المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب الدعاوى والبينات - الدرر السنية في الأجوبة النجدية - جـ ٧

[عبد الرحمن بن قاسم]

الفصل: ‌باب الدعاوى والبينات

‌باب الدعاوى والبينات

قال الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد، رحمهما الله: جرى بين رجلين خصومة، في عقد بيع نخل متقدم، ودخل عليه عقد ثان، وقام بعض الناس على بعض، يتنازعون في عقود ماضية في أموال قد استولى عليها أهلها، وحضروا عند آل الشيخ، واتفق رأيهم: أن ما أفتى به الشيخ، رحمه الله، وغيره من قضاة المسلمين، واستغله الذي هو في يده مدة، والمدعي موجود ولا أنكر، وادعى، فلا له طريق إلا أن تبين مقالة فيها نص صحيح، أو إجماع أهل العلم، أو اتفق عليه قضاة المسلمين الموجودين، وإلا ما يثبت له دعوى بفتيا الواحد في مثل هذه المقالة التي يقضي فيها قاض من قضاة المسلمين، فلا يتعرضها الآخر إلا بإجماع القضاة أن هذه الفتيا مخالفة الشرع، فإن نقضها واحد ما صح نقضه، فإن تَقَوّى أمير أو مأمور على مسلم، وأكل ماله بظلم أو بيع فاسد، فيأتي وأقوم له إن شاء الله تعالى.

ويذكر لنا بعض الناس، الذين حضروا الشيخ، رحمه الله: أنه إذا عرض عليه حفيظة، بخط مطوع من مطاوعة الجاهلية 1

1 أي: ما قبل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله، سموا بذلك لما كانوا عليه من أعمال الجاهلية.

ص: 575

أمضاها، ولا ينكثها، فإذا استدام ملك واحد في يد الآخر، واستغله ثلاث سنين أو أربع سنين، وصاحب الدعوى حاضر، ولا ادعى في هذه المدة، سد عليه الباب.

سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن أخوين بينهما شركة في أرض، تصرف أحدهما في الأرض بزرع وبناء وادعى أنه اشتراها من أخيه ولكن الشهود ماتوا.

فأجاب: الذي نفهم أن هذا على الأصل، يلزم مدعي الشراء بينة، فإن لم يجد بينة حلف المنكِرُ أنه لم يبعها عليه، وأنها في ملكه إلى الآن، فإذا حلف فهو على نصيبه من الأرض; وأما كونها في يد أحدهما، ويتصرف فيها من قدر ثمان سنين، فمثل هذا ما يصير بينة، ولا يحكم باليد في مثل هذه الصورة، لكونه يدعى أنه اشتراها، والآخر منكر ولم يدع أنها ملكه، لا حق للآخر فيها، بل هو مقر بملك أخيه فيها، لكنه يدعي بالشراء؛ وهذا الذي تقرر عندنا وعند الأخ حمد بن ناصر.

سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: عن مواريث كانت في الأصل فصارت اليوم في يد غير أهلها يتصرفون فيها تصرف الملاك؟

فأجاب: الذي استقر عليه فتوى شيخنا، شيخ

ص: 576

الإسلام، إمام الدعوة الإسلامية: أن العقار ونحوه، إذا كان في يد إنسان يتصرف فيه تصرف الملاك، من نحو ثلاث سنين فأكثر، ليس فيه منازع في تلك المدة، أن القول قوله أنه ملكه، إلا أن تقوم بينة عادلة، تشهد بسبب وضع اليد، أنه مستعير أو مستأجر ونحو ذلك، وأما الأصل: فلا يلتفت إليه مع هذا الظاهر؛ فقدَّم شيخنا، رحمه الله، الظاهر هنا على الأصل، لقوته وعدم المعارض.

وسئل أيضاً: الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ، رحمهم الله: عن بستان ادعاه اثنان، أصله لجدهما من قبل الأم، وليس مع أحدهما بينة بانتقال ملك مورثه عنهما؟

فأجاب: قد أفاد ابن القيم، رحمه الله تعالى، في الطرق، ما يؤخذ منه حكم هذه القضية، فقال: وأما المرتبة الثالثة: فمثالها أن يكون رجل حائزاً لدار يتصرف فيها السنين الطويلة، بالبناء والهدم والإجارة والعمارة، وينسبها إلى نفسه، وإنسان حاضر يراه ويشاهد أفعاله فيها هذه المدة، وهو مع ذلك لا يعارضه فيها، ولا يذكر أن له فيها حقاً، ولا مانع من مطالبته من خوف سلطان، أو ما أشبه ذلك، وليس بينه وبين المتصرف في الدار قرابة، أو شركة في ميراث ونحوه، ثم جاء بعد طول هذه المدة يدعيها لنفسه، ويزعم أنها له، ويريد أن يقيم بينة بذلك، فدعواه غير مسموعة أصلاً. انتهى.

