المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌باب الخلع سئل الشيح حسين بن الشيخ محمد: إذا كرهت زوجها، - الدرر السنية في الأجوبة النجدية - جـ ٧

[عبد الرحمن بن قاسم]

الفصل: ‌ ‌باب الخلع سئل الشيح حسين بن الشيخ محمد: إذا كرهت زوجها،

‌باب الخلع

سئل الشيح حسين بن الشيخ محمد: إذا كرهت زوجها، هل يجبر على الخلع؟

فأجاب: إذا كرهت زوجها، فالذي نفتي به أنه مستحب، ولا يجبر الزوج على الخلع؛ وإذا طلبته الطلاق وتبرئه من النفقة، وطلقها ثم طلبت النفقة، فإن كانت مبغضة له البغضاء المعروفة، فليس لها طريق في النفقة، وإن كان حين ضيق عليها طلبته الطلاق ومسيء عشرتها، فنفقتها تلزمه إلى أن تعتد، وإن كانت حاملاً إلى أن تضع.

سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: إذا طلق امرأته على عوض، ثم بعد ذلك ألحقها طلاق البت؟

فأجاب: الذي عليه أكثر الحنابلة، أن الخلع طلاق بائن إلا أن يقع بلفظ الخلع، أو الفسخ أو المفاداة، ولا ينوي به طلاقاً، فيكون فسخاً لا ينقص به عدد الطلاق، وهو من مفردات المذهب. والرواية الثانية عن أحمد: أنه طلاق بائن بكل حال. والرواية الثالثة: أنه فسخ ولو نوى به الطلاق، اختاره الشيخ تقي الدين.

ومن شرط وقوع الخلع فسخاً، أن لا يوقعه بصريح

ص: 260

الطلاق، فإن أوقعه بصريح الطلاق كان طلاقاً على الصحيح من المذهب; وقيل: هو فسخ ولو أتى بصريح الطلاق أيضاً إذا كان بعوض، واختاره الشيخ تقي الدين أيضاً، وقال: عليه دل كلام الإمام أحمد وقدماء الأصحاب، وابن عباس، صح عنه أنه قال: ما أجازه المال فليس بطلاق، قاله في الإنصاف. فعلى القول الأول، لا يقع بالمعتدة من الخلع طلاق ولو واجهها به، قال في الإنصاف: لا يقع بالمعتدة من الخلع طلاق، هذا المذهب وعليه الأصحاب. انتهى.

وعلى الرواية التي اختارها الشيخ تقي الدين: لا يلحقها الطلاق أيضاً، سواء كان بلفظ الطلاق أو لم يكن، لكن المراد بهذا الخلع الصحيح، وهو إذا كانت المرأة مبغضة للرجل، وتخشى أن لا تقيم حدود الله في حقه، كما قال تعالى:{وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا} الآية [سورة البقرة آية: 229] .

وأكثر الخلع في وقتنا لا يوجد منه هذه الشروط، بل الغالب أنه لسوء عشرة الرجل; فلهذا كان شيخنا، رحمه الله، يفتي بأنه طلاق بائن، ينقص به عدد الطلاق، ولا يجوز له الرجعة إلا بعقد جديد ومهر، لكون الخلع في هذه الأزمنة، على غير الخلع الصحيح المذكور في القرآن.

ص: 261

وسئل أيضاً: الشيخ عبد الله بن الشيخ: عمن طلبت من زوجها طلاقها

إلخ؟

فأجاب: إذا طلبت المرأة طلاقها، فطلقها ثلاثاً، صح طلاقه وطلقت; وأما كلام ابن عباس في الخلع، وقوله:"ليس الخلع بطلاق"، فالظاهر أن مراده: الخلع الصحيح، وهو المستكمل للشروط المذكورة في القرآن، بقوله:{وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [سورة البقرة آية: 229] ، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو اختيار الشيخ تقي الدين، وهو مروي عن طاووس وعكرمة وإسحاق وأبي ثور، وهو أحد قولي الشافعي.

وأما في مثل كثير من خلع الناس اليوم، فليس الخلع صحيحاً، والذي نفتي به لمثلهم أن الخلع طلاق بائن؛ وهذا هو المشهور في مذهب أحمد، سواء نوى به الطلاق أم لا، روي ذلك عن سعيد بن المسيب وعطاء والحسن، ومالك وأصحاب الرأي.

