الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب تعليق الطلاق بالشروط
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن تعليق الطلاق
…
إلخ؟
فأجاب: أما تعليق الطلاق، فالذي عليه أكثر أهل العلم، أنه إذا علقه على شرط ووجد الشرط وقع; وفرق الشيخ تقي الدين وغيره من أهل العلم في ذلك، فقالوا: إن كان قصده وقوع الطلاق، كما يقول: إن زنيت فأنت طالق طلقت، وإن كان قصده الحض، أو المنع للمرأة، أو لنفسه عن فعل الشرط، وليس قصده وقوع الطلاق، لم تطلق المرأة بذلك، ويكون يميناً مكفرة، نظراً إلى كونه إنما قصد بذلك الحلف الحض والمنع، لا وقوع الطلاق؛ وهذا هو الذي يختاره شيخنا، ويفتي به.
وأجاب أيضاً: وأما من طلق وعلق الطلاق، ولم يأت بشيء من حروف الشرط، كـ "إذا" و "متى" و "إن"، كقول القائل: إلى جاني حقي فأنت طالق، فمثل هذا ينوى به الشرط والجزاء، على لغة أهل بلده، ولا يشترط أن يأتي باللغة العربية؛ هذا الذي نفهم من كلام أهل العلم، وأما الدليل فقد يخفى علينا، لكن هذا هو الذي نفتي به ونعمل.
وسئل: إذا علق الرجل طلاق امرأته على شرط، وأراد إبطاله قبل وجود الشرط برجعتها، أو قال: أبطلت ما علقت؟
فأجاب: قال في الإنصاف: إذا علق الطلاق على شرط لزم، وليس له إبطاله، هذا المذهب، وعليه الأصحاب قاطبة، وقطعوا به؛ وذكر في الانتصار والواضح رواية: يجوز فسخ العتق المعلق على شرط، قال في الفروع: ويتوجه ذلك في طلاقه، ذكره في باب التدبير. وقال الشيخ تقي الدين أيضاً: لو قال: إن أعطيتني، أو إذا أعطيتيني، أو متى أعطيتيني ألفاً فأنت طالق، أن الشرط ليس بلازم من جهته، كالكتابة عنده؛ قال في الفروع: ووافق الشيخ تقي الدين على شرط محض، كإن قام زيد فأنت طالق، قال الشيخ تقي الدين: التعليق الذي يقصد به إيقاع الجزاء، إن كان معاوضة فهو معاوضة، فإن كانت لازمة فلازم، وإلا فلا يلزم الخلع قبل القول ولا الكتابة، وقول من قال: التعليق لازم، دعوى مجردة. انتهى.
فتحرر: أن التعليق على شرط قسمان:
أحدهما: تعليق محض بلا شرط معاوضة، كقوله: إن قدم زيد فأنت طالق، وإن دخلت الدار فأنت طالق، وإن خرجت فأنت
طالق، فهذا ليس له إبطاله على قول الجماعة؛ ووافقهم الشيخ تقي الدين على ذلك، وهو الصواب.
القسم الثاني: تعليق بشرط معاوضة، كقوله: إن أعطيتيني ألفاً فأنت طالق، أو متى أعطيتيني، أو إذا
…
فهذا تعليق بشرط معاوضة، وليس بلازم من جهة الزوج عند الشيخ تقي الدين.
وأما قولك: هل له إبطال الشرط برجعتها؟ فمعلوم: أن الطلاق لا يقع حتى يوجد الشرط، فكيف يراجعها؟ وأما قولك: وهل الطلقتان والثلاث في ذلك سواء؟ فهما سواء ولا فرق بينهما في ذلك بلا نزاع نعلمه.
وأجاب الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: وأما من قال لزوجته: إذا جاءني حقي فأنت طالق، وإن نزلت على أهلك فأنت طالق، فأقامت مدة لم تعطه، ولم تنزل على أهلها، فإذا علق طلاقها على ذلك، فالشرط لازم، والتعليق ثابت، ولو اتفقا على إبطاله، وفي الحديث: " ثلاث هزلهن جد وجدهن جد
…
" 1 الحديث.
