الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
1 -
أن يكون البائع لم يعلم بالعيب: فيبرأ؛ لمفهوم أثر عثمان السابق، حيث قضى على ابن عمر أن يحلف له: لقد باعه العبد وما به داء يعلمه، فدل أنه لو حلف لما قضى عليه بإرجاع العبد.
2 -
أن يكون البائع يعلم العيب وكتمه: فلا يبرأ؛ لما فيه من الغش والتدليس.
- فرع: يبرأ البائع من العيب في صورتين:
1 -
إن سمى البائع العيب وأوقف المشتريَ عليه وأبرأه منه: برئ؛ لأنه قد علم العيب ورضي به.
2 -
إن أبرأ المشتري البائعَ بعد العقد: برئ؛ لأنه أسقطه بعد ثبوته له.
(فَصْلٌ) في الخيار
الخيار اسم مصدر اختار، أي: طلب خير الأمرين من الإمضاء والفسخ.
- مسألة: (وَالخِيَارُ سَبْعَةُ أَقْسَامٍ)، ويأتي أنها ثمانية:
الأول: (خِيَارُ مَجْلِسٍ) أي: موضع الجلوس، وهو هنا مكان التبايع،
فيثبت خيار المجلس في البيع وما في معناه؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعاً، أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ، وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ يَتَبَايَعَا وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا البَيْعَ؛ فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ» [البخاري: 2112، ومسلم: 1531].
- فرع: ضابط التفرق في خيار المجلس، وأشار إليه المؤلف بقوله:(فَالمُتَبَايِعَانِ) ومَن في حكمهما (بِالخِيَارِ) أي: لكلٍّ منهما فسخُ البيع وإمضاؤه، (مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا) ولو طال عدم التفرق، (بِأَبْدَانِهِمَا عُرْفاً)، وذلك يختلف باختلاف مواضع البيع؛ لأن التفرُّقَ لم يحدَّه الشرع، فرُجِع فيه إلى ما يعدُّه الناس تَفرُّقاً؛ كالحرز، فإن تفرَّقا لزم البيع؛ لحديث ابن عمر السابق.
- فرع: العقود بالنسبة لثبوت خيار المجلس على خمسة أنواع:
1 -
عقد لازم يقصد به العوض، وهو البيع وما في معناه كالصلح بمعنى البيع، والإجارة، والصرف، والسلم، وهبة الثواب: فيثبت فيها خيار المجلس؛ للحديث، وقيس الباقي عليه لأنه في معناه.
2 -
عقد لازم لا يقصد به العوض، كالنكاح، والخلع، والوقف، والهبة بغير عوض، والحوالة: فلا يثبت فيها خيار المجلس؛ لأنها ليست بيعاً ولا في معنى البيع.
3 -
عقد لازم من أحد الطرفين، وهي عقود التوثقات، كالرهن،
والضمان، والكفالة: فلا يثبت فيها خيار المجلس؛ لأنها ليست بيعاً ولا في معنى البيع.
4 -
عقد جائز من الطرفين، كالشركة، والمضاربة، والجعالة، والوكالة، والوديعة، والوصية قبل الموت: فلا يثبت فيها خيار المجلس؛ استغناء بالتمكن من فسخها بأصل وضعها.
5 -
عقد متردد بين الجواز واللزوم، كالمساقاة والمزارعة، والمذهب: أنهما جائزان، فلا يدخلهما خيار.
وفي وجه: أن المساقاة والمزارعة عقد لازم فيثبت فيهما خيار المجلس.
- فرع: يثبت خيار المجلس في البيع وما في معناه إلا في أربعة أمور:
1 -
عقد الكتابة؛ لأنها وسيلة للعتق.
2 -
تولي طرفي العقد، كأن يوكله إنسان في بيع سلعة ويوكله آخر في شرائها، فلا خيار له؛ لانفراد العاقد بالعقد؛ كالشفيع.
وقيل واختاره ابن عثيمين: يثبت فيه خيار المجلس؛ لعموم الحديث، ويلزم البيع بمفارقة العاقد مكان البيع.
3 -
شراء من يَعتِقُ عليه؛ لأن شراءه له كشراء الأسير، وليس شراءً حقيقةً.
4 -
إذا اعترف بحريته قبل الشراء، كأن يقرَّ بأنه حر وشهد بذلك، فردَّت شهادته ثم اشتراه؛ لأنه صار حرًّا باعترافه السابق.
(وَ) الثاني: (خِيَارُ شَرْطٍ: وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِطَاهُ) أي: يشترط المتعاقدان الخيارَ، (أَوْ) يشترطه (أَحَدُهُمَا) دون الآخر؛ لأن الحق لهما، فكيفما تراضيا به جاز، (مُدَّةً مَعْلُومَةً)، ولو طويلة، واختاره شيخ الإسلام؛ لقول الله عز وجل:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1]، والأمر بإيفاء العقد يتضمن الأمر بإيفاء أصله ووصفه، ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» [أبو داود: 3594].
