الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الكلمة العشرون
مقتطفات من أخلاقه وسيرته العطرة صلى الله عليه وسلم (2)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد ..
«فإن الله أرسل نبيه محمد صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، فأغاث الله به البلاد والعباد، وكشف به تلك الظلم، وأحيا به الخليقة بعد الموت، فهدى به من الضلالة، وعلم به من الجهالة، وكثر به بعد القلة، وأعز به بعد الذلة، وأغنى به بعد العيلة، وفتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غلفًا.
وعرف أمته الطريق الموصل إلى ربهم ورضوانه ودار كرامته، فلم يدع حسنًا إلا أمرهم به، ولا قبيحًا إلا نهى عنه، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي ذر أنه قال:«لَقَدْ تَرَكَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَمَا يَتَقلب فِي السَّمَاءِ طَائِرٌ إِلا ذَكَّرَنَا مِنْهُ عِلْمًا»
(1)
.
وعرفهم حالهم بعد القدوم على ربهم أتم تعريف، فكشف الأمر وأوضحه، ولم يدع بابًا من العلم النافع للعباد المقرب لهم إلى
(1)
(35/ 346) برقم 21439، وقال محققوه: حديث حسن.
ربهم إلا فتحه، ولا مشكلًا إلا بينه وشرحه، حتى هدى الله تعالى به القلوب من ضلالها، وشفاها به من أسقامها، وأغاثها به من جهلها، فأي بشر أحق بأن يحمد منه صلى الله عليه وسلم، وجزاه عن أمته أفضل الجزاء.
وقد كان صلى الله عليه وسلم على درجة عظيمة من مكارم الأخلاق، وكرائم الشيم، فإن من نظر في أخلاقه وشيمه صلى الله عليه وسلم علم أنها خير أخلاق بني آدم، فإنه صلى الله عليه وسلم كان أعلم الخلق وأعظمهم أمانة، وأصدقهم حديثًا، وأحلمهم وأجودهم وأسخاهم، وأشدهم احتمالًا، وأعظمهم عفوًا ومغفرةً، وكان لا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا»
(1)
، قال تعالى:{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)} [القلم:4].
روى مسلم في صحيحه من حديث سعد بن هشام بن عامر أنه دخل على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فقال:«أنْبِئِيني عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَتْ: فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ الْقُرْآنَ»
(2)
.
(3)
.
(1)
جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على رسول الله لابن القيم رحمه الله، بتصرف واختصار، ص 193 - 197.
(2)
برقم 746.
(3)
مسند أبي يعلى (8/ 275) بإسناد صحيح.
قال النووي رحمه الله: «معناه العمل به، والوقوف عند حدوده، والتأدب بآدابه، والاعتبار بأمثاله وقصصه وتدبره وحسن تلاوته»
(1)
. أ هـ
وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم: «يعني أنه كان يتأدب بآدابه ويتخلق بأخلاقه، فما مدحه القرآن كان فيه رضاه، وما ذمة القرآن كان فيه سخطه»
(2)
.
قال الغزالي رحمه الله: «هذه جملة من محاسن أخلاقه التي جمعها بعض العلماء، والتقطتها من الأخبار، فقال: كان صلى الله عليه وسلم أحلم الناس، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَذَبَهُ جَذْبَةً شَدِيدَةً حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَدْ أَثَّرَتْ بِهِ حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَذْبَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ
(3)
.
وكان عليه الصلاة والسلام أعف الناس لم تمس يده قط يد امرأة لا يملك رقها أو عصمة نكاحها، أو تكون ذات محرم منه، روى البخاري ومسلم من حديث عائشة - رضي الله عنها قالت: وَاللَّهِ!
(1)
شرح صحيح مسلم (3/ 268).
(2)
جامع العلوم والحكم (1/ 148).
(3)
صحيح البخاري برقم 3149، وصحيح مسلم برقم 1057.
مَا أَخَذَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى النِّسَاءِ قَطُّ إِلَّا بِمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى، وَمَا مَسَّتْ كَفُّ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَفَّ امْرَأَةٍ قَطُّ، وَكَانَ يَقُولُ لَهُنَّ إِذَا أَخَذَ عَلَيْهِنَّ:«قَدْ بَايَعْتُكُنَّ» كَلَامًا
(1)
.
وكان يجيب دعوة الجميع، ويقول: «لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ
(2)
لَأَجَبْتُ»
(3)
.
ويقبل الهدية، ولو أنها جرعة لبن، أو فخذ أرنب، ويكافئ عليها، ويأكلها، ولا يأكل الصدقة، روى البخاري في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها، قالت:«كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ، وَيُثِيبُ عَلَيْهَا»
(4)
.
وأما ذكر جرعة اللبن، وفخذ الأرنب، ففي الصحيحين من حديث أم الفضل:«أَنَّهَا أَرْسَلَتْ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَشِيَّةِ عَرَفَةَ، فَأَخَذَهُ بِيَدِهِ، فَشَرِبَهُ»
(5)
.
وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنهما أن أبا طلحة بعث بورك أرنب أو فخذيها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله
(6)
.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: كَانَ
(1)
صحيح البخاري برقم 4891، وصحيح مسلم برقم 1866 واللفظ له.
(2)
الكراع: من الدابة ما دون الكعب.
(3)
صحيح البخاري برقم 5178.
(4)
برقم 2585.
(5)
صحيح البخاري برقم 5618، وصحيح مسلم برقم 1123.
(6)
صحيح البخاري برقم 2572، وصحيح مسلم برقم 1953.
رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ سَأَلَ عَنْهُ أَهَدِيَّةٌ أَمْ صَدَقَةٌ، فَإِنْ قِيلَ صَدَقَةٌ، قَالَ لأَصْحَابِهِ:«كُلُوا» ، وَلَمْ يَأْكُلْ، وَإِنْ قِيلَ هَدِيَّةٌ ضَرَبَ بِيَدَه صلى الله عليه وسلم فَأَكَلَ مَعَهُم
(1)
.
وكان يغضب لربه ولا يغضب لنفسه، وينفذ الحق وإن عاد ذلك عليه بالضرر أو على أصحابه، روى مسلم في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها قالت:«مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا خَادِمًا، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ، فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ، إِلَّا أَنْ يَنْتَهِكَ شَيْئًا مِنْ مَحَارِمِ اللهِ، فَيَنْتَقِمَ للهِ عز وجل»
(2)
.
عرض عليه الانتصار بالمشركين على المشركين وهو في قلة وحاجة إلى إنسان واحد يزيده في عدد من معه فأبى، وقال «أَنَا لَا أَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ» .
روى مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قِبَلَ بَدْرٍ، فَلَمَّا كَانَ بِحَرَّةِ الْوَبَرَةِ أَدْرَكَهُ رَجُلٌ قَدْ كَانَ يُذْكَرُ مِنْهُ جُرْأَةٌ وَنَجْدَةٌ، فَفَرِحَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ رَأَوْهُ، فَلَمَّا أَدْرَكَهُ، قَالَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: جِئْتُ لِأَتَّبِعَكَ وَأُصِيبَ مَعَكَ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:«تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَارْجِعْ
(1)
صحيح البخاري برقم 2576، وصحيح مسلم برقم 1077 باختلاف.
(2)
برقم 2328.
فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ»
(1)
.
ووجد من فضلاء أصحابه وخيارهم قتيلًا بين اليهود فلم يحف عليهم، ولا زاد على مُرِّ الحق، بل وداه بمئة ناقة، وإن أصحابه بحاجة إلى بعير واحد يتقون به، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما في قصة قتل عبد الله بن سهل، وفيها:«فَوَدَاهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ عِنْدِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ مِائَةَ نَاقَةٍ حَتَّى أُدْخِلَتْ عَلَيْهِمُ الدَّارَ، فَقَالَ سَهْلٌ: فَلَقَدْ رَكَضَتْنِي مِنْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ»
(2)
.
وكان يعصب الحجر على بطنه مرة من الجوع، كما في الصحيحين من حديث جابر رضي الله عنه في قصة الخندق، وفيه:«أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَامَ وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ وَلَبِثْنَا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ لَا نَذُوقُ ذَوَاقًا»
(3)
.
وفي رواية، قال أنس رضي الله عنه: فقلت لبعض أصحابه: لم عصَّب رسول الله صلى الله عليه وسلم بطنه؟ فقالوا: من الجوع
(4)
.
وكان يأكل ما حضر ولا يرد ما وجد، ولا يتورع عن مطعم حلال، وإن وجد تمرًا دون خبزًا أكله، وإن وجد شواء أكله، وإن وجد خبز بر أو شعير أكله، وإن وجد حلوًا أو عسلًا أكله، وإن
(1)
برقم 1817.
(2)
صحيح البخاري برقم 7192، وصحيح مسلم برقم 1669، واللفظ له.
(3)
صحيح البخاري برقم 4101.
(4)
صحيح مسلم برقم 2040.
وجد لبنًا دون خبز اكتفى به، وإن وجد بطيخًا أو رطبًا أكله.
ففي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله: أَنّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سَأَلَ أَهْلَهُ الأُدُمَ، فَقَالُوا: مَا عِنْدَنَا إِلَّا خَلٌّ، فَدَعَا بِهِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ بِهِ، وَيَقُولُ: «نِعْمَ الأُدُمُ الْخَلُّ
…
»
(1)
.
وروى مسلم في صحيحه من حديث أنس رضي الله عنه قال: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مُقْعِيًا يَأْكُلُ تَمْرًا»
(2)
.
