الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب الجنايات
سئل الشيخ إبراهيم بن الشيخ عبد الملك بن حسين بن محمد، رحمهم الله: عن صفة قتل العمد؟
فأجاب: ذكروا أن قتل العمد: أن يقصد مكلف الجناية على من يعلم أنه آدمي معصوم، بما يغلب على الظن أنه يقتل بحده أو ثقله، أو إلقاء حائط عليه، أو هدم سقف أو غير ذلك; فقولهم: أن يقصد الجناية: خرج به الخطأ، وبما يغلب على الظن قتله به: خرج به شبه العمد. فإذا مات المجني عليه بهذه الجناية وجب القصاص، إلا أن يعفو أولياء الدم إلى مال أو مجاناً، سواء نوى الجاني إزهاق روحه، أو قصد قطع طرف أو عضو، أو شجة لا يريد ولا يحب موته بها.
وإن كان الذي أوجب لك الإشكال: عبارة الشيخ منصور، والحجاوي، فهي محمولة على الصورة التي لم يقصد الجاني بها الجناية، كأن ينقلب على إنسان فيقتله، أو يسقط عليه من علو، أو القتل بسبب كحفر بئر، ونصب سكين، أو ممن ليس من أهل القصد الصحيح، كالصبي والمجنون، فهذه الصور عندهم من قسم الخطأ.
سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله: عن جنايات الصبيان ونحوهم؟
فأجاب: قال الشيخ تقي الدين - في كلامه على الجنايات -: لا قصاص بين الصبيان والمجانين، وكل من زال عقله بسبب يعذر فيه، إلا السكران ففيه روايتان، وليس في ذلك إلا الدية.
سئل الشيخ عبد الله العنقري: عن امرأة ماتت ابنتها، وفيما يظهر لها: أنها سبب اغتمامها بتغطيتها لها؟
فأجاب: إن غلب على ظنها أنها هي السبب، فعليها الكفارة: عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، كما نص الله في الآية الكريمة، ولا يدخل الإطعام في كفارة القتل.
[قتل الواحد بالجماعة]
سئل بعضهم، رحمه الله: عن جماعة قتلوا واحداً؟
فأجاب: وأما إذا قتل الجماعة واحداً، فإنهم يقتلون كلهم، كما ثبت ذلك عن عمر رضي الله عنه، وأما قتل الواحد بالجماعة، فليس فيه إشكال ولا توقف.
وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، رحمه الله: قتل الجماعة بالواحد بشرطه الآتي، هو المذهب وقول جمهور العلماء؛ قال في الشرح: ويقتل الجماعة بالواحد، إذا كان فعل كل واحد منهم لو انفرد
أوجب القصاص عليه، روي ذلك عن عمر، وعلي والمغيرة بن شعبة، وابن عباس، وبه قال سعيد بن المسيب والحسن، وأبو سلمة وعطاء وقتادة، وهو مذهب مالك والثوري، والأوزاعي والشافعي، وإسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي. وعن أحمد رواية أخرى: لا يقتلون به، وتجب عليهم الدية، والمذهب الأول - إلى أن قال - ولنا: إجماع الصحابة، فروى سعيد بن المسيب:"أن عمر رضي الله عنه قتل سبعة من أهل صنعاء قتلوا رجلاً، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعاً"، وعن علي رضي الله عنه:"أنه قتل ثلاثة، قتلوا رجلاً"، وعن ابن عباس:"أنه قتل جماعة بواحد"، ولم يعرف لهم في عصرهم مخالف، فكان إجماعاً. ولأنها عقوبة تجب لواحد على الجماعة، كحد القذف، ويفارق الدية فإنها تبعض، والقصاص لا يتبعض، ولأن القصاص لو سقط بالاشتراك، لأدى إلى تسارع القتل به، فيؤدي إلى إسقاط حكمة الردع والزجر - إلى أن قال - ولا يعتبر في وجوب القصاص على المشتركين التساوي في سببه؛ فلو جرحه أحدهما جرحاً، والآخر مائة، أو أوضحه أحدهما، وشجه الآخر آمة، أو أحدهما جائفة والآخر غير جائفة، فمات، كانا سواء في القصاص والدية، لأن اعتبار التساوي يفضي إلى سقوط القصاص عن
