الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومن الطبقة الثالثة الذين ذكروا في الثانية ممن انتهى إليهم فقه مالك ممن لم يره ولم يسمع منه والتزموا مذهبه من أهل العراق والمشرق ثم من آل حماد بن زيد أئمة هذا المذهب وأعلامه بالعراق.
إسماعيل بن إسحاق القاضي
ولنبدأ قبل ذكره بشيء من خبر آل حماد بن زيد على الجملة وجلالة أقدارهم وأقوام منهم يذكرون في هذا الكتاب.
كانت هذه البيئة على كثرة رجالها وشهرة أعلامها من أجل بيوت العلم بالعراق وأرفع مراتب السؤدد في الدين والدنيا وهم نشروا هذا المذهب هناك وعنهم اقتبس فمنهم من أئمة الفقه ومشيخة الحديث عدة كلهم جلة ورجال سنة روي عنهم في أقطار الأرض وانتشر ذكرهم ما بين المشرق والمغرب وتردد العلم في طبقاتهم وبيتهم نحو ثلاثمائة عام من زمن جدهم الإمام: حماد بن زيد وأخيه سعيد ومولدهما في نحو المائة إلى وفاة
آخر من وصف منهم بعلم وهو المعروف بابن أبي يعلى ووفاته قرب أربعمائة.
قال أبو محمد الفرغاني التاريخي: لا نعلم أحداً من أهل الدنيا بلغ آل حماد بن زيد ونال بنو حماد من الدنيا مزية ومنزلة رفيعة ولن يبلغ أحد ممن تقدم من القضاة ما بلغوا من اتخاذ المنازل والضياع والكسوة والآلة ونفاذ الأمر في جميع الآفاق.
وحسبك أن لهم ببادرويا ستمائة بستان غير ما لهم بالبصرة وغيرها. وكان فيهم - على اتساع الدنيا لهم - رجال صدق وخير وأبهة وورع وعلم وفضل ويأتي من خبرهم في الطبقات والحروف ما يدل على مكانتهم من الدين والدنيا.
هو أبو إسحاق: إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد بن درهم بن بابك الجهضمي الأزدي: مولى آل جرير بن حازم أصله من البصرة بها نشأ واستوطن بغداد وسمع محمد بن عبد الله الأنصاري وسليمان بن حرب الواشحي وحجاج بن منهال الأنماطي ومسدداً والقعنبي وأبا الوليد الطيالسي وعلي بن المديني.
وسمع أيضاً من أبيه ونصر بن علي الجهضمي وأبي بكر بن أبي شيبة وأبي مصعب الزهري وجماعة غيرهم وتفقه بابن المعدل وكان يقول: أفخر على الناس برجلين بالبصرة بن المعدل: يعلمني الفقه وابن المديني: يعلمني الحديث روى عنه موسى بن هارون وعبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل وأبو القاسم البغوي ويحيى بن صاعد وابن عمه: يوسف بن يعقوب وابنه أبو عمر القاضي وأخوه وإبراهيم بن عرفقة نفطويه وابن الأنباري والمحاملي وجماعة وغيرهم. وممن تفقه وروى عنه وسمع منه بن أخيه: إبراهيم بن حماد وابنا بكير والنسائي وابن المنتاب وأبو بشر الدولابي وأبو الفرج القاضي وأبو بكر بن الجهم وبكر القشيري والفريابي وابن مجاهد المقري ويحيى بن عمر الأندلسي وقاسم بن أصبغ الأندلسي وخلق عظيم وبه تفقه أهل العراق من المالكية.
ذكر ثناء الناس عليه ومكانته من الإمامة في العلوم: قال أبو بكر بن الخطيب: كان إسماعيل فاضلاً عالماً متفنناً فقيهاً على مذهب مالك شرح مذهبه ولخصه واحتج له وصنف المسند وكتباً عدة من علوم القرآن وجمع حديث مالك ويحيى بن سعيد الأنصاري وأيوب السختياني.
وقال أبو إسحاق الشيرازي: كان إسماعيل جمع القرآن وعلم القرآن والحديث وآثار العلماء والفقه والكلام والمعرفة بعلم اللسان وكان من نظراء المبرد في علم كتاب سيبويه وكان المبرد يقول: لولا اشتغاله برئاسة الفقه والقضاء لذهب برئاستنا في النحو والأدب وحمل من البصرة إلى بغداد وعنه انتشر مذهب مالك بالعراق وكان ثقة صدوقاً. قال أبو محمد بن أبي زيد القاضي: إسماعيل شيخ المالكية في وقته وإمام تام الإمامة يقتدى به وانضاف إلى ذلك علمه بالقرآن فإنه ألف فيه كتباً ككتاب أحكام القرآن وهو كتاب لم يسبق إلى مثله وكتابه في القراءات وهو كتاب جليل القدر عظيم الخطر وكتاب في معاني القرآن وهذان الكتابان شهد بتفضيله فيهما المبرد وقال نصر بن علي: ليس في آل حماد بن زيد أفضل من إسماعيل بن إسحاق وفلان.
وقال أبو الوليد الباجي - وذكر من بلغ درجة الاجتهاد وجمع آلته من العلوم فقال: ولم تحصل هذه الدرجة - بعد مالك - إلا لإسماعيل القاضي.
