الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
واختار ابن عثيمين: أن ينظر للقرائن، فإذا وجدت قرائن تدل على أن صاحب النعل أخذ نعلك، وأبقى لك هذا النعل، فإنه لا يكون لقطة، وإنما يكون لواجده، ولكن في هذه الحال ينبغي أن يتأنى بعض الشيء لعل صاحبه يرجع، فإذا أيس منه أخذه، فإن كان أدنى من نعله اكتفى به، وإن كان أعلى وجب عليه أن يتصدق بالفرق بين قيمتي النعلين.
فصل في اللَّقِيط
(وَاللَّقِيطُ): فعيل بمعنى مفعول، كجريح وطريح.
وشرعًا: (طِفْلٌ لَا يُعْرَفُ نَسَبُهُ، وَلَا) يعرف (رِقُّهُ؛ نُبِذَ)، أي: طرح في شارع أو باب مسجد، ونحوه، (أَوْ ضَلَّ) الطريق، ما بين ولادته (إِلَى) سن (التَّمْيِيزِ) فقط.
- مسألة: (وَالتِقَاطُهُ) أي: اللقيط (فَرْضُ كِفَايَةٍ)؛ لقوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى} [المائدة: 2]، ولأن فيه إحياءَ نفسه، فكان واجبًا؛ كإطعامه إذا اضطر، وإنجائه من نحو غرق، فلو تركه جميع من رآه أثموا.
- مسألة: مراتب النفقة على اللقيط:
1 -
أن يوجد معه مال: فيُنفق عليه منه بالمعروف، باتفاق الأئمة؛ لوجوب نفقته في ماله.
2 -
ألا يوجد معه مال: فينفق عليه من بيت المال؛ لقول أبي جميلة: وجدت ملقوطًا فأتيت به عمر رضي الله عنه، فقال عريفي: يا أمير المؤمنين إنه رجل صالح، فقال عمر:«أَكَذَلِكَ؟ » ، قال: نعم، قال:«اذْهَبْ فَهُوَ حُرٌّ، وَلَكَ وَلَاؤُهُ، وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ» [البخاري تعليقاً مجزوماً به 3/ 179، ووصله مالك 2/ 738].
3 -
(فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ، وَتَعَذَّرَ) الإنفاق عليه من (بَيْتِ المَالِ)، لكون البلد ليس له بيت مال، أو به ولا مال به ونحوه؛ اقترض الحاكم على بيت المال، وظاهره: ولو مع وجود متبرع بها؛ لأنه أمكن الإنفاق عليه بلا منة تلحقه، أشبه أخذها من بيت المال.
4 -
أن يتعذر على الحاكم الاقتراض على بيت المال، أو كان لا يمكن الأخذ منه؛ (أَنْفَقَ عَلَيْهِ عَالِمٌ بِهِ)؛ لقوله تعالى:{وتعاونوا على البر والتقوى} [المائدة: 2]، ولما في ترك الإنفاق عليه من هلاكه، وحفظه عنه واجب، كإنقاذ من الغرق.
- فرع: إن أنفق الملتقط فهل يرجع أو لا؟ لا يخلو من أمرين:
1 -
أن يكون للَّقيط مال يتعذر الإنفاق منه لمانع، أو ينتظر حصوله من وقف أو غيره: فلمن أنفق عليه بنية الرجوع أن يرجع؛ لأن اللقيط في هذه الحالة غني عن مال الغير.
2 -
أن لا يكون للقيط مال: فينفق عليه الملتقط مجاناً (بِلَا رُجُوعٍ) بما
أنفق؛ لوجوبه عليه؛ لأن النفقة فرض كفاية.
واختار ابن عثيمين: إن نوى الرجوع رجع، وإن لم ينوِ الرجوع فقد قام بواجب عليه، ولا يرجع به على أحد.
- مسألة: (وَهُوَ) أي: اللقيط لا يخلو من حالتين:
الأولى: أن يوجد في بلاد الإسلام: فلا يخلو من أمرين:
1 -
أن يكون فيه مسلم، ولو واحداً: فهو (مُسْلِمٌ) إن أمكن كونه منه؛ لظاهر الدار، وتغليب الإسلام، فإنه يعلو ولا يعلى عليه.
2 -
أن يكون كل أهله أهل ذمة: فهو كافر؛ لأنه لا مسلم بها يحتمل كونه منه، وتغليب الإسلام إنما يكون مع الاحتمال
الثانية: أن يوجد في بلد الكفر: فلا يخلو من أمرين:
1 -
(إِنْ وُجِدَ فِي بَلَدٍ يَكْثُرُ فِيهِ المُسْلِمُونَ): فهو مسلم، ولو كانت دار حرب؛ للتعليل السابق.
2 -
إن وجد في بلد لا مسلم فيه، أو فيه قليل من المسلمين؛ كتاجر وأسير، فهو كافر؛ تغليباً لحكم الأكثر؛ لأن الدار لهم.
وفي وجه واختاره ابن عثيمين: أنه مسلم مطلقاً، ولو وجد في دار كفر لا مسلم فيه؛ لأن نسبه مجهول، فإذا لم يكن له أب ينسب إليه قرابةً، فإنه
ليس له أب ينسب إليه دِيناً من بابِ أولى، فانقطعت التبعية، وإذا انقطعت التبعية رجعنا إلى الأصل، وهو أن كل مولود يولد على الفطرة.
- مسألة: (وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ) أي: بأن اللقيط ولده، ولو كان المُقِرُّ كافراً، أو رقيقاً، أو أنثى، حيًّا كان اللقيط أو ميتًا؛ لحقه بشرطين:
1 -
أن يكون المقر مـ (مَّنْ يُمْكِنُ كَوْنُهُ) أي: اللقيط (مِنْهُ)، فإن ادعاه من لا يمكن كونه منه كابن تسع، لم يلحقه؛ لأنه يستحيل عادة.
2 -
أن ينفرد بدعواه، فإن ادعاه اثنان فأكثر؛ قُدِّم من له بينة، فإن تساووا في البينة، أو تساووا في عدمها؛ عُرِضَ على القافة، فمن ألحقته به لحقه؛ لما روى عروة بن الزبير:«أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا وَلَدًا، فَدَعَا عُمَرُ الْقَافَةَ، وَاقْتَدَى فِي ذَلِكَ بِبَصَرِ الْقَافَةِ وَأَلْحَقَهُ أَحَدَ الرَّجُلَيْنِ» [عبدالرزاق 13475]، ونحوه عن أنس وأبي موسى رضي الله عنهم [البيهقي 10/ 447].
فإن اجتمع الشرطان: (أُلْحِقَ) اللقيط (بِهِ)؛ لأنه استلحاق لمجهول النسب ادعاه من يمكن أنه منه من غير ضرر فيه ولا دافع عنه، ولا ظاهر يرده، فوجب الإلحاق؛ ولأنه محض مصلحة للطفل؛ لوجوب نفقته، وكسوته، واتصال نسبه، فكما لو أقر له بمال.
- فرع: يتبع اللقيطُ الكافرَ المدَّعِيَ أنه ولده في النسب؛ لما تقدم، ولا يتبعه في دينه؛ لأن اللقيط محكوم بإسلامه بظاهر الدار، فلا يقبل قول الكافر في كفره بغير بينة.