المشتركين، إذ لا يكاد جرحان يتساويان من كل وجه، ولأن الجرح الواحد يحتمل أن يموت منه دون المائة، كما يحتمل أن يموت من الموضحة دون الآمة، ومن غير الجائفة دون الجائفة - إلى أن قال - وإذا اشترك ثلاثة في قتل رجل، فقطع أحدهم يده، والآخر رجله، وأوضحه ثالث فمات، فللولي قتل جميعهم، والعفو عنهم إلى الدية، فيأخذ من كل واحد ثلثها؛ وله العفو عن واحد فيأخذ منه ثلث الدية، ويقتل الآخرَين، وأن يعفو عن اثنين فيأخذ منهما ثلثي الدية، ويقتل الثالث. وإن برئت جراحة أحدهم، ومات من الجرحين الآخرين، فله أن يقتص من الذي برئ جرحه بمثل جرحه، ويقتل الآخرين، أو يأخذ منهما دية كاملة، أو يقتل أحدهما، ويأخذ من الآخر نصف الدية. وله أن يعفو عن الذي برئ جرحه، ويأخذ منه دية جرحه - إلى أن قال - وإن فعل أحدهما ما لا تبقى معه حياة، كقطع حشوته أو مريئه أو ودجيه، ثم ضرب عنقه آخر، فالقاتل هو الأول، ويعزر الثاني. وإن شق الأول بطنه أو قطع يده، ثم ضرب الثاني عنقه، فالثاني هو القاتل، وعلى الأول ضمان ما أتلف بالقصاص أو الدية. انتهى.
وقال في الإنصاف: وتقتل الجماعة بالواحد، هذا
المذهب بلا ريب، وعليه ظاهر الأصحاب، قال في الهداية: عليه عامة شيوخنا; وعنه: لا يقتلون به، نقلها حنبل - إلى أن قال - فعلى المذهب: مِن شَرْط قتل الجماعة بالواحد: أن يكون فعل كل واحد منهم صالحاً للقتل به، قاله الأصحاب - إلى أن قال - ولو قتلوه بأفعال لا يصلح واحد منها لقتله، نحو أن يضربه كل واحد سوطاً في حالة، أو متوالياً، فلا قود; وفيه: عن تواط وجهان في الترغيب، واقتصر عليه في الفروع، قلت: الصواب القود - إلى أن قال - قال المصنف والشارح: إن فعل ما يموت به يقيناً، وبقيت معه حياة مستقرة، كما لو خرق حشوته ولم يبنها، ثم ضرب آخر عنقه، كان القاتل هو الثاني، لأنه في حكم الحياة، لصحة وصية عمر رضي الله عنه. قال في الفروع: ويتوجه تخريج من مسألة الذكاة: أنهما قاتلان، قلت: وهو الصواب; قال في الفروع: ولهذا اعتبروا إحداهما بالأخرى، قال: ولو كان فعل الثاني كلا فعل، لم يؤثر غرق حيوان في ماء بقتل مثله بعد ذبحه، على إحدى الروايتين. انتهى.
قال في الإقناع وشرحه: وتقتل الجماعة بالواحد، إذا كان فعل كل واحد منهم صالحاً للقتل به، لو انفرد، وإلا، أي: وإن لم يصلح فعل كل واحد من الجماعة
للقتل، كما لو ضربه كل واحد منهم بحجر صغير، فمات، فلا قصاص عليهم، لأنه لم يحصل من واحد منهم ما يوجب القود، ما لم يتواطؤوا على ذلك الفعل ليقتلوه به، فعليهم القصاص، لئلا يتخذ ذريعة إلى درء القصاص - إلى أن قال - وإن قتله جماعة، اثنان فأكثر، بأفعال لا يصلح واحد منها لقتله، نحو أن يضربه كل واحد سوطاً في حالة، أو متواليين، فلا قود; وفيه: عن تواط وجهان، قال في الترغيب الصواب وجوب القود. انتهى ملخصاً.
ومعنى قولهم: أن يكون فعل كل واحد منهم صالحاً للقتل به، أي: أن يكون فعل كل واحد صالحاً لأن يكون سبباً لموت المجني عليه، لا أنه يغلب حصول الموت من تلك الجناية، لأنهم مثلوا بالموضحة، مع أن حصول الموت بها نادر؛ وصرحوا بأن القصاص إنما يجب على المباشر بالشرط المذكور، فخرج المشير والآمر فلا يجب عليهم القصاص، لا سيما وقد صرحوا بعدم وجوب القصاص على الآمر في الجملة.
