الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني:
في ترجيحه من طريق الاعتبار والنظر
وفي ذلك اعتبارات: الاعتبار الأول: جمعه لدرجات الاجتهاد في علوم الشريعة من كتب السنة. ومسائل الاتفاق والاختلاف. وهذا مما لا ينكره موافق ولا مخالف إلا من طبع على قلبه التعصب.
وأنه القدوة في السنن وأول من ألف فأجاد ورتب الكتب والأبواب وضم الأشكال وأول من تكلم في الغريب من الحديث وشرح في الموطأ كثيراً منه فقد قال الأصمعي: أخبرني مالك أن الاستجمار هي الاستطابة ولم أسمعه إلا من مالك.
وله في تفسير القرآن كلام كثير قد جمع وتفسير مروي: وقد جمع أبو محمد مكي مصنفاً فيما روي عنه من التفسير والكلام في معاني القرآن وأحكامه. مع تجويده له. وضبطه حروفه وروايته عن نافع.
قال البهلول بن راشد: ما رأيت أسرع بياناً من كلام مالك بن أنس مع معرفته بالمعمول به من الحديث والمتروك وميزه للرجال. وصحة حفظه. إلى ما يؤثر عنه من الأخذ في سائر العلوم كرسالته إلى بن وهب
في الرد على أهل الأهواء وكقوله جالست بن هرمز ثلاث عشرة سنة. ويروي ست عشرة سنة. في علم لم أبثه لأحد من الناس.
وتأليفه في الأوقات والنجوم وإشاراته إلى مآخذ الفقه وأصوله التي اتخذها أهل الأصول من أصحابه معالم اهتدوا بها. وغيره ممن ذكرنا لم يجمع هذا الجمع.
أما أبو حنيفة والشافعي فمسلم لهما حسن الاعتبار وتدقيق النظر والقياس وجودة الفقه والإمامة فيه لكن ليس لهما إمامة في الحديث وقد ضعفهما فيه أهل الصنعة. وهؤلاء أهل الحديث لم يخرجوا عنهما منه حرفاً ولا لهما في أكثر مصنفاته ذكر. وإن كان الشافعي متبعاً للحديث ومفتشاً عن السنن لكن بتقليد غيره. وقد كان يقول لابن مهدي وابن حنبل: أنتما أعلم بالحديث مني فما صح عندكما منه فعرفاني به. ولا سبيل إلى إنكار إمامتهما في الفقه.
وللشافعي في تقرير الأصول. وترتيب الأدلة ما لم يسبقه إليه من قبله. وكان الناس عليه فيه عيالاً من بعده مع التفنن في علم لسان العرب وكل ميسر لما خلق له.
كما أن أحمد وداود من العارفين بعلم الحديث ولا تنكر إمامة أحد منهما فيه لكن لا تسلم لهما الإمامة في الفقه ولا جودة النظر في مأخذه مع أن داود نهج اتباع الظاهر ونفى القياس فخالف السلف والخلف وما مضى عليه عمل الصحابة رضى الله عنهم فمن بعدهم حتى قال بعض العلماء إن مذهبه بدعة ظهرت بعد المئتين.
وليس تقصير من قصر منهم في فن بالذي يسقط رتبته عن الآخر ولكل واحد منهم من المناقب والفضائل ما حشيت به الصحف لكن نقص ركن من أكان الاجتهاد يخل به على كل حال.
الاعتبار الثاني:
الالتفات إلى مأخذ الجميع في فقههم ونظرهم على الجملة في علمهم إذ تخصيصه في آحاد النوازل لا يدرك صوابه إلا المستقل بالعلم. وحسب المبتدئ أن يلوح له بتلويح يفهمه وهو أنا قد ذكرنا خصال الاجتهاد ثم ترتيبها على ما يوجب العقل ويشهد له الشرع: - تقديم كتاب الله عز وجل على ترتيب أدلته في الوضوح من تقديم نصوصه. ثم ظواهره. ثم مفهوماته.
- ثم كذلك السنة على ترتيب متواترها ومشهورها وآحادها ثم ترتيب نصوصها وظواهرها ومفهومها.
- ثم الإجماع عند عدم الكتاب ومتواتر السنة.
- وعند عدم هذه الأصول كلها القياس عليها والاستنباط منها إذ كتاب الله مقطوع به وكذلك متواتر السنة وكذلك النص مقطوع به فوجب تقديم ذلك كله.
- ثم الظواهر.
- ثم المفهوم في دخول الاحتمال في معناها.
- ثم أخبار الآحاد - عند عدم الكتاب - والمتواتر منها. وهي مقدمة على القياس لاجماع الصحابة رضى الله عنهم علي الأصلين وتركهم نظر أنفسهم متى بلغهم خبر الثقة وامتثالهم مقتضاه دون خلاف منهم في ذلك.
- ثم القياس آخراً عند عدم هذه الأصول على ما مضى عليه عمل الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم من السلف المرضيين وعلى مذاهبهم أجمعين.
وأنت إذا نظرت لأول وهلة منازع هؤلاء الأئمة ومآخذهم في الفقه واجتهادهم
في الشرع وجدت مالكاً رحمه الله ناهجاً في هذه الأصول مناهجها مرتباً لها مراتبها ومداركها مقدماً كتاب الله عز وجل على الآثار. ثم مقدماً لها علي القياس والاعتبار. تاركاً منها ما لم يتحمله الثقات العارفون بما تحملوه أو ما وجد الجمهور والجم الغفير من أهل المدينة قد عملوا بغيره وخالفوه. ثم كان من وقوفه في المشكلات وتحريه عن الكلام في المعوصات ما سلك به سبيل السلف الصالح. وكان يرجح الاتباع ويكره الابتداع والخروج عن سنن الماضين.