المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌كتاب الوصايا سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عمن أوصى - الدرر السنية في الأجوبة النجدية - جـ ٧

[عبد الرحمن بن قاسم]

الفصل: ‌ ‌كتاب الوصايا سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عمن أوصى

‌كتاب الوصايا

سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عمن أوصى في الجاهلية، هل هو كمن أوصى في الإسلام؟ وهل يفرق بين صحيحها وفاسدها؟

فأجاب: الذي يوصي بوصايا في الجاهلية لا تجوز في الإسلام، فما أدركه الإسلام قبل قبضه بطل، ولا ينفذ على الوجه الصحيح الشرعي. وأما إذا مات الموصي، وقبض الموصَى له المال، ثم أسلم بعد ذلك، فهذا يقر في يده ما كان قد تملكه قبل الإسلام، ولو كان بغير وجه صحيح؛ والإسلام يجُبُّ ما قبله، وسواء في ذلك الوصية والمواريث، والعقود الفاسدة.

وأجاب أيضاً: الذي أوصى في الجاهلية بأعمال البر، فالعادة ندعه على ما أوصى به، ولا نتعرضه.

وسئل، رحمه الله: عمن لا يملك إلا عشرين ريالاً، أو خمسة عشر، ويوصي بحجة، أو لا يوصي، هل تقدم الحجة على الميراث والحالة هذه؟

فأجاب: كلام أهل العلم لا يخفى عليك، ولكن مشكل علي كون مثل هذا يؤخذ من ماله، أو تصح الوصية

ص: 105

به والحالة هذه؛ والذي ذكر أهل العلم: أن من شروط الحج أن يملك زاداً وراحلة، وما يحتاج إليه في سفره، بشرط أن يكون ذلك فاضلاً عن قوته وقوت عياله، حتى قال أكثر الحنابلة على الدوام، وفاضلاً عن وفاء دينه، سواء كان الدين حالاً أو مؤجلاً، أو لغيره. وأتحرى أن مثل هذا الذي تذكر، ما توجد فيهم هذه الشروط، وعلى هذه الحال، لا يؤخذ من مالهم شيء، ولو وصى به أحد منهم، لم تصح وصيته.

وسئل الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف: عن شخص أوصى في ثلث ماله بثلاث أضاحي، وأفرز الورثة شقصاً قدر عشر الثلث، وهو وقت الإفراز يفي بالأضاحي، والآن ما يفي بواحدة، فطلب ولي الأضاحي إكمالها من ثلث مال الموصي، فهل له ذلك؟

فأجاب: إذا عين الموصي الأضاحي في ثلث ماله، لم يجز للورثة حيازتها في بعض الثلث، لأن ظاهر لفظ الموصي تقديم الأضاحي، والخارج من الثلث بعدها، ولا يجوز العدول عن نصه؛ وهذا الإفراز ظلم من الورثة، والله أعلم.

سئل الشيخ سعيد بن حجي: متى تصح وصية الصبي؟

فأجاب: أما وصيته، فقال في المغني: من جاوز عشر سنين، فوصيته جائزة إذا وافق الحق؛ قال أبو بكر: لا

ص: 106

يختلف المذهب أن من له عشر سنين تصح وصيته، ومن له دون سبع سنين فلا تصح وصيته؛ وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم مالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي. وما بين السبع والعشر فعلى روايتين. انتهى. وقال في الشرح الكبير نحو ذلك.

سئل الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري: عن وصية الجارية التي لم تبلغ؟

فأجاب: قد ذكر العلماء أنها تصح وصية الصبي العاقل في ماله بقدر الثلث.

سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: عمن اعتقل لسانه عن بعض الكلام وهو مريض، وقيل له: أوص لفلان بكذا، وكرر عليه، ثم قال: فلاناً يسميه، ويشير برأسه إشارة ولم يتكلم به.

فأجاب: العلماء اختلفوا في وصية من اعتقل لسانه: فقال في الشرح لما ذكر صحة وصية الأخرس: فأما الناطق إذا اعتقل لسانه فعرضت عليه وصية، فأشار بها وفهمت إشارته، فلا تصح وصيته إذا لم يكن ميؤوساً من نطقه؛ ذكره القاضي وابن عقيل، وبه قال الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة. ويحتمل أن تصح؛ وهو قول الشافعي وابن المنذر. وقال في الإنصاف: لا تصح وصية من اعتقل لسانه، وهو المذهب، وعنه التوقف. ويحتمل أن تصح إذا اتصل

ص: 107

بالموت وفهمت إشارته؛ اختاره في الفائق؛ قلت: وهو الصواب. قال الحارثي: وهو الأولى، واستدل له بحديث رَضِّ اليهودي رأس الجارية وإيمائها. انتهى. وهذا الاختلاف فيما إذا اعتقل لسانه واتصل به الموت. وهذا المسؤول عنه قد تكلم باسم الرجل، فالظاهر من حاله أنه يقدر على التلفظ بالوصية فلم يلفظ بها، فلا يدخل تحت الصورة المختلف فيها، والأقرب عندي عدم الصحة.

