المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب حد المسكر - الدرر السنية في الأجوبة النجدية - جـ ٧

[عبد الرحمن بن قاسم]

الفصل: ‌باب حد المسكر

سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن قذف المملوك؟

فأجاب: أما قذف العبد فيوجب التعزير لا حد القذف، عند عامة العلماء.

ص: 439

‌باب حد المسكر

سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله: عن التنباك الذي اعتاد شربه كثير من الناس؟

فأجاب: لا ريب أن الله تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بجوامع الكلم، وهي من خصائصه التي خصه الله بها من بين الأنبياء، كما ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في ذكر خصائصه:" وأوتيت جوامع الكلم " 1، وهي: أن يقول الكلمة اليسيرة الجامعة لأحكام كثيرة لا تعد ولا تحصى، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:" كل مسكر حرام " 2، فدخل في هذه الكلمة جميع المسكرات، التي تسكر وتزيل العقل، من الأطعمة والأشربة الموجودة في زمانه صلى الله عليه وسلم والحادثة بعده إلى يوم القيامة.

وقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن المسكر، وهو: الخمر الذي يغطي العقل ويزيله، كما في الصحيح عن ابن عمر، رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" كل مسكر خمر، وكل خمر حرام " 3، ولفظ مسلم:" وكل مسكر حرام " 4، وعن عائشة، رضي الله عنها:"أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن البتع؟ فقال: كل شراب أسكر فهو حرام " 5، متفق عليه، وفي

1 البخاري: الجهاد والسير (2977)، ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة (523)، والنسائي: الجهاد (3087، 3089) ، وأحمد (2/268) .

2 البخاري: المغازي (4343)، ومسلم: الأشربة (1733)، والنسائي: الأشربة (5595، 5597، 5602، 5604)، وأبو داود: الأشربة (3684)، وابن ماجة: الأشربة (3391) ، وأحمد (4/410، 4/415، 4/417)، والدارمي: الأشربة (2098) .

3 صحيح مسلم: كتاب الأشربة (2003)، وسنن الترمذي: كتاب الأشربة (1861)، وسنن النسائي: كتاب الأشربة (5585، 5699)، وسنن أبي داود: كتاب الأشربة (3679)، وسنن ابن ماجة: كتاب الأشربة (3390) ، ومسند أحمد (2/16، 2/29، 2/31، 2/98، 2/104) .

4 البخاري: الأدب (6124)، ومسلم: الأشربة (1733)، والنسائي: الأشربة (5595، 5597، 5602، 5604)، وأبو داود: الأشربة (3684)، وابن ماجة: الأشربة (3391) ، وأحمد (4/410، 4/415، 4/417)، والدارمي: الأشربة (2098) .

5 البخاري: الأشربة (5585)، ومسلم: الأشربة (2001)، والترمذي: الأشربة (1863)، والنسائي: الأشربة (5592، 5593، 5594)، وأبو داود: الأشربة (3682) ، وأحمد (6/190، 6/225)، ومالك: الأشربة (1595)، والدارمي: الأشربة (2097) .

ص: 439

رواية لمسلم: "كل شراب مسكر حرام " 1؛ ونقل ابن عبد البر: إجماع أهل العلم بالحديث على صحته، وأنه أثبت شيء روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في تحريم المسكر.

وجاء التصريح بالنهي عن قليل ما أسكر كثيرُه، كما أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه، من حديث عائشة مرفوعاً:" كل مسكر حرام، وما أسكر الفرق منه، فملء الكف منه حرام " 2، وفي رواية:" فالحسوة منه حرام "، وقد احتج به أحمد، وذهب إليه؛ وإلى هذا القول ذهب جمهور علماء المسلمين، من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من علماء الأمصار، وهو مذهب مالك والشافعي، والليث والأوزاعي، وأحمد وإسحاق.

إذا تقرر هذا، فاعلم: أن المسكر الذي يزيل العقل نوعان:

أحدهما: ما كان فيه لذة وطرب، قال العلماء: وسواء كان المسكر جامداً، أو مائعاً، وسواء كان مطعوماً أو مشروباً، وسواء كان من حب، أو من ثمر أو لبن، أو غير ذلك، وأدخلوا في ذلك الحشيشة التي تعمل من ورق القنب وغيرها، مما يؤكل لأجل لذته وسكره.