وكان لا يأكل متكئًا، ولا على خوان، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي جحيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي لَا آكُلُ مُتَّكِئًا»
(3)
.
وروى البخاري في صحيحه من حديث أنس قال: «لَمْ يَأْكُلِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى خِوَانٍ
(4)
حَتَّى مَاتَ، وَمَا أَكَلَ خُبْزًا مُرَقَّقًا
(5)
حَتَّى مَاتَ»
(6)
.
ولم يشبع من خبز بر ثلاثة أيام متوالية حتى لقي الله إيثارًا على نفسه، لا فقرًا، ولا بخلًا، يجيب الوليمة، ويعود المرضى، ويشهد الجنائز.
(1)
صحيح مسلم 2052.
(2)
صحيح مسلم 2044.
(3)
صحيح البخاري 5398.
(4)
الخوان: المائدة المرتفعة.
(5)
مرققًا: وهو الرغيف الواسع الرقيق.
(6)
برقم 6450.
روى البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنْ طَعَامِ البُرِّ ثَلاثَ لَيَالٍ تِبَاعًا حَتَّى قُبِضَ»
(1)
.
وفي الحديث السابق: «لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لأَجَبْتُ»
(2)
.
قال سهل بن حنيف رضي الله عنه: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَأْتِي ضُعَفَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَيَزُورُهُمْ، وَيَعُودُ مَرْضَاهُمْ، وَيَشْهَدُ جَنَائِزَهُمْ»
(3)
.
وكان يمزح ولا يقول إلا حقًّا، ويضحك من غير قهقهة، روى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنهم قالوا: يَا رَسُولَ الله إِنَّكَ تُدَاعِبُنَا، قَالَ:«إِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا»
(4)
.
وروى البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مُسْتَجْمِعًا قَطُّ ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ، إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ»
(5)
.
يرى اللعب المباح فلا ينكره، يسابق أهله، وترتفع الأصوات عليه فيصبر، روى البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها في لعب الحبشة بين يديه في المسجد، وقالت لهم: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَومًا
(1)
صحيح البخاري 5416، وصحيح مسلم برقم 2970.
(2)
تقدم تخريجه ص 178.
(3)
مستدرك الحاكم (3/ 270) برقم 3787، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله في صحيح الجامع الصغير برقم 4877.
(4)
برقم 1990، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(5)
صحيح البخاري رحمه الله 828، وصحيح مسلم برقم 899.
عَلَى بَابِ حُجْرَتِي، وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ فِي المَسجِدِ، ورَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ أَنْظُرُ إِلَى لَعِبِهِمْ»
(1)
.
وروى أبو داود في سننه من حديث عائشة رضي الله عنها أَنَّهَا كَانَتْ مَعَ النَّبي صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ، قَالَت: فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ عَلَى رِجْلَيَّ، فَلَمَّا حَمَلْتُ اللَّحْمَ، سَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي فَقَالَ:«هَذِهِ بِتِلْكَ السَّبْقَةِ»
(2)
.
وكان لا يحتقر مسكينًا لفقره وزمانته، ولا يهاب ملكًا لملكه، يدعو هذا وهذا إلى الله دعاء مستويًا، فقد روى الترمذي في سننه من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا، وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
(3)
.
وروى البخاري في صحيحه من حديث سهل الساعدي أنه قال: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ:«مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟» فَقَالَ: رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ، هَذَا وَاللَّهِ حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:«مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لا يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لا يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ
(1)
صحيح البخاري رحمه الله 54، وصحيح مسلم برقم 892.
(2)
برقم 2578، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله كما في صحيح سنن أبي داود (2/ 490) برقم 2248.
(3)
برقم 2352، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله في صحيح سنن الترمذي (2/ 275) برقم 1917.
لَا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:«هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا»
(1)
.
وفي صحيح مسلم من حديث أنس: «أَنَّ نَبِيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَتَبَ إِلَى كِسْرَى وَإِلَى قَيْصَرَ وَإِلَى النَّجَاشِيِّ وَإِلَى كُلِّ جَبَّارٍ، يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم»
(2)
.
وقد جمع الله تعالى له السيرة الفاضلة، والسياسة التامة، وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، نشأ في بلاد الجهل والصحاري في فقر، وفي رعاية الأغنام، يتيمًا لا أب له ولا أم، قال تعالى:{أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6)} [الضحى:6]، فعلمه الله تعالى جميع محاسن الأخلاق، والطرق الحميدة، وأخبار الأولين والآخرين، وما فيه النجاة والفوز في الآخرة، واليقظة والخلاص في الدنيا، ولزوم الواجب، وترك الفضول.
وفقنا الله لطاعته في أمره، والتأسي به في فعله .. آمين يا رب العالمين
(3)
.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(1)
برقم 6447.
(2)
برقم 1774.
(3)
إحياء علوم الدين للغزالي (2/ 1528 - 1538) باختصار وتصرف.