وإن كان بعض الأصحاب حكى رواية بوجوب القصاص على الآمر، فالمذهب خلافها.
قال في الشرح: وإن أمر كبيراً عاقلاً عالماً بتحريم القتل فقتل، فالقصاص على القاتل لا نعلم فيه خلافاً، لأنه قاتل ظلماً فوجب عليه القصاص، كما لو لم يؤمر. ثم ذكر حكم ما إذا أمر السيد
عبده بقتل رجل، وما فيه من التفصيل المذكور في كتب الفقه - إلى أن قال - وإن أمر السلطان بقتل إنسان بغير حق من يعلم ذلك، فالقصاص على القاتل، وإن لم يعلم فعلى الآمر. فإن كان المأمور يعلم أن المأمور بقتله لا يستحق القتل، فالقصاص عليه، لأنه غير معذور في قتله، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " 1، وعنه عليه السلام:" من أمركم من الولاة بمعصية الله، فلا تطيعوه " 2، فلزمه القصاص، كما لو أمره غير السلطان؛ وإن لم يعلم ذلك فالقصاص على الآمر دون المأمور، لأن المأمور معذور بوجوب طاعة الإمام في غير المعصية، فالظاهر أنه لا يأمر إلا بحق. إن كان الآمر غير السلطان، فالقصاص على القاتل بكل حال، علم أو لم يعلم، لأنه لا تلزمه طاعته، وليس له القتل، بخلاف السلطان، فإن له القتل في الردة، والزنى، وقطع الطريق إذا قتل القاطع، ويستوفي القصاص للناس، وهذا ليس إليه شيء من ذلك. انتهى.
وقوله: وإن لم يعلم ذلك فالقصاص على الآمر دون المأمور، هكذا قال جماعة من الأصحاب; وقال الشيخ تقي الدين، رحمه الله: هذا بناء على وجوب طاعة السلطان في القتل المجهول، وفيه نظر؛ بل لا يطاع حتى يعلم جواز
1 أحمد (1/129) .
2 ابن ماجة: الجهاد (2863) ، وأحمد (3/67) .
قتله، وحينئذ فتكون الطاعة له معصية، لا سيما إذا كان معروفاً بالظلم، فهنا الجهل بعدم الحل كالعلم بالحرمة. انتهى.
وما في شرح رسالة ابن أبي زيد: أنه إذا باشر القتل بعضهم، وحبسه البعض، قتلوا جميعاً، فهذا مذهب مالك، وهو رواية عن أحمد; واحتج بعض من قال بقتل الممسك، بقول عمر:"لو تمالأ عليه أهل صنعاء" أي: تعاونوا; والممسك ليقتل معين للقاتل. وأجاب الآخرون عن قول عمر: لو تمالؤوا عليه، أي: تشاوروا في قتله.
قال في الشرح: وإن أمسكه له ليقتله، مثل إن أمسكه له حتى ذبحه، فاختلفت الرواية فيه عن أحمد، فروي عنه: أن الممسك يحبس حتى يموت، وهذا قول عطاء وربيعة، وروي عن علي رضي الله عنه. وروي عن أحمد: أنه يقتل أيضاً، وهو قول مالك وأبي حنيفة، والشافعي. وقال أبو ثور: يعاقب ويأثم ولا يقتل؛ وأما القاتل فيقتل بغير خلاف. فقوله: إن أمسكه له ليقتله، يدل على أن هذا الحكم مخصوص بما إذا أمسكه له ليقتله، لا إذا ما أمسكه له ولم يعلم أنه يريد قتله؛ وهكذا قيد كثير من الأصحاب، قال في الإنصاف: شرط في المغني في الممسك، أن يعلم أنه يقتله، وتابعه الشارح; قال القاضي: إذا أمسكه للعب أو
الضرب، وقتله القاتل، فلا قود على الممسك، وذكره محل وفاق، قال في منتخب الشيرازي: إلا مازحاً متلاعباً. انتهى. وظاهر كلام جماعة الإطلاق.
وقال في الإقناع وشرحه: وإن كان الممسك لا يعلم أن القاتل يقتله، فلا شيء عليه، لأن موته ليس بفعله ولا بأثر فعله، بخلاف الجارح، فإنه لا يعتبر فيه قصد القتل، لأن السراية أثر جرحه المقصود له. انتهى.