الثاني: ما يزيل العقل ويسكر، ولا لذة فيه ولا طرب، كالبنج ونحوه; وأكثر العلماء الذين يرون تحريم ما أسكر كثيره، يرون حد من شرب ما يسكر كثيره، وإن

1 البخاري: الوضوء (242) والأشربة (5585، 5586)، ومسلم: الأشربة (2001)، والترمذي: الأشربة (1863)، والنسائي: الأشربة (5591، 5592، 5593، 5594)، وأبو داود: الأشربة (3682)، وابن ماجة: الأشربة (3386) ، وأحمد (6/36، 6/96، 6/190، 6/225)، ومالك: الأشربة (1595)، والدارمي: الأشربة (2097) .

2 البخاري: المغازي (4343)، ومسلم: الأشربة (1733)، والنسائي: الأشربة (5595، 5597، 5602، 5604)، وأبو داود: الأشربة (3684)، وابن ماجة: الأشربة (3391) ، وأحمد (4/410، 4/415، 4/417)، والدارمي: الأشربة (2098) .

ص: 440

اعتقد حله متأولاً، وهو قول الشافعي وأحمد، قال أحمد في رواية الأثرم: يحد من شرب النبيذ متأولاً، وذلك لضعف التأويل عنده في ذلك.

وبما ذكرنا من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلام أهل العلم: يتبين لك بيان تحريم التتن، الذي كثر في هذا الزمان استعماله، وصح بالتواتر عندنا والمشاهدة إسكاره في بعض الأوقات، خصوصاً إذا أكثر منه، أو تركه يوماً أو يومين لا يشربه ثم شربه، فإنه يسكر ويزيل العقل، حتى إن صاحبه يُحْدِث عند الناس ولا يشعر بذلك، نعوذ بالله من الخزي وسوء البأس؛ فلا ينبغي لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلتفت إلى قول أحد من الناس، إذا تبين له كلام الله وكلام رسوله في مثله من المسائل، وذلك لأن الشهادة بأنه رسول الله تقتضي طاعته فيما أمر، والانتهاء عما عنه نهى وزجر، وتصديقه فيما أخبر.

حكم التنباك

وسئل أيضاً، رحمه الله: ما حكم التنباك الذي اختلفت فيه آراء العلماء، منهم من أفتى بحله، ومنهم من أفتى بتحريمه بقيد وتعليق، ومنهم من أفتى بتحريمه مطلقاً؟ ولما أنكم أفتيتم فيه بأنه من المسكرات، اعتمدنا على قولكم، فعارض بعض الواصلين من عندكم، فقالوا: من شرب منه بعد ما تاب منه فقد ارتد وحل دمه وماله؟

فأجاب: من نسب إلينا القول بهذا، فقد كذب

ص: 441

وافترى، بل من قال هذا القول استحق التعزير البليغ، الذي يردعه وأمثاله؛ فإن هذا مخالف للكتاب والسنة، بل لو تاب منه ثم عاد إلى شربه لم يحكم بكفره وردته، ولو أصر على ذلك إذا لم يستحله. والتكفير بالذنوب، مذهب الخوارج الذين مرقوا من الإسلام، واستحلوا دماء المسلمين بالذنوب والمعاصي.

وأجاب أيضاً: والذي يشرب التنباك، إن كان شربه له بعدما عرف أنه حرام، فيضرب ثمانين جلدة ضرباً خفيفاً ما يضره. فإن كان شربه وهو جاهل فلا حد عليه، ويؤمر بالتوبة والاستغفار.

والذي يقول لكم - من علماء تهامة - إن التتن ليس حراماً ولا حلالاً، فهذا جاهل، ما يعرف ما يقول، ولا يلتفت لقوله؛ وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم:" كل مسكر حرام "" وما أسكر كثيره حرم قليله "2.

وأجاب أيضاً: وأما الذي يشرب التتن ويزرعه، فيجلد ثمانين جلدة.

وأجاب أيضاً: وأما شارب التتن، إذا شهد عليه شاهدان أنهم رأوه يشربه، فيجلد أربعين جلدة.

وأجاب أيضاً: وأما شارب التتن فيؤدب بأربعين جلدة، فإن لم ينته بذلك أدب ثمانين جلدة.

1 البخاري: المغازي (4343)، ومسلم: الأشربة (1733)، والنسائي: الأشربة (5595، 5597 ،5602، 5604)، وأبو داود: الأشربة (3684)، وابن ماجة: الأشربة (3391) ، وأحمد (4/410، 4/415، 4/417)، والدارمي: الأشربة (2098) .

2 الترمذي: الأشربة (1865)، وأبو داود: الأشربة (3681)، وابن ماجة: الأشربة (3393) ، وأحمد (3/343) .