قال شيخ الإسلام: (فإن أطلقا الخيار ولم يوقتاه بمدة توجه أن يثبت ثلاثاً؛ لخبر حَبَّانَ بن مُنْقِذٍ)، [البخاري: 2117، ومسلم: 1533].
- فرع: إن شرطاه مدة مجهولة، كمتى شئت، أو شاء زيد، أو نزل المطر، أو إلى الحصاد؛ صح البيع وبطل الخيار؛ لفساد الشرط بالجهالة.
وعنه واختاره ابن عثيمين: صحة شرط الخيار بنحو: إلى الحصاد أو الجذاذ؛ لأنه معروف في العادة، ولا يتفاوت كثيراً.
- فرع: (وَحَرُمَ) خيار الشرط إذا كان (حِيلَةً)، ليربح في قرض، بأن يقرضَه ثم يشتريَ منه دابته بالخيار، ليستعملَها مدةَ القرض؛ لأنه قرض جرَّ نفعاً، (وَلَمْ يَصِحَّ البَيْعُ)؛ لئلا يُتَّخذ حيلةً إلى الربا.
- فرع: لا يثبت خيار الشرط إلا في عقود معينة، وهي:
1 -
البيع؛ لما تقدم من الأدلة. قال في الشرح: (لا نعلم فيه خلافًا).
2 -
الصلح بمعنى البيع، كالصلح بعوض عن عين أو دَين مُقَرٍّ به؛ لأنها نوع من البيع.
3 -
قسمة التراضي -وهي ما كان فيه ضرر أو ردُّ عوض-، كأن يتقاسموا الأرض ويدفع أحد الشريكين للآخر مبلغاً من المال ليأخذ أحد الجانبين؛ لأنها نوع من البيع.
4 -
هبة الثواب، كأن يقول: وهبتك كتابي بشرط أن تعطيني كتابك؛ لأنها نوع من البيع.
5 -
الإجارة، وهي على قسمين:
القسم الأول: إجارة في الذمة؛ كخياطة ثوب: فيثبت فيها شرط الخيار؛ لأن الإجارة بيع المنافع، فأشبهت بيع الأعيان.
القسم الثاني: إجارة على مدة: ولا تخلو من حالين:
أ) إن وَليت الإجارة مدة العقد؛ كشهر من حين العقد: لم يصح شرط الخيار؛ لئلا يؤدي إلى فوات بعض المنافع المعقود عليها، أو استيفائها في مدة الخيار، وكلاهما غير جائز.
وفي قول اختاره شيخ الإسلام: يثبت خيار الشرط على مدة تلي العقد؛ لأن الأصل الحل، وقياساً على خيار المجلس، وليس هناك غرر في العقد، إذ كل واحد من المتعاقدين دخل على بصيرة وسيأخذ الحق الذي له بعد الخيار.
ب) إن لم تلِ الإجارةُ مدة العقد؛ كأن تبدأ مدة الإجارة بعد شهر من حين العقد: فيصح شرط الخيار قبل دخول زمن العقد؛ لأنها بيع منافع، وانتفى المحظور السابق.
- فرع: لا يثبت خيار الشرط في باقي العقود؛ لأنها عقود لا تخلو من أمرين:
1 -
عقود ليست بيعاً ولا في معنى البيع، كالوقف والضمان والكفالة ونحوها، فلا يثبت فيها الخيار؛ لأنها ليست بيعًا ولا في معناه.
2 -
عقود يُشترط لصحتها القبض، كصرف وسلم، فلا يثبت فيها الخيار؛ لأن موضوعها على أن لا يبقى بين المتعاقدين عُلقةٌ بعد التفرق، بدليل اشتراط القبض، وثبوت الخيار يُبْقي بينهما عُلَقاً، فلا يصح شرطه فيها.
وفي وجه اختاره شيخ الإسلام: يثبت خيار الشرط في كل العقود، وظاهر كلامه: حتى في عقد النكاح؛ لقوله تعالى: (يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود)، ولأن الأصل صحة الشروط في جميع العقود.
- فرع: (وَيَنْتَقِلُ المِلْكُ فِيهِمَا) أي: في مدة خيار المجلس وخيار الشرط، (لِمُشْتَرٍ)، سواء كان الخيار لهما أو لأحدهما؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنِ ابْتَاعَ عَبْداً وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ» [البخاري: 2379، ومسلم: 1543]، فجعل المال للمبتاع باشتراطه، وهو عام في كل بيع فشمل بيع الخيار.
- فرع: يترتب على ثبوت الملك مدة الخيارين للمشتري أمور، منها:
1 -
نماء المبيع المنفصل؛ كثمرة وولد ولبن، وكسبه فللمشتري؛ لأنه نماء ملكه الداخل في ضمانه، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» [أحمد: 24224، وأبو داود: 3508، والترمذي: 1285، والنسائي: 4490، وابن ماجه: 2243]، ولأن الفسخ رفعٌ للعقد من حين الفسخ لا من أصله.