وأجاب أيضاً: الذي خلع زوجته، وقال: أنت طالق عدد الخوص، فإن كان الخلع صحيحاً فليس بطلاق وإن قال ذلك، وإن كان الخلع كخلع أكثر الناس اليوم، فهو طلاق بائن.

ص: 262

وأجاب أيضاً: الخلع الصحيح الموجود فيه الشروط التي ذكرها الله، ليس من عدد الطلاق، ولا يلحقها بعد الخلع طلاق؛ ولكن أكثر خلع الناس اليوم فاسد، والذي نفتي به: أنه يعد من الطلاق.

وأجاب بعضهم: وأما الحلف بطلاق المختلعة، فينبني على صحة الخلع وعدمه: فإن كان غير صحيح، كما إذا ضارها الزوج لتفتدي منه، فالخلع غير صحيح; فإن كان بلفظ الطلاق أو نيته، مع اللفظ الصريح للخلع لحقها الطلاق، فإن كان بلفظ الخلع من غير نية الطلاق، فالزوجة بحالها، ولا يقع الطلاق على المختار عند الأصحاب؛ وهذا مذهب أحمد، وقول ابن عباس وابن الزبير وجمع من التابعين، وبه يقول مالك والشافعي. وحكي عن أبي حنيفة أنه يلحقها الطلاق الصريح دون الكناية، يروى عن سعيد بن المسيب وجماعة، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" المختلعة يلحقها الطلاق ما دامت في العدة "، ولم يمكن آخر هذا اليوم البحث عن هذا الحديث وسنده، وإن صح فهو الحجة.

وأجاب الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: إذا طلق الرجل زوجته ثلاثاً على عوض، هل يجوز أن يتراجعا بملاك جديد؟ فهذه المسألة تحتاج إلى تفصيل: فإن كانت المرأة أعطت زوجها عوضاً على طلاقها، بأن كرهته وخافت أن لا

ص: 263

تقيم ما أوجبه الله عليها من القيام بحقوق الزوج، من المعاشرة بالمعروف، وتمكينه من الاستمتاع منها، وخدمته كما ينبغي من مثلها لمثله، فلا بأس بذلك، ولا على الزوج حرج في أخذ العوض منها، إذا كانت الحال كما وصفنا؛ ويسمى هذا: الخلع الصحيح، كما قال تعالى:{وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [سورة البقرة آية: 229] .

وقد اختلف العلماء: هل يكون هذا الخلع طلاقاً يعد من الطلقات الثلاث، أم لا يكون طلاقاً ولو خالعها أكثر من ثلاث؟ فمذهب ابن عباس، رضي الله عنهما، كما روى ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن طاووس، عن ابن عباس أن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص سأله عن رجل طلق امرأته تطليقتين، ثم اختلعت منه، أيتزوجها؟ قال:"نعم; ليس الخلع بطلاق، ذكر الله الطلاق في أول الآية وآخرها، والخلع فيما بين ذلك، فليس الخلع بشيء، ثم قرأ: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [سورة البقرة آية: 229] ، وقرأ: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} [سورة البقرة آية:230] "؛ وبهذا قال أحمد بن حنبل وجمهور أصحابه، وإسحاق وأبو ثور

ص: 264

وداود، واختار هذا القول طوائف من العلماء، منهم الشيخ تقي الدين، وهو اختيار شيخنا، رحمه الله.

وقال أكثر العلماء من الصحابة وغيرهم: هو طلاق يعد من الطلقات الثلاث، وهو طلاق بائن لا رجعة فيه للزوج إلا برضاء الزوجة؛ فعلى هذا القول: لو خالعها ثلاث مرات، أو طلقها طلقتين وخالعها مرة، حرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره، سواء تلفظ بلفظ الطلاق أو غيره.

واختلف العلماء: هل يلحق المختلعة طلاق، ما دامت في العدة؟ فقال مالك: إن طلقها بعد الخلع من غير سكوت طلقت، وإن كان بينهما سكوت لم تطلق; وقال الشافعي: لا يلحقها طلاق وإن كانت في العدة، وهو قول ابن عباس وابن الزبير، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور؛ وهذا هو المفتى به عندنا، وهو أظهر الأقوال، وعكس قول أبي حنيفة وكثير من التابعين.