ص: 442

وأجاب أيضاً: والذي زرع التنباك يؤدب، أو يوجد في بيته أو متاعه، أو يشربه يؤدب.

وأجاب أيضاً: إذا وجد من فيه رائحة المسكر فإنه يحد، وأما إذا خرج من بيته فليس فيه إلا التعزير، إذا كان مظنة لذلك.

وأجاب أيضاً: إذا شهد اثنان على ريح التتن من فم رجل، يحد، لأن الصحابة، رضي الله عنهم، حدوا على ريح الخمر؛ وهذا خمر، لأنه مسكر وكل مسكر خمر.

سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: عن التتن؟

فأجاب: هو حرام، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"كل مسكر خمر " 1، وفي لفظ حرام وفي لفظ:" ما أسكر كثيره، فملء الكف منه حرام " 2، وهذا عام في كل مسكر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد أوتي جوامع الكلم، وقد نص العلماء على ذلك.

وسئل: عن شارب التنباك؟

فأجاب: وأما شارب التنباك، فيجلد قدر أربعين جلدة.

وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين: وأما شرب التنباك، فالذي نعتقد تحريمه، وفيه التعزير، ولا يتبين لي أنه يبلغ به حد الخمر.

وأجاب أيضاً: الذي نرى فيه التحريم لعلتين:

1 صحيح مسلم: كتاب الأشربة (2003)، وسنن الترمذي: كتاب الأشربة (1861)، وسنن النسائي: كتاب الأشربة (5585، 5699)، وسنن أبي داود: كتاب الأشربة (3679)، وسنن ابن ماجة: كتاب الأشربة (3390) ، ومسند أحمد (2/16، 2/29، 2/31، 2/98، 2/104) .

2 الترمذي: الأشربة (1866)، وأبو داود: الأشربة (3687) .

ص: 443

إحداهما: حصول الإسكار فيما إذا فقده شاربه مدة، ثم شربه وأكثر، وإن لم يحصل إسكار، حصل تخدير وتفتير; وروى الإمام أحمد حديثاً مرفوعاً: أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن كل مخدر ومفتر. والعلة الثانية: أنه منتن مستخبث عند من لم يعتده، واحتج العلماء بقوله:{وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [سورة الأعراف آية: 157] ، وأما من ألفه واعتاده فلا يرى خبثه، كالجعل لا يستخبث العذرة.

حد المسكر

وسئل: عن الإكراه على فعل المحرم؟

فأجاب: فيه تفصيل يعذر فيه ببعض دون بعض، فلو أكره على شرب الخمر لم يحد.

وسئل الشيخ سعيد بن حجي: إذا وجد من فيه رائحة التتن وأنفه، هل يحد؟ وهل يثبت الحد بشهادة رجل واحد؟ وهل يعزر إذا خرج من بيته وهو مظنة لذلك؟ وإذا وجد في كمه مصروراً؟ أو سقطت منشقته منه وهو مظنة لذلك، هل يحد أو يعزر؟

فأجاب: لا يجب الحد بوجود رائحة الخمرة في قول أكثر أهل العلم، ولا يثبت الحد فيه إلا بإقراره مرة، أو شهادة رجلين عدلين، يشهدان أنه شرب مسكراً. وإذا خرج من بيته التتن، أو وجدت معه الرائحة ولم يدع شبهة، لما روى ابن عمر مرفوعاً، قال: " لعن الله الخمرة، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، وحاملها،

ص: 444

والمحمولة إليه " 1.

وكذا حاضر شربها يعزر; إذا ثبت هذا، فاعلم: أن التعزير راجع إلى رأي الإمام أو نائبه.

سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عن الحميض وما يتعلق به من التحريم؟

فأجاب: وما سألتم عنه من أمر الحميض، فهو إذا أتى عليه ثلاثة أيام حرم، وإن تعدى إلى أكثر من ثلاثة أيام، صار خمراً يجلد آكله ثمانين جلدة؛ ويكون لديكم معلوماً: أنه حرام لا شك فيه، ولو زيد ونقص كل يوم مائة مرة، وإذا لم يتم ثلاثة أيام فلا تحريم فيه، إلا إذا أتى عليه اليوم الثالث فهو حرام، لأنه أصل الخمر. واعلموا: أن الخمر الذي يجعله الناس في أطعمتهم، يجعلونه حميضاً، أنه حرام لا شك فيه.