أما النماء المتصل؛ كسِمَنِ الشاة، فإنه تَبَعٌ للعين؛ لتعذر انفصاله.
فقاعدة المذهب: (النماء المنفصل لمالك العين، والنماء المتصل تابع للعين).
وعنه واختاره شيخ الإسلام: النماء المتصل لا يتبع العين، فيرجع المشتري بقيمته على البائع؛ لأنه نماء ملكه، فكان كالنماء المنفصل.
فعلى الرواية الثانية: (النماء المنفصل والمتصل للمالك)، والمالك هنا المشتري.
2 -
ضمان المبيع على المشتري، ويأتي تفصيله.
3 -
زكاة المبيع على المشتري إذا وجبت وحال عليها الحول، ولو فسخ العقد بعد ذلك.
- فرع: المبيع ملكٌ للمشتري مدة الخيارين، (لَكِنْ يَحْرُمُ وَلَا يَصِحُّ
تَصَرُّفُ) بائع ومشترٍ (فِي مَبِيعٍ، وَ) لا في (عِوَضِهِ) أي: عوض المبيع، (مُدَّتَهُمَا) أي: الخيارين بغير إذن الآخر؛ لأن المبيع ليس ملكاً للبائع فيتصرف فيه، ولم تنقطع عُلَقه عنه فيتصرف فيه المشتري، وكذا العوض، (إِلَّا) في صور:
1 -
(عِتْقُ مُشْتَرٍ) للعبد المبيع (مُطْلَقاً)، أي: سواء كان الخيار له، أو للبائع، أو لهما؛ لقوة العتق وسرايته، فينفذ العتق ويبطل خيارهما؛ لأن المشتري تصرف بما يقتضي اللزوم وهو العتق، ويحرم العتق؛ لما فيه من إسقاط حق البائع.
أما عتق البائع للمبيع زمن الخيار، فلا يصح ولا يَعتِق؛ لأن البائع لا يملك العبد.
2 -
استخدام المشتري للعبد المبيع ولو بغير استعلام؛ لأن الخدمة لا تخصُّ الملك فلم تبطل الخيار، كالنظر.
3 -
(وَإِلَّا تَصَرُّفَهُ) أي: المشتري (فِي مَبِيعٍ) بنحو وقف أو بيع أو هبة، (وَالخِيَارُ لَهُ) وحده، فيصح التصرف، ويسقط الخيارُ ويمضي البيع؛ لأن ذلك دليل الرضا به.
4 -
تصرف البائع في العوض والخيار له وحده، يسقط الخيار ويمضي البيع؛ لما مضى.
فإن تصرف البائع في المبيع أو تصرف المشتري في العوض بلا إذن الآخر، لم يصح ولا ينفسخ الخيار؛ لانتقال الملك عنه للآخر.
5 -
إذا كان التصرف بإذن الآخر؛ لأن الحق لهما.
6 -
إذا كان ذلك التصرف مع العاقد الآخر، كأن آجره له؛ لأنه بمنزلة الإذن.
7 -
تجرِبة المبيع، كركوب دابة لينظر سيرها؛ لأن ذلك هو المقصود من الخيار.
(وَ) الثالث من أقسام الخيار: (خِيَارُ غَبْنٍ)، يقال: غبنته في البيع، أي: خدعته.
- فرع: الغبن محرم؛ لما فيه من الغش والخديعة، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» [مسلم: 101].
- فرع: يثبت للعاقد الخيار إذا غُبن في المبيع غبناً (يَخْرُجُ عَنِ العَادَةِ)؛ لأن الغبن لم يرد تحديده بالشرع فرُجع فيه إلى العُرف، أما إن غُبن غبناً لا يخرج عن العادة فلا خيار له؛ لأنه مما يَتسامح فيه الناس عادة.
- فرع: لا يثبت خيار الغبن إلا في ثلاث صور:
الأولى: (لِنَجْشٍ) وهو حرام؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً، وفيه:«لَا تَنَاجَشُوا» [البخاري: 6066، ومسلم: 1413]، ولما فيه من التغرير والخديعة،
فإن اشترى مع النجش فالبيع صحيح؛ لأن النهي يعود إلى الناجش لا إلى العاقد، فلم يؤثر في إفساد البيع، ولأن النهي لحق آدميٍّ مُعين يُمكن تَداركه بإثبات الخيار، كتلقي الركبان.
فإذا غُبن المشتري بسبب النجش غبناً يخرج عن العادة ثبت له الخيار، ولو بلا مواطأة مع البائع؛ قياساً على تلقي الركبان.
- فرع: يدخل فيه أربع صور:
1 -
أن يزيد في ثمن السلعة من لا يريد الشراء.
2 -
أن يقول البائع: أُعطيت كذا، وهو كاذب؛ لما فيه من تغرير المشتري.