وأما الردء: فلم يذكروه هنا، ولم يعطوه حكم المباشر في هذا الباب، وإنما جعلوا حكم ردء قطاع الطريق حكم مباشرهم، للعلة التي عللوا بها؛ قال في الشرح، في باب قطاع الطريق: وحكم ردء حكم المباشر، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة. وقال الشافعي: ليس على الردء إلا التعزير، ولأن الحد يجب بارتكاب المعصية فلا يتعلق بالعين كسائر الحقوق.
ولنا: أنه حكم يتعلق بالمحاربة، فاستوى فيه الردء والمباشر، كاستحقاق الغنيمة؛ وذلك لأن المحاربة مبنية على حصول المنفعة، والمعاضدة والمناصرة، فلا تمكن المباشر من فعله إلا بقوة الردء، بخلاف سائر الحدود. فعلى هذا، إذا قتل واحد منهم، ثبت حكم القتل في حق جميعهم، فيجب قتل الكل، وإن قتل بعضهم وأخذ بعضهم المال، جاز قتلهم وصلبهم، كما لو فعل الأمرين واحد
منهم. انتهى.
قال في الإقناع وشرحه: وردء المحارب، وهو المساعد والمغيث له عند احتياجه إليه، كمباشر، وطليع وهو: الذي يكشف للمحاربين حال القافلة ليأتوا إليها، فهو كمباشر، كما في جيش المسلمين إذا دخلوا دار الحرب، وباشر بعضهم القتال وأخذ المال، ووقف الباقون للحفظ والحراسة ممن يدهمهم من ورائهم، أو أرسل الإمام عيناً ليتعرف أحوال العدو، فإن الكل يشتركون في الغنيمة. وذكر أبو الفرج السرقة كذلك، فإذا قتل واحد منهم ثبت القتل في حق جميعهم، فيجب قتل الكل، لأن حكم الردء حكم المباشر؛ وإن قتل بعضهم وأخذ المال بعضهم، قتلوا كلهم وجوباً. انتهى.
قال في الإنصاف: وحكم الردء حكم المباشر، هذا المذهب وعليه الأصحاب؛ قال في الفروع: وكذا الطليع. واختار الشيخ تقي الدين: يقتل الآمر كردء، وأن في السرقة كذلك. انتهى. وقول عمر رضي الله عنه:"لو تمالأ عليه أهل صنعاء"، أي: لو تعاون، وفي رواية:"لو أن أهل صنعاء اشتركوا في قتله لقتلتهم أجمعين". قال بعض العلماء في الكلام على أثر عمر المذكور: قوله: تمالأ: مهموز، أي: تعاون; وقال علي رضي الله عنه: "والله ما قتلت عثمان ولا مالأت في قتله" أي: عاونت.
قال الخطابي في تصاحيف الرواة: هو مهموز من الملأ، أي: صاروا كلهم ملأ واحداً في قتله، قال: والمحدثون يقولونه بغير همز، والصواب الهمز، لأن الملأ مهموز غير مقصور. انتهى. واشتراط الفقهاء المباشرة للقتل من الجميع، وأن يكون فعل كل واحد منهم يصلح للقتل به، ومالك، رحمه الله يلحق الممسك، يدل على أنهم حملوا قول عمر رضي الله عنه على التعاون فقط، لا على التشاور.
وأجاب أيضاً: وكذا لو أكره على قتل معصوم قتل به، وكذا مكره عند الجمهور.
وسئل الشيخ محمد بن إبراهيم، رحمه الله: عما إذا قتل رجل أباه عمداً عدواناً، وهو صحيح، ثم جن، فهل لأولياء المقتول القصاص، باعتبار صحته وقت الجناية، أم لا؟
فأجاب: لا يسقط عنه القود بطرو الجنون، قال في الإقناع وشرحه: فأما إن قتله وهو عاقل، ثم جن، لم يسقط عنه القصاص، لأنه كان حين الجناية عاقلاً، سواء ثبت ذلك ببينة أو إقرار، ويقتص منه، أي ممن جنى عاقلاً ثم جن، في حال جنونه.
وسئل أيضاً، رحمه الله: عن إزهاب الرشيد للسفيه
البندق، وأمره برميها على معصوم، أو غير معصوم؟
فأجاب: إذا أزهب 1 مكلف بندقاً، ودفعها إلى غير مكلف، وأمره أن يرمي بها معصوماً أو غيره، فالقاتل هو هذا المكلف الذي أزهب البندق ودفعها إلى غير المكلف وأمره بالقتل; وأما هذا المأمور المدفوع إليه البندق، فهو كالآلة، بخلاف ما لو كان المأمور مكلفاً، فإنه هو القاتل، سواء كان سفيهاً أو رشيداً، وحينئذ يكون على من أمره، وأزهب البندق له، التعزير فقط.