ما يشرع فيه التعزير

سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: عن قوله: إذا ظلم صبي صبياً أو بهيمة اقتص للمظلوم

إلخ؟

فأجاب: يعمل بذلك، لأن ذلك في الغالب لا يخلو عن ردع للظالم، وإن لم يكن مكلفاً؛ قال الشيخ تقي الدين: لا نزاع بين العلماء أن غير المكلف، كالصبي المميز، يعاقب على الفاحشة تعزيراً بليغاً، وكذلك المجنون، يضرب على ما فعل لينزجر، لكن لا عقوبة بقتل أو قطع. قال في الفروع: قال في الواضح: من شرع في عشر، صلح تأديبه في تعزير على طهارة، وصلاة، وكذا

1 الترمذي: البيوع (1295)، وابن ماجة: الأشربة (3381) .

ص: 445

في زنى، وهو معنى كلام القاضي، وذكر ما نقله الشالنجي في الغلمان يتمردون، لا بأس في ضربهم.

وظاهر ما ذكره الشيخ عن القاضي: يجب ضربه على الصلاة، قال الشيخ لمن أوجبها محتجاً به، أنه تأديب وتعويد لفعل الخير، كالتأديب على تعليم خط، وقراءة وصناعة وشبهها؛ وكذا قال صاحب المحرر: كتأديبه اليتيم والمجنون والدواب، فإنه شرع، لا لترك واجب؛ وظاهر كلامهم في تأديبه في الإجارة والديات: أنه جائز.

فأما القصاص، مثل أن يظلم صبي صبياً، أو مجنون مجنوناً، أو بهيمة بهيمة، فيقتص للمظلوم من الظالم، وإن لم يكن في ذلك زجر عن المستقبل، لكن لاشتفاء المظلوم، وأخذ حقه، يتوجه أن يقال بفعل ذلك، ولا يخلو عن ردع وزجر في المستقبل، ففعله لأجل الزجر، وإلا لم يشرع لعدم الأثرية والفائدة في الدنيا. وأما في الآخرة، فالله تعالى يتولى ذلك، للعدل بين خلقه، فلا يلزم منه فعلنا نحن، كما قال ابن حامد: القصاص بين البهائم والشجر والعيدان، جائز شرعاً، بإيقاع مثل ما كان في الدنيا، وكما قال أبو محمد البربهاري في القصاص في الحجر، لمن نالت أصبع الرجل، وهذا ظاهر كلامهم السابق في التعزير، أو صريحه فيمن لم يميز.

وقال شيخنا: القصاص موافق للشريعة، واحتج بثبوته

ص: 446

في الأموال، وبوجوب دية الخطإ، وبقتال البغاة المغفور لهم، قال فتبين بذلك: أن الظلم والعدوان يؤدى في حق المظلوم، مع عدم التكليف، فإنه من العدل، وحرم الله الظلم على نفسه، وجعله محرماً بين عباده، كذا قال؛ وبتقديره: فإنما يدل على الآدميين. انتهى كلام صاحب الفروع. وقد عرفت: أنه قول كثير من العلماء. فأما الصبيان، فمعلوم أن ذلك زجر لهم في المستقبل، إذا اقتص لبعضهم من بعض. والذي نرى: أن الذي يقتص لهم الأمير، أو القاضي، إلا إذا لم يخف من تعدي الصبي في اقتصاصه لنفسه، لأنه أشفى لنفسه. وأما البهيمة، فيقتص لها من مالكها؛ ومعلوم: أن بعض البهائم يتأدب إذا أُدب.

وأما إذا وجد مع امرأته رجلاً من غير زنى بها، فإنه يضرب مائة سوط، كما في رواية يعقوب، واحتج بفعل علي رضي الله عنه، فذكر هذه المسألة في الإنصاف، وذكر أنه يعزر بذلك. انتهى. والتعزير يرجع إلى اجتهاد الإمام، لكن الذي نختار: أنه يعزر بذلك، اتباعاً للخليفة الراشد علي رضي الله عنه.

[التعزير أصل عظيم من أصول الشريعة]

وسئل أيضاً: عن قول صاحب الإقناع في باب التعزير: وإن ظلم صبياً أو بهيمة اقتص من الظالم.