وأجاب أيضاً: وأما إذا قال رجل لامرأته: إن فعلت كذا فأنت طالق، ففعلته ناسية، هل يقع الطلاق مع النسيان، والحالة هذه، أم لا؟ فهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه يحنث في الطلاق والعتاق إذا فعله ناسياً، ولا يحنث في سائر الأيمان
1الترمذي: الطلاق (1184)، وأبو داود: الطلاق (2194)، وابن ماجة: الطلاق (2039) .
مع النسيان، وهذا مذهب متأخري الحنابلة.
والقول الثاني: أنه يحنث في الكل إذا فعله ناسياً، وهو مذهب مالك ورواية عن أحمد.
والقول الثالث: أنه لا يحنث مع النسيان ولو في الطلاق والعتاق، وهذا ظاهر مذهب الشافعي، واختاره صاحب الفروع، وقال هذا أظهر؛ وقال في الإنصاف: قلت: وهو الصواب، وهو اختيار الشيخ تقي الدين، لقوله تعالى:{وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [سورة الأحزاب آية: 5] .
وسئل: عمن قال لواحدة من زوجتيه: أترضين بكل ما أفعل بك، وإلا الحقي بأهلك، فقالت: ما أرضى إلا بالمواساة؟
فأجاب: قوله لها كناية في الطلاق، إن أراد بها الطلاق طلقت، لأنه في معنى التعليق على رضاها، ولم يوجد.
وأجاب الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ: إذا علق الطلاق على شرط لزم، وليس له إبطاله؛ هذا المذهب، وعليه الأصحاب قاطبة، وقطعوا به، قاله في الإنصاف.
وسئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: إذا قال شخص لزوجته: إن لم تقومي فأنت طالق؟
فأجاب: إذا قامت إبراراً للقسم لم تطلق، وإن لم ينو
الفورية فلا تطلق، ولو تراخى القيام، ويدين في نيته.
وإذا قال لامرأته: إن كنت تبغضيني فأنت طالق، فالعبرة بما قبلها: إن كانت تبغضه، فقد وجد ما علق الطلاق على وجوده، وتطلق حينئذ، وإن كانت لا تبغضه فلا تطلق، وتصدق لكون ذلك لا يعلم إلا من جهتها، تكلمت بذلك أم لا؛ وحيث وقع الاستفتاء يسألها المفتي عن ذلك، وعليها أن تجيب حينئذ بما تعلم في نفسها.
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: إذا قال الرجل لامرأته: إن خرجت فأنت طالق، وكرره ثلاثاً، ثم خرجت؟
فأجاب: تطلق ثلاثاً ولو لم ينو شيئاً، وإن ادعى إرادة الإفهام بالتكرار قبل منه.
وسئل الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن، رحمهم الله: إذا قال لزوجته: إن خرجت من داري بغير إذني فأنت طالق، ثم أذن لها تخرج ما شاءت، هل تنحل يمينه؟
فأجاب: نعم تنحل يمينه، صرح بذلك في الإقناع، قال: فصل في تعليقه بالإذن، إذا قال: إن خرجت بغير إذني، أو إلا بإذني، أو حتى آذن لك، فأنت طالق، ثم أذن لها فخرجت مرة بإذنه، ومرة بغير إذنه، طلقت، إلا أن ينوي الإذن مرة، أو يقوله بلفظه; فإن أذن لها في الخروج كلما شاءت لم تطلق. فعلى هذا ينظر في حال الحالف
بالطلاق، هل أراد الإطلاق أو التقييد؛ هذا على كلام الأصحاب، ولا يخفاك أن هذا من أنواع الحلف بالطلاق، ولا يقع للمراء، فكيف والحال ما ذكرت؟ قال ابن القيم في الإعلام: وقد أفتى علي بن أبي طالب في الحالف بالطلاق: لا شيء عليه، ولم يعرف له مخالف من الصحابة - إلى أن قال - والحالف بالطلاق لم يقصد وقوعه، وإنما منع نفسه أو غيره بالحلف بما لا يريد وقوعه.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله: عن الذي حلف بالطلاق الثلاث، أن لا يفعل كذا وكذا، ثم بدا له فعله، لأن في ترك فعله قطيعة رحم؟
فأجاب: كلام الفقهاء في المسألة: أنه طلاق; والذي يفتي به شيخنا، رحمه الله، وهو مذهب الشيخ تقي الدين، ومن قال بقوله: أن ذلك يمين مكفرة، كأيمان المسلمين، وكفارته كفارة يمين.