وأجاب أيضاً: إذا أوصى رجل في مرض موته، فقال الورثة: أوصى وهو لا يعقل، وقال بعضهم: بل أوصى وهو عاقل. هل تصح وصيته أو لا؟ فالذي يظهر لي صحة الوصية; لأن الأصل ثبوت العقل وصحة الوصية؛ ومن ادعى خلاف ذلك فعليه البينة.

قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن: وجدت على ظهر وثيقة أوصى بها عبد الرحمن بن محمد القاضي: إن كانت هذه الوثيقة بيد ورثة الموصي، وسبق عمل بها من وارثه أو وارث وارثه، ولم ينازع أحد من الورثة في صدورها عن مورثهم، فهذا منهم إقرار بالوصية وتسليم لمقتضاها؛ فيثبت الحكم الشرعي والتقرير لمضمون الوصية، وهو حجة شرعية. وإذا كان بخط من يوثق به من طلبة العلم المعروفين بالدين والأمانة، فهو مما يقوي ثبوت هذه الوصية والعمل بها.

ص: 108

[الوصية بالأضاحي ووصية افقير]

سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عن الوصية بالأضاحي ووصية الفقير؟

فأجاب: أما الوصية بالأضحية فلا أرى بها بأساً، ولكن إنما تستحب الوصية لمن ترك خيراً؛ قال العلماء: المراد بالخير المال الكثير عرفاً، وأما الفقير فتكره الوصية في حقه، لا سيما إن كان ورثته فقراء، وكذلك من عليه دين لا ينبغي له ذلك، بل يبدأ بإبراء ذمته. لكن من طلب منك أن تكتب له فاذكر له المشروع، فإن عرفت أنه فقير ووارثه فقير، فلا أرى أنك تكتب له، وكذلك من عليه دين ربما يستغرق ملكه أو يقارب، فلا أرى الكتابة له.

وسئل الشيخ حمد بن عبد العزيز: عمن قال: الوصية بالحجة والأضحية بدعة؟

فأجاب: القائل هو المبتدع بهذا القول، لأنه لم يسبق لذلك، وإذا كان الحج فرضاً من فرائض الإسلام، والتطوع به من أفضل القرب، كيف ينهى عن الوصية بالتطوع به، أو يقال هو بدعة؟ والقائل جاهل لا يعرف أصول السنة. غاية ما يقال: قد تكون الوصية للأقارب أفضل من ذلك، لا سيما حين فشا أخذ الجعالة على ذلك، كما أرشد النبي صلى الله عليه وسلم أبا طلحة حين تصدق بحديقته "بيرحاء"، ولم يعين جهة، قال صلى الله عليه وسلم:" اجعلها في الأقربين " 1؛ لكن القائل لا يحسن، أراد أن يجعل ترك الأولى بدعة ينهى عنه. كذلك الأضحية

1 البخاري: الزكاة (1461)، ومسلم: الزكاة (998)، والترمذي: تفسير القرآن (2997)، والنسائي: الأحباس (3602)، وأبو داود: الزكاة (1689) ، وأحمد (3/141)، ومالك: الجامع (1875)، والدارمي: الزكاة (1655) .

ص: 109

مشروعة بالإجماع ومرغب فيها، ولا نهى أحد من الأئمة المقتدى بهم عنها في حق الميت، وإن كانت من الحي أولى وأفضل، لكن تسمية ترك الأولى بدعة، والنهي عنه جهل وضلال.

سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: عمن أوصى بوصية ثم أوصى بعد بثلث ماله؟

فأجاب: أما إذا أوصى بوصية وعلقها على الموت، ثم أوصى بعد ذلك بثلث ماله، فإن الوصية تكون من الثلث، إلا إن كان منجزها.

وأجاب ابنه: الشيخ عبد الله: أما الوصايا، فإنها من الثلث بلا إشكال، وأما الوقف، فإن كان ذلك صادراً في حال الصحة فهو من رأس المال، وإن كان لم يصدر إلا في حال المرض فهو من الثلث. وإذا قال في أوقافه أو وصاياه: هذا قادم في جميع مالي، فقوله هذا لا عبرة به؛ فلو وصى بزيادة على الثلث لم يصح إلا برضى الورثة.