ص: 577

فمفاد هذا الكلام: أنه إذا كان بين المتنازعين قرابة، أو شركة في ميراث ونحو ذلك، أن الدعوى تسمع، ولا يثبت حكم اليد لمن هي في يده، لأجل القرابة وغيبة الشريك، فتقسم على الميراث الذي هو الأصل، والله أعلم.

سئل الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ: إذا ادعى رجل أن أباه اشترى هذا الملك، وأحضر وثيقة، وكان بيد آخر ورثه عن أبيه، والوثيقة من مدة خمس سنين؟

فأجاب: اعلم أن العلماء قرروا أنه إذا تعارض الأصل والظاهر، قُدِّم الظاهر ولم يعمل بالأصل، وهذا فيما إذا كان العقار بيد إنسان، قدر خمس سنين يتصرف فيه تصرف المالك، ولم يدَّعه صاحب الأصل في هذه المدة، ولم يكن بينهما شركة ولا قرابة بينهما؛ فالذي أرى في هذه المسألة: إذا كان الملك بيد أب من هو في يده، أو ولده مع وجود أبي المدعي، يتصرف فيه، ولم يدعه الأب، فدعوى ابنه اليوم ساقطة; وإن كان أبو المدعي مات من حين الشراء المذكور في الوثيقة، وأحضر ابنه بينة أنه لم يعلم بالوثيقة، ولم يجدها إلا في هذا الزمان عمل بها، وإلا لم تقبل دعواه عدم وجودها إلا ببينة مرضية.

سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: إذا ادعى إنسان عقاراً فقال المدعَى عليه: ورِثْته من أبي، ولم

ص: 578

أعلم لك فيه حقاً، هل تقبل يمينه؟ وإذا ادعى إنسان شيئاً أنه يملكه الآن، وشهدت البينة أنه كان له أمس أو لأبيه قبل موته إلى أن مات، هل تسمع أو لا؟

فأجاب: لا يخلو إما أن يدعي على من هو بيده أنه غصبه إياه ونحو ذلك، فإذا لم يكن للمدعي بينة، فعلى المدعى عليه اليمين على حسب جوابه، فإن قال المدعي: غصبتني، حلف أني ما غصبتك هذا، وإن قال المدعي: أودعتك هذا، حلف أنك ما أودعتني إياه، ونحو ذلك. فإذا حلف بأنك ما تستحق علي شيئاً، أو أنك لا تستحق شيئاً فيما ادعيته، صار جواباً صحيحاً، ولا يكلف سواه.

والحال الثاني: أن يدعي على من هو في يده، بأن أباك غصبني هذا، أو أنه وديعة عنده، ونحو ذلك، فيمين المدعَى عليه على نفي العلم، فيحلف في دعوى الغصب: بأني ما علمت أن أبي غصب هذا منك، وفي دعوى الوديعة: ما علمت أنك أودعته إياه، ونحو ذلك. وفي سنن أبي داود: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للحضرمي: " ألك بينة؟ قال: لا، ولكن أحلفه، والله يعلم أنها أرضي اغتصبها أبوه. فتهيأ الكندي لليمين، ولم ينكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم " 1، ولأنه لا تمكنه الإحاطة بفعل غيره، بخلاف فعل نفسه، فوجب أن لا يكلف اليمين على البَتّ. وأما إذا ادعى أن هذه العين له الآن، وشهدت البينة بأنها كانت له أمس، أو

1 أبو داود: الأيمان والنذور (3244) .

ص: 579

أنها كانت في يده أمس، لم تسمع بينته لعدم تطابق البينة والدعوى؛ قال في الإنصاف: في أصح الوجهين، حتى يتبين سبب يد الثاني نحو غصبه، بخلاف ما لو شهدت أنها ملكه اشتراه من رب اليد، فإنها تقبل. اهـ.