3 -
أن يخبر أنه اشترى السلعة بكذا، وهو زائد عما اشتراها به.
4 -
قال شيخ الإسلام: (يحرم تغرير مشترٍ، بأن يسومه كثيراً، ليبذل قريباً منه، كأن يقول في سلعة ثَمَنُها خمسة: أبيعها بعشرة).
وأشار بقوله: (أَوْ غَيْرِهِ) إلى الصورة الثانية والثالثة، وهما:
الثانية: تلقي الركبان: وهم القادمون من السفر بما يجلب للبيع وإن كانوا مشاة، فإذا تلقاهم أحد فاشترى منهم أو باعهم، وغُبنوا غبناً يخرج عن العادة؛ صح البيع وثبت لهم الخيار، وهو اختيار شيخ الإسلام؛ لحديث
أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا تَلَقَّوُا الجَلَبَ، فَمَنْ تَلَقَّاهُ فَاشْتَرَى مِنْهُ، فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ، فَهُوَ بِالخِيَارِ» [مسلم: 1519]، وثبوت الخيار لا يكون إلا في عقد صحيح، والنهي لا يرجع لمعنًى في البيع، إنما لضرب من الخديعة يُمكن استدراكه بالخيار؛ أشبه المصرَّاة.
وأما مع عدم الغبن فلا خيار لهم؛ لأن الخيار إنما ثبت لدفع الضرر عن البائع، ولا ضرر مع عدم الغبن.
الثالثة: المسترسل: وهو من يجهل القيمة من بائع ومشترٍ ولا يحسن المماكسة، فإذا غُبن المسترسل غبناً يخرج عن العادة صح البيع، وثبت له الخيار؛ لأنه حصل له الغبن لجهله بالبيع، أشبه القادم من السفر.
وعند شيخ الإسلام: المسترسل هو الجاهل بقيمة المبيع، فإذا غُبن غبنًا يخرج عن العادة ثبت له الخيار، قال رحمه الله:(إذا كان المشتري مسترسلاً، وهو الجاهل بقيمة المبيع، لم يجز للبائع أن يغبنه غبناً يخرج عن العادة؛ بل عليه أن يبيعه بالقيمة المعتادة أو قريب منها، فإن غبنه غبناً فاحشاً فللمشتري الخيار في فسخ البيع وإمضائه).
- فرع: (لَا) يثبت الخيار للمسترسل الذي غُبن في السعر (لِاسْتِعْجَالٍ) في البيع، بحيث لو توقف ولم يستعجل لم يُغبن؛ لعدم وجود التغرير من البائع.
وعنه واختاره شيخ الإسلام: يثبت الخيار لمسترسل إلى بائع لم يماكسه؛ معاملةً للبائع بنقيض قصده.
(وَ) الرابع من أقسام الخيار: (خِيَارُ تَدْلِيسٍ) مأخوذ من الدُّلْسَة وهي الظلمة.
- فرع: فعل التدليس حرام؛ لما فيه من التغرير، وللحديث السابق:«مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» .
- فرع: التدليس على ضربين:
الأول: كتمان العيب، ويأتي في القسم الخامس من أقسام الخيار.
الثاني: أن يكون (بِمَا يَزِيدُ بِهِ الثَّمَنُ)، بأن يُظهر الرديء بصورة الجيد، والجيدَ بصورة الأجود، وهو المراد هنا. فيثبت في كل تدليس يختلف الثمن لأجله؛ قياسًا على المصرَّاة.
أما ما لا يختلف به الثمن فلا يثبت فيه الخيار؛ لأنه لا ضرر على المشتري في ذلك.
- فرع: يثبت خيار التدليس للمشتري سواء قصد البائع التدليس (كَتَصْرِيَةِ) اللبن في ضرع بهيمة الأنعام، (وَتَسْوِيدِ شَعْرِ جَارِيَةٍ)، أو لم يقصده، كحمرة وجه الجارية بخجل أو تعب؛ لأن عدم القصد لا أثر له في إزالة ضرر المشتري.
- فرع: (وَخِيَارُ غَبْنٍ، وَ) خيار (عَيْبٍ، وَ) خيار (تَدْلِيسٍ عَلَى التَّرَاخِي)؛ لأنه خيارٌ ثابت لدفع ضررٍ متحققٍ، فلم يسقط بالتأخير بلا رِضًا كالقصاص، (مَا لَمْ يُوجَدْ) من صاحب الخيار (دَلِيلٌ) على (الرِّضَا) بالمبيع بقول أو فعل، كتصرف فيه بإجارة أو إعارة أو نحوهما عالماً بعيبه، فيسقط خياره؛ لقيام دليل الرضا مقام التصريح به.
واختار شيخ الإسلام: يجبر المشتري على رده أو أرشه؛ لتضرر البائع بالتأخير، والضرر لا يزال بضرر مثله.