وأجاب الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ: الذي أوصى في مرض موته، بأن بستانه وقف على بناته دون غيرهن من الورثة، فالوقف والحال ما ذكر غير صحيح، ولو خرج من الثلث، كما اختاره أبو حفص العكبري، والشيخ أبو محمد، وأبو الوفاء ابن عقيل؛ وهو رواية عن الإمام أحمد، خلافاً للمنصوص الثاني المعتمد عند المتأخرين، لأن الواقف قد

ص: 110

خصص بعض ورثته بالمال دون الباقين، والقرينة مشعرة بالحرمان، فمنع منه كالوصية في المرض، وقد قال صلى الله عليه وسلم:" لا وصية لوارث " 1، ويكون البستان المذكور بين الورثة على قدر ميراثهم إرثاً.

سئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، رحمهم الله: عن رجل أوصى فيما خلف بثلاث حجج، وثلاث أضاح، وأوصى بثلث ماله وقفاً على عياله وعيال عياله ما تناسلوا، ويخص الضعيف، فإن استووا، فهم فيه بالسوية على حسب الميراث؟

فكتب على الوصية المذكورة: ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا وصية لوارث " 2؛ فما أوصى به الميت لورثته من الوقف باطل، وإنما يثبت ما فيها من الحجج والأضاحي، والباقي ميراث على ما بيّنه الله في كتابه.

أوصى رجل: بثلث ماله في ثلاث حجج، وثلاث أضاح ومسقاة ومسجد، وعلى المسجد ثلاثين وزنة، وأوجب على نفسه في حياته لابنيه علي وأحمد، كل واحد خمسة عشر ريالاً يتزوج بها، وذلولاً في الجهاد في سبيل الله، وما فضل عما ذكر فعلى الضعيف القريب. وللقائم في الوصية خمسون وزنة، والولي الأصلح من العيال يختاره أهل المعرفة من القرابات. والزوجة إن لم تتزوج فتأكل مع القرابة من الوصية. كاتب الوصية: الشيخ

1 الترمذي: الوصايا (2121)، والنسائي: الوصايا (3641، 3643)، وابن ماجة: الوصايا (2712) ، وأحمد (4/187)، والدارمي: الوصايا (3260) .

2 الترمذي: الوصايا (2121)، والنسائي: الوصايا (3641، 3643)، وابن ماجة: الوصايا (2712) ، وأحمد (4/187)، والدارمي: الوصايا (3260) .

ص: 111

محمد بن مقرن، وكتب عليها الشيخ عبد الرحمن بن حسن: هذا صحيح ثابت، والوقف ما فيه نائبة ولا زكاة.

سئل الشيخ حسين والشيخ عبد الله: ابنا الشيخ محمد، رحمهم الله: عمن أوصى لبعض أولاده؟

فأجابا: إذا أوصى الرجل لبعض أولاده أو بعض ورثته، لم تصح الوصية، ولا يجوز إنفاذها بعد موته؛ وقد اتفق العلماء: أن لا وصية لوارث. فإذا أوصى بذلك فالوصية باطلة، إلا إذا أجاز ذلك الورثة، بشرط أن يكونوا رشيدين ليس فيهم سفيه ولا صغير.

أوصى لبعض ولده بقصد التعديل

وسئل الشيخ: عبد الرحمن بن حسن: عمن أوصى لبعض ولده بقصد التعديل

إلخ؟

فأجاب: مقتضى ما اعتمده علماؤنا وصححوه، أن على الوالد التسوية بين أولاده، إما بالرجوع أو الإعطاء للآخر حتى يستويان، ولو في مرضه. فظاهره: حصرهم التسوية في هذين الأمرين، ولو جاز له الإيصاء بالتسوية لكان أمراً ثالثاً، ولو كان جائزاً لما أهملوه، وليس على الأب واحد منهما بعينه، حتى يقال يجب أو يجوز الإيصاء; فإذا انتفى وجوب الإعطاء بعينه، انتفى موجب تخصيص عموم حديث:"لا وصية لوارث " 1، يوضحه قول الفقهاء: فإن مات قبل التعديل ثبت للمعطَى، ولم يرجع الباقون على الأصح.

1 الترمذي: الوصايا (2121)، والنسائي: الوصايا (3641، 3643)، وابن ماجة: الوصايا (2712) ، وأحمد (4/187)، والدارمي: الوصايا (3260) .

ص: 112

وعنه: يثبت للباقين الرجوع؛ اختاره ابن بطة وأبو حفص وابن عقيل، والشيخ تقي الدين وصاحب الفائق، فلم يقيدوا واحداً من القولين بعدم الإيصاء، فعدم تقييدهم به يدل على عدم جوازه; ومن المعلوم أن الوصية تبرع بعد الموت، وهو غير مأذون فيه للوارث، ونصهم في الوصايا: ولا تجوز لوارث بشيء إلا بإجازة الورثة; وقال بعض الأصحاب: الوصية باطلة، يؤخذ من عمومه المنع في صورة السؤال، والله أعلم.

سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن وارث أجاز الوصية فيما زاد على الثلث، ثم أراد أن يرجع

إلى آخر السؤال؟

فأجاب: ليس له ذلك بل متى أجازه لزمه، وكذا لو أقر بدين على مورثه ثم رجع، أخذ بإقراره في قدر نصيبه، وأما إذا أجاز الوارث الوصية، لظنه أن الموصَى به قليل، فكان كثيراً، فالقول قوله مع يمينه، وله الرجوع فيما زاد على ظنه، إلا أن يكون لا يخفى عليه قدره. وكذا لو أوصى بثلث التركة لبعض الورثة، فأجازه بعضهم لظنه أن مال الميت قليل فبان كثيراً، فله الرجوع فيما زاد على ظنه، إلا أن يكون المال ظاهراً لا يخفى. انتهى.

[الوصية لبعض الورثة دون بعض]

وسئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عن الوصية لبعض الورثة دون بعض؟

ص: 113

فأجاب: الحمد لله، الوصية للوارث لا تجوز، لما ثبث في السنن والمسانيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" لا وصية لوارث " 1، كما رواه أحمد والترمذي وصححه، وابن ماجة والنسائي وغيرهم، عن عمرو بن خارجة أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم على راحلته فقال:" إن الله قسم لكل إنسان نصيبه من الميراث، فلا تجوز لوارث وصية "2. وعن أبي أمامة الباهلي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في حجة الوداع في خطبته: " إن الله قد أعطى كل ذي حظ حظه، فلا وصية لوارث " 3، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والبيهقي، وفي إسناده إسماعيل بن عياش، وقد روى حديثه عن الشاميين جماعة، منهم الإمام أحمد والبخاري؛ وهذا من روايته عن الشاميين، فإنه رواه عن شرحبيل بن مسلم الشامي وهو ثقة، وقد صرح في روايته بالتحديث عنه الترمذي. وفي الباب عن أنس عند ابن ماجة، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص وجابر، كلاهما عند الدارقطني، وعن علي عند ابن أبي شيبة، ولا يخلو إسناد كل منهما من مقال؛ لكن بمجموعها يقتضي أن للحديث أصلاً، بل احتج الشافعي أن متنه متواتر.

وترجم البخاري في الصحيح: باب لا وصية لوارث: حدثنا محمد بن يوسف حدثنا ورقى، عن ابن أبي نجيح عن عطاء عن ابن عباس قال: "كان المال للولد والوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب،

1 الترمذي: الوصايا (2121)، والنسائي: الوصايا (3641، 3643)، وابن ماجة: الوصايا (2712) ، وأحمد (4/187)، والدارمي: الوصايا (3260) .

2 النسائي: الوصايا (3642)، وابن ماجة: الوصايا (2712) ، وأحمد (4/186) .

3 أبو داود: البيوع (3565) ، وأحمد (5/267) .

ص: 114

فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس، وجعل للمرأة الثمن أو الربع، وجعل للزوج الشطر أو الربع"، رواه ابن جرير. وروى أبو داود في كتاب الناسخ والمنسوخ، وابن أبي حاتم في تفسيره عن ابن عباس في قوله:{الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [سورة البقرة آية: 180] : نسختها هذه الآية: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً} [سورة النساء آية: 7] ، وبما قال ابن عباس، روي عن ابن عمر وأبي موسى وسعيد بن المسيب، والحسن البصري وسعيد بن جبير وشريح، ومجاهد ومحمد بن سيرين والضحاك وعكرمة وقتادة، وزيد بن أسلم والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان والسدي وإبراهيم النخعي ومسروق، ومسلم بن يسار والزهري والعلاء بن زياد وغيرهم; هذا إذا قلنا إن الوصية واجبة في أول الأمر، كما هو الظاهر من قوله:{كُتِبَ عَلَيْكُمُ} .

وقيل: إنها غير منسوخة، وإنما هي مفسرة بآية الميراث، ومعناه: كتب عليكم ما أوصى الله به من توريث الوالدين والأقربين، من قوله تعالى:{يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} [سورة النساء آية: 11] . والصحيح: قول ابن عباس وابن عمر وأبي موسى وغيرهم كما تقدم؛ وبمقتضى هذه

ص: 115

الأحاديث قال فقهاء الأمصار في القديم والحديث.

وأما إذا أوصى لبعض الورثة دون بعض، مع إجازة الورثة، فاختلف العلماء في ذلك: فالجمهور يقولون: تصح الوصية إذا أجاز الورثة. وقال المزني وداود: لا تجوز الوصية وإن أجاز الورثة، واحتجوا بما تقدم من الأحاديث. واحتج الجمهور بحديث ابن عباس مرفوعاً:" لا تجوز الوصية لوارث، إلا أن يشاء الورثة "، رواه الدارقطني والبيهقي عن عطاء عن ابن عباس، ورجاله ثقات، لكنه معلول؛ فقد قيل: إن عطاء هو الخراساني، وقد تكلم فيه الحفاظ، وقال الذهبي: إنه صالح الإسناد.