فأجاب: اعلم قبل ذلك أن العلماء ذكروا أن التعزير أصل عظيم من أصول الشريعة المحمدية الآتية بالْحِكَم

ص: 447

والمصالح، والغايات المحمودة في المعاش والمعاد؛ قال ابن عقيل، رحمه الله، في الفنون: للسلطان سلوك السياسة، وهو الحزم عندنا، ولا ننفي السياسة على ما نطق به الشرع، إذ الخلفاء الراشدون قتلوا ومثلوا، وحرقوا المصاحف، ونفى عمر نصر بن الحجاج; ولينل من عرضه، مثل أن يقول له: يا ظالم، يا معتد، وبإقامته من المجلس; والذين قدروا التعزير من أصحابنا، إنما هو فيما إذا كان تعزيراً عاماً من فعل أو ترك، فإن كان تعزيراً لأجل ترك ما هو فاعل له، فهو بمنزلة قتل المرتد، والحربي والباغي، وهنا تعزير ليس يقدر، بل ينتهي إلى القتل، كما في الصائل الآخذ للمال، يجوز أن يمنع من الأخذ ولو بالقتل.

وعلى هذا، فإن كان المقصود دفع الفساد، ولم يندفع إلا بالقتل قُتل، وحينئذ فمن تكرر منه فعل الفساد، ولم يرتدع بالحدود المقدرة، بل استمر على الفساد، فهو كالصائل الذي لا يندفع إلا بالقتل، فيُقتل. ويمكن تخريج قتل شارب الخمر في الرابعة على هذا، وقتل الجاسوس الذي تكرر منه التجسس. وقد ذكر شيئا من هذا، الحنفية والمالكية، وإليه يرجع قول ابن عقيل: وهو أصل عظيم في صلاح الناس، وكذلك طلب الفعل، فلا يزال يعاقب حتى يفعل.

ص: 448

والتعزير بالمال سائغ إتلافاً وأخذاً، وهو جار على أصل أحمد، لأنه لم يختلف أصحابهأن العقوبات في المال غير منسوخة. وقول الشيخ أبي محمد المقدسي: ولا يجوز أخذ ماله وهو المعزر، فإشارة منه إلى ما يفعله الولاة الظلمة.

والتعزير يكون على فعل المحرمات، وترك الواجبات; فمن جنس ترك الواجبات: من كتم ما يجب بيانه، كالبائع المدلس، والمؤجر، والناكح، وغيرهم من المعاملين، وكذا الشاهد، والمخبر، والمفتي، والحاكم، ونحوهم، فإن كتمان الحق شبيه بالكذب، وينبغي أن يكون سبباً للضمان، كما أن الكذب سبب للضمان، فإن ترك الواجبات عندنا في الضمان، كفعل المحرمات؛ حتى قلنا فيمن قدر على إنجاء شخص، بإطعام أو سقي، فلم يفعل فمات ضمنه. وعلى هذا، فلو كتم شهادة أبطل بها حق مسلم، ضمنه.

ومن هذا الباب: لو كان في القرية أو المحل أو البلدة، رجل ظالم، فسأل الوالي الغريم عن مكانه، ليأخذ منه الحق، فإنه يجب دلالته، بخلاف ما لو كان قصده أكثر من الحق. فعلى هذا، إذا كتموا ذلك حتى تلف الحق، ضمنوه، ويملك السلطان تعزير من ثبت عنده أنه كتم الخبر الواجب، كما يملك تعزير المقر إقراراً مجهولاً حتى

ص: 449

يفسره، ومن كتم الإقرار. وقد يكون التعزير ترك المستحب، كما يعزر العاطس الذي لم يجهر، بترك تشميته.

وسئل أيضاً: الشيخ عبد الله: عن قولهم: إن رأى الإمام العفو عنه جاز، وقال في المبدع ومعناه من الشرح: ما كان من التعزير منصوص عليه، كوطء جارية امرأته، أو الجارية المشتركة، فيجب امتثال الأمر فيه، وما لم يكن رأى الإمام المصلحة فيه، وجب كالحد. وإن رأى العفو جاز، للأخبار

إلى آخر الكلام.

فأجاب: اعلم أن في وجوب التعزير وعدمه، روايتين في مذهب أحمد: إحداهما: الوجوب مطلقاً، وهي المذهب، وعليه الأصحاب، وهي من مفردات المذهب. ومال إلى وجوبه الشيخ تقي الدين، وعنه: مندوب، نص عليه في تعزير رقيقه على معصيته، وشاهد الزور؛ قال في المغني والشرح: إن كان التعزير منصوصاً عليه، كوطء جارية امرأته، أو المشتركة، وجب، وإن كان غير منصوص عليه، وجب إذا رأى المصلحة فيه، أو علم أنه لا ينزجر إلا به. وإن رأى العفو عنه، جاز. انتهى.

