأمر يقتضي الوجوب، ولأن تفضيل بعضهم يورث بينهم العداوة والبغضاء وقطيعة الرحم فمنع منه، كتزويج المرأة على عمتها وخالتها.
وقول أبي بكر: لا يعارض قول النبي صلى الله عليه وسلم ولا يحتج به، ويحتمل أن أبا بكر خصها لعجزها عن الكسب والتسبب مع اختصاصها بفضلها، ولكونها أم المؤمنين، وغير ذلك من خصائصها. ويحتمل أن يكون نحلها ونحل غيرها من ولده، أو يريد أن ينحل غيرها، فأدركه الموت قبل ذلك. ويتعين حمل حديثه على أحد هذه الوجوه، لأن التفضيل منهي عنه، وأبو بكر لا يفعل المنهي عنه مع علمه بذلك.
1 البخاري: الهبة وفضلها والتحريض عليها (2587)، ومسلم: الهبات (1623) .
2 البخاري: الشهادات (2650)، ومسلم: الهبات (1623)، والنسائي: النحل (3681، 3682، 3683) ، وأحمد (4/273) .
3 مسلم: الهبات (1623)، وأبو داود: البيوع (3542)، وابن ماجة: الأحكام (2375) ، وأحمد (4/270) .
وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: " أشهد على هذا غيري " 1 فليس بأمر، وكيف يجوز أن يأمر بتأكيده، مع أمره برده وتسميته إياه جوراً؟ ولو أمره النبي صلى الله عليه وسلم بإشهاد غيره لامتثل ولم يرده؛ لكن قوله:" أشهد على هذا غيري " 2 تهديد، كقوله تعالى:{اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [سورة فصلت آية: 40] . فأما إن خص بعضهم لمعنى يقتضي تخصيصه، من حاجة، أو زمانة، أو عمى، أو كثرة عياله، أو لاشتغاله بالعلم، ومنع بعض ولده لفسقه، أو بدعته، أو لكونه يعصي الله بما يأخذه، ونحوه، فاختار الموفق جواز ذلك، واستدل له بحديث أبي بكر، ولأن بعضهم اختص بمعنى يقتضي العطية، فجاز أن يختص بها، كما لو اختص بالقرابة.
وأجاب عن حديث النعمان بأنه قضية عين لا عموم لها; وقد روي عن أحمد ما يدل على جواز ذلك، فإنه قال في تخصيص بعضهم بالوقف: لا بأس إذا كان لحاجة، وأكرهه إذا كان على سبيل الأثرة; والعطية بمعنى الوقف. قال في الإنصاف: قلت وهذا قوي جداً، ويحتمل أن يمنع من التفضيل بكل حال، لحديث النعمان لكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل بشيراً في عطيته.
وأما المقام الثاني: وهو إذا فضل أو خص بعضهم، ثم مات قبل الرجوع والمساواة، فهل تثبت العطية للمعطى أو للباقين؟ فقد اختلفت الرواية في ذلك عن أحمد، فروي
1 مسلم: الهبات (1623)، وأبو داود: البيوع (3542)، وابن ماجة: الأحكام (2375) ، وأحمد (4/270) .
2 مسلم: الهبات (1623)، وأبو داود: البيوع (3542)، وابن ماجة: الأحكام (2375) ، وأحمد (4/270) .
عنه: أنها تثبت للمعطَى وليس لبقية الورثة الرجوع، نص على ذلك في رواية محمد بن الحكم والميموني، واختاره الخلال وصاحبه أبو بكر. قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي وأكثر أهل العلم: لقول أبي بكر لعائشة لما نحلها: "وددت لو أنك حزتيه"، فيدل على أنها لو حازته لم يكن لهم الرجوع. وقال عمر:"لا نحلة إلا نحلة يحوزها الولد، دون الوالد".
والرواية الأخرى: لباقي الورثة أن يرجعوا ما وهبه، اختاره أبو عبد الله ابن بطة وأبو حفصة العكبريان، وابن عقيل والشيخ تقي الدين، وصاحب الفائق، وهو قول عروة بن الزبير وإسحاق. قال أحمد: عروة قد روى الأحاديث الثلاثة: حديث عائشة، وحديث عمر، وحديث عثمان، وتركها، وذهب إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم سمى ذلك جوراً بقوله لبشير:" لا تشهدني على جور " 1، والجور لا يحل للفاعل فعله، ولا للمعطي تناوله، والموت لا يغيره عن كونه جوراً حراماً، فيجب رده.
ولأن "أبا بكر وعمر، رضي الله عنهما: أمرا قيس بن سعد برد قسمة أبيه حين ولد له"، ولم يكن علم به ولا أعطاه شيئاً، وكان ذلك بعد موت سعد، فروى سعيد بإسناده: أن "سعد بن عبادة قسم ماله بين أولاده، وخرج إلى الشام فمات بها. ثم ولد له بعد ذلك ولد، فمشى أبو
1 البخاري: الشهادات (2650)، ومسلم: الهبات (1623) .