وأجابوا عن حديث: " لا وصية لوارث " 1 بأن المراد: إذا لم يجز الورثة، لأن المنع في الأصل لحق الورثة، فإذا أجازوا لم يمتنع; فتبين بما ذكرنا: أن الوصية لبعض الورثة دون بعض موقوفة على إجازة بقية الورثة، على قول الجمهور، وأنهم إذا لم يجيزوا ذلك فهي باطلة بالإجماع. وأما إن أجاز بعضهم دون بعض، فتجوز في حق من أجاز منهم، ومن أبى أخذ حقه.

سئل الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ: عمن أوصى لآخر بوصية، فماتا بحادث؟

فأجاب: الذي يظهر أنها لا تنفذ ولا تصح من وجهين: الأول: أن الوصية هي التمليك بالتصرف بعد

1 الترمذي: الوصايا (2121)، والنسائي: الوصايا (3641، 3643)، وابن ماجة: الوصايا (2712) ، وأحمد (4/187)، والدارمي: الوصايا (3260) .

ص: 116

الموت، فهي جارية مجرى الميراث، من حيث كونها انتقال مال من إنسان بغير عوض؛ فلا تُسْتَحَق إلا بتحقق حياة الموصَى له بعد موت الموصي. الوجه الثاني: أن الذي عليه جمهور الفقهاء: أن الملك لا يثبت للموصَى له إلا بالقبول بعد الموت، إذا كان الموصَى له واحداً، أو جمعاً محصوراً. قال أحمد: الهبة والوصية واحد. وقد عرفت أن الوصية المذكورة لا تنفذ ولا تصح.

فصل

سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله تعالى: عمن أوصى في الجاهلية لإناث، وجاء الإسلام والمال في أيديهن؟

فأجاب: وأما إذا أوصى لإناث بوصية مدة حياتهن، وجاء الإسلام والمال في يد الإناث، فإنه يكون لهم ولورثتهم. وإذا أوصى الميت أن يصرف ماله في ختمة، وقصده التقرب إلى الله، فصرفت في محاويج يقرؤون القرآن ختمة وأكثر، كان ذلك أفضل وأحسن.

أوصى عند موته بعشاء لجيرانه، فهل ترده على الورثة؟

وسئل أبوه: عن الذي يوصي عند موته بعشاء لجيرانه، فهل ترده على الورثة، أو تصرفه في قرابة الميت؟

فأجاب: يصير على ما قال الموصي، لأنه لا يخالف الشرع. وأما الذي أوصى من ثلث ماله بحجة دراهم معلومة

ص: 117

وهو ميت قبل هذا الدين وورثته فقراء، هل تصرف عليهم أو يحج عنه؟ فيقول: إن وجدوا من يحج لوجه الله لا لأجل الدراهم لكن يتعاون بها، فهي على وصيته، وإن كان ما حصل أحد يحج عنه على هذا الوجه، فهي تصرف على قرابته. انتهى.

وسئل أيضاً: الشيخ عبد الله: عمن أوصى بحجة ولم يبين قدرها وكذلك الأضحية؟

فأجاب: الحجة الموصى بها المرجع في ذلك إلى العرف، فإذا أوصى بحجة أخرج من ثلثه ما يكفي الحاج، سواء قيل القدر عشرة أو أكثر. وكذلك الأضحية الموصى بها، يجزي فيها الجذع من الضأن، والثني من المعز. فإذا أوصى بغلّة نخلة في أضحية صرفت في ذلك، فإن فضل منها شيء اشترى به ثانية، لأن التعدد في الأضحية جائز. فإن أراد الولي صرف الفاضل إلى قريب محتاج، فهو حسن ولا يمنع من ذلك.

وقد ذكر الشيخ تقي الدين، وغيره من أهل العلم: إن صرف الوقف من جهة إلى جهة جائز للمصلحة، فإذا كان يجوز صرفه عن الفقراء إلى الجهاد ونحوه للمصلحة، فالفاضل عن الجهة أولى وأحرى.

سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: إذا دَبَّرَ عبده وأوصى بثلث ماله

إلخ؟

فأجاب: إذا دبر عبده وأوصى بثلث ماله في بر، فإن

ص: 118

الجميع يخرج من الثلث، لأن التدبير وصية على المشهور، وله الرجوع في الوصية وبيع المدبر على اختلاف في ذلك. والذي أوصى بوصية لمن أذّن في هذه المنارة المعينة جميع الأوقات، واشترط في استحقاق الوصية المذكورة: أن لا يخل بذلك وقتاً من الأوقات، فإذا لم يلتزم المؤذن ذلك الشرط لم يستحق شيئاً، فإن رأوا صرفه إلى المؤذن وإن لم يلتزم ذلك الشرط فحسن، وإلا صارت الوصية المذكورة ميراثاً.