واختلف أيضاً: في قدر عدتها، فقال أكثر العلماء: عدة المطلقة. وقال عثمان وابن عباس، رضي الله عنهم: عدتها حيضة واحدة، وبه قال عكرمة وإسحاق بن راهويه، وحجتهم: ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنه جعل عدة جميلة بنت أبي بن سلول حيضة، حين اختلعت من زوجها ثابت بن قيس بن شماس"، وأصل القصة في الصحيحين. فالذين قالوا: إن الخلع الصحيح، المجتمع فيه الشروط التي

ص: 265

ذكرها الله، ليس من الطلاق، يقولون: إنه إذا خالعها ولم يذكر الطلاق لفظاً ولا نواه بقلبه، فإنه لا يقع به شيء من الطلاق.

قال العسقلاني: واستدل لمن قال: إنه فسخ، بما وقع في بعض طرق حديث امرأة ثابت بن قيس، عند أبي داود والترمذي، والنسائي وابن ماجة، وحديث الربيع بنت معوذ:"أن عثمان رضي الله عنه أمرها أن تعتد بحيضة"; قالت: وتبع عثمان في ذلك قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأة ثابت بن قيس؛ قال الخطابي: في هذا أقوى دليل لمن قال إن الخلع فسخ، وليس بطلاق، إذ لو كان طلاقاً لم تعتد بحيضة. انتهى.

وأما إذا تلفظ بالطلاق عند الخلع، أو نواه بقلبه، فالذي عليه الجمهور من التابعين، وفقهاء الأمصار بالحجاز والعراق والشام، أنه يقع طلاقاً بائناً، لا تجوز الرجعة إلا بعد عقد جديد، ورضاء الزوجة، إلا أن يقول: أنت طالق ثلاثاً، فلا يجوز له مراجعتها إلا بعد زوج، كالمطلقة ثلاثاً بغير عوض.

وقيل: إنه فسخ، سواء تلفظ بالطلاق أو نواه، أو لم يكن؛ وهو قول ابن عباس، فإنه صح عنه أنه قال:"ما أجازه المال فليس بطلاق"، وصح عنه أنه قال:"الخلع يفرق وليس بطلاق"، وصح عن ابن الزبير; وروي ذلك عن غير

ص: 266

واحد من الصحابة، رضي الله عنهم، والتابعين، رحمهم الله؛ واختاره الشيخ تقي الدين، رحمه الله، وعليه دل كلام أحمد رحمه الله، وقدماء أصحابه. قال صاحب الفروع: ومراده ما قال عبد الله: رأيت أبي كان يذهب إلى قول ابن عباس.

وأما إذا كان حال الزوجين مستقيمة، ولم يوجد ما ذكر الله من الخوف أن لا يقيما حدود الله، ثم خالعها زوجها على ما بذلته له الزوجة أو غيرها، فالذي عليه جمهور الفقهاء أنه يكره، ويصح الخلع; وعن أحمد: أن ذلك لا يجوز ولا يصح.

وأما إن عضلها وأساء عشرتها لتفتدي منه، ففعلت، فالخلع باطل، والعوض مردود، والزوجية بحالها إلا أن يذكر الطلاق فيقع رجعياً، وقيل يقع طلاقاً بائنا، إن قيل: إن الخلع يصح بلا عوض. قال العسقلاني في شرح البخاري: أخرج عبد الرزاق بسند صحيح، عن سعيد بن المسيب قال: ما أحب أن يأخذ منها ما أعطاها، ليدع لها شيئاً; وقال: لم أسمع أن الفدية تجوز بالصداق وبأكثر، لقوله تعالى:{فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [سورة البقرة آية: 229] ، ولحديث حبيبة بنت سهل؛ فإذا كان الخلع من قِبَلها حل للزوج ما أخذ منها برضاها، وإن كان من قِبَله لم يحل، ويرد عليها إن أخذ، وتمضي الفرقة. انتهى.

قلت: وهذا القول كان يفتي به شيخنا، رحمه الله،

ص: 267

لكثرة الظلم للنساء في هذا الزمان، لأن كثيراً من الذين لا يخافون الله، إذا أراد أن يطلق امرأته بعد أن تستقيم حالها مدة، عضلها وأضر بها، ومنهم من يضربها، فإذا فعل ذلك اشترت نفسها بمال تبذله له على طلاقها فيطلقها، فكان شيخنا رحمه الله يفتي: إذا كان الأمر ما وصفنا، أن العوض الذي بذلت له المرأة على الطلاق مردود، وتبين منه المرأة، فلا يمكن من مراجعتها إلا برضاها.

وسئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: إذا طلق على عوض، هل رجعتها بيده؟

فأجاب: الطلاق بائن إذا كان على عوض، لا رجعة فيه، بل لا بد من عقد جديد إن لم يكمل ثلاث طلقات للحر واثنتان للعبد.

سئل الشيخ حمد بن ناصر: عمن بذلت له عوضاً على أن يطلقها فقبل، ثم قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، ثلاثاً; هل تبين منه بالأولى ولا تلحقها البواقي؟

فأجاب: الذي ذكر الفقهاء، رحمهم الله، أنها تبين بالأولى ولا يلحقها ما بعدها، لأنها بانت بالجملة الأولى، فإذا لحقها جملة ثانية وثالثة لم يصادف ذلك محلاً; وأما عند من يقول: إن المختلعة يلحقها الطلاق، كما ذهب إليه كثير من التابعين، فالطلاق عندهم لاحق.

ص: 268

وسئل أيضاً: عمن خلع زوجته، بأن بذلت له العوض وقبله، ولم يتلفظ بخلع ولا طلاق ولا فسخ، هل تبين بمجرد أخذ العوض؟

فأجاب: الذي عليه الجمهور: أنه لا بد من اللفظ، لقوله صلى الله عليه وسلم:" اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة "1.

وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: وأما إذا طلق ثلاثاً في الخلع، فالأكثر على أنه طلاق إذا كان بلفظ الطلاق; والشيخ تقي الدين يقول: الخلع فسخ ولو كان بلفظ الطلاق. فعلى هذا: إن قيل بقول الجمهور حرمت عليه في الصورتين، وإن قيل بقول الشيخ تقي الدين، فله الرجوع في الصورتين بعقد جديد.

وأجاب أيضاً: إذا طلق الرجل زوجته ثلاثاً، فإنها تقع الثلاث ولو كان على عوض.

وأجاب أيضاً: إذا طلبت المرأة من زوجها الخلع على عوض بذلته وقبله الزوج، وقال: الله يرزقك، ونحو ذلك من ألفاظ العامة، فهذه مسألة مشكلة جداً، لأن فقهاء أصحابنا وغيرهم ذكروا كنايات الخلع، ولم يذكروا فيها شيئاً نحو هذه الألفاظ، وقالوا: إن ما لا يدل على الطلاق، من نحو: كلي واشربي، وبارك الله عليك، ونحو ذلك، لا يقع به طلاق ولو نواه، لأنه لا يحتمل الطلاق،

1 البخاري: الطلاق (5273)، والنسائي: الطلاق (3463) .

ص: 269

فلو وقع به الطلاق وقع لمجرد النية.

وكذا كنايات الخلع، فمقتضى قولهم هذا أن قائل: الله يرزقك ونحوه، ناوياً به طلاقاً أو خلعاً، لا يقع به شيء من ذلك، لأن هذا اللفظ ونحوه ليس من الكنايات المذكورة، فلو أوقعنا به طلاقاً أو خلعاً، لكنا قد أوقعناه بالنية؛ ولكنهم قد ذكروا من كنايات الطلاق: أغناك الله، بلفظ الماضي، ولم يذكروه بلفظ المضارع، كالله يغنيك، مثله: الله يرزقك ونحوه، ولم يذكروا في ألفاظ الكنايات لفظ المضارع، والله أعلم.

ولو ذهب ذاهب بوقوع الخلع، بقول العامي: الله يغنيك ونحوه، ولم يذكر طلاقاً أو فسخاً، مع بذل العوض وقبوله، لم يبعد، لقول الشيخ تقي الدين المنقول عن أحمد وقدماء أصحابه، ألفاظهم كلها صريحة في أن الخلع بلفظ البيع فسخ، وبأي لفظ كان.

وقال أيضاً، بعد أن ذكر ألفاظ العقود في الماضي. والمضارع، واسم الفاعل واسم المفعول، وأنها لا تنعقد بالمضارع، قال: وما كان من هذه الألفاظ محتملاً، فإنه يكون كناية حيث تصح الكناية، كالطلاق ونحوه، ويعتبر دلالات الأحوال; قال: وهذا الباب عظيم المنفعة، خصوصاً في الخلع وبابه. انتهى.

