الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب
في ترجيح مذهب مالك
رحمه الله والحجة في وجوب تقليده وتقديمه على غيره من الأئمة
قال القاضي عياض رحمه الله: اعلم وفقنا الله وإياك أن حكم المتعبد بأوامر الله ونواهيه المتشرع بشريعة نبيه صلى الله عليه وسلم طلب معرفة ما يتعبد به وما يأتيه ويذره ويجب عليه ويحرم ويباح له ويرغب فيه من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فهما الأصلان اللذان لا تعرف الشريعة إلا من قبلهما ثم إجماع المسلمين مرتب عليهما فلا يصح أن يؤخذ وينعقد إلا عنهما. إما من نص عرفوه ثم تركوا نقله أو من اجتهاد مبني عليهما على القول بصحة الإجماع من طريق الاجتهاد.
وهذا كله لا يتم إلا بعد تحقيق العلم بذلك ومعرفة الأدلة والطرق والآلات الموصلة إليه من نقل ونظر وطلب قبله وجمع وحفظ وعلم ما صح من السنن واشتهر ومعرفة كيف يتفهم وما به يتفهم من علم ظواهر الألفاظ وهو علم العربية واللغة وعلم معانيهما ومعاني موارد الشرع ومقاصده ونص الكلام وظاهره وفحواه وسائر مناهجه وهو المعبر عنه بعلم أصول الفقه. وهذا كله يحتاج إلى مهلة والتعبد لازم لحينه.
ثم الواصل إلى طريق الاجتهاد قليل وأقل من القليل بعد الصدر الأول والسلف الصالح. وإذا كان هذا فلا بد لمن لم يبلغ هذه المنزلة من المكلفين أن يلتقي ما تعبد به وكلفه من وظائف شريعته ممن ينقله له ويعرفه به ويستند إليه
واثقاً به في نقله وعلمه وحكمه وهذا هو التقليد ودرجة عوام الناس بل أكثرهم.
وإذا كان هذا فالواجب تقليد العالم الموثوق به في ذلك فإذا كثر العلماء فالأعلم. وهذا حظ المقلد من الاجتهاد لدينه ولا يترك المقلد الأعلم ويعدل إلى غيره وإن كان مشتغلاً بالعلم فيسئل حينئذ عما لا يعلم حتي يعلمه كما قال تعالى: " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " النحل 43
وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإقتداء بالخلفاء بعده وأصحابه وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في الناس ليفقهوهم في الدين ويعلموهم ما كتب عليهم وإذا كان هذا الأمر لازماً فأولى من قلده العامي الجاهل والطالب المسترشد والمتفقه في دين الله: فقهاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أخذوا عنه العلم وعلموا أسباب نزول الأوامر والنواهي وشاهدوا قرائن الأمور وشافهوا في أكثرها النبي صلى الله عليه وسلم واستفسروه عنها مع ما كانوا عليه من سعة العلم ومعرفة معاني الكلام وتنوير القلوب وانشراح الصدور فكانوا - رضوان الله عليهم - أعلم الأمة بلا مرية وأولاهم
بالتقليد لكنهم لم يتكلموا من النوازل إلا في اليسير مما وقع ولا تفرعت عنهم المسائل ولا تكلموا من الشرع إلا في قواعد ووقائع.
وكان أكثر اشتغالهم بالعمل بما علموا والذب عن حوزة الدين وتوطين شريعة المسلمين ثم بينهم في الاختلاف في بعض ما تكلموا فيه ما يبقي المقلد في حيرة ويحوجه إلى نظر وتوقف. وإنما جاء التفريع وبسط الكلام فيما يتوقع وقوعه بعدهم فجاء التابعون فنظروا في اختلافهم وبنوا على أصولهم ثم جاء من بعدهم من العلماء من أتباع التابعين - والوقائع قد كثرت والفتاوى قد تشعبت - فجمعوا أقاويل الجميع وحفظوا فقههم وبحثوا عن اختلافهم واتفاقهم وحذروا انتشار الأمر وخروج الخلاف عن الضبط فاجتهدوا في جمع السنن وضبط الأصول وسئلوا فأجابوا ومهدوا الأصول وفرعوا عليها النوازل ووضعوا التصانيف وفرقوها وقاسوا على ما بلغهم ما يشبهه.
فالمتعين على المقلد أن يرجع في التقليد لهؤلاء لإحكامهم النظر في مذاهب من تقدمهم وكفايتهم ذلك لمن جاء بعدهم.
لكن تقليد جميعهم لا يتفق في أكثر النوازل لاختلافهم في الأصول التي بنوا عليها ولا يصح أن يقلد المقلد من شاء منهم على الشهرة أو على ما وجد عليه أهل قطره. فحظه هنا من الاجتهاد أن ينظر في أعلمهم ويعرف الأولى بالتقليد من جملتهم حتى يركن في أعماله إلى فتواه ولا يحل له أن يعدو في استفتائه إلى من لا يرى مذهبه.