وسئل: عمن أوصى بدراهم يحج عنه بها، فاشترى بها نخلات وحصل من ريعها ما يفي بحجة

إلخ؟

فأجاب: النخلات وما حصل منها يصرف كله في حجج عن الموصي. ونص أحمد فيمن أوصى بدراهم في وجه بر، أو ليشترى بها ما يوقف، فاتجر بها الوصي، فربحه مع أصل المال فيما أوصى فيه ولا زكاة فيه، وإن خسر ضمن النقص؛ هذا نص أحمد نقله عنه جماعة من أصحابه.

وذكر الشيخ تقي الدين وغيره في الموصى به ليوقف، أنه إذا نما بعد الموت وقبل إيقافه، أن نماءه يصرف مع الوقف.

سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: عمن أوصى بثلث ماله على أعمال بر وذريته ضعفاء؟

فأجاب: إن كانت الوصية على أعمال البر، جاز

ص: 119

لمتوليها أن يدفع إليهم من الوصية ما يستعينون به في حاجاتهم، وإن كانت الوصية لأناس معينين أعطوا ما وصى به، فإن كانت على حجج غير حجة الإسلام، فتصرف على المحتاج من ذريته، وكذلك ما كان على الأضحية صرف على فقراء ذريته، لأن الصدقة عليهم أفضل إذا احتاجوا لها، فلا بد من تنفيذ الوصية ابتداء، ثم يكون النظر للمتولى عليها.

[الوصية على الأقارب]

وسئل الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن، رحمهم الله: عن الوصية على الأقارب

إلخ؟

فأجاب: الوصية على الأقارب يدخل أولاد الموصي فيها، لأنهم أقرب القرابة ولا يختصون بها.

سئل الشيخ علي بن عيسى: إذا قدر الموصي الأضحية بريال

إلخ؟

فأجاب: الظاهر أن تقدير الموصي الأضحية بريال قصده الأعلى، لأن الريال في ذلك الوقت قيمة أعلى أضحية، وأما الريال اليوم فلا يحصل به شيء، ولا أدنى مجز، فلا يصار إلى التقدير المذكور، وتكون الأضحية في أعلى الموجود.

سئل الشيخ عبد العزيز بن حسن: عمن أوصى لأمه بأضحية في حياتها، ولا أجاز الورثة

إلخ؟

ص: 120

فأجاب: الوصية المذكورة ظاهرها الصحة، والوصية للوارث الممنوعة شرعاً هي التي يقصد بها الموصي التمليك، بحيث أن الموصى له يتصرف فيها تصرف الملاك بالبيع وغيره، وأما إذا أوصى الإنسان لبعض ورثته كوالده، بأضحية دائمة في ملك معين، فهو في الحقيقة لم يوص له إلا بالثواب؛ وهذا من البر الذي يحبه الله. وهذا الموصى له لا يملك إبطال الوصية، ولا التصرف فيها، والموصي ما قصد إلا تولي أضحيتها في حياتها، ولا مانع لولايتها عليها.

وأما قول بعض الورثة: ما نجيز الأضحية لها إلا أن يقسم لحمها على الورثة، فهذا خطأ من وجهين: الأول: أن الأضحية لها بلا إجازة. والثاني: أن الأضحية قربة إلى الله ما يقسم لحمها على الورثة، والذي يليها إن أحسن أحسن لنفسه، وإن أساء فعليها.

قال الشيخ علي بن عيسى: هذا صحيح، وهو المفتى به عندنا.

وأجاب الشيخ حسن بن حسين بن علي: وأما وصية الرجل لأمه أو أبيه، بأضحية أو حجة وهم أحياء، فلا يمنع من ذلك، لأنه ليس بتمليك، وإنما هو من باب البر والإحسان إليهما بالثواب. انتهى.

وسئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عما

ص: 121

إذا أوصى الإنسان بشيء من ماله يحج به لبعض ورثته أو يضحى به عنه؟

فأجاب: الذي يظهر صحة هذه الوصية ولزومها في الثلث بدون إجازة، لأن الموصى له لا يملكها ولا ينتفع بها، وإنما يرجو ثوابها في الآخرة؛ فهي كصدقة في مرضه وجعل ثوابها للوارث. وقد قال الأصحاب في تعليل صحة وقف المريض ثلثه أو وصيته بوقفه على بعض الورثة، بأنهم لا يبيعون ذلك ولا يهبونه، وإنما ينتفعون به.