- فرع: خيار التدليس على التراخي (إِلَّا فِي تَصْرِيَةِ) ضرع بهيمة الأنعام (فَـ) ـيخير (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) منذ علم بالتدليس بين إمساك بلا أرش، ورد المبيع مع صاع تمرٍ سليمٍ إن حلبها، وأخذ الثمن؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدُ فَإِنَّهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا: إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعَ تَمْرٍ» [البخاري: 2148، ومسلم: 1515].
واختار شيخ الإسلام: يعتبر في كل بلد صاع من غالب قوته؛ لأن التمر غالب قوت الحجاز آنذاك.
(وَ) الخامس من أقسام الخيار: (خِيَارُ عَيْبٍ) وهو ما (يَنْقُصُ) أحدَ أمرين:
الأول: (قِيمَةُ المَبِيعِ) عادةً، فما عدَّه التجار في عُرفهم مُنقِصاً أنيط الحكم به، وما لا فلا، (كَمَرَضٍ) على جميع حالاته في جميع الحيوانات، (وَفَقْدِ عُضْوٍ) كإصبع وسن ونحوهما، (وَزِيَادَتِهِ)، وغير ذلك.
الثاني: المبيعَ نفسَه، ولو لم تَنقص قيمته بل زادت كخصاء.
- فرع: (فَإِذَا عَلِمَ) المشتري (العَيْبَ) فلا يخلو من أمرين:
الأول: أن يعلم العيب قبل العقد: فلا خيار له؛ لدخوله على بصيرة.
الثاني: أن يعلم العيب بعد العقد: (خُيِّرَ بَيْنَ) أمرين:
1 -
(إِمْسَاكُ) المبيع (مَعَ) أخذ (أَرْشِ) العيب، وهو من المفردات، سواء رضي البائع أو سخط؛ لأن المتبايعين تراضيا على أن العوض في مقابلة المبيع، فكل جزء منه يقابله جزء من الثمن، ومع العيب فات جزء من المبيع، فله الرجوع ببدله وهو الأرش.
2 -
(أَوْ رَدُّ) المبيع (وَأَخْذُ ثَمَنـ) ـه المدفوع للبائع؛ استدراكاً لما فاته، وإزالةً لما يلحقه من الضرر في بقائه في ملكه ناقصاً عن حقه.
وأما في خيار الغبن والتدليس فلا يثبت فيهما الأرش، بل يخير بين الرد وأخذ الثمن، والإمساك مجاناً؛ لأن الشارع لم يجعل للمشتري فيه أرشاً، ولأنه لم يَفُت عليه جزء من المبيع يأخذ الأرش في مقابلته كما هو الحاصل في خيار العيب.
وعنه واختاره شيخ الإسلام: ليس له أخذ الأرش في الخيار إلا بالتراضي أو عند تعذر الرد، وإنما يخير بين الرد أو الإمساك بلا أرش؛ لأن البائع لم يرضَ بالبيع إلا بالثمن المسمى، فلا يُلزم بالأرش إلا برضاه؛ لأنه معاوضةٌ عن الجزء الفائت من المبيع.
واختار ابن عثيمين: لا يثبت له الأرش في الخيار إلا إذا عُلم أن البائع كان مدلساً؛ معاملة له بأضيق الأمرين.
- فرع: الأرش هو قِسط ما بين قيمة الصحة والعيب، فيقوم المبيع صحيحاً ثم يقوم معيباً، ويُؤخذ قِسط ما بينهما من الثمن. والقيمة: هي ثمنه عند عامة الناس. والثمن: هو الذي وقع عليه العقد.
مثاله: لو اشترى شاة قيمتها صحيحةً مائة دينار، وقيمتها معيبة ثمانون ديناراً، فإن قِسط القيمة هو الخُمُس، فيَرجِع بخُمُس الثمن على البائع، فلو كان ثَمَنها في العقد خمسين ديناراً رجع المشتري على البائع بالخُمُس وهو عشرة دنانير.
- فرع: لا يثبت الأرش إن أفضى أخذ الأرش إلى ربًا؛ كشراء حلي فضة بزنته دراهم، بل إما أن يَردَّ ويأخذ الثمن أو يُمسِك مجاناً من غير أرش؛ لأن أخذ الأرش يؤدي إلى ربا الفضل، أو إلى مسألة مد عجوة، وكلامهما محرم.
- فرع: (وَإِنْ تَلِفَ مَبِيعٌ) معيبٌ، (أَوْ أُعْتِقَ) العبدُ المعيبُ، (وَنَحْوُهُ) كما لو صَبغ الثوب المعيب أو نسجه، أو وهبه أو باعه ونحو ذلك:(تَعَيَّنَ أَرْشٌ)؛ لتعذر الرد وعدم وجود الرضا به ناقصًا.