وسئل: عمن حلف على امرأته لا تدخل بيت فلان، فدخلت ناسية؟
فأجاب: أما المرأة التي حلف عليها زوجها أن لا تدخل بيت فلان، وعلق طلاقها على دخوله، فدخلته ناسية، فهذه المسألة فيها خلاف بين الفقهاء، وفيها ثلاث روايات عن الإمام أحمد؛ والمذهب عند المتأخرين من
الحنابلة: أن الطلاق يقع وإن كانت ناسية; وعند الشيخ تقي الدين وغيره من العلماء: أنها لا تطلق، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى:{وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [سورة الأحزاب آية: 5]، وقوله صلى الله عليه وسلم:" عفي لأمتي الخطأ والنسيان "1.
وأجاب الشيخ حمد بن عبد العزيز: وأما مسألة الحلف بالطلاق الثلاث، فمسألة خلاف، وكلام شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم فيها معروف، ولكن الشيخ محمد، رحمه الله، كثيراً ما يوافق اجتهاده في فتاوى مسائل الخلاف الشيخين، إلا في هذه المسألة، أخذ بقول الجمهور في وقوع الثلاث، سواء أوقعها إنشاء، أو حلفاً بها، أو تعليقاً.
ويلزم الأمير أن يكف الرجل عن فتواه بذلك، وأظنه يحسب أن المفتين في نجد ما علموا بما في المسألة من الخلاف، حتى جاء هو; وعمر رضي الله عنه قد علم ذلك، فهو الذي قال:"استعجلوا أمراً كان لهم فيه أناة، فلو أوقعناه عليهم"، فأوقعه عليهم؛ وهو رضي الله عنه خليفة راشد، قد أمرنا باتباعه، وهو أولى بالاتباع من الشوكاني، الذي هو عمدة هذا المفتي.
سئل الشيخ عبد الله بن عبد ال) وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) (الأحزاب: من الآية5) لطيف: عمن طلق على وصول دراهم إلى غريمه، ثم تحاسبا، فصدق الغريم، وادعى النسيان، وهو حال الطلاق يظن صواب نفسه؟
1 ابن ماجة: الطلاق (2045) .
فأجاب: مسألة الجاهل والناسي، فيها أقوال للعلماء: فعن أحمد: أنه إذا حلف لا يفعل شيئاً ففعله ناسياً، أو حلف: لا فعلت كذا، ظاناً أنه لم يفعله، حنث في الطلاق والعتاق، ولم يحنث في اليمين المكفرة; وهذه الرواية أخذ بها المتأخرون. والرواية الأخرى: أنه لا يحنث في الطلاق والعتاق، وهذا قول عطاء وعمرو بن دينار، وابن أبي نجيح وإسحاق وابن المنذر، وهو ظاهر مذهب الشافعي، لقول الله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) (الأحزاب: من الآية5)) وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) الطلاق: من الآية2) [سورة الأحزاب آية: 5]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الله تجاوز لأمتي عن الخطإ والنسيان، وما استكرهوا عليه "1.
1 ابن ماجة: الطلاق (2043) .