ومسألة السؤال أولى بالجواز، لأن الموصى له بأن يحج عنه ونحوه لا يملك الموصى به، ولا ينتفع به في الدنيا، والموقوف عليه ينتفع بالوقف، ويملكه على المشهور. ولما ذكر الزركشي تعليل الأصحاب لمسألة الوقف المذكورة، قال: قلت فكأنه عتق الوارث. انتهى. يشير - والله أعلم - إلى ما ذكروه في تصرف المريض إذا ملك وارثه بشراء ونحوه. وقياس مسألتنا على مسألة العتق أولى، والله أعلم.

وبعد ختم الكتاب، عثرت على فتيا منسوبة لأبي المواهب الحنبلي، أنه سئل: عمن أوصى بأنه يحج عن أمه من ماله، وأمه حية، فأفتى: بأن ذلك يقف على إجازة الورثة، والله أعلم.

والذي يترجح عندي: ما ذكرته في جوابي لك، ولكن

ص: 122

حصل بعض التردد، وأحببت تشريفك على ذلك لتنظر وتأمل. ومن كلام لأحمد المذكور، قال: وأما الحجة، فليست بمال ولا يقصد بها المال، وإنما هي قربة، فلا يملك الموصى له بها لو كان حياً تصرفاً، فلا تثبت بدون رجلين.

سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله: عما يوصي به الميت

إلخ؟

فأجاب: والصدقة التي يوصي بها الميت، فيلزم إخراجها - ولو كثرت - منها، إلى الثلث.

وسئل الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن: عن رجل أوصى في غلة نخله بعد مماته بشيء معلوم، هل يعم النخل كله إذا لم يكن له نخل غيره؟ أم يحصر في ثلثه؟

فأجاب: أمر الصبرة وما يتفرع عليها مشكل علي من قديم، وهذا كلام الشيخ محمد بن محمود وإملاؤه بحروفه: قال: فهذا كلام الشيخ فيها، وأنها من المشكلات لمن نظر في أصولهم، وباقي الإخوان يقولون: تحاز في جميع ثلث ماله، ولكن جعل الثلث محصوراً في النخل أولى.

سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن، رحمه الله: عمن ماله مائة وخمسون، وقد أوصى لرجل بثلث ماله، ولآخر بعشرة؟

فأجاب: إذا لم يجز الورثة ما زاد على الثلث،

ص: 123

فيجعل الثلث وهو خمسون، ستة أسهم: لصاحب الثلث خمسة أسهم، كل سهم ثمانية وثلث، ولصاحب العشرة واحد منها: ثمانية وثلث.

فصل

سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عمن أوصى بشيء من ماله وقال: وكيلي فلان؟

فأجاب: العامة يسمونه وكيلاً، والعلماء يسمونه وصياً، فالمأمور بالتصرف بعد الموت: وصي لا وكيل، بخلاف الحياة. فإذا قال الموصي: وكيلي فلان، أو وصيي فلان، فمراده تفويض التصرف إليه، فما أوصى إليه فيه فهو منفذ للوصية. فالموصي بشيء من ماله في جهة، وقال: وصيي فلان، فمراده تنفيذ وصيته، ولا يصح أن يحج بنفسه، وعبارة الفقهاء فيمن أوصى بحجة: أنه لا يصح حج وصي ولا وارث.

قال في الشرح الكبير: لا يصح حج وارث إذا كان فيها فضل، إلا بإذن الورثة. وفي الإنصاف وغيره: من أوصى أن يحج الوارث بالنفقة جاز، وإذا أوصى الميت بشيء معين في حجة، دفع إلى من يحج عنه، وإن كان أكثر من أجرة المثل أو نفقة المثل، إذا لم يكن من الورثة، ما لم يزد على الثلث.

ص: 124

سئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: عن الوصي على صدقة الميت فطرة أو غيرها؟

فأجاب: الوصي على صدقة الميت أحق بالولاية من الورثة والعصبة، لأن الميت اختاره ورضيه، والله أعلم.

وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين: إذا مات الوصي، أقام الحاكم في ذلك عدلاً من العصبة أو غيرهم، وليس للعصبة ولاية إلا مع عدم حاكم ووصي، على قول غير مشهور، لكنه متوجه مع عدم الحاكم.

وأجاب الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: واليتيم إذا كان له مال، يتولاه الوصي من جهة أبيه، فإن لم يكن هناك وصي، يجب على الحاكم الشرعي - وهو قاضي البلد أو الأمير - أن يولي على ماله من يحفظه، من أهل الأمانة والديانة. والوصي على صدقة الميت فطرة أو غيرها، أحق بالولاية من الورثة والعصبة، لأن الميت اختاره ورضيه.