بكر وعمر، رضي الله عنهما، إلى قيس بن سعد، فقالا: إن سعداً قسم ماله ولم يدر ما يكون، وإنا نرى أن ترد هذه القسمة، فقال: لم أكن أغير شيئاً صنعه سعد، ولكن نصيبي له".
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن أخذ الأب من مال ابنه
…
إلخ؟
فأجاب: وأما الأب فيجوز له الأخذ من مال ابنه؟ سواء كانت الأم موجودة أو لم تكن، ولا يجوز له أن يعطي منه، ولا يهب، ولا يتصدق.
وأجاب أيضاً: وأما الأب فيجوز له الأخذ من مال ابنه، صغيراً كان أو كبيراً، بالشروط المذكورة في كتب الفقه.
سئل الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف: ما قولكم، وفقكم الله للصواب: إذا كان زيد أباً لعمرو، وأخذ زيد قسماً من مال عمرو، هل يحل له ذلك؟ وإذا طلب عمرو وأولاده بعده، استرجاع ما أخذ زيد، فهل لهم ذلك؟ أفتونا مأجورين.
فأجاب: الحمد لله، يجوز للوالد أن يأخذ من مال ولده، لقوله صلى الله عليه وسلم:" أنت ومالك لأبيك " 1، وقوله:" إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبك م"2.
1 ابن ماجة: التجارات (2291) .
2 الترمذي: الأحكام (1358)، وابن ماجة: التجارات (2290) ، وأحمد (6/162) .
ويشترط لأخذه من ماله ستة شروط: أحدها: أن يأخذ ما لا يضر الولد، ولا يحتاجه. الثاني: أن لا يعطيه لولد آخر. الثالث: أن لا يكون في مرض موت أحدهما. الرابع: أن لا يكون الأب كافراً، والابن مسلماً. الخامس: أن يكون عيناً موجودة. السادس: تملكه ما يأخذه من مال الولد، بقبض مع قول أو نية. هذا معنى كلام فقهائنا، رحمهم الله، وعليه الفتوى. ومنه يعلم: أنه ليس للولد استرجاع ما أخذه الأب بهذه الشروط الستة المذكورة; وأما مع فقدها أو فقد بعضها، فللولد استرجاعه، لعدم ثبوت ملك الأب عليه. هذا إن كان عيناً موجودة؛ وإن لم يكن كذلك، ثبت المثل في ذمة الأب، إن كان مثلياً، والقيمة إن كان متقوماً.
وحكم أولاد عمرو، حكم أبيهم، إن استمر عدم ثبوت ملك زيد لذلك إلى وفاة عمرو، لأنه حينئذ يكون من جملة مخلفات عمرو.
وسئل الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ: عن امرأة ماتت عن زوجها وابنها وبنات، وخلفت شيئاً من الحلي وصار تحت يد الزوج جميعه، فمات ولم يوص به لعياله، ولم يشهد أنه تملكه أبوهم؟
فأجاب: قال في المقنع: وإن تصرف يعني الأب في مال ولده قبل تملكه ببيع أو عتق أو إبراء من دين، لم
يصح تصرفه. انتهى. وهذا المذهب. وله تملكه بالقبض، نص عليه، مع القول أو النية، قاله الفقهاء، رحمهم الله، من أصحاب أحمد. فقد عرفت: أنه لا يصح التصرف قبل التملك، لأن مجرد قبض الوالد لمال ولده لا يكتفى به في ثبوت الملك، بل لا بد معه من القول المصرح بتملك مع القبض ومع الإشهاد عليه، مع أن مذهب مالك والشافعي وأصحاب الرأي: أن الأب لا يتملك من مال ولده إلا ما احتاج إليه فقط، ذكره عنهم في المغني وغيره، خلافاً لأحمد.
وسئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن: هل للوالد أن يتملك جميع مال ولده الصغير، أو بعض ماله الذي يضر به؟ أم حكم الصغير كالكبير والغني كالفقير
…
إلخ؟
فأجاب: للأب أن يتملك من مال ولده ما شاء، صغيراً كان الولد أو كبيراً، غنياً كان الأب أو فقيراً، بشروط ستة مقررة في محلها: منها: أن لا يضر بالولد ضرراً يلحقه في الحاجات الضروريات، كتملك سريته ونحو ذلك، وأن لا يكون في مرض موت أحدهما، وأن لا يعطيه ولداً آخر، وأن تكون عيناً موجودة، وله الرجوع في الهبة إذا كانت عيناً باقية في ملك الابن، لم يتعلق بها حق أجنبي ولا رغبة، كمداينة الأجنبي، وأن لا تزيد زيادة متصلة.