قلت: ومراده إذا كان في العفو عنه مصلحة، قال في الكافي: يجب التعزير في الموضعين اللذين ورد فيهما الخبر، إلا إن جاء تائباً فله تركه. انتهى. قلت: ومراده

ص: 450

بالموضعين: إذا وطئ أمة امرأته مع تحليلها له، والأمة المشتركة، وهو معنى كلام صاحب المبدع الذي ذكرته في السؤال؛ وليس في ذلك معارضة لما تقدم من كلامهم، لأنه إذا جاء تائباً نادماً جاز ترك تعزيره، كما روي في تفسير قوله تعالى:{إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [سورة هود آية: 114] أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة، وفعل بها كل شيء إلا الجماع، ثم جاء تائباً، وذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:{إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} الآية [سورة هود آية: 114]، فقال الرجل: ألي ذلك يا رسول الله، أم لجميع الناس؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" بل لجميع أمتي " 1، رواه الأئمة من طرق مختلفة.

قال المجد: فإن جاء من استوجب التعزير تائباً، لم يعزر عندي. انتهى. قال في الرعاية: إن تشاتم اثنان عزرا، ويحتمل عدمه؛ قال في الفروع: فدل على أن ما رآه تعين فلا يبطله غيره، وأنه يتعين قدر تعزيره خلافاً لمالك. انتهى. قلت: يعني إذا عين الإمام التعزير للمصلحة، فلا يجوز لغيره إبطاله، وأنه يتعين قدر تعزير عينه الإمام؛ قال في الإنصاف: ويجب إذا طالب الآدمي بحقه، قال في الفروع وفي المغني: في قذف صغيرة لا يحتاج في التعزير إلى مطالبة، لأنه مشروع لتأديبه، فللإمام تعزيره إذا رآه، يؤيده نصه: فيمن سب صحابياً، يجب على السلطان تأديبه، ولم يقيده بطلب وارث، مع أن

1 البخاري: مواقيت الصلاة (526)، والترمذي: تفسير القرآن (3112، 3114)، وأبو داود: الحدود (4468)، وابن ماجة: الزهد (4254) ، وأحمد (1/385، 1/430، 1/445، 1/449) .

ص: 451

أكثرهم أو كثيرًا منهم له وارث.

وقد نص في مواضع على التعزير ولم يقيده، وهو ظاهر كلام الأصحاب، ويأتي في أول آداب القاضي: إذا افتات خصم على الحاكم له تعزيره، مع أنه لا يحكم لنفسه إجماعاً، فدل على أنه ليس كحق الآدمي المفتقر جواز إقامته إلى طلب؛ ولهذا أجاب في المغني عن قول الأنصاري للنبي صلى الله عليه وسلم عن الزبير: أن كان ابن عمتك، وأنه لم يعزره; وعن قول الرجل: إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله، بأن للإمام العفو عنه.

وفي البخاري: "أن عيينة بن حصن لما أغضب عمر، هم به، فتلا عليه الحرّ بن قيس {خُذِ الْعَفْوَ} الآية [الأعراف: 199] ". قال في شرح مسلم في قول عائشة: " ما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يُنتهَك شيء من محارم الله فينتقم لله " 1: إنه يستحب لولاة الأمور التخلق بهذا، فلا ينتقم لنفسه ولا يهمل حقاً، انتهى كلام صاحب الفروع.

فعلم مما تقدم: أن الأمير والحاكم إذا رأى التعزير في المعصية جاز له ذلك، وإن كان لحق آدمي ولا يفتقر جوازه إلى طلب صاحب الحق، لأن ذلك من باب إنكار المنكر، وإزالة الظلم الذي يتعلق بالأئمة والأمراء. وأما نائب الإمام، فالمعروف عندنا: أن نائبه الأمير والقاضي جميعاً.

1 البخاري: المناقب (3560) والأدب (6126) والحدود (6786، 6853)، ومسلم: الفضائل (2328)، وأبو داود: الأدب (4785) ، وأحمد (6/31، 6/114، 6/115، 6/181)، ومالك: الجامع (1671) .

ص: 452

وسئل: عن الأمير يؤدب الرعية بأخذ شيء من مالهم، هل يحل؟ أو يصرف في بيت المال؟

فأجاب: أما ما أدب به الرعية بأخذ شيء من المال، فهذا جائز في قول كثير من العلماء، وأما حل أكله أو صرفه في بيت المال فلا أدري.