[قتل الحر بالعبد]
سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: عن قتل الحر بالعبد؟
فأجاب: إذا قتل الحرُّ العبدَ لم يُقَد به، لقوله تعالى:{الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ} [سورة البقرة آية: 178] .
وسئل: إذا ادعى رجل على آخر أنه قتل رجلاً، فأقر بالقتل، ولكن ادعى أنه قتله خطأ، فهل يقبل قوله؟
فأجاب: إذا لم يكن للمدعي بينة وعلم القتل، وصار ثبوت القتل بإقرار المدعى عليه، سئل المدعى عليه عن صفة القتل، فإن كان عمد الفعل بما يقتل غالباً، على تفصيل الفقهاء في أول كتاب الجنايات، فهذا لا يقبل قوله في
1 أي: وضع في البندق ما تثور به.
دعوى الخطإ، لأنه أقر أنه ضربه بما يقتل غالبا؛ وإن أنكر أن يكون تعمد الفعل، بل زعم أنه خطأ محض، وفسره بذلك، فالقول قوله ولا قصاص عليه، لأن من شرطه أن يكون القتل عمداً محضاً، والأصل عدم ذلك، وعلى ذلك فتكون الدية في ماله في دون عاقلته.
قال الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن، رحمهم الله: الذي يظهر لي في آية القصاص من كلام العلماء، رحمهم الله، أن آية البقرة 1 مفصلة لآية المائدة 2 لمنطوقها، وبعض مفهومها مقيد بأحاديث، وآثار عن الصحابة وغيرهم. أما قوله تعالى:{الْحُرُّ بِالْحُرِّ} فمفهومها: أن الحر لا يقتل بالعبد، وهو مروي عن علي وابن عباس، وغيرهما من الصحابة والتابعين، وفيه حديث مرفوع، رواه الدارقطني، وقال علي:"من السنة لا يقتل حر بعبد"، رواه أحمد؛ وبهذا قال الجمهور، وخالف فيه أبو حنيفة وأصحابه، والثوري وطائفة.
وأما قتل العبد بالحر، فمن قوله تعالى:{لنَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [سورة المائدة آية: 45] مفهوم الموافقة من ظاهر الآية، لما قتل العبد
1 هي قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص} الآية [البقرة: 178] .
2 هي قوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} الآية [المائدة: 45] .
بالعبد، فقتله بالحر أولى. وأما قوله تعالى:{وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى} [سورة البقرة آية: 178] فمنطوقها: أن الأنثى تقتل بالأنثى، وعمل بمفهوم المخالفة في عدم قتل الذكر بالأنثى طائفة من السلف، محتجين بسبب النزول، وهو أنه كان بين حيين من أحياء العرب حرب، فاستطال أحدهما على الآخر، وقالوا: لنقتلن الحر بالعبد، والذكر بالأنثى، فنزلت هذه الآية.
ورد بمعارضة: المفهوم للمنطوق، في حديث اليهودي، وبمفهوم آية:{النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [سورة المائدة آية: 45] ، وبحديث أبي بكر في كتاب الديات، وهو حديث تلقاه الناس بالقبول، وإن كان قد قيل بإرساله. وقد حكى ابن هبيرة اتفاق الأئمة الأربعة: على القول بأن الذكر يقتل بالأنثى، وحكى ابن المنذر الإجماع عليه، وهو المقطوع به، وقول أكثر أهل العلم من فقهاء الأمصار، ومشى عليه المتأخرون من أصحاب أحمد.
وقال صديق 1 في تفسيره: والحق أن الذكر يقتل بالأنثى ولا زيادة; والمذهب الثالث: أنه يقتل الذكر بالأنثى، ويعطى أولياؤه نصف الدية، قال في سبل السلام: ولا حجة لهم إلا دعوى تفاوتهما في الدية، وعموم قوله:{وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [سورة المائدة آية: 45] ورد بأن التفاوت في الدية لا يوجب
1 هو: صديق حين خان صاحب التفسير المشهور.
التفاوت في النفس، ولذا يقتل عبد قيمته ألف بعبد قيمته عشرون.