وعنه: الرجوع فيما زاد زيادة متصلة كالمنفصلة، وليس من جنس النماء، كما توهمه السائل؛ بل ذلك من التصرفات في الهبة. وقد نص فقهاؤنا: على أن كل تصرف للابن لا يمنعه من التصرف في العين، ليس بمانع للأب من الرجوع في هبته والتصرف فيها. والنقص الحاصل بقلع الغراس وأخذ الحلية لا يمنع الرجوع.
وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري: للأب أن يتملك من مال ولده، مع حضوره وغيبته، ورضاه وسخطه، وصغره وكبره؛ فإذا ملكه فله التصرف فيه، بأي نوع من أنواع التصرفات. ولا بد من قول الأب: تملكت هذه العين من مال ابني. وأما ما تصرف فيه الولد من أعيان ماله، من بيع أو هبة أو غير ذلك، فلا يملك الأب إبطال تصرفه، لتعلق حق الغير به.
سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله: إذا قال: وهبتك عمرك أو عشر سنين
…
إلخ؟
فأجاب: إذا وهبه وقال: وهبتك عمرك، أو عشر سنين، فمثل هذا يجوز.
وأجاب ابنه: الشيخ عبد الله: أما العمرى والرقبى، ففيها خلاف بين الفقهاء، ولا يتبين لي الآن وجه كونها لمن أَعمَرها أو لمن أُعمِرها. وأما الذي يشبه لفظ العمرى
عندنا، هو أن يقول: هي لك حياة عينك، أو ما عشت، أو حياة عيني، وأشباه ذلك.
وأجاب أيضاً: وأما العمرى والرقبى، ففيها خلاف مشهور، والأحاديث فيها متعارضة؛ والذي نختاره: أنه إذا شرط الرجوع فيها رجعت إلى مالكها. وإذا أعطى عطية وقبضها المعطَى، فلا يجوز للمعطي الرجوع; فإن أعطاه أرضاً يستغلها سنة أو سنتين أو ثلاثاً، فإذا مضت المدة جاز له إرجاعها.
وسئل أيضاً: عن كلام الشيخ في الهبة، إذا اشترط رجوعها إلى المعمِّر؟ - بالكسر - أو قال: لآخرنا موتا، هل ترون شيئاً يمنعه؟
فأجاب: الذي نرى أن الأحاديث تمنعه، وأخذ بظاهرها كثير من الفقهاء؛ وكلام الشيخ هو الموافق للأصول والقواعد.
وأجاب الشيخ محمد بن محمود: وأما مسألة العطية، فإن كان على وجه المنيحة، كأن يقول: ولك غلته أو لك سكناه أو لك خدمته، فحكمه حكم العارية متى شاء استردها، وإن قال: هي لك حياتك أو عمرك أو حياتي، فهذه العمرى تكون للذي أعطيها ولورثته، ولا ترجع للذي أعطاها.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عمن حضرتها الوفاة، وأحضرت شاهد عدل، وأشهدت على نفسها: أنها أبرأت زوجها من صداقها؟
فأجاب: إن كان الصداق ثابتاً عليه إلى أن مرضت مرض الموت، لم يصح ذلك إلا بإجازة بقية الورثة، وأما إن كانت أبرأته في الصحة جاز ذلك، وثبت بشاهد ويمين عند مالك والشافعي وأحمد، ويثبت أيضاً بشهادة امرأتين ويمين عند مالك، وقول في مذهب أحمد. وإن أقرت في مرضها: أنها أبرأته في الصحة، لم يقبل هذا الإقرار عند أبي حنيفة وأحمد وغيرهما، ويقبل عند الشافعي. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:" إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث " 1، وليس للمريض أن يخص الوارث بأكثر مما أعطاه الله.
وسئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عن إبراء المريض في مرض الموت، ورجوعه
…
إلخ؟
فأجاب: إبراء المريض في مرض موته من الثلث، ولا يصح رجوعه عن الإبراء.
1 أبو داود: الوصايا (2870)، وابن ماجة: الوصايا (2713) .
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله: عن الفرق بين العطية والوصية
…
إلخ؟
فأجاب: أما الفرق بين العطية والوصية، فالفرق بينهما ظاهر كما ذكر في الشرح: أنها تفارقها في أربعة أشياء; وأما كون أهل بلدك لا يفرقون بينهما، فالألفاظ لا يعتبر بها. فإذا كان عندهم أن الوصية بمعنى العطية والهبة، فهي كذلك، وكذلك اللفظ؛ فكل هذا ينظر إلى مقصود المتكلم بذلك وعرفه في بلده، فإن كان مراده أنه يمضيها له في حياته وبعد موته، صارت بمعنى العطية والهبة، وإن كان العرف عندهم أن مراده بذلك إن مات، فهي بمعنى الوصية، ثبتت لها أحكامها.