سئل بعضهم: إذا قدم رجل معه امرأة غير محرم له، كبنت عمه وليس معهما غيرهما، كم نجلدهما؟

فأجاب: لا يجوز للرجل أن يخلو بأجنبية، وهي كل امرأة يجوز له أن يتزوجها، لحديث ابن عباس:" لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم " 1، متفق عليه. وأما حد الجلد فليس عليهما حد، بل يعزران بما يردعهما. والتعزير على الإمام أو نائبه، فإن رأى العفو عنه عفا، لكن العفو للمصلحة؛ ويكون التعزير بالنيل من عرضه، كقوله: يا ظالم، يا معتد، وبإقامته من المجلس، وبأخذ المال أو إتلافه، وبالجلد وليس فيه عدد معلوم إلا ما نص عليه الشارع؛ والتعزير أصل عظيم فيه صلاح الدين والدنيا.

سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن شتم العيال وخصامهم؟

فأجاب: أما شتم العيال وخصامهم، إذا كان من باب التأديب والتمرين والتعليم، فهو مندوب إليه، بشرط أن لا

1 البخاري: النكاح (5233)، ومسلم: الحج (1341) ، وأحمد (1/222) .

ص: 453

يخرج بالشتم والخصام إلى كلام منهي عنه، وأن لا يتجاوز بالضرب عشر جلدات، في حق من يجوز له ضربه، ممن له الولاية عليه. قال الشيخ عبد الله بن حمد الحجازي: وأما الفتوى التي أفتى بها الشيخ عبد العزيز بن حسن، رحمه الله، فيمن ظهرت عليه الريبة في عرضه، فهذا نصها، قال: وأما من ظهرت منه الريبة وقويت، ولم تؤثر فيه النصيحة، فيؤدب بحسب قوة الريبة وضعفها؛ وإن لم يندفع فساده إلا بالنفي نفي، إلا أن يترتب على نفيه مفسدة أكبر فلا ينفى، لأن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، ودفع المضار وتقليلها. انتهى كلامه. فتأمله تجده وافياً بالمقصود مع اختصاره.

سئل بعضهم: ما قولكم، علماء المسلمين، إذا نبّه إمام المسلمين وولي أمرهم، على رعيته أن لا يسابلوا بلدة حربية، وأناس من أهل الذمة عند العهد، أن لا يسابلوا تلك البلدان الكفار، وأيضاً، اشترط على أناس من أهل الذمة، وسابلوهم بعد أن نبّه الإمام عليهم بعدم المسابلة، وأن من سابل هذه البلد الكافرة، تراني أُؤَدِّبه وأنكّله، أيجوز لولي الأمر، ومن ظفر بهم يأخذهم، والحالة كما ذكرنا؟ فبينوا لنا مأجورين، إن شاء الله تعالى.

الجواب: فنقول: الكلام على هذه المسألة في

ص: 454

مقامين: الأول: أن المسلم العاصي بمسابلة هذه البلدة المذكورة، مستحق الأدب والنكال بالحبس والضرب، وأخذ ماله وإتلافه، وإن حسّس على المسلمين علماً يضرهم أبيح دمه وماله، بإجماع العلماء من الأمة المحمدية، ويصير أدباً لأمثاله.

وأنسب ما يعاقب به العاصي بنقيض قصده: فإن كان الذي حمله على هذا حب المال، والاستكثار منه، فيؤدب بأخذه منه وإتلافه، كما هو مستفاد من شريعته صلى الله عليه وسلم: لما غل الغال حرق متاعه، وأخذ مصحفه وبيع وأخذ ثمنه، وضرب؛ وفعله الخلفاء الراشدون. ولما حمل القاتل لمورثه الاستعجال على المال، عوقب بنقيض قصده، وحرم الإرث. ولما استعجل الناكح في العدة، عوقب بتحريمها عليه. ولما استشغل المتخلفون عن الصلاة في بيوتهم أراد أن يحرقها عليهم لولا الذرية.

ولما أساء الشافع في السلب على أمير السرية، عاقب المشفوع له بمنعه منه. ولما أخذ السارق من التمر، عاقبه بضعف الثمن مرتين. ولما كتم صاحب المال الزكاة، أخذ شطر ماله.

وهذا كله يدل على جواز العقوبات المالية، وأخذها، عزمة من عزمات ربنا. وعلى أن الأنسب معاقبة العاصي بنقيض قصده، لأن العقوبات الشرعية مقدرة، وغير

ص: 455

مقدرة: أما المقدرة فلا يزاد فيها ولا ينقص، وأما التي غير مقدرة فهي ترجع إلى اجتهاد ولاة الأمر بما يرونه؛ وهذا مما لا خلاف فيه. قال الإمام ابن القيم، رحمه الله تعالى: هذا من باب التعزير، والعقوبات الراجعة إلى اجتهاد الأئمة بحسب المصلحة. انتهى كلامه.