وأما إذا شهدت البينة: أن هذه العين لهذا المدعي بهذه الصيغة، كفى ذلك، وسلمت إلى المدعي، ولو لم تقل وهي في ملكه الآن. وأما إذا ادعى: أن هذه العين كانت ملكاً لأبيه أو أمه أو أخيه، ومات وهي في ملكه، فصارت لي بالميراث، فإن شهدت البينة بأن هذه العين كانت ملكاً لأبيه، ومات وهي في ملكه، سمعت البينة بذلك، وإن قالت البينة كانت ملكاً لأبيه ونحوه، ولم تشهد بأنه خلفها تركة، لم تسمع هذه البينة. وفي الفروع والإنصاف عن الشيخ تقي الدين أنه قال فيمن بيده عقار، فادعى آخر بثبوت عند الحاكم أنه كان لجده إلى موته، ثم لورثته، ولم يثبت أنه مخلف عن موروثه: لا ينتزع منه بذلك، لأن أصلين تعارضاً، وأسباب انتقاله أكثر من الإرث، ولم تجر العادة بسكوتهم المدة الطويلة؛ ولو فتح هذا الباب لانتزع كثير من عقار الناس بهذا الطريق.

وسئل: إذا دخل على رجل مدينان، ودفعا إليه دراهم، فأخرج أحدهما عشرة، وقال: هذه التي لك

ص: 580

قبلي، خذها لتحسبها، فقال: ضعها، وقال الآخر كذلك، وأمره أن يضعها على دراهمه الأولى، أو إلى جانبها، فأخذهما صاحب الحق جميعاً، وحسبهما، فوجد نقصاناً لا يدري من أيهما؟

فأجاب: له على كل منهما اليمين: أنه دفع إليه حقه تاماً، وليس له إلا ذلك، لأنه فرط في خلطهما، فلم تكن الدعوى على إنسان بعينه، بل عليهما جميعاً، وهي لا تسمع إلا على معين.

سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب: إذا تداعيا عيناً، والكل معه بينة؟

فأجاب: إذا تداعيا عيناً، والكل معه بينة، قدمت بينة الداخل، لقول أهل المدينة.

سئل ابنه الشيخ عبد الله: إذا ادعى خصمان عيناً، أحدهما يدعي أنها سرقت من ثلاث سنين، والآخر أنه اشتراها منذ سبع سنين، وأقام كل منهما بينة؟

فأجاب: الذي ذكر كثير من العلماء: أنه يعمل ببينة الذي يدعي أنها له منذ سبع، لا سيما إذا كانت في يده؛ قال في الإنصاف: وإن كان لكل واحد منهما بينة، قدم أسبقهما تاريخاً، مثل أن تشهد إحداهما أنها له منذ سنة، وتشهد الأخرى أنها للآخر منذ سنتين، فيقدم أسبقهما

ص: 581

تاريخاً؛ وهذه رواية عن أحمد، نصرها القاضي وأصحابه، وقال: هذا قياس المذهب.

[معنى تعارض البينتين]

سئل الشيخ حمد بن ناصر: ما معنى تعارض البينتين؟

فأجاب: معنى تعارض البينتين: تساويهما من كل وجه، فإذا أقام المدعي بينة، وأقام المدعى عليه بينة، وتساوتا، فقد تعارضتا، فإذا تعارضتا سقطتا، وكانا كمن لا بينة لهما.

وسئل: ما معنى قولهم: بينة الداخل والخارج؟

فأجاب: بينة الخارج بينة المدعي، وبينة الداخل بينة المدعى عليه.

وسئل: هل يعتبر في البينات كثرة العدالة، أم لا؟

فأجاب: قال في المغني: ولا ترجح أحد البينتين بكثرة العدد، ولا اشتهار العدالة؛ وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، ويتخرج أن ترجح، وهو قول مالك، لأن الشهادة إنما اعتبرت لغلبة الظن بالمشهود به. وإذا كثر العدد، أو قويت العدالة، كان الظن أقوى; ولنا: أن الشهادة مقدرة في الشرع، فلا تختلف بالزيادة كالدية، فصار الحكم معلقاً بها دون اعتبار الظن، ألا ترى أنه لو شذ النساء منفردات لا تقبل شهادتهن، وإن كثرن حتى صار

ص: 582

الظن بشهادتهن أغلب من شهادة الذكرين؛ وعلى هذا، لا يرجح شهادة الرجلين على شهادة الرجل والمرأتين في المال، لأن كل واحدة من البينتين حجة في المال، فإذا اجتمعتا تعارضتا.

فأما إن كان لأحدهما شاهدان، وللآخر شاهد، فبذل يمينه معه، ففيه وجهان:

أحدهما: يتعارضان.

والثاني: يقدم الشاهدان، لأنهما حجة متفق عليها، والشاهد واليمين مختلف فيها؛ وهذا الوجه أصح إن شاء الله تعالى. انتهى كلامه، رحمه الله.

ص: 583