وأجاب ابنه الشيخ إبراهيم: الذي مات وعليه دين وبعض الورثة غائب، فإن كان المدين قد عين وكيلاً لقضاء الدين، نفذ تصرفه بغير إذن الورثة، وإن لم يكن عين وكيلاً، فلا ينفذ تصرف بعضهم بقضاء الدين إلا بإذن الحاكم، لأن له الولاية العامة.

سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن الوكيل على

ص: 125

القاصرين، هل يمضي تصرفه بكل حال

إلخ؟

فأجاب: الوصي على القاصرين، إنما يملك التصرف فيما وُصي عليه به، فإذا أوصاه أبو الصغار عليهم، بالنظر في مالهم وما يصلح لهم، ملك التصرف فيما فيه مصلحة، وكذلك إذا كان لهم شريك في شيء، وطلب قسمه فالولي عليهم يقسم لهم وتمضي قسمته. ولا يملك الوصي تزويج صغير، إلا إن نص له الأب على التزويج، بأن يقول: وصيت إليك بتزويج بناتي، ونحو هذا.

سئل الشيخ حسن بن حسين بن علي: إذا أوصى الرجل لأخيه أو عمه بأضحية

إلخ؟

فأجاب: إن كان الميت وكل عليها وكيلاً، فهو أحق بولايتها، وارثاً أو غير وارث، وإن لم يوكل فالنظر للحاكم لا للوارث. والأضحية يذبحها الوكيل في بلد الموصي، ليكون الخارج منها لأقارب الموصي. وإذا لم يجعل الموصي الأضحية للوكيل أثلاثاً، فله قدر عمله منها، والباقي يخرجه في أقارب الميت والجيران والفقراء، وليس للورثة منازعة الوكيل. وقد يكون الميت نفع الوكيل بتوكيله مع حفظها. انتهى.

وسئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: عمن أوصى عند موته بأضحية، هل للموصى إليه أو غيره من ورثة الميت الأكل منها؟

ص: 126

فأجاب: الذي يظهر لي من كلام العلماء أنه لا بأس بذلك، وإنما اختلفوا في أضحية اليتيم.

وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين: ما ذكرت من قول ابن ذهلان: أن ولي الأضحية لا يأكل منها ولا من تلزمه مؤنته، فرأيت كلاماً لبعض الأصحاب في الوكيل في التضحية: أن لا يأكل من أضحية موكله بلا نص من الموكل لوكيله على الأكل منها، كما لو قال: تصدق عني بهذا أو بكذا على الفقراء، والوكيل فقير لم يأخذ منها بلا نص من الموكل عليه. انتهى. والوصي وكيل، فقاسوه على الوكيل في التصدق كما ترى، وأباحوا له الأكل إذا أذن الموكل، ويمكن أن يقال: إن دلالة الحال من الموصي تدل على الإذن العرفي للموصى إليه في الأكل منها.

وأجاب أيضاً: وأما الوصي في الأضحية، فقاسوه على من أوصي إليه بتفرقة شيء مثلاً على الفقراء وهو فقير؛ والمشهور في المذهب أنه لا يأخذ شيئاً; وأجاز جماعة له الأخذ; وفيه قول: يجوز له الأخذ، إن دلت قرينة على الإذن وإلا فلا، وتعليلهم يدل على أنه يجوز مع الإذن; فكذلك إذا أذن الموصي للوصي في الأكل من الأضحية جاز، وصرح ابن عبد الهادي بجواز الأكل له كغيره.

وأما ما أفهمه كلام أحمد بن محمد، من أنه لا يجوز

ص: 127

له الأكل حتى مع الإذن، فالظاهر أنه ليس بصواب، لأن كلام الأصحاب قد دل على جواز الأخذ لمن أوصي إليه بتفرقة شيء، أو وكل فيه إذا أذن له في الأخذ، فكذلك إذا أذن الموصي للوصي في الأخذ من لحم الأضحية، وأي فرق؟! وأما إذا قال الموصي لوصيه في الأضحية: لك جلدها ونحوه على سبيل الوصية له بذلك، أو على طريق العوض، فالظاهر عدم جواز ذلك. وأما إذا قال: أذنت لك في الأكل من لحمها، فلا مانع منه.

سئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: عن قسمة الولي إلى آخره؟

فأجاب: قسمة الولي الشرعي، وتعيينه ما بيد الرجل المودع للصغار القاصرين قبل تلف ما بيده، قسمة شرعية تثبت بالإقرار والتعيين، فما تلف بعدها فهو مختص بمستحقه من القسمة الصادرة من الولي، وتعيين حصة الصغار فقط قسمة شرعية، وإن تلف الباقي قبل قسمته بين الثلث والكبار المرشدين; والحيف والإضرار يعتبر حال القسمة، ويرجع إلى العدل والتسوية، وأما بالنظر والتلف أو الكساد الحادث بعد القسمة، فلا حيف ولا ضرر في الإفراز والقسمة والحالة هذه.

ص: 128