الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مولده سنة ثلاث وستمائة وتوفي سنة اثنتين وسبعمائة ودفن بالزلاج بتونس.
عبد الله بن محمد بن أبي القاسم
فرحون بن محمد بن فرحون اليعمري التونسي الأصل المدني المولد والمنشأ كنيته أبو محمد قرأ القرآن على الشيخ أبي عبد الله القصري المقري وروى عنه وسمع الحديث بالمدينة على والده وعلى أبي عبد الله: محمد بن حريث البلنسي ثم السبتي خطيب سبتة وفقيهها وعلى الشيخ عز الدين: يوسف الزرندي والشيخ جمال الدين: محمد بن أحمد المقري والشيخ شرف الدين: الزبير الأسواني وسراج الدين الدمنهوري والشيخ أبي عبد الله: محمد بن جابر الوادآشي وقطب الدين بن مكرم المصري وزين الدين الطبري وسمع بمكة من الشيخ رضي الدين الطبري وغير هؤلاء وخرج له الفقيه المحدث شرف الدين بن بكر المصري نزيل مكة المشرفة - مشيخة كثيرة حفيلة مشتملة على ذكر شيوخه ومروياته.
أخذ علم الفقه والعربية عن والده كان من أكابر الأئمة الأعلام ومصابيح الظلام عالماً بالفقه والتفسير
وفقه الحديث ومعانيه وسمعته يقول: لازمت تفسير بن عطية حتى كدت أحفظه وكان بارعاً في علم العربية وتآليفه فيها شاهدة له بذلك ولما لقيه الشيخ أثير الدين أبو حيان شيخ عصره وإمام وقته في العربية - ووقف على كلامه في إعراب بانت سعاد فقال: ما ظننت أنه يوجد بالحجاز مثل هذا الرجل واستعظم علمه وأثنى عليه وسمعته يقول: اشتغلت في علم العربية وأنا بن ثمان عشرة سنة وتخرج عليه فيها جماعة فضلاء.
وكانت مشاركته في أصول الدين مشاركة حسنة وحدث ودرس وأفاد وإليه انتهت الرياسة بالمدينة النبوية أقام مدرساً للطائفة المالكية ومتصدراً للاشتغال بالحرم النبوي أكثر من خمسين سنة وانفرد في آخر عمره بعلو الإسناد فلم يكن في المدينة أعلى سناً وسنداً منه وكان صبوراً على السماع والأشغال وكان كهفاً لأهل السنة يذب عنهم ويناضل الأمراء والأشراف وانتهى به ذلك إلى أن امتحن ورصد في السجن في طريق الحرم فطعن طعنة عظيمة أريد بها قتله فصرف الله عنه شرها وعافاه منها.
وكان عليه مدار أمور الناس بالمدينة النبوية وناب في القضاء نحو أربعة
وعشرين سنة وأم في المحراب النبوي في بعض الصلوات ودعي إلى أن يقوم بالخطابة والإمامة نائباً فامتنع إعظاماً للمقام النبوي وكان كثير التلاوة ليلاً ونهاراً خصوصاً في آخر عمره حتى إني شاهدته في أيام الموسم والناس في أشد ما هم فيه من الاشتغال وهو مشغول بورده في التلاوة لا يقطعه عنه شيء وكان يحيي غالباً الثلث الأخير من الليل بالصلاة والتلاوة من حداثة سنه إلى أن ثقل بمرض الموت رحمه الله.
وكان مواظباً على الصلوات في الصف الأول من الروضة النبوية نحو ستين سنة وما يفتح باب الحرم في السحر إلا وهو على الباب وحج نحو خمسة وخمسين حجة ولم يخرج من المدينة إلا إلى مكة المشرفة للحج إلى أن مات بالمدينة.
وكان ممن جمع الله تعالى له العلم والعمل والدنيا والدين فكان أعظم أهل المدينة يساراً وأكثرهم عقاراً وأوسعهم جاهاً وأنفذهم كلمة وأعظمهم حرمة وألينهم عريكة وأحسنهم بشاشة صبوراً على الأذى يجزي بالحسنة السيئة ويسع الناس بخلقه ويواسي الفقراء بمعروفه ويصل أعداءه ببره ويحفظ من مات منهم في ذريته وبهمته وسياسته أزال الله تعالى أحكام الطائفة الإمامية من المدينة فعزلت قضاتهم وانكسرت
شوكتهم وخمدت نارهم وذلك أنه لما باشر الأحكام نيابة عن القاضي تقي الدين الهوريني في سنة ست وأربعين وسبعمائة - سعى في عزل قضاتهم فنودي في شوارع المدينة بتبطيل أحكامهم والإعراض عن حكامهم فكان ذلك أول أسباب قوة أهل السنة وعلو أمرهم وكم له من حسنات في تمهيد إعزاز السنة وإخماد البدعة نفعه الله بنيته وتغمده برحمته.
وله تآليف عديدة في أنواع شتى منها كتاب الدر المخلص من التقصي الملخص جمع فيه أحاديث الكتابين المذكورين وشرحه بشرح عظيم الفائد في أربع مجلدات سماه: كشف المغطا في شرح مختصر الموطا وشرح مختصر التفريع لابن الجلاب النيلي سماه: كفاية الطلاب في شرح مختصر الجلاب وله: نهاية الغاية في شرح الآية وأسئلة وأجوبة على آيات من القرآن. وله في العربية: العدة في إعراب العمدة عمدة الأحكام في الحديث أعربها إعراباً جامعاً لوجوه الإعراب واللغة والاشتقاقات وسلك فيه مسلكاً غريباً لم يسبق إلى مثله وهو آخر ما ألف وقرئ عليه مراراً وله كتاب التيسير في علمي البناء والتغيير في النحو
وكتاب المسالك الجلية في القواعد العربية وشفاء الفؤاد في إعراب بانت سعاد وله شرح قواعد الإعراب لابن هشام وغير ذلك من التقاييد والتعاليق المفيدة وكتبه كلها في غاية الجودة والإتقان.
ولما حج آخر حجاته قال: هذه حجة الوداع فلما أحس بالمرض أمر بحفر قبره في بقعة مخصوصة فظهر مقطع جص لم يدفن فيه أحد قبله وأوصى أن يعتق عند قبره عبيد وأن يتصدق على الفقراء بصدقة واسعة وكتب وصيته بيده وأخرج من ماله وصايا وتبرعات وصدقات وأوقافاً نحو ثلاثين ألفاً ووقف على الفقراء فرناً تصرف غلته عليهم في كل يوم وأعتق في حياته عدة عبيد وإماء وكان له خادم في الحرم تقرب به لخدمة الضريح النبوي وكان مطمئن النفس بلقاء الله عز وجل مستحضراً لما ينبغي استحضاره ولما دخل في السياق ذكرته: فقال: ما أنا بغافل رحمه الله تعالى ويشبه هذا الجواب ما وقع للشيخ تاج الدين الفاكهاني - لما حضرته
الوفاة - قال صهره الفقيه ميمون: تشهدت بين يديه ففتح الشيخ عينيه وأنشد:
وغدا يذكرني عهوداً بالحمى
…
ومتى نسيت العهد حتى أذكرا؟
توفي رحمه الله يوم الجمعة عاشر ربيع الأخير سنة تسع وستين وسبعمائة. مولده يوم الثلاثاء السادس من جمادى الأخيرة سنة ثلاث وتسعين وستمائة رحمه الله تعالى.