وذكره أبو عمر الداني في طبقات القراء فقال: أخذ القراءة عن قالون وله فيه حرف عن غيره قيل لإسماعيل: لم جاز التبديل على أهل التوارة ولم يجز على القرآن؟ فقال: قال الله تعالى في أهل التوارة: " بما استحفظوا من كتاب الله " المائدة: 44 فوكل الحفظ إليهم فجاز التبديل عليهم وقال تعالى في القرآن: " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " الحجر: 9 فلم يجز التبديل عليه. فذكر ذلك للمحاملي فقال: ما سمعت كلاماً أحسن من هذا وروي مثل هذا عن بن وضاح الأندلسي ومر إسماعيل بالمبرد فوثب إليه وقبل يده وأنشده:
فلما بصرنا به مقبلاً
…
حللنا الحبا وابتدرنا القياما
فلا تنكرن قيامي له
…
فإن الكريم يجل الكراما
وأنشد إسماعيل:
لا تعتبن على النوائب
…
فالدهر يرغم كل عاتب
واصبر على حدثانه
…
إن الأمور لها عواقب
ولكل صافية قذى
…
ولكل خالصة شوائب
كم فرجة مطوية
…
لك بين أثناء النوائب
وذكر بعضهم منها:
ومسرة قد أقبلت
…
من حيث تنظر المصائب
فاعجب لما هو كائن
…
إن الزمان أبو العجائب
وقيل: إن هذا البيت الأخير - هو - لأبي البركات: أيمن بن محمد السعدي وقال إسماعيل: ما عرض لي هم فادح فذكرت هذه الآيات إلا رجوت من روح الله عز وجل ما يحل عقالي وينعم بالي ثم تزول عاقبة ما أحذره إلى فاتحة ما أوثره. ولي إسماعيل قضاء بغداد وجمعت له في وقت ولم تجتمع لأحد قبله وأضيف إليه المدائن والنهروانات وولي قضاء القضاة أخيراً. ذكر هذا بن حارث وحده.
وقال أبو عمرو الداني: ولي إسماعيل القضاء اثنين وثلاثين سنة قلت: ومن تاريخ بن الخطيب: أقام إسماعيل على القضاء نيفاً وخمسين سنة ما عزل إلا سنتين وفي ذلك خلاف.
فائدة: دخل عبدون بن صاعد الوزير - وكان نصرانياً - على إسماعيل القاضي فقام له ورحب به فرأى إنكار الشهود ومن حضره فلما خرج قال لهم:
قد علمت إنكاركم وقد قال الله تعالى: " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين " الممتحنة: 8.وهذا الرجل يقضي حوائج المسلمين وهو سفير بيننا وبين المعتضد وهذا من البر فسكت الجماعة. وكان رحمه الله عفيفاً صلباً فهماً فطناً.
وأما سداد إسماعيل في القضاء وحسن مذهبه فيه سهولة الأمر عليه فيما كان يلتبس على غيره فشهرته تغني عن ذكره وكان شديداً على أهل البدع: يرى استتابتهم حتى أنهم تحاموا بغداد في أيامه وأخرج داود بن علي من بغداد إلى البصرة لإحداثه منع القياس. وكان يقول: من لم تكن له فراسة لم يكن له أن يلي القضاء. وقيل له: ألا تؤلف كتاباً في آداب القضاء؟ فقال: اعدل ومد رجليك في مجلس القضاء وهل للقاضي أدب غير الإسلام. قال أبو طالب المكي: كان إسماعيل من علماء الدنيا وسادة القضاة وعقلائهم.
ذكر تآليفه ووفاته:
تآليفه رحمه الله كثيرة مفيدة أصول في فنونها فمنها موطؤه وكتاب في القراءات وكتاب أحكام القرآن وكتاب معاني القرآن وإعرابه خمسة وعشرون جزءاً وكتاب الرد على محمد بن الحسن مائتا جزء ولم يتم وكتابه في الرد على أبي حنيفة وكتابه في الرد على الشافعي في مسألة الخمس وغيره وكتاب المبسوط في الفقه ومختصره وكتاب الأموال والمغازي وكتاب الشفاعة وكتاب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وكتاب الفرائض مجلد وزيادات الجامع من الموطأ أربعة أجزاء وله كتاب كبير عظيم يسمى شواهد الموطأ في عشر مجلدات وذكر أنه خمسمائة جزء.
وكتاب مسند يحيى بن سعيد الأنصاري ومسند حديث ثابت البناني ومسند حديث مالك بن أنس ومسند حديث أيوب السختياني ومسند حديث أبي هريرة ومسند حديث أم زرع وكتاب الأصول وكتاب الاحتجاج بالقرآن مجلدان وكتاب السنن وكتاب الشفعة وما روي فيها من الآثار ومسألة المني يصيب الثوب وكتاب المعاني المذكور كان ابتدأه أبو عبيد القاسم بن سلام بلغ فيه إلى الحج أو الأنبياء ثم تركه فلم يكمله وذلك أن بن حنبل كتب إليه: بلغني أنك تؤلف كتاباً قي القراءات أقمت فيه الفراء وأبا عبيد أئمة يحتج بهما في معاني القرآن فلا تفعل فأخذه إسماعيل وزاد فيه زيادة وانتهى إلى حيث انتهي أبو عبيد.