المقام الثاني: في الذمي إذا نقض بعض ما شرط عليه، أجمع العلماء من كل مذهب على إباحة دمه وماله؛ والدليل على ذلك: أنه صلى الله عليه وسلم لما صالح أهل خيبر، اشترط عليهم الصفراء والبيضاء، والحلقة - أي السلاح - وأن لا يكتموا ولا يغيبوا شيئاً، فإن كتموا أو غيبوا شيئاً فلا ذمة لهم.

فغيبوا مسكاً لحيي بن أخطب فيه مال وحلي، فسألهم عنه، فقالوا: أذهبته النفقات والحروب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"العهد قريب والمال أكثر من ذلك، فدفع من كان عنده ذلك إلى الزبير يستقره، فمسه بعذاب، فقال: لقد رأيت حيياً يطوف في خربة هناك، فذهبوا به فوجدوا المسك في الخربة، فقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم بني أبي الحقيق، وسبى نساءهم وذراريهم، وقسم أموالهم بالنكث "، "وغزا أهل مكة لما أعانوا بني بكر على خزاعة خفية"؛ قال الإمام ابن القيم، رحمه الله: إن ذلك من السياسة الشرعية،

ص: 456

فإن الله سبحانه قادر على أن يدل رسوله على الكنز بطريق الوحي، لكن أراد أن يسن للأئمة عقوبة المتهمين.

قال الإمام ابن القيم، رحمه الله، في الهدي النبوي: فواجب على الإمام إزالة المنكرات، وتحريق أمكنة المعصية التي يعصى الله فيها ورسوله، وهدمها، كما "حرق رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد الضرار، وأمر بهدمه"، وهو مسجد يصلى فيه ويذكر الله فيه، لما كان بناؤه ضراراً، وتفريقاً بين المؤمنين، وكذلك محالّ المعاصي والفسوق، كالخانات، وبيوت الخمارين، وأرباب المنكرات، وقد "حرق عمر قرية بكمالها يباع فيها الخمر، وحرق حانوت رويشد الثقفي، وسماه فويسقاً، وأحرق قصر سعد عليه، لما احتجب فيه عن الرعية".

قال الإمام موفق الدين بن قدامة المقدسي الحنبلي، في كتاب العمدة: مسألة: ومن نقض العهد بامتناعه من التزام الجزية والملة، أو قاتل المسلمين، أو هرب إلى دار الحرب، حل دمه وماله، لأن في كتاب عبد الرحمن بن غنم، الذي فيه شرائط أهل الذمة على أنفسهم: وإن نحن غيرنا أو خالفنا عما شرطنا على أنفسنا، فلا ذمة لنا، وقد حل لكم ما يحل من أهل المعاندة والشقاق، فزاد عليهم عمر:"ومن ضرب مسلماً فقد خلع عهده"، فظاهره: أنه متى نقض شيئاً من ذلك حل دمه وماله، ولأنه عقد بشرط،

ص: 457

فمتى لم يوجد الشرط زال حكم العقد.

انظر أيها المسترشد: ما حكم به صلى الله عليه وسلم من القتل، وأخذ الأموال على من لم يف بالشرط، وما صرح به علماء المذهب، رحمهم الله.

وقال في كتاب الرحمة للشافعي: فصل: وإذا فعل أحد من أهل الذمة ما يجب تركه والكف عنه، أو ما فيه ضرر على المسلمين، أو خافهم في نفس أو مال، وكذلك في ثمانية أشياء: بأن أجمع على قتال المسلمين، أو يزني بمسلمة، أو يسبها باسم نكاح، أو يفتن مسلماً عن دينه، أو يقطع عليه الطريق، أو يأوي جاسوساً للمشركين، أو يعين على المسلمين بدلالة، أو يكاتب المشركين بأخبار المسلمين، أو يقتل مسلماً أو مسلمة عمداً، فهذه الثمانية توجب نقض الذمة، وإحلال المال والدم بوجود واحد منها، شرط أو لم يشرط، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، رحمه الله تعالى.

ولو ذهبنا نذكر عبارات الكتب لطال الجواب، ولكن هذا على سبيل الإرشاد والتنبيه لمريد الاسترشاد، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور.

والمقصود: أن الذمي إذا أخل بما شرط عليه، فلا ذمة له، وحل دمه وماله إجماعاً; والمسلم إذا عصى ولي الأمر، وسار إلى بلد الكفار، وقد نهي عن ذلك، فلولي

ص: 458