- فرع: (وَإِنْ تَعَيَّبَ) المبيع المعيب عند المشتري (أَيْضاً)، كأن يشتري أَمَةً بكراً ويطأها، ثم يظهر بها عيب:(خُيِّرَ فِيهِ) أي: المبيع المعيب (بَيْنَ) الإمساك و (أَخْذِ أَرْشِ) العيب، (وَ) بين (رَدِّ) المبيع المعيب (مَعَ دَفْعِ أَرْشِ) العيب الذي حصل في يده، وهو في المثال المذكور أرش البكارة، (وَيَأْخُذُ ثَمَنَهُ) أي: الثمن الذي دفعه للبائع، وهو اختيار شيخ الإسلام؛ لأن عقد البيع يقتضي السلامة، قال أحمد:(وأذهب فيه إلى قول عثمان)، قال في المبدع:(روى الخلال بإسناده عن ابن سيرين: أن عثمان قال في رجل اشترى ثوبًا ولبسه، ثم اطلع على عيب فرده وما نقص، فأجاز الرد مع النقصان، وعليه اعتمد أحمد).
- فرع: (وَإِنِ اِخْتَلَفَا) أي: البائع والمشتري في معيبٍ (عِنْدَ مَنْ حَدَثَ) العيب، فلا يخلو من ثلاث أحوال:
الأولى: أن لا يحتمل إلا قول البائع، كأن يكون الجرح طرياً: فالقول قوله بلا يمين؛ لعدم الحاجة إليها.
الثانية: أن لا يحتمل إلا قول المشتري، كالإصبع الزائدة: فالقول قوله بلا يمين؛ لما تقدم.
الثالثة: أن يحتمل قولهما؛ كخرق الثوب: فلا يخلو من حالين:
1 -
ألا يخرج المبيع عن يد المشتري: (فَقَوْلُ مُشْتَرٍ) وهو من المفردات؛ لأن الأصل عدم القبض في الجزء الفائت، فكان القول قولَ من ينفيه.
وعند الثلاثة وهي رواية في المذهب، واختاره ابن عثيمين: القول قول البائع؛ لحديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا اخْتَلَفَ البَيِّعَانِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَالقَوْلُ مَا يَقُولُ صَاحِبُ السِّلْعَةِ أَوْ يَتَرَادَّانِ» [أحمد: 4445، وأبو داود: 3511، والترمذي: 1270، والنسائي: 4648، وابن ماجه: 2186]، ولأن الأصل عدم وجود العيب.
2 -
أن يخرج المبيع عن يد المشتري إلى يد غيره: لم يجز له أن يرده، وليس له الحلف، لأنه إذا غاب عنه احتمل حدوثه عند من انتقل إليه، فلم يجز له الحلف على البت ولم يجز له الرد.
- فرع: يقبل قول المشتري في المسألة السابقة (بِيَمِينِهِ)؛ لاحتمال صدق البائع.
(وَ) السادس من أقسام الخيار: (خِيَارُ تَخْبِيرِ ثَمَنٍ) أي: خيارٌ يثبت عند إخبار البائعِ المشتريَ بالثمن، وذلك في أربعة أنواع من البيع:
1 -
التولية: وهو البيع برأس المال.
2 -
الشركة: وهي بيع البعض بقسطٍ معلومٍ من الثمن.
3 -
المرابحة: وهي بيعٌ بثمنه وربحٍ معلوم.
4 -
المواضعة: وهي بيعٌ برأس المال وخسرانٍ معلوم.
- فرع: (فَمَتَى) حصلت صورة من الصور الآتية فلمشترٍ الخيار:
1 -
إذا (بَانَ) أن الثمن الذي ذكره البائع للمشتري (أَكْثَرَ) من الثمن الحقيقي الذي اشتراه به، فللمشتري الخيار على ما ذهب إليه المؤلف، وهي رواية في المذهب؛ لأن البائع أخبره خبرًا كاذبًا بثمن هذه السلعة، وهو نوع من الغش والتدليس.
والمذهب: أنه متى بان رأس المال أقلَّ حُط الزائدُ، ويحط قسطه في مرابحة، وينقص الزائد في مواضعة، ولا خيار للمشتري؛ لأن الثمن إذا بان بأقل مما أخبر به وسقط عنه الزائد فقد زِيد المشتري خيراً، فلا داعي للخيار.
ومال ابن عثيمين: إذا بان أن البائع غشَّ ودلَّس فإننا نعامله بأضيق الأمرين، وذلك بإثبات الخيار للمشتري، وإن لم يكن غش فليس للمشتري الخيار؛ لأنه قد يكون وسيلة للمشتري لترك المبيع فيما لو نقصت قيمته في السوق.
2 -
(أَوْ) بان (أَنَّهُ) أي: البائع (اشْتَرَاهُ) أي: المبيع (مُؤَجَّلاً) أي: بثمن مؤجل؛ ولم يُبيِّنه للمشتري في تخبيره؛ فله الخيار بين أخذه بالثمن الذي وقع عليه حالاً أو الفسخ، وهي رواية في المذهب؛ استدراكاً لظُلامته، ولأن الأجل يأخذ قِسطاً من الثمن.
