الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الأول:
في ترجيحه من طريق النقل
معتمده النقل وفيه: ترجيحان: الترجيح الأول: وهو الأثر المشهور الصحيح المروي عن الثقات. منهم: سفيان بن عيينة عن بن جريج عن أبي الزبير عن أبي صالح عن أبي هريرة رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم " - وفي رواية: " يلتمسون العلم " - " فلا يجدون عالماً أعلم " - وفي رواية: " أفقه من عالم المدينة " وفي رواية: " من عالم بالمدينة " وفي بعضها: " آباط الإبل " مكان " أكباد الإبل ".
وقد رواه المحاربي عن بن جريج موقوفاً على أبي هريرة رضي الله عنه ومحمد بن عبد الله الأنصاري عن بن جريج أيضاً مسنداً وهو ثقة مأمون.
وهذا الطريق أشهر طرقه ورجاله ثقات مشاهير خرج عنهم البخاري ومسلم وأهل الصحيح. ورواه أيضاً المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تنقضي الساعة حتى يضرب الناس أكباد الإبل من كل ناحية إلى عالم المدينة: يطلبون علمه ".
وأخرجه أيضاً النسائي في مصنفه مرفوعاً إلى أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله عليه وسلم " تضربون أكباد الإبل وتطلبون العلم ولا تجدون عالماً أعلم من عالم المدينة ".
ورواه أيضاً أبو موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ آخر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يخرج ناس من المشرق والمغرب في طلب العلم فلا يجدون عالماً من أعلم من عالم المدينة أو عالم أهل المدينة ".
وذكر بن حبيب عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تنقطع الدنيا حتى يكون عالم بالمدينة تضرب إليه أكباد الإبل ليس على ظهر الأرض أعلم منه ". قال سفيان: نرى أن المراد بهذا الحديث مالك بن أنس. وفي رواية عنه: كنت أقول هو بن المسيب حتى قلت كان في زمان بن المسيب سليمان وسالم وغيرهما ثم أصبحت اليوم أقول:
إنه مالك وذلك أنه عاش حتى لم يبق له نظير بالمدينة. وهذا هو الصحيح عن سفيان رواه عنه بن مهدي ويحيى بن معين وعلي بن المديني والزبير بن بكار وإسحاق بن أبي إسرائيل وذؤيب بن عمامة السهمي وغيرهم.
كلهم سمعه يقول في تفسير الحديث: هو مالك أو أظنه أو أحسبه أو كانوا يرونه.
قال بن مهدي: يعني سفيان بقوله: " كانوا يرونه " التابعين.
قال القاضي أبو عبد الله التستري. في قوله: " كانوا يرونه ": هو إخبار عن غيره من نظرائه أو ممن هو فوقه.
قال: وقد جاءت هذه الأحاديث بلفظين: أحدهما: " من عالم المدينة " والثاني: " من عالم بالمدينة " ولكل واحد منهما معنى صحيح:
فأما قوله: " من عالم بالمدينة " فإشارة إلى رجل بعينه يكون بها لا بغيرها ولا نعلم أحداً انتهى إليه علم أهل المدينة وأقام بها ولم يخرج عنها ولا استوطن سواها في زمان مالك مجتمعاً عليه إلا مالكاً
ولا أفتى بالمدينة وحدث بها نيفاً وستين سنة أحد من علمائها يأخذ عنه أهل المشرق والمغرب ويضربون إليه أكباد الإبل غيره.
وأما رواية " عالم المدينة " فقد ذكر محمد بن إسحاق المخزومي أن تأويل ذلك: ما دام المسلمون يطلبون العلم فلا يجدون عالماً أعلم من عالم المدينة. كان بها أو بغيرها فيكون على هذا سعيد بن المسيب: لأنه النهاية في وقته ثم من بعده غيره ممن هو مثله من شيوخ مالك ثم بعدهم مالك ثم بعده من قام بعلمه وكان أعلم أصحابه بمذهبه ثم هكذا ما دام للعلم طالب ولمذهب أهل المدينة إمام. ويجوز على هذا أن يقال: هو بن شهاب في وقته والعمري في وقته ومالك في وقته. ثم إذا اجتمعت اللفظتان اختص مالك بقوله: " من عالم بالمدينة " ودخل في جملة علماء أهل المدينة باللفظة الأخرى.
وقال بن جريج وعبد الرزاق في تأويل الحديث نحو قول سفيان: نرى أن المراد به مالك.
وقال بعض المالكية إذا اعتبرت كثرة من روى عن مالك من العلماء ممن تقدمه أو عاصره أو تأخر عنه على اختلاف طبقاتهم وأقطارهم وكثرة الرحلة إليه والاعتماد في وقته عليه دل بغير مرية أنه المراد بالحديث إذ لم يوجد لغيره من علماء المدينة ممن تقدمه أو جاء بعده من الرواة والآخذين إلا بعض من وجدنا له.