وأفتى بعض متأخري الأصحاب النجديين، بأن

ص: 270

الزوجة إذا طلبت الفرقة على عوض بذلته لزوجها، فقال: خلعت جوازك، صح; قال: لأن ذلك لغة أهل بلدنا، قال: والعبرة في ذلك، ومثله بلغة المتكلمين به. انتهى.

وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أن الخلع يصح بمجرد بذل المال وقبوله من غير لفظ من الزوج، وإلى ذلك ذهب أبو حفص، وابن شهاب العكبريان من أصحابنا، واحتجا بما رواه ابن منصور عن أحمد، قال: قلت لأحمد، كيف الخلع؟ قال إذا أخذ المال فهي فرقة. وقال إبراهيم النخعي: أخذ المال تطليقة بائنة; وروي عن الحسن نحوه; وروي عن علي رضي الله عنه: "من قبل مالاً على فراق، فهي مطلقة بائنة". وبكل حال، ففي المسألة إشكال، وعدم إيقاع الطلاق أو الفسخ بنحو هذا اللفظ أسلم.

وأجاب الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: الخلع يقع بائناً لا تحل الزوجة بعده لزوجها إلا بعقد جديد، وليس له استرجاعها، كما نص عليه أهل العلم.

سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عمن طلق زوجته طلقة على عوض منها، ثم بعد ذلك طلقها ثلاثاً؟

فأجاب: إذا صدقته الزوجة على قوله أنه طلقها الأولى على عوض منها، فلا يلحقها الطلاق الذي بعد ذلك، وتجوز له بعقد جديد.

ص: 271

وسئل: هل للزوج أخذ أكثر من المهر؟ وهل الهدية منه؟

فأجاب: أما هدية الزوج فليست من المهر، والزوجة إذا نشزت لم يلزم الزوج أخذ شيء، لكن إن طلبت العوض ولا رضي بالمهر بل طلب غيره، فإن أحبوا أعطوه ما طلب، قليلاً كان أو كثيراً، ولا يجبر أحدهما على دفع شيء أو أخذ شيء مقدر.

وسئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: إذا خالعته، وشرطت أن لا تعطيه إلا إذا تزوجت؟

فأجاب: إذا خالعت المرأة زوجها على شيء مسمى، وشرطت عليه أنها لا تعطيه إلا إذا تزوجت، وطلقها على ذلك، فإنها تعطيه إياه إذا تزوجت.

سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: إذا خالعت على نفقة الحمل، ثم تبين عدمه؟

فأجاب: وأما الخلع على نفقة الحامل ورضاع الولد، ثم تبين عدمه، فالموافق للقاعدة المشهورة من المذهب: صحة الخلع، ويرجع عليها بقدر النفقة المشترطة، وهي نفقة الحامل، وقدر أجرة المرتضع حولين، إذا كان الخلع على نفقتها ورضاع ولدها.

وأجاب أيضاً: إن كانت الزوجة قالت: إني حامل،

ص: 272

وطلبت من الزوج أن يطلقها على البراءة من الحمل وتوابعه، وصار ليس فيها حمل، فالذي يبين لي من كلام العلماء: أن الزوج يرجع عليها بقيمة ما غرته به; فإن كانت المرأة ما ادعت الحمل، لكن الزوج خاف أنها حامل، وطلب البراءة، فلا أرى له عليها شيئاً; وأما الطلاق فيقع بكل حال، وليس له منعها من نكاح غيره، إذا كانت قد انقضت عدتها، وهو يطالبها بالغرامة في صورة الغرر منها.

سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ، رحمهما الله: إذا قال لزوجته: إذا أعطيتيني كذا وكذا فأنت طالق، وإذا نزلت إلى أهلك فأنت طالق، ونيته وقتاً معلوماً كيومين.

فأجاب: لا تطلق إلا إذا مضى الوقت الذي نواه، والظاهر أنه يحلف أن هذا مراده; وأما إذا علق الطلاق على شرط، فأراد الرجوع عن ذلك التعليق قبل وجود الشرط، فالذي صححه في الإنصاف وغيره، أنه ليس له الرجوع عن ذلك.

سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: إذا قال لزوجته: أنت طالق بالثلاث، إن لم تعطيني كذا؟

فأجاب: إن كان نيته الفورية، أو مع قرينة تقتضي الفورية، وقع الطلاق بفوات الفورية، وإن لم ينو فورية ولا قرينة تدل على الفورية، فهو للتراخي؛ لكن لو تلف الشيء المعلق عليه الطلاق، والحالة هذه، وقع الطلاق.

ص: 273

سئل الشيخ حسين بن الشيخ: إذا قال: إن أبريتيني من صداقك طلقتك، فأبرأته فطلقها ثلاثاً؟

فأجاب: في هذه المسألة نظر، فإن كان الباعث على الإبراء أنها مبغضة للزوج، وهو قائم بحقها، فالإبراء صحيح، وإن كان غير ذلك، وأن الخلاف جاء من جهة الزوج، إما لعدم نفقة، أو لسوء عشرة، فالطلاق يتم، والصداق ما يبرأ منه لها.

وسئل ابنه: الشيخ حسن: إذا وقع الطلاق في الخلع بلفظ الثلاث؟

فأجاب: قال في الإنصاف بعد كلام سبق: وأنت طالق ثلاثاً بألف، فقالت: قبلت واحدة بألف، أو بألفين، وقع الثلاث واستحق الألف; وقال في المنتهى وشرحه: ومن قالت له زوجته: طلقني واحدة بألف، فطلقها بأكثر، بأن قال لها: أنت طالق ثلاثاً، استحقه – أي: الألف - لأنه أوقع ما استدعته وزيادة. انتهى. وقال في تصحيح الفروع، عند قول المصنف: إن قالت: طلقني واحدة بألف، ونحوه، فقال: أنت طالق، وطالق، وطالق، بانت بالأولى، وقيل بالكل. انتهى.

والصحيح أنها تطلق ثلاثاً، ولا فرق بين قوله: أنت طالق، وطالق وطالق، وبين قوله: ثلاثاً، نبه على ذلك في

ص: 274

القواعد الأصولية. انتهى. وقد صرحوا أيضاً بوقوعه ثلاثاً، فيما إذا قالت زوجة المريض له: طلقني ثلاثاً بعوض، فطلقها ثلاثاً، أنها تعود إليه بالطلاق الثلاث.

سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عمن خالعت زوجها على شيء من مالها، وشرطت عليه أن يقف ذلك الشيء على ولدها منه، دون سائر أولاده؟

فأجاب: هذا فاسد من وجهين: أحدهما: شرط وقف ذلك الشيء المخالع عليه؛ فهذا الشرط فاسد، لأن الفقهاء قد ذكروا من الشروط الفاسدة في البيع، أن يشترط البائع على المشتري: أن يقف المبيع، ونحوه من الشروط؛ والخلع مثله، لأن كليهما معاوضة بمال. والثاني: شرطها تخصيص ولدها به، فهذا لا يجوز إلا بإجازة سائر الورثة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:" اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم "1.

وسئل الشيخ محمد بن إبراهيم، رحمه الله: عما إذا ادعت المرأة أن زوجها طلقها على عوض سألها إياه، فأنكر ذلك، وأقامت شاهداً، والعوض تحت يد الزوج من نحو سنة منذ فارقها، هل قبض الزوج للعوض مع الشاهد يوجب صحة دعواها عليه، أم لا؟

فأجاب: القول في هذه المسألة قول الزوج مع يمينه، فإن نكل قضي عليه؛ قال العلامة ابن القيم، رحمه الله، في كتابه: الطرق الحكمية: الطريق التاسع: الحكم بالنكول

1 البخاري: الهبة وفضلها والتحريض عليها (2587)، ومسلم: الهبات (1623) ، وأحمد (4/270) .

ص: 275

مع الشاهد الواحد، لا بالنكول المجرد، ذكر ابن وضاح عن أبي مريم عن عمرو بن أبي سلمة عن زهير بن محمد عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إذا ادعت المرأة طلاق زوجها، فجاءت على ذلك بشاهد واحد عدل، استحلف زوجها، فإن حلف بطلت عنه شهادة الشاهد، وإن نكل فنكوله بمنْزلة شاهد آخر، وجاز طلاقه "1. اهـ. وتمام المسألة مبسوط في الطرق. وقبض الزوج العوض، وكونه عنده سنة، لا أثر له.

1 ابن ماجة: الطلاق (2038) .

ص: 276