والمذهب: يؤجل على المشتري بالأجل الذي اشتراه البائع إليه، ولا خيار له؛ لزوال الضرر بالتأجيل.
3 -
(أَوْ) بان أن البائع اشترى المبيع (مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ) كزوجته، وأحد عمودي نسبه، كأب وابن، ولم يبينه للمشتري فله الخيار؛ لأنه متهم في حقهم لكونه يحابيهم ويسمح لهم.
واختار ابن عثيمين: لا يثبت له الخيار إلا إذا ظهر في ذلك غبنٌ للمشتري؛ لأنه قد يشتري ممن لا تقبل شهادته له بثمن المثل ولا يحابيه.
4 -
(أَوْ) بان بأن البائع اشترى المبيع (بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ حِيلَةً) ، ولم يُبيِّن ذلك للمشتري فله الخيار؛ لأن ذلك تدليس على المشتري وهو حرام.
فإن لم تكن حيلة جاز؛ لأنه أجنبي أشبه غيره.
5 -
(أَوْ بَاعَ) البائع (بَعْضَهُ) أي: بعض المبيع (بِقِسْطِهِ) من الثمن الذي اشتراه به، (وَلَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ)، فلا يخلو من حالين:
الأولى: أن يكون المبيع من المتماثلات التي ينقسم عليها الثمن بالأجزاء؛ كالبر والشعير: فيجوز بيع بعضه مرابحة بقسطه من الثمن دون تخبير المشتري، قال ابن قدامة:(لا نعلم فيه خلافًا)؛ لأن ثمن ذلك الجزء معلوم يقينًا.
الثانية: أن يكون المبيع مما ينقسم عليه الثمن بالقيمة، ولا ينقسم عليه الثمن بالأجزاء؛ كالثياب والعبيد: لم يجز أن يبيع بتخبير الثمن حتى يبين الحال على وجهه، فإذا باعه ولم يبين ذلك (فَلِمُشْتَرٍ الخِيَارُ)؛ لأن قسمة الثمن على ذلك تخمين، واحتمال الخطأ فيه كثير.
(وَ) السابع من أقسام الخيار: (خِيَارٌ) يثبت (لِاخْتِلَافِ المُتَبَايِعَيْنِ) في الثمن في الجملة على ما يأتي تفصيله، واختلاف المتعاقدين له صور:
الصورة الأولى: الاختلاف في الثمن: وأشار إليه المؤلف بقوله: (فَإِذَا اخْتَلَفَا) أي: بائع ومشتر (فِي قَدْرِ ثَمَنٍ) بأن قال بائع: بعتكه بمائة، وقال مشتر: بثمانين، ولا بينة لهما، أو تعارضت بينتاهما، (أَوِ) اختلف مؤجر ومستأجر في (أُجْرَةٍ) فقال مؤجر: أجرتك بمائة، وقال مستأجر: بثمانين، (وَلَا بَيِّنَةَ) لأحدهما (أَوْ لَهُمَا) أي: لكل واحد منهما بينة بما ادعاه؛ فتتساقط البيِّنتان؛ لتعارضهما، ولو كانت السلعة المبيعة تالفة: فإنهما حينئذ يتحالفان
ويثبت الخيار لهما؛ لأن كلًّا منهما مدعٍ ومدعًى عليه صورة، فالبائع مُدعٍ أن الثمن مائة ومنكر أنه ثمانون، والمشتري مُدعٍ أنه ثمانون ومنكر أنه مائة.
وعنه واختاره ابن عثيمين: القول قول البائع؛ لحديث ابن مسعود السابق: «إِذَا اخْتَلَفَ البَيِّعَانِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَالقَوْلُ مَا يَقُولُ صَاحِبُ السِّلْعَةِ أَوْ يَتَرَادَّانِ» ، ولأن الملك خرج من يده، ولا يمكن أن يخرج إلا بما يرضى به هو ما لم توجد بينة.
قال ابن قدامة: (ويحتمل أن يكون معنى القولين واحداً، وأن القول قول البائع مع يمينه، فإذا حلف فرضي المشتري بذلك أخذ به، وإن أبى حلف أيضاً وفسخ البيع).
- فرع: يشترط في التحالف ثلاثة شروط:
1 -
أن يحلف البائع قبل المشتري؛ لأنه أقوى جَنَبة من المشتري لكون المبيع يرد إليه، ولأن الأصل عدم خروج الملك من يد صاحبه.
2 -
أن يجمع الحالف بين النفي والإثبات؛ فالنفي لما نفاه والإثبات لما ادعاه.
3 -
أن يقدم الحالف النفي على الإثبات؛ لأن الأصل في اليمين أنها للنفي.