وقد جمع الرواة عنه غير واحد وبلغ بهم بعضهم - في تسمية من علم بالرواية عنه سوى من لم يعلم - ألف راو واجتمع من مجموعهم زائد على ألف وثلاثمائة. وتدل كثرة القصد له على كونه أعلم أهل وقته وهو الحال والصفة التي أنذر بها رسول الله صلي الله عليه وسلم.
ولذلك لم يسترب السلف أنه هو المراد بالحديث وعد هذا الخبر من معجزاته صلى الله عليه وسلم. قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب ما معناه: إنه لا ينازعنا في هذا الحديث أحد من أرباب المذاهب إذ ليس منهم من له إمام من أهل المدينة فيقول: المراد به إمامي ونحن ندعي أنه صاحبنا بشهادة السلف له وبأنه إذا أطلق بين أهل العلم قال: " عالم المدينة " أو " إمام دار الهجرة " فالمراد به مالك دون غيره من علمائها كما إذا قيل: قال الكوفي فالمراد به أبو حنيفة دون سائر فقهاء الكوفة.
قال القاضي أبو الفضل عياض رضى الله عنه: فوجه احتجاجنا بهذا الحديث من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: تأويل السلف أن المراد به مالك وما كانوا ليقولوا ذلك إلا من تحقيق.
الوجه الثاني: أنك إذا اعتبرت ما أوردناه ونورده من شهادة السلف الصالح له وإجماعهم على تقديمه ظهر أنه المراد بذلك إذ لم تحصل بالأوصاف التي فيه لغيره ولا أطبقوا على هذه الشهادة لسواه.
الوجه الثالث: هو ما نبه عليه بعض الشيوخ من أن طلبة العلم لم يضربوا أكباد الإبل من مشرق الأرض وغربها إلى عالم ولا رحلوا إليه من الآفاق رحلتهم إلى مالك.
فالناس أكيس من أن يمدحوا رجلاً
…
من غير أن يجدوا آثار إحسان
الترجيح الثاني في هذا الفصل النقلي: والمعتمد فيه مجرد تقليد السالف وأئمة المسلمين والاعتراف لمالك بأنه أعلم
أهل وقته وإمامه وتقليدهم إياه وإقتداؤهم به على رسوخ كثير منهم في العلم وترجيحهم مذهبه على مذهب غيره. وسنورد هنا لمعاً من ذلك تومئ إلى ما وراءها.
قال بن هرمز: شيخه: إنه عالم الناس.
وقال سفيان بن عيينة - لما بلغته وفاته - ما ترك على الأرض مثله.
وقال: مالك إمام ومالك عالم أهل الحجاز ومالك حجة في زمانه ومالك سراج الأمة وما نحن ومالك؟ وإنما كنا نتبع آثار مالك؟.
وقال الشافعي: مالك أستاذي وعنه أخذت العلم وما أحد أمن علي من مالك وجعلت مالكاً حجة بيني وبين الله وإذا ذكر العلماء فمالك النجم الثاقب ولم يبلغ أحد مبلغ مالك في العلم لحفظه وإتقانه وصيانته.
وقال: العلم يدور على ثلاثة: مالك والليث وسفيان بن عيينة.
وحكي عن الأوزاعي أنه كان إذا ذكره قال: عال العلماء وعالم أهل المدينة ومفتي الحرمين. وقال بقية بن الوليد: ما بقي على وجه الأرض أعلم بسنة ماضية ولا باقية من مالك.
وقدمه بن حنبل على الأوزاعي والثوري والليث وحماد والحكم في العلم وقال: هو إمام في الحديث والفقه. وسئل عمن يريد أن يكتب الحديث وينظر في الفقه: حديث من يكتب وفي رأي من ينظر؟ فقال: حديث مالك ورأي مالك؟.
وقال بن معين: مالك من حجج الله تعالى على خلقه إمام من أئمة المسلمين مجتمع على فضله. وقال حميد بن الأسود: كان إمام الناس عندنا بعد عمر - رضى الله عنه - زيد بن ثابت وبعده عبد الله بن عمر رضى الله عنهما.
قال على بن المديني وأخذ على زيد ممن كان يتبع رأيه أحد وعشرون رجلاً ثم صار علم هؤلاء إلى ثلاثة بن شهاب وبكير بن عبد الله وأبي الزناد. ثم صار علم هؤلاء كلهم إلى مالك. وقال حميد أيضاً: ما تقلد أهل المدينة بعد زيد بن ثابت وبعد عبد الله بن عمر رضي الله عنهم كما تقلدوا قول مالك.
وقد اعترف له بالإمامة يحيى بن سعيد: شيخه والأوزاعي والليث.
وابن المبارك. وجماعة من هذا النمط ومن بعدهم كالبخاري وابن عبد الحكم وأبي زرعة الرازي. ومن لا يعد كثرة.
وقال عتيق بن يعقوب: ما أجتمع على أحد بالمدينة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم إلا على أبي بكر وعمر رضى الله عنهما ومات مالك وما نعلم أحداً من أهل المدينة إلا أجمع عليه.