[جراح العبد إذا جنى عليه الحر عمداً]
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: عن جراح العبد، إذا جنى عليه الحر عمداً، فيما دون النفس؟
فأجاب: قال في الإنصاف: كل من أقيد بغيره في النفس، أقيد به فيما دونها، ومن لا فلا; يعني: ومن لا يقاد به في النفس، لا يقاد به فيما دونها؛ وهذا المذهب، وعليه الأصحاب، كذا ذكره في باب ما يوجب القصاص فيما دون النفس. وقال في باب شروط القصاص: ولا يقتل حر بعبد، هذا المذهب، وعليه الأصحاب.
وقال الشيخ تقي الدين: ليس في العبد نصوص صحيحة صريحة، تمنع قتل الحر به، وقوى أنه يقتل به، وقال: هذا الراجح وأقوى على قول أحمد. ثم قال في الإنصاف: ولا يقتل مسلم بكافر، ولا حر بعبد إلا أن يقتله وهو مثله، أو يجرحه ثم يسلم القاتل أو الجارح، أو يعتق ويموت المجروح، فإنه يقتل به؛ يعني: إذا قتل عبد عبداً، أو ذمي أو مرتد ذمياً، أو جرحه، ثم أسلم القاتل أو الجارح، أو عتق، ويموت المجروح، فإنه يقتل به على الصحيح من المذهب، نص عليه، وعليه جماهير الأصحاب.
جناية المملوك على الحر
وقولك: العبد المملوك إذا جنى على الحر، ما حكمه؟
فجوابها: يعرف من التي قبلها، وهو أنه إن كان
موجباً للقصاص في النفس، أو فيما دونها، فإنه يقتص منه، وإن عفا عنه إلى الدية، فإنها تكون في رقبة العبد، أي في ذمته يباع فيها.
الواجب بالقتل العمد
وقولك: هل للإمام أو نائبه، أو الحاكم: أن يلزموا المجني عليه أن يقتص، ولو طلب الأرش؟
فالجواب: أنه لا يجوز للإمام ولا لنائبه، إلزام المجني عليه أن يقتص من الجاني، ولو طلب الدية، إلا في مسألة الغيلة، فإن مذهب مالك: أنه يقتل حداً، وأمره إلى الإمام ولو عفا أولياء القتيل؛ وهو اختيار الشيخ تقي الدين، لأنه لا يمكن التحرز منه بالمحاربة، وكذلك قاتل الأئمة، فإن القاضي خرج وجهاً في المذهب أنه يقتل حداً.
وقول السائل: وهل إذا امتنع الجاني عن بذل الأرش إلا القصاص منه، يوافق على ذلك؟ أم العبرة بالمجني عليه؟ فهذه المسألة مبنية على أصل، وهو: أنه هل الواجب بقتل العمد أحد شيئين، القصاص أو الدية؟ أو أن الواجب في قتل العمد القصاص عيناً؟ وفي ذلك قولان للعلماء، هما روايتان عن أحمد.
قال في الشرح الكبير: اختلفت الروايات عن أحمد، رحمه الله، في موجب العمد، فروي عنه: أن موجبه القصاص عيناً، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من قتل عمداً فهو قَوَدٌ " 1، وقوله
1 النسائي: القسامة (4790)، وأبو داود: الديات (4539)، وابن ماجة: الديات (2635) .
تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [سورة البقرة آية: 178] ، والمكتوب لا يتخير فيه، ولأنه متلف يجب به البدل، فكان معيناً كسائر المتلفات؛ وبه قال النخعي ومالك وأبو حنيفة، قالوا: ليس للأولياء إلا القتل، إلا أن يصطلحا على الدية برضى الجاني.