وكذلك يلزم هذا طالب العلم في بدايته في درس ما أصله الأعلم من هؤلاء وفرعه والاهتداء بنظره إذ لو ابتدأ الطالب يطلب في كل مسألة الوقوف على الحق منها بطريق الاجتهاد لعسر عليه ذلك إذ لا يتفق له إلا بعد جمع خصاله كما تقدم. وإذا اجتمعت خصاله كان حنيئذ من المجتهدين لا من المقلدين.
فإذا تقررت هذه المقدمة فنقول: قد وقع إجماع المسلمين في أقطار الأرض على تقليد هذا النمط واتباعهم ودرس مذاهبهم دون من قبلهم مع الاعتراف بفضل من قبلهم وسبقه ومزيد علمه لكن للعلل التي قدمنا.
ثم اختلفت الآراء في تعيين المقلد منهم على ما نذكره فغلب كل مذهب على جهة. فمالك بن أنس رحمه الله بالمدينة وأبو حنيفة والثوري بالكوفة والحسن البصري بالبصرة والأوزاعي بالشام والشافعي بمصر وأحمد بن حنبل بعده ببغداد وكان لأبي ثور هناك أتباع أيضاً.
ثم نشأ ببغداد أبو جعفر الطبري وداود الأصبهاني فألفا الكتب واختارا في المذاهب على رأي أهل الحديث واطرح داود منها القياس وكان لكل واحد منهم أتباع.
وسرت جميع هذه المذاهب فغلب مذهب مالك رحمه الله أهل الحجاز والبصرة ومصر وما والاها من بلاد أفريقية والأندلس وصقلية والمغرب الأقصى إلى بلاد من أسلم من السودان إلى وقتنا هذا وظهر ببغداد ظهوراً كثيراً وضعف فيها بعد أربعمائة سنة وضعف بالبصرة بعد خمسمائة سنة وغلب من بلاد خراسان على قزوين وأبهر وظهر بنيسابور أولاً وكان بها وبغيرها له أئمة ومدرسون يأتي ذكرهم وكان ببلاد فارس وانتشر باليمن وكثير من بلاد الشام. وغلب مذهب أبي حنيفة رحمه الله على الكوفة والعراق وما وراء النهر وكثير من بلاد خراسان إلى وقتنا هذا وظهر بأفريقية ظهوراً كثيراً إلى قريب من أربعمائة عام فانقطع منها ودخل منه شيء ما وراءها من المغرب
قديماً بجزيرة الأندلس وبمدينة فاس.
وغلب مذهب الأوزاعي رحمه الله على الشام وعلى جزيرة الأندلس إلى أن غلب عليها مذهب مالك بعد المائتين فانقطع منها وأما مذهب الحسن والثوري فلم يكثر أتباعهما ولم يطل تقليدهما وانقطع مذهبهما عن قريب.
وأما الشافعي رحمه الله فكثر أتباعه وظهر مذهبه ظهور مذهبي مالك وأبي حنيفة قبله وكان أول ظهوره بمصر وكثر أصحابه بها مع المالكية ثم بالعراق وبغداد وغلب عليها وعلى كثير من بلاد خراسان والشام واليمن إلى وقتنا هذا ودخل ما وراء النهر وبلاد فارس ودخل شيء منه أفريقية والأندلس بأخرة بعد ثلاثمائة.
وأما مذهب أحمد بن حنبل رحمه الله فظهر ببغداد ثم انتشر بكثير من بلاد الشام وغيرها وضعف الآن.
وأما أصحاب الطبري وأبي ثور فلم يكثروا ولا طالت مدتهم. وانقطع أتباع أبي ثور بعد ثلاثمائة وأتباع الطبري بعد أربعمائة.
وأما داود فكثر أتباعه وانتشر ببلاد بغداد وبلاد فارس مذهبه وقال به قوم قليل بأفريقية والأندلس وضعف الآن.
فهؤلاء الذين وقع إجماع الناس على تقليدهم مع الاختلاف في أعيانهم واتفاق العلماء على اتباعهم والاقتداء بمذاهبهم ودرس كتبهم والتفقه على مآخذهم والبناء على قواعدهم والتفريع على أصولهم دون غيرهم لمن تقدمهم أو عاصرهم للعلل التي ذكرناها.
وصار الناس اليوم في أقطار الأرض على خمسة مذاهب: مالكية حنبلية وشافعية وحنفية وداودية وهم المعرفون بالظاهرية.
فحق على طالب العلم ومريد تعرف الصواب والحق أن يعرف أولاهم بالتقليد ليعتمد على مذهبه ويسلك في التفقه سبيله.
وها نحن نبين أن مالكاً هو ذاك لجمعه أدوات الإمامة وتحصيله وجه الاجتهاد وكونه أطبق أهل وقته على شهرتهم له بذلك
وتقديمه وهو القدوة والناس إذ ذاك ناس والزمان زمان ثم للأثر الوارد في عالم المدينة التي هي داره ثم لموافقة أحواله الحال الذي أخبر في الحديث عنه وتأويل السلف الصالح أنه المراد به. ونفصل الكلام في ذلك على فصلين.