وصورة التحالف كما ذكر المؤلف: (حَلَفَ بَائِعٌ: مَا بِعْتُهُ بِكَذَا، وَإِنَّمَا
بِعْتُهُ بِكَذَا، ثُمَّ) حلف (مُشْتَرٍ: مَا اشْتَرَيْتُهُ بِكَذَا، وَإِنَّمَا اشْتَرَيْتُهُ بِكَذَا) وحينئذ لا يخلو من ثلاثة أحوال:
1 -
إن حلف أحدهما ونكل الآخر: لزمه ما حلف عليه صاحبه؛ لأن النكول بمنزلة الإقرار.
2 -
(وَ) إذا تحالفا على الصفة المذكورة صار (لِكُلِّ) واحد من المتبايعين (الفَسْخُ إِنْ لَمْ يَرْضَ بِقَوْلِ الْآخَرِ)، ولا ينفسخ بنفس التحالف؛ لأنه عقد صحيح فلم ينفسخ باختلافهما وتحالفهما.
3 -
إن رضي أحدهما بقول الآخر أُقرَّ العقد؛ لأن من رضي بقول صاحبه فقد حصل له ما ادعاه فلم يملك خياراً.
- فرع: إذا فُسخ العقد بعد التحالف لم يخل المبيع من حالتين:
الأولى: أن تكون السلعة موجودة: فيرجع البائع بالسلعة والمشتري بالثمن.
الثانية: أن تكون السلعة تالفة: وأشار إليه بقوله: (وَبَعْدَ تَلَف) السلعة، فإنهما (يَتَحَالَفَانِ) كما تقدم، (وَيَغْرَمُ مُشْتَرٍ قِيمَتَهُ) أي: قيمة المبيع التالف ولو كانت مثلية؛ لأن المشتري لم يدخل بالعقد على ضمانه بالمثل.
ويقبل قول مشترٍ في قيمتها وصفتها؛ لأنه غارم.
(وَ) الصورة الثانية: الاختلاف في الأجل أو الشرط: وأشار إليه بقوله: (إِنِ اخْتَلَفَا) أي: المتعاقدان (فِي أَجَلٍ)؛ بأن يقول المشتري: اشتريتُه بكذا مؤجلاً، وأنكره البائع، (أَوِ) اختلفا في (شَرْطٍ) صحيح؛ كاشتراط رهن أو ضمين، أو فاسد يبطل العقد معه أو لا، (وَنَحْوِهِ) كما لو اختلفا في مُفسدٍ لبيع ونحوه، كأن يدعي أحدهما الإكراه أو الصغر، ونحوه:(فَقَوْلُ نَافٍ) بيمينه؛ لأن الأصل عدمه.
والصورة الثالثة: الاختلاف في عين المبيع: وأشار إليه بقوله: (أَوِ) اختلف المتعاقدان في (عَيْنِ مَبِيعٍ)؛ كبعتني هذا العبد، فقال البائع: بل هذه الجارية، فقول بائع؛ لحديث ابن مسعود السابق، ولأنه غارم.
والصورة الرابعة: الاختلاف في قدر المبيع: وأشار إليه بقوله: (أَوِ) اختلفا في (قَدْرِهِ): بأن قال بائع: بعتك مُدَّين، فقال مشتر: بل ثلاثة؛ (فَقَوْلُ بَائِعٍ)؛ لحديث ابن مسعود السابق، ولأنه منكر للزيادة.
(وَ) الثامن من أقسام الخيار: خيارٌ (يَثْبُتُ لِلخُلْفِ فِي الصِّفَةِ)، سُمي بذلك؛ لأنه وُجد الموصوف بخلاف الصفة التي أخبره بها البائع، (وَ) وكذا لو اختلفا في (تَغَيُّرِ مَا تَقَدَّمَتْ رُؤْيَتُهُ) قبل العقد، ولا يخلو ذلك من أمرين:
1 -
أن لا يختلف البائع والمشتري: فللمشتري الفسخ؛ لأن ذلك بمنزلة عيبه، إلا أن يوجد من المشتري ما يدل على الرضا بالمبيع من سوم ونحوه، فيسقط خياره لذلك.
2 -
أن يختلف البائع والمشتري في الصفة: كما لو قال المشتري: ذكرتَ في صفة العبد أنه كاتب، وأنكره البائع، ولا مرجح بينهما، أو قال المشتري: إن المبيع الذي سبقت رؤيته تَغيَّر، وأنكر البائع، فالقول قول المشتري بيمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته من الثمن.
وفي قول اختاره ابن عثيمين: القول قول البائع أو يترادان، فيقال: إما أن تقتنع بقول البائع، وإلا فالملك ملكه؛ لأن الأصل عدم التغير، ولأن الأصل صحة العقد وبقاؤه.
- تنبيه: تقدم في شروط البيع ثبوت الخيار للمشتري في مسائل تفريق الصفقة أيضاً، ولذا قال ابن عثيمين:(وبذلك تمت أقسام الخيار، وعلى هذا فحصر الخيار في خمسة أو عشرة أو سبعة لا يستقيم؛ لأن الخيار يثبت فيما يفوت به مقصود أحد المتعاقدين).