والمشهور في المذهب: أن الواجب أحد شيئين: إما القتل أو الدية، والخيرة في ذلك إلى الول:، إن شاء اقتص، وإن شاء أخذ الدية، وإن شاء قتل البعض إذا كان القاتلون جماعة، لأن كل من له قتله، فله العفو عنه كالمنفرد، ولا يسقط القصاص عن البعض بعفو عن البعض، لأنهما شخصان، فلا يسقط القصاص عن أحدهما بإسقاطه عن الآخر. فمتى اختار الأولياء أخذ الدية من القاتل، أو من بعض القتلة، كان لهم هذا من غير رضى الجاني; وبه قال سعيد بن المسيب، وابن سيرين وعطاء ومجاهد، والشافعي وإسحاق، وأبو ثور وابن المنذر، وهي رواية عن مالك، لقوله تعالى:{فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} [سورة البقرة آية: 178] . قال ابن عباس: "كان في بني إسرائيل القصاص، ولم يكن فيهم الدية، فأنزل الله هذه الآية: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} الآية [سورة البقرة آية: 178] ?". انتهى. فالعفو: أن يقبل في العمد الدية، فاتباع بالمعروف،
ويؤدي إليه المطلوب بإحسان {ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ} [سورة البقرة آية: 178] مما كتب على بني إسرائيل، رواه البخاري. وروى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يؤدى، وإما أن يقاد" 1، متفق عليه. وروى أبو شريح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ثم أنتم يا خزاعة، قد قتلتم هذا القتيل، وأنا والله عاقله، فمن قتل بعده قتيلاً فأهله بين خيرتين: إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا الدية "، رواه أبو داود وغيره.
فإن قلنا: موجبه القصاص، فله العفو إلى الدية، والعفو مطلقاً، فإذا عفا مطلقاً لم يجب شيء؛ وهذا ظاهر مذهب الشافعي. وقال بعضهم: تجب الدية، لئلا يبطل الدم، وليس شيئاً، فإنه لو عفا عن الدية بعد وجوبها صح عفوه، ومتى عفا عن القصاص مطلقاً إلى غير مال لم يجب لشيء، إذا قلنا: الواجب القصاص عيناً، فإن عفا عن الدية لم يصح عفوه، لأنها لم تجب، وإن قلنا: الواجب أحد شيئين لا بعينه، فعفا عن القصاص مطلقاً، أو إلى الدية، وجبت الدية، لأن الواجب غير معين، فإذا ترك أحدهما تعين الآخر. وإن اختار الدية سقط القصاص ولم يملك طلبه، لأن الواجب أحد شيئين، فإذا تعين أحدهما سقط الآخر. وإن اختار القصاص تعين كذلك; وإن اختار بعد ذلك العفو إلى الدية فله ذلك، ذكره
1 البخاري: الديات (6880)، ومسلم: الحج (1355)، والترمذي: الديات (1405)، والنسائي: القسامة (4785)، وأبو داود: الديات (4505)، وابن ماجة: الديات (2624) ، وأحمد (2/238) .
القاضي، لأن القصاص أعلى، فكان له الانتقال إلى الأدنى، ويكون بدلاً عن القصاص. وليست التي وجبت بالقتل، كما قلنا في الرواية الأولى: أن الواجب القصاص عيناً، وله العفو إلى الدية، ويحتمل أنه ليس له ذلك لأنه أسقطها باختياره القود، فلم يعد إليها. وعنه: أن الواجب القصاص عيناً وله العفو إلى الديه، وإن سخط الجاني لما ذكرنا؛ قال في الإنصاف: وهذا الصحيح على هذه الرواية، قال في المحرر: وعنه موجبه القود مع التخيير بينهما، وعنه: أن موجبه القود عيناً، وأنه ليس له العفو على الدية بدون رضى الجاني، فيكون قوده بحاله. انتهى. والصحيح - إن شاء الله - أن موجبه أحد شيئين: القصاص، أو الدية، وأن الخيرة في ذلك إلى الولي، والله أعلم.
وأجاب أيضاً: والمسلم إذا قتل مسلماً متعمداً، فيخير ولي المقتول بين قتل من قتله، وأخذ الدية.
وأجاب بعضهم: إذا عفا بعض الورثة عن القصاص، فإنه يتعذر القصاص، وتلزمه الدية.
[من له الحق في العفو عن القصاص]
وسئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر، رحمه الله: عن قوله في الإنصاف: وليس للنساء عفو، اختاره الشيخ، هل
المراد عفوهن عن القود؟ أو الدية؟
فأجاب: المراد العفو عن القود، وذلك، أن العلماء اختلفوا، هل كل من ورث المال ورث القصاص؟ أم القصاص حق للعصبة ولا مدخل للنساء فيه؟ فأكثر العلماء على الأول، وأنه حق لجميع الورثة، فإذا عفا بعضهم ولو امرأة سقط القصاص وتعينت الدية، سواء كان العافي عن القصاص والدية جميعاً، أو عن القصاص وحده.
والقول الثاني: ليس للنساء عفو، وهو قول الحسن وقتادة، والزهري والليث والأوزاعي؛ وعلى هذا: للعصبة أن يقتصوا ولو عفا النساء عن حقهن.